A+ A-
الأحزاب السياسية.. زحام على طريق مسدودة

المؤلف: د. صبري ربيحات

المصدر: صحيفة الغد

التاريخ: 2016-12-09

الأردنيون، على امتداد مساحة البلاد وخارج الحدود، منشغلون بهموم الوطن؛ يتابعون بكثير من الاهتمام ما يدور في محيطنا الملتهب ولا يخفون قلقهم، وكل ذلك وسط تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية لا تنتهي. ففي كل يوم يتجدد الحديث عن المديونية والتعليم والبطالة والإرهاب والنقل والصحة والزراعة والفساد والعمالة الوافدة واللجوء... من دون أن تكون هناك جدوى لهذا الحديث، أو احتمال أن تناقش هذه القضايا بمنهجية تعبر عن رأي العامة ومخاوفهم وهمومهم.
وفي الكثير من الحالات، تظهر قرارات ومقترحات وسياسات تجري مناقشتها حكوميا ونيابيا، من دون أن يكون للناس تأثير على ما يطرح أو يقر. فقد تعدل بعض التشريعات بسرعة البرق، وتؤجل أخرى لسنوات، من دون معرفة الناس للأسباب والمبررات التي أدت إلى الاستعجال أو دعت إلى التأجيل.
بالرغم من مشاركة الأردنيين الواسعة في الانتخابات واختيار أعضاء المجالس النيابية، إلا أن النواب لا يُختارون على أساس برامجي أو حزبي، وبالنظر إلى قدرة المرشح على القيام بالأدوار المتوقعة من النواب. وبعض من يجري انتخابهم لا يملكون معرفة شاملة بأوضاع البلاد وواقعها وتحدياتها، ويفتقرون لأي رؤى أو تصورات حول الاستجابات الملائمة لإخراج البلاد من الأزمات، وتحقيق النهوض الذي يتطلع إليه الناس وينتظرونه بفارغ الصبر. وغالبية الرجال والنساء الذين ينجحون في انتخابات البرلمان لا ينتمون لأحزاب أو اتجاه أو تيار سياسي، ويفاخرون بأنهم كذلك.
المجالس النيابية تمثل التركيبة الاجتماعية الديمغرافية النوعية العرقية للمجتمع الأردني. لكنها لا تمثل المواقف والاتجاهات السياسية للمواطنين، ورؤى جمهور الناخبين للإصلاح والاقتصاد والتعليم والتنمية والعلاقات الخارجية واللجوء وإدارة الاستثمار والإعلام وإدارة المال العام وقواعد تشكيل الحكومات وأساليب الاستجابة للفساد، وغيرها من الملفات.
في ضوء هذا الواقع، يصعب على الناس استقراء اتجاهات التغيير وسياسات إدارة الملفات المختلفة. لذا، فقد يمضي المواطنون الكثير من الوقت وهم يخمنون بشأن السياسات التي تتبناها الحكومات الجديدة في إدارة شؤونهم الداخلية أو الخارجية.
في الأردن اليوم ما يزيد على خمسين حزبا مرخصا، وأعداد أخرى ما تزال تحت التأسيس. بعض هذه الأحزاب يحظى بدعم حكومي، والبعض الآخر يسعى للحصول عليه. وفي كل مرة تجرى فيها الانتخابات البرلمانية والبلدية، يحاول بعض الأحزاب المشاركة بقوائم، إلا أن غالبيتها تتراجع وتكتفي بتشجيع منتسبيها عن بعد، على اعتبار أن الانتماءات العشائرية والجهوية أقدر على تحسين فرص نجاح المرشح مقارنة بالانتماء الحزبي الذي قد يقلل من فرص النجاح في أغلب الأحيان.
توسيع دائرة المشاركة ودعم الأحزاب، كانا أحد الأهداف المعلنة للدولة التي عملت على صياغة قوانين لتطوير عمل الأحزاب وتحويلها إلى أحزاب برامجية ذات قواعد شعبية واسعة، تلتزم بالقيم والممارسات الديمقراطية في تنظيمها وإدارتها وسلوكها السياسي.
نهاية الأسبوع الماضي، نظم مركز القدس للدراسات، بالتعاون مع مؤسسة "كونراد أديناور"، لقاء جمع الأحزاب السياسية الأردنية مع الأحزاب السياسية في المملكة المغربية، في محاولة لاستعراض التجارب وتبادل الخبرات واستخلاص الدروس من التجربتين، خصوصا أن للمغرب والأردن تجارب متقاربة في النظام وطريقة الحكم ومسيرة الأحزاب والاستجابة لمطالب الإصلاح، إضافة إلى مواقف الشعبين المغربي والأردني من الأنظمة الملكية والإجماع على قبولهما، واستعداد الأطراف للانخراط في عملية الإصلاح.
في تجارب البلدين، أجرى المغرب والأردن تعديلاتهما الدستورية العام 2011؛ إذ أتاحت التعديلات الدستورية المغربية للأحزاب أن تشارك في الحكم، فيكلف الملك الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في المجلس مسؤولية تشكيل الحكومة وبناء التحالفات. وفي المغرب هناك اثنا عشر حزبا تحت القبة، تتنافس برامجيا على نيل ثقة الناخبين. أما الأحزاب الأردنية، فما تزال تعاني تحديات جوهرية في هويتها ورؤيتها وتنظيمها وبرامجها وجماهيرها. والكثير من هذه الأحزاب تأسست لتحسين فرص مؤسسيها في البقاء في الفضاء السياسي العام، ولا رغبة جدية لديهم في الوصول إلى الجماهير أو التغيير. وبعض الأحزاب لم يحسم مواقفه من الإصلاح والتنمية والاستقرار والتعددية ومشاركة المرأة.
لا أحد ينكر أهمية وجود قانون انتخاب وتعديلات تشريعية أخرى، تعطي مساحة أوسع للأحزاب في المشاركة السياسية. لكن ذلك لا يعفي الأحزاب من مسؤولية تجديد كوادرها وقياداتها وخطابها وتنظيماتها.