A+ A-
الشباب والمشاركة السياسية: العراق انموذجا*
2022-01-15

الكاتب : الدكتور باسل حسين، رئيس مركز كلوائا للدراسات وقياس الرأي العام العراقي/ الأردن

لعل من نافلة القول، ان الشباب في العراق يشكلون عماد المجتمع العراقي، وعلى الرغم من ذلك ترى هذه الفئة انها على هامش المجتمع مع واقع مازوم ومترد وفي ادنى سلم التاثير الوظيفي في المجتمع ، وإن هناك إهمالا متعمدا من النظام السياسي في تناول قضايا الشباب وعدم جديته، وقد زاد هذا الادراك مع ظهور نسق جيلي جديد شكل بمثابة وحدة اجتماعية لها تفاعلها الخاص، وهي طبقا لنظرية الاجيال مجموعة بشرية متقاربة في الاعمار تعمل على تشكيل وعي لديها وقدرة على احداث تغيير مجتمعي على نحو فاعل ومؤثر.

ولقد زاد الاهتمام بالشباب كظاهرة في العراق بعد حركة الاحتجاج الشبابي في تشرين / اكتوبر عام 2019، التي شكلت مفاجأة للداخل والخارج ليس في كثافة الكتلة البشرية االتي استطاع الشباب حشدها فحسب، بل في ديناميتها وتاثيرها الواسع في قطاعات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية، ومفاعيل هذه الحركة واثرها على المشاركة السياسية.

اولا: المشاركة السياسية
تعرف المشاركة السياسة بتعريفات عدة، حسب المدارس النظرية التي تتاولتها، فهي تعرف على انها  مجموعة واسعة من الانشطة التي من خلالها يعبر المواطنون فيها عن ارائهم ورؤاهم في قضايا عدة، يحاولون فيها  التاثير على القرارات التي تشكل حياتهم. كما تعرف بانها عدد من الانشطة التي يقوم بها الجمهور للتأثر على السياسية العامة أما على نحو مباشر او عن طريق التاثير على صناع القرار الئين يضعون تلك السياسية. ويرى عدة باحثين ان المشاركة السياسية تشمل نطاقا اوسع مثل العمل في الحملات السياسية او التبرع بالمال للمرشحين او التظاهر والاحتجاج . او انها تعرف على انها تلك الافعال التي يلجأ إليها الأفراد أو الجماعات للتعبير عن مطالبهم والسعي إلى تحقيقها، والتأثير في نظام الحكم القائم.

 وتترتب على المشاركة السياسية عدة آثار من بينها الانضمام الى الاحزاب والتنظيمات السياسية،والانضمام الى جماعات المصالح او منظمات المجتمع المدني،والمشاركة في الاجتماعات السياسية العامة، والمساهمة في اتخاذ القرار او التأثير عليه، تولي الوظائف العامة، والمشاركة في الانتخابات ترشيحا وانتخابا، وتقديم الالتماسات السياسية والاتصال بالمسؤولين الحكوميين او اعضاء المجالس النيابية .

اما خصائص المشاركة السياسية فهي سلوك إيجابي تطوعي ( وإن اشتملت احيانا على اكراه مثل فرض الغرامات على عدم المشاركة في الانتخابات) ، كما انها وسيلة للتاثير على القرارات او المشاركة فيها وإن كانت احيانا تتحول الى هدف في الانظمة الانتقالية نحو الديمقراطية لكسب مزيد من الشرعية ولاستدامة النظام وترسيخ مفاهيم الديمقراطية . انه طيف واسع من الانشطة متعدد الجوانب ومتعدد الاشكال .

وللمشاركة السياسية انعكاسات ايجابية عدة على النظام السياسي والمجتمع، فهي تنمي ادراك الفرد وفاعليته في المجتمع والنظام السايسي كما تنمي فيه الشعور بالكرامة والقيمة والأهمية السياسية، كماتساهم في عملية الاستقرار وشرعية النظام السياسي، في حين انها تدفع الحاكم ( كطبقة او فرد) إلى الاستجابة لمطالب المواطنين وتسهم فى إعادة توزيع موارد المجتمع بشكل أكثر عدالة، وتعمل على خلق تنمية سياسية مستدامة، وتساهم في تعزيز روح المواطنة و خلق المواطن المنتمى للنظام السياسي والدولة .

ثانيا: المشاركة الساسية للشباب في العراق ( التضمين الدستوري والقانوني)
لم يفرد الدستور العراقي اية مساحة خاصة للشباب العراقي وهذا يعود الى ان كتاب دستور عام 2005 لم يدركوا أهمية هذه  الطبقة الاجتماعية وتاثيرها في المجتمع، لذا جاءت الحقوق المشاركة السياسية ضمن الافق العام للمواطنين حيث اشارت المادة (20) من الدستور العراقي على الاتي "للمواطنين رجالا ونساء، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق، السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح، فيما اشارت مواد أخرى مثل المادة (22 ثالثا) الى حق تاسيس النقابات والاتحادات والمادة  (38) حرية التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي والمادة (39) حرية تاسيس الجمعيات والاحزاب.

وعلى اثر احتجاجات تشرين عام 2019  وتغيير القانوني الانتخابي، قلل قانون رقم (19) لسنة 2020 سن الترشيح من 30 سنة الى 28 سنة حيث نصت المادة (28/اولا)  كل عراقي كامل الاهلية  واتم (28) سنة من عمره يوم الاقتراع له حق الترشيح لعضوية مجلس النواب، فيما اشارت المادة (5/ ثالثا) أن كل عراقي اتم (18) الثامنة عشر عاما له حق الانتخاب.

وكانت هناك دعوات من قبل الشباب ومناصريهم بمنح الشباب كوتا داخل مجلس النواب من اجل تمكين عملية المشاركة السياسية لهم على وجه فاعل. كما كانت هناك مطالبات بتقليل سن الترشح الى (25) سنة وليس كما اقر 28 سنو الى ان مجلس النواب العراقي تجاهل هذه المطالبات .

ثالثا: واقع المشاركة السياسية للشباب العراقي
تتسم المشاركة السياسية لشباب العراق بالضعف، لاسيما في اطار المنتظم السياسي الرسمي، ويمثل عدم تمكين الشباب من المشاركة السياسية وغياب الاستجابة لمطالبتهم المتصاعدة ظاهرة ملحوظة، مما خلق فجوة بين النظام السياسي والفاعلين فيه وبين طبقة الشباب، وهو ما دفع الشباب الى البحث عن وسائل بديلة ، إذ وجد الشباب ان المشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفرت  لهم بدائل فاعلة في التاثير على المجتمع والرأي العام العراقي وايضا التاثير المباشر وغير المباشر على صناع القرار في العراق، في حين عملت آلية حركة الاحتجاج في الشارع متنفسا حقيقيا وفاعلا مع ضعف استجابة النظام السياسي الرسمي والفاعلين فيه لمطالبهم ، وقد كانت حركة احتجاجات الشباب 2019 تمثلا مهما لقدرة الشباب على التاثير الى حد اسقاط الحكومة، وذلك حين قادت هذه الاحتجاجات الى اسقاط حكومة عادل عبدالمهدي.

ويعود ضعف المشاركة السياسية لطبقة الشباب العراقي الى عدة أسباب لعل من اهمها، ضعف بنية الاحزاب والتنظيمات الساسية وعدم قدرتها على استيعاب الشباب ومطالبهم، لاسيما مع غياب برامج الاحزاب الجاذبة لهم، فضلا عن فقدان الاتصال السياسي بين الشباب والطبقة السياسية،مع شعور الشباب بعدم قدرتهم على التاثير في القرارات السياسية الرسمية، وعدم الثقة بالنظام السياسي، بضاف الى ذلك عدم الوعي باهمية المشاركة السياسية من قبل طائفة واسعة من الشباب أنفسهم.

ولاشك ان ضعف المشاركة السياسية للشباب يترك آثارا كبرى، منها خلق فجوة بين الطبقة السياسية والشباب، التشكيك بشرعية النظام السياسي وخلق ازمة التمثيل، وهو احد اسباب الحكم غير الرشيد، بما يؤدي الى ظاهرة عدم الاستقرار السياسي.

رابعا : حركة الاحتجاج الشبابي في العراق
ليس من المبالغة القول، انه حين نتناول جدلية الحراك الشبابي مقابل السلطة، فإن التناول يأخذ اربعة أبعاد رئيسة، اولا منتجات او مفاعيل السلطة او النظام السياسي من ظلم وقهر وفساد وفشل واستبداد، والثاني يتعلق بمحركاتها الاساسية او ايديولوجيتها ، والثالث يرتبط بالعناصر الفاعلة التي تدير هذه السلطة والرابع مدى شرعيتها ومشروعيتها.

 وفي حين يزيد مرجل المعانة المستمر من قوة الانفجار المجتمعي وانشطاره الافقي داخل المجتمع، تزداد السلطة ابتعادا وانفصالا عن واقعها المجتمعي ومرتكزة في اعتقادها، ان القشرة التي تحميها من تحالف ( القوى التقليدية "دينية او مجتمعية" وطبقة اقتصادية نفعية او اداوت القمع " الصلبة والمرنة") ستشكل بمثابة ستار حماية صلدة لها . وهو ما دفع ان الشباب العراقي الى استخدام الشارع بعد ان وصل الى اليأس من انماط التفاعل السياسي وفساد السلطة وتردي الوضع العام في العراق، وحال الشباب العراقي تحدبدا،

ومن الملاحظ، انه كلما عمل الشباب ف الى إظهار معاناتهم من رحى السلطة التي تطحنهم طحنا لا رحمة فيه، في سعي منهم الى إختراق جدار اللامبالاة، تحضر معها الاتهامات الجاهزة من النظام السياسي وطبقته السياسية كآلية دفاع مسبقة للتخلص من عبء التكيف والاستجابة لمطالبهم من جهة، وقمعهم من جهة أخرى مستغلة الانقسام المذهبي والقومي لتلعب على اوتاره مركزة عليه في كل محاولة تغيير ، بما يجسد الفارق بين كتلة محبطة تزداد حنقا ونقمة مع ازدياد كتلتها وتاثيرها وبين فئة محتكرة النفوذ والسلطة والثروة تكلست عقولها مع مرور الوقت وباتت تعتقد انها الحقيقة الاعلى.

واتساقا مع ما ذكر أعلاه، ومع اندلاع حركة الاحتجاج الشابي جابه النظام السياسي في العراق هذه الحركة بالتشكيك والاتهام مع قمع لا يتناسب مع دولة من المفترض انها "ديمقراطية" وذهب نتيجية هذا القمع نحو 700 قتيلا و20 الف جريحا ، وعلى الرغم من ان هذا الحراك قد امتد في 10 محافظات عراقية اغلبها ذات غالبية شيعية الا مطالب المتظاهرين كانت وطنية، كما شارك في بغداد شباب من مختلف الاطياف من شيعة وسنة واكراد وتركمان ومسيح ومسلمين، كما حظي هذا الحراك بدعم شعبي شمل جميع المحافظات بما مثل حراكا وطنيا عابرا للهويات وتركز على المطالب المتعلقة بالشباب انفسهم ثم امتد الى المطالبات السياسية والدعوة الى عدم زج العراق في اتون التدخلات الخارجية لاسيما التدخل الايراني.

وكان من نتيجة هذا الحراك ادراك الشباب حجم كتلتهم المؤثرة في المجتمع والحياة السياسية ، وفي قدرتهم على صناعة الحدث واجبار الطبقة السياسية الى الالتفات لمطالبهم الى الدرجة التي تم فيها اجبار الحكومة على الاستقالة ودفع البرلمان الى تغيير القانون الانتخابي في محاولة لاستيعاب هذه الحركة وانهاءها بالقوة المرنة بعد فشلهم في احتوائها من خلال القوة الصلبة.

الخاتمة
ان التحليل النهائي يقو بنا الى القول ، ان المشاركة السياسية للشباب في العراق تتم وفق نمطين الاول المسار المؤسسي الرسمي وهذا يتسم بالضعف وعدم الفعالية وهو بحاجة الى اطر دستورية ومؤسساتية لمعالجة الخل البنيوي وهذا لن يتحقق ذاتيا بل من خلال الضغط المستمر على النظام السياسي وفواعله.

أما النمط الثاني هو النمط الذي يتبع مسارات خارج النظام السياسي الرسمي ولعل من بين اهم اداوته هو الشارع عبلا استخدام حركات الاحتجاج، والثاني هو الفضاء الافتراضي واستخدامه في عمليات التنظيم والضغط وتوحيد القضايا وهو مسار فاعل ومثر الى حد كبير.

كما ان هناك سصقا جيليا جديدا لا ينتمي الى ايديولوجية سياسية او يتبع نمطا من ادلجة اللاهوتويحتوي في داخله على انماط متعدد من الانتماءات الفردية لكن ما يجمعهم المعاناة والرغبة في التغيير والانقلاب على الواقع الذي يعيشونه. وهو يختلف عن الطبقة السياسية التي تحكمه من جهة التنشئة الاجتماعية او السياسية وهو ينظر الى المستقبل لا الى الماضي كما تعيشه الطبقة السياسية العراقية الحالية.

*ورقة عمل قدمت في المؤتمر  "الشبـاب والمشـاركة السيـاسيـة الصيغ، الأشكال، والتحديات"، والذي نظمه مركز القدس للدراسات خلال الفترة ،15 و 16 كانون ثاني/ يناير 2022  في الاردن- عمان.