الدولة المدنية والدولة الدينية

2009-10-31

هذا العنوان هو الموضوع الذي تدور حوله هذة الورقة، وعنوان بهذا الحجم لا تغطيه ورقة بحث في مؤتمر في صفحات معدودة واختصار العرض في دقائق معدودة. إنها مهمة الانسان مذ أن كان خليفة في الأرض كيف يحكم نفسه أو يحكم غيره، كيف يقيم علاقاته وما هو المنهج، ما هو دوره على ظهر هذا الكوكب، كيف يصرف شوؤنه كيف يحارب ويسالم، كيف يبني دولة واقتصاداً و علماً، كيف وكيف وكيف... أسئلة كثيرة مرت الإجابة عليها عبر تاريخ البشرية، بين بشرية محضة أقامت كيانات و حضارات ربما نطلق عليها أنها سادت ثم بادت، و ين بشرية اتصلت بمنهج السماء عبر رسالات السماء، تقول للإنسان ما يفعل وما لا يفعل بعد أن يتعرف الانسان على حقيقة الخالق ومهمة المخلوق مروراً بتاريخها، إلى أن كانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه و سلم خاتمة الرسالات، والتى نزلت في بيئة مكانية بيئة.. قــوم، رغـم شرف الرسالة لهم، فقد قال عنهم القرآن الكريم: }لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ{ [يس: 7]

كانت رسالة سيدنا عيسى عليه السلام، سابقة من حيث الترتيب الزمني على رسالة سيدنا محمد، ومع أنها نزلت على خصوصية قوم و لتحرير هؤلاء القوم من ضلالات و قيود و ركزت على الجانب الروحي، إلا أنها وبعد التداخل مع الدولة الرومانية، دخلت معترك الحياة السياسية والاقتصادية وأصبحت الكنيسة هي صاحبة الأمر والنهي في السياسة تنصيباً للملوك و الأمراء، وخلعاً للسلطة منهم فدخلت أوروبا في سلطة الكنيسة و ظرية الحق الالهي، وما استحق بجدارة مواصفات «الدولة الدينية». وقبل أن ننطلق إلى الدولة المدنية تاريخياً، نقف عند المحطة الأخيرة من الرسالات رسالة الرسول، رسالة الإسلام، فلشمولية الرسالة و مام الدين و كماله وعالميتها وتنظيم مجتمعها، كان لابد من إنشاء دولة انتقلت من مكة حيث فكرة الدولة، إلى المدينة المنورة حيث دولة الفكرة، قادها أولاً الرسول وأرسى دعائمها مع الأخذ بعبن الاعتبار الملاحظة الاساسية التالية، وهي التفريق بين الرسول كمبلغ عن الله وحياً ورسالة، وبين الرسول بصفة بشرية يحكم دولة، قضاء وحرباً واقتصاداً ومعاملة، يحكم فيها والقرآن يتحدث عنه (إنه بشر رسول) فينزل على رأي أصحابه و يشاورهم، ويرجع عن رأيه ويحذر من الحجة والبيان لأخذ الحق بغير وجه.
ما أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى حتى واجهت المسلمين معضلة، كانت وبقيت وستبقى أهم المشاكل التى يواجهها المسلمون، وهي مشلكة السلطة.
لقد حسمت هذه المشكلة في اجتماع السقيفة، لكنها لم تحسم على أرض الواقع، فظهــر تياران كانا ومازالا لكل منـهما حجتـــــه ورأيــه. الأول يقـول إن الرسول، لم يوص لأحد من بعده بالحكم، وهو رأي ما اصطلح عليه تاريخياًب أهل السنة والجماعة، وأنه ترك الأمر شورى، والثاني يقول إن الرسول قد أوصى للامام علي من بعده بالحكم، وهو التعيين بالنص، وهو رأي ما اصطلح عليه تاريخياً بالشيعة أو رأي آل البيت ابتداءً. و بقى هذان الرأيان يتصارعان تاريخياً وقامت على أساسهما دول، وأريقت دماء ودخل المسلمون في حروب.
عند حديثنا عن الدولة الإسلامية بالمفهوم الذي نريد، نأخذ باعتبارنا الفكر التاريخي دون أن نكون أسيرين له، و ننظر إلى الدولة التراثية و لكن بميزان الفحص والنقد، لأن التمسك بالجمود والسكون والحفاظ عليهما مهما شهد العالم من تطورات و تغيرات وطرأ من وقائع وأحداث هو الانتحار بعينه، إن جاز على الدول فهو جائز على الأفراد و الجماعات، ذلك أن الدول بهذا المفهوم اإما تكون قد اصطدمت ببعض السنن الإلهية التى تربط استمرار التمكين في الارض، والشهود على الأمم و الدول بعمليات التجديد و التغيير وتطهير الذات والقدرة على تدبير إمكانات التدافع، ودفع المستجد من المحن والأزمات. إن الوعي والبصيرة كفعلين حضاريين، لا ينهض لهما كيان مع السكون والخمود، فالفعل الحضاري حركة متجددة ونشاط متدفق وحضور دائم، وقوة دفع لا تقف، في الوقت نفسه فإن التفريط بالثوابت والمرتكزات بالنسبة للدولة الإسلامية هو مقدمة للتفريط بإسلاميتها والدخول في سنن الله القاضية بزوالها. إن التخبط في الولاء والإنتماء قابله اتجاه مغاير فيه إصرارنا على البعد عن حقائق العصر، والتغافل عما يفرضه من تجديد في الهوية مما يكفل لها الحيوية الفاعلة وعدم السقوط.إن تجديد فقه الدولة الإسلامية ضرورة حضارية، في إطار فهم جديد أو متجدد أو متكامل أو عصري لقضايا التعددية والأحزاب وتقسيم العالم مكانياً، وغلبة طابع الدولة القومية وموقع غير المنتمين والموقف من التنظيمات الدولية، وتلوث البيئة، والزيادة السكانية وغيرها مما يستلزم فقهاً لهذه الدولة يجيب على هذه التساؤلات.إن العود
http://alqudscenter.org/print.php?l=ar&pg=QUNUSVZJVElFUw==&id=770