A+ A-
الخطاب الإعلامي السياسي لجبهة العمل الإسلامي في الأردن
2003-01-01
تقديم
ليس هناك ثمة شك في أن إحداث 11 أيلول (سبتمبر) كانت فاصلة وحاسمة بالنسبة للخطاب الاسلامي عامة، والخطاب الاسلامي الأردني خاصة، فيما يخص الخطاب الاسلامي السياسي بكافة تيّاراتهِ المتشددة أو المعتدلة أو حتى "المدمقرطة" وفقا للنموذج العربي للديمقراطية، حيث يجد القارئ لأيديولوجيا الخطاب الإعلامي السياسي أنها أخذت منحى آخر غير المنحى المتطرف الذي اتسمت فيه قبل أحداث أيلول ، سيما فيما يتعلق بالعلاقة المتأزّمة بين الإسلام والغرب ، فاختفت من اجندة الخطاب الاسلامي لهجة ووتيرة العداء الكامل والمباشر، وبدأ الخطاب يتحسس النبرة المتضامنة مع الولايات المتحدة بالمصاب الذي الم بها فجأة ودون سابق إنذار.

بيد أن هذا التوجه الجديد في الخطاب الاسلامي لم يدم كثيرا , إذ تغير مع تغير الأحداث الدولية، خاصة بعدما بدأت النوايا قائمة لمحاربة الإسلام السياسي الأصولي تحت مسمى محاربة الإرهاب ، وبعدما أمسى وشيكا أن أفغانستان ستكون أولى ضحايا هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، بعد أحداث أيلول ، وهو ما دفع بالخطاب الاسلامي السياسي ليعود إلى سيرتهِ الأولى والى لهجة العداء للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل والى عودة التلحين على وتر المؤامرة الصليبية لمحاربة الإسلام والمسلمين ، سيما في الشرق الأوسط ، عند ربط تلك الأحداث بالقضية الفلسطينية التي وجد فيها الخطاب الاسلامي مرتعا خصبا لزيادة وتيرة تفعيلاتها بما يخدم مصداقية الخطاب الاسلامي السياسي لما يصب في إسرائيل كمستفيدٍ أول من هذه الحرب المحتملة ضد الإسلام , خصوصا أن الطرف المستهدف الثاني بعد أفغانستان هو العراق ، الذي طالما حلمت إسرائيل في وضع حد للنظام والقوة العسكرية فيه.

وبإسقاط التوجه الجديد للخطاب الاسلامي العالمي (عربيا وإسلاميا) على الخطاب الاسلامي الأردني ممثلاً بحزب حركة الأخوان المسلمين وجبهة العمل الاسلامي التي تمسك بتلابيب الحركة الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني، تجد أن النهج واحد وان اختلفت وسائل التوجه والسلوك بسبب اختلاف الظروف والبيئة التي تعمل بها كل حركة إسلامية على حده , فبجهة العمل الاسلامي الأردني أعلنت من البداية -كذراع سياسي لحركة الأخوان المسلمين- رفضها القاطع لأحداث أيلول , وأنها غير مقتنعة بمواقف وأراء طالبان وابن لادن، وانه إن ثبت أن هذه التنظيمات هي المُخطط والمنفذ لتلك العمليات الانتحارية على واشنطن ونيويورك، فإنها ستتبرأ منها وتخرجها من ملة الإسلام والدين لان هذه الأعمال الإرهابية لا تنسجم وروح وصلب العقيدة الإسلامية.

وصرح آنذاك عبد اللطيف عربيات الأمين العام لجبهة العمل الاسلامي عند حديثه عن الأزمة الأفغانية بقوله " لم نكن في بداية العلاقة بين ابن لادن وأمريكا حتى تكون في نهايتها " في إشارة صريحة الى انه لا يدعم سلوك وتحرك القاعدة وطالبان إزاء علاقتهما بأمريكا، في نفس الوقت الذي لا يعني تأييد الجبهة الإسلامية لسياسة الولايات المتحدة إزاء الإسلام والمسلمين في كافة بقاع العام.

قد يبدو هذا الموقف السياسي المبدئي لجبهة العمل الاسلامي والتيار الاسلامي الأردني عام، موقفا ناصعاً إذا ما أُخذ على هيئة توجه سياسي وسيط أو وسطي في معادلة الخطاب الاسلامي الجديد في الأردن بعد أحداث ايلول، ولكنه قد يوصف بصورة أخرى إذا ما اقترن بالإعلام السياسي للجبهة عبر وسائل إعلامها المتعددة والكثيرة ، والتي تأتي على رأسها "صحيفة السبيل" الإسلامية التي تصدر من عمان كناطق رسمي أو غير رسمي (أحيانا) باسم التيار الاسلامي الأردني خاصة وجبهة العمل الاسلامي.

حيث أن إلقاء ضوء مباشر على كيفية تعامل الصحافة الإسلامية الأردنية –وهنا فقط جريدة السبيل – مع تلك الأحداث يكشف أن الخطاب الإعلامي السياسي للجبهة قد يتناقض أحياناً وقد لا يلتقي مع الخطاب السياسي المباشر لأعضاء وقيادي الجبهة أو باقي التيارات الإسلامية الأردنية , فمثلاً في الوقت الذي ينتقد فيه الأمين العام للجبهة أحداث ايلول , ويعلن براءتهِ من تنظيم القاعدة وطالبان , تجد الإعلام السياسي ممثلاُ بصحيفة السبيل ينحى منحى التحيز أو الإسقاط السياسي المباشر لنظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين في صورة لافتة للتناقض الصارخ بين التوجهين السياسي والإعلامي لجبهة العمل الاسلامي والحركة الإسلامية الأردنية عامة.

وعلية تهدف هذه الدراسة الى تبيان آلية تعامل الصحافة الإسلامية (صحيفة السبيل) الأردنية على مدى عام كامل مع أحداث (ايلول) وتداعياتها على المنطقة العربية والإسلامية والدولية، وكيف قرنت الأحداث بقضايا أخرى عربية واسلامية ووطنية ، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بهدف استخدام المنهج المقارن للخطاب السياسي لجبهة العمل الاسلامي، لكشف خبايا التناقض في ازدواجية الخطاب الإعلامي للحزب، إن وجدت , أو تسليط الضوء على ما يمكن وصفه بتأطير الحالة الغربية ضمن سيناريو أُحادى التفسير كان هو الهاجس المسيطر على مفردات المادة الإعلامية لصحيفة السبيل طيلة فترة الدراسة الممتدة لعام واحد من بداية 11 ايلول 2001/ نهاية ايلول 2002م.

وتكمن أهمية الدراسة في أنها جاءت لسبر غور الخطاب الإعلامي والسياسي لجبهة العمل الاسلامي والتيار الاسلامي الأردني عامة، والتي تمسكبزمام الحركة السياسية الأردنية والحياة الحزبية، وتؤثر بشكل كبير على توجهات وأراء الجمهور الأردني والعربي الاسلامي، كما أنها –أي السبيل- تعتبر من اكثر الصحف الإسلامية تداولاً في المنطقة العربية، حيث توزع بشكل منتظم ودوري (اسبوعي) في داخل الأردن وخارجه، ويشارك بها نسبة غير قليلة من الكتّاب والمفكرين العرب والمسلمين بآرائهم ووجهات نظرهم المتوافقة مع الخطاب الاسلامي عامة والأردني خاصة، وهذا يدفع الباحث لدراسة هذه الحالة لما لها من ثقل ووزن سياسي في تشكيل وصقل الرأي العام الأردني والعربي الذي يتناغم مع الشعارات والاطروحات الإسلامية التي ترفعها الجبهة سياسياً عبر قياداتها وأعضائها البارزين، وإعلاميا بواسطة صحيفة السبيل التي أخذت رواجا ملفتا للنظر في الآونة الأخيرة لأحداث ايلول.