برامج الـ توك شو في الفضائيات الأردنية .. مضامين متشابهة ووجوه مكررة

2012-06-20

يتندر أحد الكتاب الصحافيين بالقول أنه قضى أحد أيامه متنقلاً من محطة فضائية لأخرى ليكون ضيفاً على برامج حوارية تقدمها هذه الفضائيات ، وأنه وجد نفسه متحدثا في عدة قضايا مختلفة في يوم واحد .

وهذا الكاتب الصحافي واحد من عشرات الشخصيات التي ينكرر ظهورها في البرامج الحوارية التي تتسابق الفضائيات الأردنية على بثها لدرجة أن بعض الفضائيات تقدم أكثر من برنامج حواري . بحيث أصبح المشاهد في زحمة وإرتباك لضخامة وتشابه الرسالة الإعلامية التي تبثها هذه البرامج .

ظاهرة تفرضها المرحلة :
والمتتبع لعشرات البرامج الحوارية التي تبثها الفضائيات الأردنية ، يجد تشابهاً كبيراً بينها سواء لجهة المضامين أو لجهة الضيوف ، وغالبية هذه البرامج ذات طابع سياسي ،ويحاول معدو ومقدمو هذه البرامج جعلها مثيرة لأبعد حدود من خلال التركيز على إستضافة شخصيات إشكالية و متناقضة فكرياً ، وكلما إرتفع صوت الضيوف في الإستوديو وتكرر طرقهم على الطاولة وظهر توتر المقدم تحسباً من تطور الموقف ، كان البرنامج مثيراً بشكل اكبر، وإستقطب عدد أكبر من المتابعين من وجهة نظر القائمين على هذه البرامج .

يعترف القائمون على بعض البرامج الحوارية في الفضائيات الأردنية ، أن ( التوك شو ) أصبحت ظاهرة ليست أردنية فقط بل عربية أيضاً ، لايمكن لآية فضائية أن تكتسب جمهور متابعين دونها .

يقول الإعلامي جرير مرقة أن البرامج الحوارية مهمة بالنسبة للفضائيات لأسباب عديدة ، منها كثرة القضايا التي هي مجمل نقاش وحديث في المجتمع وأيضاً لانها اقل تكلفة من اي برامج اخرى ، كذلك الطبيعة التفاعلية للعديد من البرامج الحوارية التي يكون فيها للجمهور رأي . وقدم مرقة وهو مدير سابق للتلفزيون الأردني الحكومي عدة برامج حوارية كان أخرها ( نقطة نظام ) على قناة رؤيا .

وترى الإعلامية رولا الفرا أن ظاهرة البرامج الحوارية ، صحية وليست مقلقة لإن المواطنين بحاجة لتعلم ثقافة الحوار والرأي والرأي الأخر ونشر الثقافة الديمقراطية تقدم الحروب برنامج ( في الصميم ) على فضائية جو سات .

ومن وجهة نظر الإعلامي محمد خير الرواشدة ، فإن البرامج الحوارية مؤشر على إرتفاع سقف الحريات في اي مؤسسة إعلامية ، وإقبال المشاهدين على مثل هذا النوع من البرامج لإعتقادهم أنها تحظى بمصداقية عالية ، من الأسباب المهمة التي تدفع الفضائيات لتقديم هذا النوع من البرامج . يقول الرواشدة هو معد برنامج ( أراء ومواقف ) في التلفزيون الأردني ، أن إنخفاض تكلفة إنتاج هذه البرامج يجعلها نوعية مفضلة لإدارات المؤسسات الإعلامية.

فيما يرى الإعلامي شرف أبو رمان معد برنامج ( نبض البلد ) على قناة رؤيا أن السبب الرئيسي لإنتشار البرامج الحوارية على الفضائيات الأردنية ، قلة تكلفتها المادية ، ويوضح أبو رمان بالقول : البرنامج الحواري بالنسبة لبعض الفضائيات لا يحتاج سوى ضيفين يحملان مواقف متناقضة. غير أنه يرى أن معظم البرامج الحوارية غير متابعة من الجمهور الذي يميز بين الجيد وغيره، مؤكداً أن بعض البرامج الحوارية غير مجدية على الإطلاق .

المضمون سياسي .. والوجوه مكررة
يعتقد خبراء الإعلام ، أن البرامج الحوارية المبثوثة على الفضائيات المحلية تعاني من مشكلتين ، أولهما أن غالبية هذه البرامج ذات مضمون سياسي متشابه إلى حد كبير ، كما أن هذه البرامج تعتمد على إستضافة شخصيات محددة من مختلف الإتجاهات السياسية يتكرر ظهورها حتى مع إختلاف الموأضيع، لدرجة أن المشاهدين لم يعودوا يجدوا فرقاً كبيراً بين هذه البرامج .

يعترف القائمون على هذه البرامج بهذه المشاكل ، وهم يرون أن لها أسباب موضوعية ، يقول مرقة سبب التركيز على المضمون السياسي في البرامج الحوارية أن الحوار في غالبه من النمط السياسي ، ويوضح بالقول : الإقتصاد يعتمد على الأرقام والإحصائيات والمؤشرات ، والثقافة تعتمد على المنتج الثقافي من أدب ومسرح .. الخ ، في حين أن السياسة كلام وفكرة البرامج الحوارية تقوم على تبادل الكلام .

يؤكد مرقة أن القائمين على البرامج الحوارية يعانون من مشكلة ضيق دائرة المتحاورين ،فمن يظهر في هذه البرامج ينبغي ان يكون من الوسط السياسي وهذه المساحة تضيق نظراً لمحدودية الوجوه القادرة على التحاور . وللتدليل على كبر حجم هذه المشكلة بالنسبة لمعدي ومقدمي البرامج الحوارية يقول مرقة : أن مقدمي البرامج أصبحوا يطلقون على ضيوفهم المكررين ألقاب مثل المفكر والخبير الإستراتيجي والمختص، في أسلوب هدفه التبرير للمشاهد سبب تكرار ظهور هذه الوجوه على الشاشة في كل مرة .
فيما ترى الحروب أن نزوع الفضائيات للتركيز على المضمون السياسي في برامجها الحوارية يعود إلى عصور القمع السياسي التي عاشها المواطن ، إضافة إلى أن السياسة تتحكم في كل شيىء ، وتوضح بالقول أن القائمينن على الفضائيات يدركون ولع المجتمع بالسياسة وبالتالي الجمهور هو من يحدد مضمون البرنامج الحواري .
قلة النخب السياسية في البلد هو السبب الرئيسي لتكرار ضيوف البرامج الحوارية من وجهة نظر الحروب التي تقول : عبر الزمن منع المواطن العادي من قول رأيه في أية قضية ، مما خلق فئة قليلة تصدرت المشهد السياسي . وتؤكد أنها كمقدمة لبرنامج حواري تقع في أحيان كثيرة في حيرة بشأن ضيوف الحلقة .. غير أنها تقول أنها تعمل كل فترة وأخرى على تجديد الوجوه ، وأنها تنجح في هذا الأمر أحياناً .

السقف العالي للحوار السياسي هو ما يدفع الفضائيات للتركيز على المضمون السياسي في البرامج الحوارية من وجهة نظر الرواشدة الذي يوضح بالقول : السياسة تحمل متناقضات عديدة وبها مجال واسع لطرح أراء وأفكار وتحليلات مختلفة ومتناقضة إلى حد بعيد .. وعادة يفضل الجمهور هذا النوع من المضامين التي تجعله يتفاعل ويعلق .

يقول رواشدة أن معدي البرنامج يلجأون إلى الصحف عادة لإختيار ضيوفهم من الكتاب الصحافين ،كما يلجأون الى أسماء مشهورة في العمل العام السياسي والنقابي والحزبي ، ويعتمدون أيضاً على المعرفة المسبقة والشخصية بهذه الأسماء ،التي يتكرر ظهورها في البرامج . ويتفق الرواشدة مع الفرا في أن أحد أسباب تكرار ذات الوجوه في البرامج الحوارية يعود إلى الفقر في إنتاج النخب والقيادات الجديدة في مختلف الحقول .. ويقول منذ سنوات طويلة الوزراء هم ذاتهم والنواب هم ذاتهم والأمناء العامون للأحزاب هم ذاتهم والقيادات النقابية هي ذاتها ، فمن الطبيعي أن يتكرر ظهورهم على شاشات الفضائيات كمحاورين .

ويتفق أبو رمان مع الأراء السابقة في أن السياسة هي الأساس وتتداخل في كل شيىء ، ويوضح بالقول أن كافة المواضيع المطروحة على الساحة سواء كانت إقتصادية ام إجتماعية ، تصب في الإتجاه السياسي ، ويتابع بالقول أن طبيعة المرحلة في العامين الأخيرين كانت سياسية بإمتياز وفرضت نفسها على الساحة بقوة .
ويرى أبو رمان أن القيادات من مختلف الحقول القادرة على الحديث بشكل مناسب محدودة، كما أن البرامج الحوارية تحبذ عادة إستضافة شخصيات إعلامية وسياسية وبرلمانية ومجتمعية مشهورة وهذا أمر مهم بالنسبة لأي برنامج حواري . ويعترف أبو رمان أنه كمعد برنامج حاول إكتشاف شخصيات جديدة لا يعرفها الجمهور وكان ينجح في بعض الأحيان .

الجمهور يريد حلقات ساخنة :
يحرص الجمهور على متابعة كل ما هو مشوق ومثير على الفضائيات ،ومنها معارك ضيوف البرامج الحوارية على الشاشة ، ويبدو أن عدوى تبادل الشتائم بين الضيوف والصراخ بصوت عال ومغادرة أحد الضيوف الإستوديو إحتجاجاً ، إنتقلت من الفضائيات العربية إلى الأردنية ، التي أصبحت ترى أن الحلقات المثيرة هي الطريق السريع لجماهيرية برامجها الحوارية .

يقول رواشدة : الحوار السياسي هو إنعكاس للحوار المجتمعي، الذي يتميز بأنه نزق وغاضب ومتحفز وهذه حقيقة يضعها القائمون على البرامج الحوارية أمام أعينهم عند إعداد حلقاتهم .. ويتابع بالقول : هاجس إنتاج حلقة ساخنة اصبحت تسيطر على جميع العاملين في البرامج الحوارية ، بحيث أصبح الصراخ بين الضيوف وتبادل الشتائم والتشكيك والإتهامات هدف بحد ذاته للقائمين على هذه البرامج . ويضيف ضاحكاً أن قمة النجاح بالنسبة للقائمين على هذه البرامج ،مغادرة أحد ضيوف الحلقة البرنامج علىى الهواء وأمام المشاهدين أو قيام أحد الضيوف بقذف الضيف الأخر بحذاء ! ويؤكد أنه ومن خلال عمله في التلفزيون الحكومي لمس الحرص على أن تكون البرامج الحوارية ساخنة ، ويبرر ذلك بقوله ، ان سقف الحريات المرتفع في الإعلانم الخاص نقل العدوى الى الإعلام الرسمي .

ويعرب الرواشدة عن اسفه بالقول أن هذا النوع من الحلقات هي ما يقبل الجمهور على مشاهدته ، مشيرأ الى أن بعض وسائل الإعلام التي تنتهج مثل هذا الاسلوب في العمل تخلت طوعا عن حيادها واصبحت طرفاً في الخلاف والتباين الحاصل في المجتمع .

فيما يرى أبو رمان أن إختلاف الرأي في البرامج الحوارية أمر ضروري ،ويوضح أن طبيعة الخلاف في الراي بين المتحاورين علىى الهواء يعتمد على طبيعة الضيوف . ويشير إلى أنه وفي إعداده لبرنامجه يعتمد على وجود إختلاف ضمن الإطار النخبوي المحترم . ويؤكد وجود إختلاف بين الخطاب النخبوي والخطاب الشعبي الذي يفضله الجمهور عادة لأنه يحب ان يرى مناقشات حامية ومحتدمة .

يقول أبو رمان أن برنامجه يراعي هذه الرغبة للجمهور ، لذلك فإنه يقوم بين الفينة والأخرى بإعداد حلقة (Show) من البرنامج الحواري .ويشير أن اهم لشرط لمثل هذا النوع من الحلقات أن لا يكون الضيف نخبوي . ويعترف بالقول : نلجأ لهذه النوعية من الحلقات التي لا يستفاد منها لا بالمعلومات ولا بالتحليل ولا بأي شيىء يذكر ، فقط لجذب الجمهور .

وصفة للنجاح :
بعيداً عن الإثارة والصراخ وتبادل الشتائم ، يعتمد نجاح البرامج الحوارية على جملة من المعايير منها ما يتعلق بالبرنامج ذاته ومنها ما يتعلق بمقدمه .
تقول الحروب أن نجاح أي برنامح حواري يعتمد على مدى إستجابته لحاجات الناس وتلمسه لقضاياهم ومشاكلهم وإختيار الضيوف القادرين على توصيل الأفكار بفاعلية وتركيز ، إضافة إلى القضايا الفنية للبرنامج وتوقيت عرضه . وتؤكد الحروب أن شخصية مقدم البرنامج معيار أساسي لنجاحه ، فينبغي على مقدم هذا النوع من البرامج أن يكون متمكن ومتمتع بشخصية جذابة وقادرة على فهم سيكولوجية المشاركين .

ومن وجهة نظر مرقة ، فإن أساس نجاح البرنامج الحواري مدى تفاعله مع الجمهور وإفساحة مجال له للمشاركة وإحسان إختيار موضوع البرنامج . ويرى مرقة أن على مقدم البرنامج الحواري أن يتمتع بكاريزما تتيح له التعامل مع الضيوف وطرح الأسئلة بشكل ذكي ومباشر وإلمام كبير بالموضوع المطروح للنقاش ، مشيرأ الى أن العديد من البرامج الحوارية محلياً وعربياً ودولياً إرتبطت بإسم مقدميها .

ويوضح أبو رمان بالقول ، أن نجاح البرنامج الحواري يعتمد على جملة من المعايير منها التخطيط المسبق وتحديد الأهداف في كل حلقة . ومعرفة مواقف وإتجاهات وخلفيات الضيوف ، والإهتمام بالجوانب التقنية والفنية للبرنامج . ويرى أبو رمان أن جزء كبير من إعداد البرنامج الحواري يعتمد على المعد الذي لابد أن يكون ملماً بتفاصيل القضية التي يناقشها البرنامج ، وهذا يتطلب منه ان يكون على قدر واسع من الثقافة والإختلاط بالمجتمع ، والبحث والتحري عن كافة تفاصيل الموضوع مدار النقاش . ويلخص رواشدة معايير نجاح البرنامج الحواري في أمرين رئيسيين هما السقف المفتوح والإمكانيات الإنتاجية العالية .

http://alqudscenter.org/print.php?l=ar&pg=QUNUSVZJVElFUw==&id=918