A+ A-
دراسة لمركز القدس: الخطاب الصحافي للحركة الإسلامية لا يؤيد التطرف لكن لا يقاومه

2017-05-16

نظم مركز القدس للدراسات السياسية لقاء حوارياً حول دراسة أجراها مؤخراً بعنوان (الاعتدال والتطرف في الخطاب الإعلامي للحركة الإسلامية الأردنية: دراسة في تحليل المحتوى والخطاب لصحيفة السبيل اليومية). وقد أعد الدراسة الخبير الإعلامي د. باسم الطويسي الذي تولى تقديم عرض عنها تلاه تعقيب عاطف الجولاني رئيس تحرير صحيفة السبيل على الدراسة.
وكان عريب الرنتاوي مدير مركز القدس الذي أدار الحوار، قد استهل هذا اللقاء بتوضيح لماذا تم اختيار "السبيل" موضوعاً لتحليل المضمون والخطاب باعتبارها تعبر عن الوجهة العامة للحركة الإسلامية رغم أن الصحيفة لا تقدم نفسها كلسان حال الحركة الإسلامية. وذكّر الرنتاوي بدراسة مماثلة أجراها مركز القدس عام 2002، وأشاد بالتطور الذي حصل في خطاب الحركة الإسلامية بعد وثيقة الإصلاح، ومقررات العديد من المؤتمرات، بحيث أصبحت تتشارك مفاهيم ومقاربات جديدة مع المكونات الوطنية الأخرى. لافتاً مع ذلك إلى وجود مساحة رمادية في خطاب الحركة بما في ذلك تجاه مفاهيم التطرف والإرهاب.
وقد هدفت هذه الدراسة التي ستنشر قريباً مع تعقيب رئيس تحرير السبيل، إلى التعرف إلى منظور الحركة الاسلامية الأردنية ممثلة بحركة الاخوان المسلمين لمفاهيم الاعتدال والتطرف والارهاب كما يعكسها الخطاب الإعلامي للحركة، وذلك في محاولة لفهم اكثر وضوحا لاتجاهات الخطاب الإعلامي وما يكتنفه من مضامين وخلفيات فكرية وسياسية.
وفي ضوء ذلك، تمت دراسة المضامين الإعلامية لصحيفة السبيل اليومية التي تعد صحيفة الحركة والمعبرة عنها، وأجريت الدراسة على مرحلتين؛ الأولى تم فيها تحليل المضامين الاخبارية لأربعة وعشرين عددا باستخدام اداة "تحليل المضمون"، وهدفت هذه المرحلة إلى فهم السياسة التحريرية للصحيفة ومعاييرها وقيمها التحريرية في التغطية الاخبارية؛ بالتركيز على مفاهيم الاعتدال والتطرف. أما المرحلة الثانية واستندت الى عينة من 25 عددا؛ شملت مادة الرأي من المقالات والتحليلات والتعليقات والدراسات للوصول الى فهم الابعاد السياسية والفكرية والايديولوجية التي يطرحها الخطاب الصحافي حيال مفاهيم وقضايا الاعتدال والتطرف والارهاب، واستخدمت الدراسة اداة "تحليل الخطاب" الذي يعد الاكثر ملائمة لكشف ملامح الخطاب الإعلامي بابعاده الفكرية والايديولوجية.
شملت المواد الإخبارية التي خضعت للتحليل 887 مادة إخبارية نشرت خلال عامي 2014- 2015، اوضحت النتائج ان من بينها 521 مادة إخبارية تتعلق بالشؤون الأردنية، شكلت 59% من محتوى الصحيفة، بينما شكل المحتوى الإخباري العربي والإقليمي والدولي نحو
41% من اهتمام الصحيفة. وأشارت النتائج إلى انه لا يوجد اختلال هيكلي كبير في توزيع اهتمامات الصحيفة التحريرية وفق السياق الإعلامي السائد في أداء الصحف اليومية العربية، كما اشارت النتائج إلى ان صحيفة السبيل لا يوجد لديها اجندة تحريرية مختلفة في مراكز الاهتمام الاخباري حسب الهوية الجغرافية بالمقارنة مع واقع الصحف اليومية الأردنية الاخرى مع الاخذ بعين الاعتبار اختلاف سياساتها التحريرية وأنماط ملكيتها.
اوضحت النتائج ان موضوعات التغطية الاخبارية المحلية تتسم بتنوع واضح في سياق واقع الصحافة اليومية المحلية، حيث تحتل انشطة الحكومة والوزارات نحو 18%، والتغطية المرتبطة بقضايا الخدمات والتنمية نحو 16%، والادارة العليا للدولة والمقصود بها انشطة الملك ومؤسسة العرش 13% من المحتوى الاخباري المحلي، فيما احتلت قضايا الحريات وحقوق الانسان نحو 8% من المحتوى الاخباري وهي أعلى من الواقع من الصحف اليومية الأردنية الاخرى، وهو الامر الذي يفسر باتجاه الصحيفة التي تعكس اتجاهات حركة سياسية معارضة.
في حين ان تغطية الانشطة المرتبطة بقضايا الارهاب او مكافحة الارهاب ضمن مضامين التغطية الاقليمية والدولية محدودة ولا تتجاوز 2%.
ومن اجل التعرف على ملامح السياسية التحريرية في تغطية الارهاب، تم تحليل المحتوى على اساس رصد تغطية الاحداث المرتبطة بالعنف التي وصفت بالإرهاب من قبل محرري الصحيفة، حيث يتضح تدني حجم استخدام هذا المفهوم في التغطيات الاخبارية في وصف الاحداث حيث لم تشكل الحالات التي رصدت سوى 61 حالة فقط تشكل نحو 6% من المحتوى الاخباري، واذا ما حذفنا الحالات التي تتحدث عن ارهاب اسرائيل، يبقى 46 حالة لا تشكل سوى 5% من المحتوى الاخباري.
وبهدف الوصول الى مدى التزام السياسة التحريرية للصحيفة بالمعايير والممارسات المهنية، تم اختيار اربعة معايير مهنية للكشف عن ملامح المهنية، وهي: التعامل مع المصادر، التوازن في المصادر، الفصل، والانحياز. حيث يبرز ان 75% من المضامين الاخبارية متوازنة وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع الصحافة اليومية الأردنية الاخرى, فيما شكلت المضامين غير المتوازنة نحو 21% كما تشير النتائج إلى ان 82% من المحتوى الاخباري في الصحيفة يلتزم بقاعدة الفصل بين الاخبار والآراء. اما الفصل بين الوقائع والتكهنات، فهو متوفر في نحو 89% من محتوى الصحيفة.
وهناك نحو 82% من المحتوى الاخباري غير منحاز في تغطية الصحيفة سواء في الشؤون الاخبارية المحلية او الاقليمية والدولية، وبشكل عام فقد اشارت هذه النتائج إلى التزام الصحيفة بحد معقول من المعايير المهنية في التغطية الاخبارية بالمقارنة مع اوضاع الصحافة العربية والأردنية.
توضح دراسة مصادر فئة الاخبار التي وصفت احداث العنف بالارهاب، بأن تلك الاخبار التي تعتمد مصدراً واحداً قد شكلت 39% من اجمالي اخبار هذه الفئة، وهناك 33% اعتمدت على مصادر متعددة، و18% اعتمدت على مصادر مبهمة او جماعية أو مجهلة.
ووفق معيار الانحياز والحياد والذي يعكس في احد جوانبه المصادر واللغة وعناصر الابراز، يلاحظ ان الاخبار المرتبطة بالعنف التي وصفت بالارهاب والتي جاءت غير منحازة شكلت نسبة 64%، وتبرز ملاحظة مهمة في تغطية اخبار التنظيمات الاسلامية حيث شكلت الاخبار غير المنحازة نحو 80%، واخبار العنف المرتبط بتنظيم الدولة الاسلامية "داعش" المنحازة 60%. في المقابل، فإن الاخبار من هذه الفئة المرتبطة بالنظام المصري 50% وبالنظام والدولة السورية 40%، يقود ذلك إلى تأكيد حجم الحذر من الانحياز والميل نحو الحياد في الحالات المحدودة التي اطلقت فيه اوصاف الارهاب على احداث قامت بها تنظيمات وحركات اسلامية مقابل غياب هذا الحذر في حالتي مصر وسورية.
اما مواد الرأي حيث شملت عينة التحليل 286 مادة نشرت في 25 عددا، فقد تم تصنيفها لغايات هذه الدراسة إلى اربعة موضوعات رئيسة تناولها كل من كتاب الصحيفة المحترفين وكتاب الصحيفة غير الثابتين؛ وهم عادة من رموز الحركة الاسلامية الأردنية او من مؤيديها، واحيانا من المعارضة السياسية الأردنية او من القوى السياسية العربية، وجاء اهتمام الكتاب مرتبا على النحو التالي: القضايا الفكرية والشؤون الاسلامية المباشرة، الشؤون والقضايا الأردنية، الشؤون الفلسطينية، الشؤن العربية، والشؤون الاقليمية والدولية.
ركزت عينة تحليل الخطاب على تناول مواد الرأي التي عالجت ثلاث أزمات كبيرة وهي؛ سيطرة تنظيم الدولة "داعش" على مدينة الموصل 10/6/2014 إلى 20/6/2014، حادثة الطيار الأردني معاذ الكساسبة 25/12/2014 إلى 30/12/2014، تفجيرات باريس 14/11/2015 إلى 19/11/2015.
أن مفهوم التطرف يرد في الخطاب الصحافي على أساس أنه صناعة خارجية قصدت تشويه صورة الإسلام عامة، والإسلام السياسي بشكل خاص، هذه الدلالة عامة ومركزية يرد الى جانبها دلالات أخرى، لكن من النادر أن تجد اعترافاً واضحاً بأن التطرف يحدث في المجتمع بفعل ديناميات ذاتية من خلال اختلالات في تفسير الإسلام، وبالتالي فان الخطاب الصحافي
لا يقر بوجود اسباب ذاتية ترتبط بالغلو في تفسير النصوص الدينية او الانحراف في توظيف الدين بالسياسة على سبيل المثال، بينما يذهب الى ربطها بالسياق الخارجي وبفكرتين مركزتين هما المؤامرة والاستبداد.
أما مفهوم الإرهاب فهو أكثر وضوحاً وأقل التباساً في هذا الخطاب من مفهومي التطرف والاعتدال، وهو وفق الخطاب مفهوم سياسي تضليلي اخترعه الغرب وحلفاؤه في المنطقة، الإرهاب أداة من أدوات الصراع الدولي، وإدارة المصالح والإرهاب مفهوم غامض وملتبس ومتناقض وهو حمال أوجه، والإرهاب صناعة الأنظمة الاستبدادية في المنطقة المتحالفة مع الغرب والقوى الكبرى.
وفي ضوء ذلك، وصلت قراءة الخطاب الفكري والسياسي لصحيفة (السبيل) في مسألة التطرف والإرها الى تحديد أربع أطروحات أساسية ينطلق منها الخطاب الإعلامي، وهي:
الأطروحة الأولى: المؤامرة، يتبنى خطاب كتّاب صحيفة (السبيل) هذه الاطروحة في تفسير التطرف والإرهاب، وأهم المقولات التي تستند إليها هذه الأطروحة هي ان التحالف بين القوى الاستبدادية الحاكمة في العالم العربي مع القوى الدولية والغربية هو الذي قاد إلى شيطنة الإسلام السياسي وربطه بالإرهاب، وان التحالف بين القوى الدولية والصهيونية وإسرائيل يعمل على تشويه صورة أي قوة قادرة على المقاومة والتحرير وربطها بالإرهاب والتطرف.
الأطروحة الثانية: الحرب المقدسة، تقول هذه الأطروحة إن الغرب ما زال يخوض حروبا دينية ضد المسلمين. هذه الأطروحة تبرز بشكل واضح لدى منظري وقادة الحركة الإسلامية أكثر مما يتبناه كُتاب الصحيفة المحترفون، وتبرز هذه الأطروحة بشكل واضح حينما يتصدى أولئك لمناقشة ما يحدث في سورية وما حدث في مصر بعد خروج "الإخوان المسلمين، من السلطة. حيث تستند هذه الأطروحة الى مجموعة من المقولات التفسيرية أهمها أن الحرب على الإرهاب هي استمرار للحرب الدينية التاريخية، وأن الاسم الجديد لا يشكل أكثر من غطاء دعائي، وأن الحرب الدينية الجديدة هي الشكل الجديد للحروب الصليبية.
الأطروحة الثالثة : الصراع الدولي حول المصالح، تفسر هذه الأطروحة التطرف والإرهاب بأنهما منتج العلاقات الدولية الظالمة وعدم التوازن والعدالة فيها، ويستند هذا التفسير إلى مرجعيات سياسية وقانونية ويتبناه كتُاب الصحيفة المحترفون، أكثر من قادة الرأي ورموز الحركة الإسلامية.
وتستند هذه الأطروحة الى مجموعة من المقولات التفسيرية أهمها أن الإرهاب والتطرف نتيجة للصراع الدولي على المنطقة، وأن الإرهاب والتطرف مرتبطان بالصراع في الشرق الأوسط وتحديداً بتعثر حل القضية الفلسطينية.
الاطروحة الرابعة: الطائفية والرد على إيران. تذهب هذه الاطروحة الى ان تمدد إيران في المنطقة وممارستها إثارة الفتن وإعادة أحياء خطوط الانقسام الطائفي له مساهمة مركزية في نمو ظاهرتي التطرف والإرهاب وصعودهما. تصاعدت هذه الاطروحة في السنوات الأخيرة مع ازدياد بروز الأجندات السياسية المناوئة للتدخل الإيراني، وتحديداً في سورية ولبنان واليمن.
لم يعكس الخطاب الصحافي كما يبدو في مواد الرأي تنوعا وتعددية، كما هو الحال في التغطية الاخبارية، بل افاد تحليل الخطاب تشابه الاحكام ونظام تفسير الاحداث، ان هذا لا يعني وجود بعض الآراء التي تخرج احيانا عن اطار السياسة التحريرية ولكنها محدودة جدا.
احتلت المرجعية الفكرية الاسلامية الترتيب الاول في الاطر المرجعية التي يستند إليها الكُتاب، وداخل هذه المرجعية هناك مرجعية اسلامية تعكس الاعتدال شكلت 12% من محتوى مواد الرأي، ومرجعية عكست بعض الآراء المتطرفة تمثلت بنحو 4%، فيما جاءت المرجعيات السياسية والقانونية والانسانية في المراتب التالية.
وبشكل عام، وصلت الدراسة الى الخلاصات التالية:
- ان التغطية الاخبارية للصحيفة تعكس تطورا مهنيا واضحا في اداء الصحافة العربية اليومية التي تنتمي للاسلام السياسي سواء في المعايير المهنية وفي تنوع التغطية الاخبارية.
- ان الخطاب الصحفي لا يؤيد التطرف ولا يدافع عنه، لكنه لا يقاومه ولا يحذر منه بقوة.
- ان السياسية التحريرية للصحيفة تعكس تحفظا واضحا على مفهوم الارهاب والحرب على الارهاب، وتقدم تبريرات مناوئة للكثير من الوقائع والقيم التي يعدها الخطاب الإعلامي العالمي اعمالا ارهابية مرفوضة.
الجولاني يعقب:
وفي تعقيبه على الدراسة، سجّل الجولاني عدداً من الملاحظات أشارت الأولى منها إلى أنه إذا كان المطلوب دراسة المضامين والخطاب الإعلامي للحركة الإسلامية، فقد كان الأولى أن يتم تقييمها من خلال مواقفها وبياناتها وتصريحات مسؤوليها، من منطلق أن الحركة الإسلامية لا تقدم "السبيل" كممثل لمضامينها وخطابها، ولا الصحيفة تقدم نفسها كذلك. واعتبر الجولاني أن عنوان الدراسة ليس موفقاً، واعتبر أنه كان منطقياً أن يكون العنوان البديل "المضمون والخطاب الإعلامي لصحيفة السبيل تجاه الاعتدال والتطرف".
أما الملاحظة الثالثة، فقد تعلقت بكُتاب المقالات الذين اعتبر أنهم يمثلون طيفاً واسعاً من المستقلين وأصحاب الأفكار، ولا ينتمون جميعهم للحركة الإسلامية. وشدّد الجولاني على أن رئاسة التحرير لا تتدخل مطلقاً في كتّاب المقالات وبأي اتجاه كان. واستخلص بأن تقييم
المضمون والخطاب الإعلامي للحركة الإسلامية من خلال كتّاب مستقلين يحتاج إلى إعادة نظر.
وفيما أكدّ الجولاني إشادته بالدراسة، والحرص على الاستفادة منها، سجّل سلسلة واسعة من الملاحظات للنتائج الرقمية والخلاصات التي خرجت بها الدراسة.