A+ A-
"الإيمان والحياة" "إعلان عمّان"

المؤلف: الاب د. بيتر مدروس

المصدر: موقع الاب بيتر مدروس

التاريخ: 2018-04-02

قبل أيّام أقام في العاصمة الأردنيّة "مركز القدس للدّراسات السّياسيّة"، بإدارة الأستاذ عُريب الرّنتاوي، بالتّنسيق مع "مؤسّسة كونراد أديناور" و"دانميشن"، مؤتمرًّا هو الثّاني حول "المسيحيين العرب والرّبيع العربيّ". وأصدر المؤتمرون بيانًا دعوه "إعلان عمّان" لُخّصت فيه المداخلات والأفكار والاقتراحات. ومع أنّ المعنيّين كانوا المسيحيّين العرب، غير أنّ النّقاش تفرّع إلى مسائل أخرى تهمّ العروبة بشكل عامّ ، ولا عجب. فقد تجسّدت "المسيحيّة تحت الخيمة العربيّة" منذ السنين الميلاديّة الأولى.

تسعى هذه السطور إلى تلخيص بعض ما ورد في المداخلات، وما عبّر عنه المشاركون في شأن العروبة وليس بالضّرورة فلسطين- ، وإن كان قسم منه يبدو ضربًا من الخيال أو التّمنّي صعب المنال. 

- الديموقراطيّة : نشأت في بلاد الإغريق أي اليونان قبل الميلاد. وما تزال "عسيرة الهضم" على إنساننا الشّرقيّ الذي لا يبدو لها مُعَدًّا ولا مستعدًّا. ولكن جاءت منذ العصور الوسطى ، شرقًا وغربًا ، معضلة الدّين في هذا المضمار . ويبقى السّؤال مفتوحًا : كيف السّبيل إلى الجمع بين "الثيوقراطيّة" أي "حُكم الله" والديموقراطيّة وهي "حُكم الشّعب" ؟ 

- الاقتراح السّابق تبلور في مفهوم – أو مُنى – "الدّولة العلمانيّة في ضوء المواطنة". وأوضح المشاركون أنّ لا رغبة لهم في "علمانيّة" أو "علمانويّة" معادية للدّيانة والأخلاق القويمة ، كما حصل في العديد من بلاد الغرب حيث "الفصل بين الدّين والدّولة" ذريعة للطّعن في الدّين – ولا سيّما المسيحيّ – ولنسف مكارم الأخلاق التي يدعو إليها الإنجيل المقدّس، ويتّفق في شأنها الإسلام- في معظم الميادين الأخلاقيّة- مع المسيحيّة في تحريم الإجهاض والعلاقات خارج الزّواج واتّحاد المثليين والمناظر غير المحتشمة وما يُدعى "الموت الرّحيم"...

- وقدّم الوفد اللّبنانيّ مثال بلاده – كما كان يدعو إليه منذ زمن طويل المطران بشارة الرّاعي الذي أنتُخب لاحقًا بطريركًا مارونيًّا – أي الاتّزان بين الديموقراطيّة بتوزيع المهامّ والمناصب حسب الأطياف، وفي نفس الوقت احترام الأديان. فلا ثيوقراطيّة مستبدّة تسحق الإنسان وتفرض نمطًا واحدًا، بخلاف التّعدّديّة التي هي واقع لا يجوز تجاهله وإلاّ خُرقت "حقوق الإنسان الأساسيّة"، ولا ديموقراطيّة مارقة ملحدة .

- تثبيت المسيحيّين العرب في أوطانهم. ومهما اعترف الحاضرون والغائبون بأفضال المسيحيين على بلادهم – وهم من نواتها الأصليّة ، اصطدم المشاركون بواقع تهجير قسريّ أي قهريّ لنسبة كبيرة من المسيحيّين خصوصًا بعد "الرّبيع العربيّ". فعلاً ، ليس عدد كبير من المسيحيّين "مهاجرين" بل هم "مُهجّرون" وغالبًا لا يعرفون هويّة غريمهم.

- ويبقى لدى العامّة لغز العداوة نحو المسيحيّين العرب الذين يقف الغرب مكتوف الأيدي – أو عن قصد غير متحرّك – لنصرتهم والذّود عنهم. وفي حين استغرب بعض القوم من سلبيّة "الغرب" نحو المسيحيّين العرب وانتقدوها بمرارة ، حُلّل هذا الموقف "الغريب" لأوّل وهلة بمصالح دُوَل غربيّة مع كيانات سياسيّة واقتصاديّة في الشّرق الأوسط، بمعنى إنجاز "أجندا" عبريّة استعماريّة تريد دويلات ضعيفة هشّة لا تستطيع أمام كيان معيّن وقوفًا ، ثمّ مصالح غربيّة في منابع النفط وهو الذّهب الأسود.

- ولُفت الانتباه إلى عنصر خطير – ولعلّه الأوّل – وهو ابتعاد عدد كبير من الغربيين عن الدين واعتناقهم الإلحاد واللاأدريّة ووصول بعضهم – خصوصًا في فرنسا وإيطاليا – إلى "المعاداة للمسيحيّة" المعروفة باللفظة المركّبة "كريستيانوفوبيا". من جهة ، لا يميّز معظم الغربيين بين "مسلم" و "مسيحيّ"، وذلك في عقليّتهم "العلمانويّة" التي تصرّ ألاّ تنظر إلى "ديانات البشر"، في حين أنّ في الشّرق "كلّ شيء دين والدين كلّ شيء"! وممّا زاد الطّين بلّة النقمة على المسيحيّة، وسنّ قوانين للحدّ من خدماتها، ومحاولة فرض قيود لاأخلاقيّة على مستشفياتها ومدارسها، ومحاولة نسف الزّواج والأسرة والعلاقة السليمة بين الزّوجين.

وإذا نَقَم أحد بصواب على أخطاء في الماضي، أو بعض انحرافات في الحاضر لا مجال لتبريرها ، غير أنّ هنالك مبالغة بغيضة تسعى إلى رفض الدين والإيمان جُملة وتفصيلاّ- من باب الزّندقة والدّهريّة - بذريعة "حقوق الإنسان" وذريعة الاعتراض على التجاوزات ! ومن المفيد أن يكرّر المرء هنا أنّ هذه "العلمانيّة المعادية للمسيحيّة" تستند إلى قدر كبير إمّا من الجهل أي جهل أفضال الكنيسة وفضائل قدّيسيها ،أو بسبب"جرعة" هائلة من نكران الجميل ، رغم معرفة الباحث النزيه لفضل المسيحيّة الأساسيّ على الحضارة الغربيّة.

خاتمة

في هذا الشّرق الذي أصبح حتّى علينا ، نوعًا ما ، "غريبًا"، لا ندري فيه يميننا من يسارنا – مثل قوم نينوى قبل وعظ يونان النبيّ (يونس) ، نسأل الله أن يرحمنا نحن الأحياء ويرحم ضحايا العنف في بلادنا. ونرى صدق الشّاعر :
" ستبدي لك الأيّام ما كنتَ جاهلاً ويأتيك بالأخبار مَن لم تُزوّدِ"

أيّة أخبار تنتظرنا وماذا ستبدي لنا الأيّام "وليلٍ كموج البحر أرخى علينا سدوله بأنواع الهموم ليبتلي"! وأملنا بالرّحمة والعناية والعدالة الإلهيّة لكي يبدّد تعالى ظلمات الظلم والدمار بعد أن "سطعت في بلادنا شمس الصلاح الأبديّة"!
إنّه تعالى السّميع المجيب "ومنصف المستضعفين"!