A+ A-
شباب المخيمات الفلسطينية في الأردن يواجهون تهمة الإرهاب

المؤلف: كامل لطفي

المصدر: صحيفة العربي الجديد

التاريخ: 2016-08-16

لم يتأثر الستيني أبو أسعد، لدى سماعه نبأ صدور حكم بالإعدام شنقاً بحق ابن منطقته، محمود حسن المشارفة، منفذ الاعتداء على مقر المخابرات بمنطقة عين الباشا في رمضان الماضي، والذي قتل فيه خمسة من رتب المخابرات باستخدام سلاح ناري.

 يرى "أبو أسعد" أن إعدام "المشارفة" كان متوقعا، نظرًا إلى بشاعة ما اقترفته يداه، كما عبر، وإنما ما أثار غضبه بشكل غير ملامح وجهه المجعد، أن تلصق بالمخيم تهمة إيوائه "إرهابيين" مفترضين.

ويروي أبو أسعد، لـ"جيل العربي الجديد"، اللحظات الأولى لدى سماعه عن العملية، التي وصفت من قبل الدولة الأردنية، بأنها الكبرى التي تستهدف الجهاز الأمني القوي، غير أن الكلمات التي انطلقت من أفواه مسؤولين يومها، لم يعلق في أذنه منها، سوى أن منفذ الهجوم من مخيم البقعة: "كل شيء سيتغير.. ولن يكون كما كان قبل الآن". بهذه الكلمات يصف أبو أسعد شعور غالبية سكان المخيم، والذي يعد اكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني في الأردن.

مزن، وهو أحد شباب مخيم البقعة، لا يختلف برأيه عما ذهب إليه جاره أبو أسعد، ويرى أن ما حدث لأفراد المخابرات الأردنية مطلع رمضان الفائت، غيّر وجه الحياة تقريبا، ليس فقط في المخيم، إنما في كل أنحاء الأردن.

يستهجن مزن، والذي يواظب على حضور الصلاة في أكبر مساجد البقعة (مسجد نابلس) سيرًا، أن تحاول جهات، لم يسمها، تصوير المخيم على أنه "حاضنة" تنجب الإرهابيين، وتهدد حياة الناس، مشيرًا إلى أن مثل هذه "الافتراءات" لا تخرج عن كونها "مؤامرة عتيقة"، تستهدف الأمن السلمي داخل وخارج المخيم، على حد وصفه.

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد في أوساط شباب من مخيمات اللجوء الفلسطيني الأردني، أن "عملية مخابرات البقعة"، ما هي إلا في إطار خطر "الإرهاب" الذي يسود المناخ الدولي وليس الإقليمي فحسب، ولا علاقة للمخيمات به، إلا أن ثمة رأيًا مخالفًا لا يقل نسبة تأييد عن الذي سبقه من آراء.

فالمخيمات الفلسطينية في الأردن، باتت ساحة للتنظيمات "المتطرّفة" فكرياً، ولا تتردد أبدًا في رفع أعلام الجماعات التي تصفها السلطات الأردنية بـ"الإرهابية"، وتحديدًا شعارات تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بشكل علني، فضلًا عن القيام باستعراضات أشبه ما تكون بعسكرية، بحسب أحد منتمي الحراك الشبابي في مخيم الوحدات.

وأوضح الحراكي لـ"جيل العربي الجديد" أن الوضع في بعض المخيمات الأردنية، وتحديدًا "البقعة" و"الوحدات"، صار يشبه منتديات وساحات استعراض لهذه الفئات المتشددة، على الرغم من أن المزاج الاجتماعي في المخيمات، لم يصل لدرجة تبني أفكارها بشكل مطلق، على حد تعبيره.

علي أسمر، وهو أحد النشطاء الشباب في مخيم البقعة، يحاول تبرير وجود مثل هذه المظاهر، التي لا تعد مرغوبة للكثير من أبناء المخيمات، بالقول إن لذلك أسبابًا واقعية لا يمكن إنكار دورها في صناعة "التطرف" بين عدد من شباب المخيمات.

"أبناء المخيمات الفلسطينية في الأردن، يعانون أكثر من غيرهم من سياسات الإقصاء والتهميش والتمييز في كثير من المجالات، خصوصًا فرص العمل والتوظيف في المؤسسات الإدارية وغيرها"، بحسب أسمر.

ويميل عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية في الأردن، إلى ما ذهب إليه علي أسمر، مضيفاً أن "المناخ العام في المخيمات، يسير باتجاه التشدد الديني مع وجود تيارات "دينية إسلامية"، تتبنى صراحة الأفكار المتطرفة؛ ما يجعل من مسألة ان تكون المخيمات حواضن للإرهاب، أمرًا ليس مستبعدًا على الإطلاق".

ولا تنحصر المشكلة، يقول الرنتاوي، في تبني فئة من شباب المخيمات "أفكارًا متطرفة" فحسب، بل إن ما يعانيه مجتمع المخيمات من ضيق "مزعج" في الحياة اليومية، تحديدًا عقدة استفحال البطالة، وندرة فرص العمل، وتآكل المنح الدراسية التي كانت تعطى لأبناء المخيمات، سواء من دول "اشتراكية" عربية وأجنبية، أو من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "اونروا"، بالإضافة لعدم توفر أندية ثقافية، تتيح للشباب تفريغ آرائهم السياسية والاجتماعية، شكل كل ذلك "النواة" لبروز البديل، وهو التطرف.

إلا ان محمود العقرباوي، والذي تولى رئاسة دائرة الشؤون الفلسطينية في الأردن، فقد أكد انه لم يشاهد أي توجه للتطرف داخل المخيمات.

ويوضح العقرباوي، والذي أدار لمدة 30 عامًا أهم المؤسسات الرسمية التي أنشأتها الحكومة الأردنية لرعاية اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، أن عقلية الناس، وتحديدًا الشباب، لا تشير إلى تبني أفكار "التطرف" داخل المخيمات، مؤكدًا أن ما حصل في عملية "البقعة" مؤخرًا، ما هو إلا تصرف فردي شخصي.

وتشير آخر الدراسات، التي تتعلق باستطلاع آراء الأفراد داخل المخيمات الفلسطينية في الأردن، حول مدى انتشار الأفكار "المتطرفة"، أن 3% فقط من شباب المخيمات، يعتقدون بوجود أفكار تميل للتطرف في مجتمع المخيم، وفق ما أكده مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية موسى شتيوي.

وتشهد العقود الماضية، بحسب شتيوي، على أن سلوك شباب المخيمات، لم يكن يدل بأي حال من الأحوال على انتهاج الفكر المتطرف.

وإن كانت بعض آراء المتابعين للشأن السياسي الأردني، ترى أن شباب المخيمات الفلسطينية يعانون "عزلة" عن الواقع والمجتمع الأردني، نأت بهم عن تبنّى الأفكار المتشددة، فإن فعاليات رسمية واجتماعية واسعة في المخيمات، ترى أن المخيم مكمل عضوي وحيوي في مجتمعه؛ أي بمعنى أنه "يؤثر ويتأثر"، وفق تعبير رئيس لجنة خدمات مخيم الحسين فتحي غياظة.

الكاتب والمحلل السياسي عمر كلاب، يرى أن ما سماها الآفة الإرهابية، ضربت في أغنى الأماكن وأفقرها، بل إنها استطاعت أيضًا أن تجذب نفرًا لا بأس به من "البرجوازيين"، مثلما استطاعت أيضًا أن توظف الفقراء، فالدلالة الاقتصادية أو المكانية الجغرافية ليست دلالة صحيحة لاتهام المخيم بأنه حاضن للإرهاب، وإلا ما الذي أجبر طبيبًا أردنيًا مثلًا، وابن شخصية سياسية مرموقة، ان ينضم لـ "داعش"؟