A+ A-
المودّة بين المسلمين والمسيحيين

المؤلف: الأب د. بيتر مدروس

المصدر: موقع أبونا

التاريخ: 2015-07-06

صدر مقال مشوّق ذو شأن كبير وبالغ الأهمّية والعمق في صحيفة "الدّستور" الأردنيّة للأستاذ الباحث عريب الرنتاوي أشار فيه إلى الوحدة الوطنيّة العربيّة وفي شأن فلسطين ولا سيّما المدينة المقدّسة أشاد المفكّر والنّاشط المخضرم بالعهدة العمريّة. وإذ يشكر المرء للباحث الرنتاوي جهوده ودراساته العميقة الموضوعيّة ومواقفه الشّجاعة (فقد أتيح للداعي التعرف عليه في مؤتمر في عمّان مؤخّرًا)، لا بدّ للمواطن المسلم والمسيحيّ وخصوصًا الفلسطينيّ والاردنيّ – بعد نكبات العراقي والسوري وسواهما، أن يوضح أفكاره حول "الآخر" ويستعيد تراث الماضي ويتهأ للمستقبل، وقد عصفت بالمنطقة ليس فقط رياح التغيير بل أيضًا أعاصير القتل والدمار والحروب الأهليّة. ولكن الرّب يستطيع أن يهدّىء العواصف وأن يمنحنا السلام الذي نصبو إليه لنحيا "حياة وادعة مطمئنة بكل تقوى وكرامة".
&
العهدة العمريّة بين الماضي والحاضر
&
لهذه العهدة التي تعهد بها الخليفة الفاروق عمر بن الخطّاب لأهل "إيلياء" خصوصًا المسيحيين المقدسييين المحليين صيغ مختلفة يوردها كلّ من الطّبريّ والبلاذريّ وغيرهما. ويتّفق المؤرّخون، حتّى أكثرهم نقدًا ، على تاريخيّة موضوع الوثيقة وعلى عبقريّة الفاروق وتسامحه مع أهل الكتاب. وبصواب يرى المحلّلون ومنهم الاستاذ الرنتاوي أنّ مواقف معاصرة سلبيّة نحو المسيحيين المقدسيين الجاثمين تحت الاحتلال – يرون أنّ هذه المواقف تناقض العهدة العمريّة التي لا سبيل إلى التشكيك في فحواها (عن كناب "الأقليات المسيحية في فلسطين" للاب د. أنطون عودة عيسى). أمّا غبطة البطريرك السابق للمدينة المقدسة المنسنيور ميشيل صبّاح فإنه – شأن الكثيرن من المطّلعين على كنه الأمور – يرى أنّ إحد المنشورات مدسوس منحول وهو الذي يدعو إلى تهجير المسيحيين الفلسطينيين من القدس بداية ببعض الأحياء فيها.
&
قطعًا يخدم هذا التهجير – إذا حصل- الفتنة وهي "أشدّ من القتل" ولا يحفظ شيئًا من النصوص القرآنية الكثيرة التي تشيد بأهل الكتاب وتصف "النصارى" بأنهم أقرب الناس مودّة للذين آمنوا اي للمسلمين (سورة المائدة 83). وبالتأكيد يثلج تهجير المسيحيين – وهم عرب فلسطينيون مقدسيون - صدر العديد من العبرانيين الذين يحلمون بالتخلص من العرب وايضًا من المسيحيين. وبقصد أم بغير قصد تمّ تهجير عشرات الآلاف من المسيحيين الفلسطينيين منذ سنة 1948 وما كانت للمسلمين في ذلك يد..
&
موقف الحكماء الأتقياء مفخرة وصمّام أمان!
&
لا يريد المرء هنا أن يدخل في أمور سياسيّة عسكريّة لا كفاية له بها ولا إلمام. بل يتساءل : أليست هنالك أولويّة المحافظة على استقرار الدول العربية القليلة الباقية بدل إشعال النيران فيها أيضًا ؟ أليست هنالك إمكانية لا لتحرير القدس بل على الأقلّ للتخفيف من معاناة أهلها وأهل سائر فلسطين بدل إثارة النعرات بينهم وفتك بعضهم لبعض بحيث تكون تجاوزات الاحتلال عليهم أقلّ وطأة من بطشهم بعضهم ببعض ؟ ألا قيمة للعهدة العمريّة في ايّامنا ؟
&
وهنا، يجدر بالمرء أن يوضح ما يعرفه كل متحاور مسلم مع المسيحيين وكلّ متحاور مسيحي مع المسلمين أننا كلّنا موحّدون نؤمن بإله واحد وأننا معشر المسيحيين ما حرّفنا الكتاب المقدس ولا سيّما الإنجيل بل نتلوه "حقّ تلاوته " ونعرفه كما نعرف أبناءنا وأنه "هدى ونور" بحيث أنه علينا أن نحكم "بما أنزل الله فيه". ولا يتوهّمن أحد أنّ الإنجيل الطّاهر او الكنيسة – يسمح أو تسمح بالانفلاتيّة وبالرذيلة أو باتحاد مثليين أو بإجهاض أو بقلّة حياء أو بعدم احتشام، وإن كان بعضنا – مع الأسف- يعطي هذا الانطباع المغلوط خصوصًا في بعض حفلاتنا وحتّى في بعض معابدنا حيث تضرب بعض النسوة بعرض الحائط تعليمات الكتاب المقدس والكنيسة بالاحتشام والاحترام. وكم تعب الإكليروس – وما يزال- مع بعض القوم "المسيحيين" راجيًا احترام المقدسات ولا سيّما في المعموديات ورتب الرواج فقوبل بالغضب والنقد والاستهتار والإهانة!
&
احترامنا للمسلمين!
&
ولا يحقّ لأيّ إنسان أن يتوهّم أو أن يتّهم بالإساءة إلى الإسلام أو المسلمين معشر مسيحيي فلسطين وسائر الدول العربيّة. كتاباتنا وإذاعاتنا ومنشوراتنا مليئة بالمودّة والاحترام. ولا تسمح للكنيسة لأي من رجالها أو من مؤمنيها بأن يتطاول على الإسلام. ولا يأتي احترامنا هذا من باب الخوف بل من وعينا لكنز كبير هو اعتراف المسلمين والمسلمات بالسيد المسيح ووالدته العذراء مريم منها السلام بما أنهما –حسب التعبير القرآني– "آية للعالمين". ولا نمسح للمسلمين جوخًا عندما نقرّ بتسامحهم وأريحيتهم ومودّتهم لنا – وهي العناصر التي سمحت لنا بالبقاء حتّى يومنا هذا. فهل سيأتي قوم يحذفون فجأة وجودنا وبذلك ينهون أربعة عشر قرنًا من التسامح الإسلاميّ إذ لن يبقى أحد معه يتسامحون؟ وبأيّة جرأة سيستطيع السياسيون والزعماء الفلسطينيّون أن يطالبوا العالم الحرّ بدولة فلسطينية ذات سيادة واستقلال بعد أن قضى قوم على النواة الأساسية التاريخية للشعب الفلسطيني اي مسيحييه الموجودين فيه قبل المسلمين بسبعة قرون؟
&
صيحة في صحراء
&
يبدو أنّ المنشور المشار إليه مدسوس "لغاية في نفس يعقوب" وأنّ لا مجال للخوف ولا للفتنة. ويبدو أنّ العهدة العمرية ما زالت موقّرة في مجتمعنا الفلسطيني الأردنيّ الإسلامي المسيحي قلبًا وقالبًا. والواقع أنّ أهلنا واعون مدركون لما يحاك لنا كمسلمين ومسيحيين عرب من دسائس، بحيث أنّنا نحن الذين يجنحون إلى السلم نكره العداوات والمشاحنات والخصومات ولا سيّما الأهليّة وقد سئمت نفوسنا العنف والحرب والنكبات والنكسات منذ سبعة عقود.
&
وبالذات في شهر صوم فضيل تقويّ يعود المرء ليرجو للعالم الإسلامي ولا سيّما العربيّ سلامًا ووئامًا كي تضع "الحرب أوزارها" بين الإخوة والأشقّاء وبين الأقارب والاباعد لكي ترجع السعادة في "ديار العرب" واليُمن (بالضمة على الياء) حقيقة لا خيالاً وواقعًا لا سرابًا وتتعلّم الشّعوب منّا – ما علّمناه منذ قرون- أي المحبة والتسامح والاريحيّة والطّيبة. إنه تعالى على كل شيء قدير!
&