A+ A-
تقدير موقف
2006-07-22
غزال حزب الله بشّر بزلزال كيف تحول "حادث حدودي" إلى تسونامي سياسي طاول الإقليم برمته
بين عشية وضحاها، تغير وجه المنطقة، وتحوّل ما كان يمكن أن يكون حادثا حدوديا محدودا، إلى نقطة تحوّل في مسارات المنطقة واتجاهات الأحداث فيها، وسيكون للحرب الإسرائيلية على لبنان، تداعياتها التي تتخطى لبنان إلى الإقليم بمجمله، فيما الحدث ما زال يتفاعل بتسارع مذهل، سياسيا وعسكريا.
عشية "الوعد الصادق"
لم تكن عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في جنوب لبنان، سوى القطرة الأخيرة التي جعلت الماء ينسكب من الكوب الممتلئ... فالمشهد اللبناني ومن خلفه المسرح الإقليمي كانا يغليان بالتطورات والأحداث التي تدفع على الاعتقاد بأن انفجارا وشيكا سيحدث في مكان ما، وزمان ليس ببعيد.لبنانيا:
 لبنانيا، كان الحوار الدائر بين الأطراف اللبنانية، وبرقابة دولية وإقليمية كثيفة، قد بلغ نقطة الحسم في مسألة سلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية عن لبنان، كان فرقاء الحوار/الصراع، قد بلغوا نقطة لم يعد التقدم بعدها ممكنا، فالحزب مستمسك بسلاحه بأي ثمن، وتحالف 14 آذار، يريد لهذا السلاح أن يسحب من معادلات الداخل وحساباته وتوازناته...حزب الله ومن خلفه ائتلاف لبناني عريض (الرئاسة، الحيش، الشخصيات الموالية لدمشق، أرسلان، فرنجية، كرامي) مدعوم من دمشق وطهران، يريد لملف الجنوب أن يظل مفتوحا وللمسارات أن تظل متلازمة، تارة بحجة تحرير الأسرى وأخرى بذريعة مزارع شبعا، وثالثة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، فيما الفريق المقابل يريد إقفال هذه الملفات وفصل المسارات من دون أن يمتلك بدوره إستراتيجية واضحة حول المزارع والأسرى والانتهاكات، ومن دون أن يلقى تعهدات جدية من حلفائه في الغرب بإقفال هذه الملفات. لبنانيا أيضا، كان واضحا أن ثمار انتفاضة الأرز/ الحرية والاستقلال، قد بلغت طريقا مسدودا، بل أنها بدأت تفقد بعضا من مكتسباتها، بعد أن توقفت إنجازاتها عند حدود معينة...انشقاق التيار العوني (الوطني الحر) أضعف هذا الائتلاف، سوريا نجحت في شن هجوم سياسي مضاد واستعادت بعض مكاسبها في لبنان، المعركة حول رئاسة لحود انتهت بفشل 14 آذار، قيام ائتلافات جبهوية موالية لسوريا (فرنجية، كرامي وأرسلان)، اتساع رقعة التحركات الشعبية المطلبية المحرجة للحكومة، تأخر التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فشل الأمم المتحدة في تنفيذ قراراتها الخاصة بنزع سلاح المليشيات والفلسطينيين، وبالأخص القرار 1559.
 ولبنانيا كذلك، عاد العامل الفلسطيني للدخول على خط الأزمة اللبنانية، وبتشجيع من سوريا، فصائل تحتفظ بسلاحها خارج المخيمات وتشتبك مع الجيش، قوى أصولية تتغلغل في أوساط الفلسطينيين وبتشجيع من سوريا، حماس امتلكت الشرعية للحديث والتحدث باسم الفلسطينيين بمن فيها الفلسطينيين في لبنان، وعلاقاتها التحالفية مع سوريا وحزب الله، أعطت ثقلا لهذا الجناح في الحركة الوطنية الفلسطينية على الأرض اللبنانية.
 إذن، كان من الواضح أن تحالف 14 آذار، لم يعد قادرا على المضي في طريقه وإنجاز أهدافه، وأن خصومه الذين فقدوا مواقعهم دفعة واحدة وبالجملة، أخذوا باستعادتها تدريجيا وبالمفرق، وأن الاستعصاء القائم بين الفرقاء قد أصبح بحاجة لزلزال آخر، يعيد توزين القوى وترتيبها من جديد، تماما كما حدث بعد اغتيال الحريري.
إقليميا: مستفيدة من الغرق الأمريكي في أوحال العراق، ومتشجعة بفوز حماس وهزيمة خط أوسلو وسلطتها، ومستظلة بالبرنامج النووي الإيراني، ومتمتعة بهامش الوقت الذي وفرته تقارير براميرتس حول التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، وجدت دمشق أن الفرصة أمامها ما زالت متاحة لشن هجوم مضاد في لبنان، وقد فعلت ذلك وأصابت قدرا من النجاح من خلال حلفائها وأصدقائها، مستثمرة التشقاقات داخل ائتلاف 14 آذار، والأداء المرتبك لبعض رموز هذا الائتلاف وزعاماته.
 كما أن دمشق، لمست حالة الضعف التي يعيشها المحور العربي المقابل، القلق جراء تنامي قدرة طهران ونفوذها، فعمدت إلى تصعيد لهجة خطابها مع دول هذا المحور، كما تجلى في وقت لاحق في مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة السبت (15 تموز)، وهي المطمئنة إلى متانة تحالفها مع إيران، لا سيما بعد توقيع وزير دفاعها العماد تركماني معاهدة دفاع مشترك مع نظيره الإيراني في حزيران الفائت، وللتطمينات والمساعدات التي تقدمها طهران لها.
 على أن سوريا، تدرك تمام الإدراك أنها وإن خرجت من عنق الزجاجة الضيق للغاية الذي اعتصرها لأكثر من عام على اغتيال الحريري، إلا أنها ما تزال داخل الزجاجة ولم تخرج منها إلى فضاءات الانفراج الحقيقي، وهي تعلم إنها بانتظار نتائج التحقيق في الجريمة وانها قد تواجه قريبا الأسئلة الصعبة من المجتمع الدولي، فمدت يد العون والإسناد والتغطية السياسية لحزب الله، باعتباره أحد أهم أوراق القوة الضاغطة لصالحها، حتى وإن لم يكن بيدها بالكامل.
 فلسطينيا، بدا أن الحرب الإٍسرائيلية على غزة، توشك أن تطيح بحكومة حماس، وتوسع هوامش الانشقاق في صفوف الحركة، وتبعث إلى السطح بتيار معتدل يريد أن يستقل في قراره عن الخارج، وبدا أن الشعب الفلسطيني يدفع أثمانا باهظة لاختياره الديمقراطي المؤيد من جبهة ممتدة من طهران إلى النبطية مرورا بدمشق، فكان لا بد من "تحرك ما"، يصب في تعزيز مواقع حماس ونفوذ قيادة الخارج فيها، أو على أقل تقدير، تعزيز مواقعه ونفوذه، سيما بعد أن تعرض هذا التيار، وإلى حد كبير حركة حماس برمتها، إلى نقد عنيف من قبل تيار عربي مقابل: مصر، الأردن والسلطة والفلسطينية، وإلى حد ما العربية السعودية.
 أما إيران، فهي في وضعية استراتيجية أفضل من حليفتها الشامية، بل ربما كانت في أفضل وضعية استراتيجية منذ عصر الدولة الصفوية كما يذهب بعض المحللين، وهي بحاجة للوقت وتسعى في شرائه بانتظار وصولها إلى شاطئ الأمان النووي، وهي تنظر إلى حزب الله بوصفه المدخل الأكبر، وليس الوحيد، لدورها في الصراع العربي الإسرائيلي والشرق الأوسط برمته، وهي تنظر إلى الحزب بوصفه احتياطيا استراتيجيا وليس مجرد فصيل موال لها، أو جماعة تربطها بها صلات قربى مذهبية.
 ولعلها صدفة، بيد أنها ليست أبدا بلا دلالة، أن يكون أسر الجنديين الإسرائيليين قد جاء بعد ساعات فقط على تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن، وقبيل أيام قلائل من انعقاد مؤتمر الثمانية الكبار المخصص للبحث في برنامج إيران النووي أساسا، وإيران تدرك أن أولى معارك الدفاع عن مصالحها في الإقليم، يتمثل في عدم السماح بهزيمة حزب الله أو تجريده من السلاح، ولهذا كان لافتا أن تصدر التصريحات من إيران، بأن أحدا لن يستطيع نزع سلاح الحزب تحت أي ظرف من الظروف.
 والخلاصة أن الانقسام والاستقطاب في لبنان بين تيار الرابع عشر من آذار، أو ما تبقى منه، من جهة وتيار حزب الله وحلفاء سوريا ومن انضم إليهم من جهة ثانية، قد قابلة انقسام واستقطاب على مستوى الإقليم، بين محور إيران،سوريا، حزب الله وحماس من جهة، ومحور رام الله، عمان، القاهرة والرياض من جهة ثانية، وقد تداخلت الانقسامات المذهبية والطائفية بالانقسامات السياسية، فبدا المحور الأول هلالا شيعيا من دون أن يتمكن المحور الثاني من تشكيل هلاله أو قوسه حتى اللحظة على الأقل.
دوليا:  كان من الواضح أن الولايات المتحدة التي تفقد قدرتها على المبادرة والإمساك بزمامها على أكثر من جبهة، تبدو مستعدة لقتال حقيقي للذود عن انجازاتها في بقية الساحات، فبعد الفشل في العراق السائر نحو التقسيم، وبعد التراجعات في أفغانستان على وقع النفوذ المتزايد لطالبان، وبعد فوز حماس وهزيمة أصدقائها في فلسطين، وجدت واشنطن نفسها في طريقها إلى خسارة ما اعتبرته ثورة برتقالية في لبنان، وبدا أن حكومة السنيورة وتيار جنلاط - الحريري في طريقه إلى خسارة مكتسباته بعد أن توقف عن تسجيل مكتسبات إضافية.
 أعطت واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل لشن الحرب على حماس بالنيابة عن "محور بأكلمه" في مواجهة "محور بأكمله"، تماما مثلما فعلت الشيء نفسه في لبنان عندما أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لضرب حزب الله نيابة عن "محور بأكمله" ومن أجل تأديب "محور بأكمله".
 أما المجتمع الدولي فقد عاد إلى انقساماته وتموضعاته المعروفة في مثل هكذا أزمات...روسيا والصين في موقع المطالبة بالاحتواء ووقف التصعيد، أوروبا منقسمة على نفسها، بريطانيا تتبع واشنطن، وفرنسا تسبغ على سياستها ثوبا أخلاقيا وإنسانيا من دون أن تقوى على تحويل مجرى الأحداث أو تغييرها.
"الوعد الصادق":• لم تكن عملية حزب الله "الوعد الصادق" مفاجأة تامة لإسرائيل، ربما كانت صفعة قوية لهيبة المؤسسة العسكرية والجيش الذي لا يقهر، بيد أن عنصر المباغتة لم يكن موجودا، فحزب الله يتحدث في الإعلام وجلسات الحوار والمهرجانات بأنه سيخطف جنودا وسيبادلهم بالأسرى، والجيش الإسرائيلي أصدر خلال العام الفائت، التعميم تلو التعميم على عناصره ووحداته، بضرورة توخي الحذر لأن حزب الله يخطط لاختطاف جنود وأسرهم.
• ردة الفعل الأولى كانت مفهومة ومبررة في سياق الانفعال والرغبة في الثأر والانتقام، بيد أن الأمر بمجمله تحول إلى استراتيجية جديدة تقوم على تغيير قواعد اللعبة، وبالتشارو اللاحق مع واشنطن، توسعت أهداف الحرب واخذت منحى تخطى الأسرى ولبنان.
• قواعد اللعبة الجديدة ليس جديدة تمام، فإسرائيل تاريخيا تضرب المدنيين والبنى التحتية للضغط على الفصائل المقاومة، وهي تفعل ذلك في غزة بشكل منهجي وطوال سنوات الانتفاضة الثانية، وهي فعلتها في لبنان أعوام 82 و93 و 96، بيد أنها هذه المرة كانت الأعنف والأشمل والأشد تدميرا، ليس لأن ضربة حزب الله موجعة، بل لأن أهداف "رد الفعل الإسرائيلي" تبدو أكبر من أن تتحقق بضربات محدود وعمليات تمتاز بضبط النفس.
• واشنطن رأت في العملية "الوعد الصادق" فرصة للخلاص من حزب الله وسلاحه، وتمهيد الطريق أما ائتلاف 14 آذار لاستكمال ما بدأه، وقصقصة أجنحة سوريا وتقليم أظافرها في لبنان، وإنهاء نفوذها السياسي بعد أن أنهت نفوذها العسكري من قبل.
• واشنطن ومعها تل أبيب، رأت أن توسيع دائرة الأهداف ورفع قيمة الفاتورة من شأنه تأليب اللبنانيين على حزب الله، توطئه لخلق جبهة عريضة من المناوئين له والمطالبين بإنهاء دوره، فيما إسرائيل مهتمة أكثر بـ"سلامة الجليل" وبالأهداف المتصلة بأمنها مباشرة، وهي بخلاف واشنطن ليست معنية بمستقبل الديمقراطية في لبنان، هذا على فرض أن واشنطن معنية بذلك.
• واشنطن كانت تميل إلى توسيع نطاق العمليات وإن بشكل رمزي، كأن توجه ضربات لسوريا (أهداف فلسطينية داخل الأراضي السورية)، إسرائيل قلقة من مغبة توسيع نطاق المجابهة والدخول في حرب لا تعرف كيف تخرج منها أو متى.
• واشنطن تريد أن تصفي حسابا مع محور بأكلمه، إسرائيل ترغب في ذلك، ولكنها لا ترى أن وظيفتها هي أن تقوم بهذا الدور نيابة عن الغرب، فوضعت لنفسها أهدافا تتصل بها، تلتقي مع الأهداف الأمريكية ولكنها لا تختصرها جميعها، أو لا تغطيها بأكملها.
• لهذا لم تجد واشنطن غضاضة في استخدام الفيتو مرتين في أقل من أسبوع، وفي البوح بأنها تمنح الجيش الإسرائيلي مهلة إضافية لإتمام مهمته، ولهذا قالت رايس بالفم الملآن أن الوقت ليس لوقف إطلاق النار بل للتعامل مع جذر الأزمة، وجذر الأزمة بالنسبة لواشنطن هي في وجود هذا المحور برمته، وليس في اختطاف ثلاث جنود على جبهتين.
• واشنطن تريد تلقين سوريا درسا قاسيا في لبنان، وتريد أن تظهر لإيران بأن مجالات نفوذها الحيوي ما زالت تحت مرمى النيران الأمريكية.
الحرب على لبنان: عشرة أيام من الحرب غير المتكافئة أدت إلى وقع دمار شامل في البنى التحتية اللبنانية، تهجير نصف مليون مواطن، مرشحين للوصول إلى مليون، قرابة 400 قتيل واكثر من ألف ومائتي جريح مرشحين للزيادة، لكن في المقابل تؤكد مختلف المصادر أن الخسائر في صفوف حزب الله ما زالت محدودة في السلاح والعتاد والأفراد والبنى التحتية.
 حزب الله تمكن من استيعاب الصدمة الأولى، وتخطي حالة الشلل التي كانت إسرائيل تريد أن توقعه فيها، وقدرة الحزب على الاستمرار فترة أطول في المواجهة ما زالت قائمة.
 يجد الحزب مصاعب لوجستية جمّة، ويجد صعوبات في الوصول إلى مستودعات سلاحه، خصوصا الثقيل منها، وربما لهذا السبب تراجعت قوة النيران الصاروخية للحزب، وتوقف الحزب عن تقديم مفاجآت جديدة، خصوصا في المجال الصاروخي، حيث تقطت الطرق وتوقف حراك الشاحنات التي بمقدورها وحدها نقل الصورايخ الثقيلة من طراز "زلزال".
 الحزب قاتل في المعارك البرية كما لم يفعل من قبل، وكما لم تفعل المقاومة الفلسطينية في معارك مماثلة، والمفاجأة التي يحضرها الحزب كما تقول المصادر ستكون على الأرض وليس في السماء (الصواريخ).
 إسرائيل غيّرت تكتيكها العسكري بعد اليوم العاشر، وعادت إلى خيار الحرب البرية غير المفضل لها، بعد أن أخفقت من الجو في تدمير حزب الله وتفكيكه.
 والتقدير أن المعركة العسكرية ما زالت طويلة نسبيا، وربما تكون بحاجة لأسبوعين على الأقل، لكي تتضح الصورة.
دقة الحسابات وخطئها: يخرج المدقق في مقابلات الشيخ حسن نصر الله وتصريحات باستنتاج مؤدّاه أن الحزب أخطأ الحساب والتقدير في نقطتين اثنتين، كانتا بالنسبة إليه نوعا من المفاجأة القاسية:
 الأولى: رد الفعل العسكري الإسرائيلي التدميري الشامل، غير المسبوق على البنى التحتية والمؤسسات المدنية اللبنانية في كل المناطق وضد مختلف الطوائف، الأمر الذي رفع كلفة المواجهة وضاعف الفاتورة التي يتعين على لبنان دفعها، وربما سيتعين على حزب الله تسديد القسط الرئيس منها، من رصيده الخاص وحسابه المنفرد.
 والثانية: ردة الفعل العربية التي تميزت بتحميله المسؤولية عن التصعيد، ورفع الغطاء السياسي عن المقاومة اللبنانية، وتلكم كانت مفاجأة أخرى، لا تقل وزنا من حيث كونها صدمة للحزب وحلفائه.
الحراك الديبلوماسي:
 لا توجد حتى الآن مبادرات ديبلوماسية جادة، كل ما طرح من سولانا والأمم المتحدة والفرنسيين ليس سوى إعادة انتاج للشروط الإسرائيلية الثلاث:o إطلاق غير مشروط لسراح الجنديين الأسيرين.
o تجريد حزب الله من سلاحه ودفعه شمال الليطاني إنفاذا للقرار 1559.
o بسط سلطة الدولة أو قوات دولية على الجنوب (ما زالت تقابل بتحفظ إسرائيلي)، على أن يرفع عدد هذه القوات ويتغير تفويضها.
 حزب الله رفض هذه الشروط جملة وتفصيلا، وهو مصر على التبادلية والتفاوض غير المباشر، سيقاتل حتى آخر رمق ذودا عن سلاحه، أما قوات الطوارئ أو نشر الجيش، فمسألة تخضع للنقاش.
 رايس ستأتي إلى المنطقة، وستعمل على توفير جبهة عربية – لبنانية من أجل تنفيذ القرار 1559، ويعتقد أنها لن تضغط كثير باتجاه وقف إطلاق نار شامل، قبل أن تحصل على تعهدات بتقليص دور حزب الله على أقل تقدير، والمصادر هنا تتحدث عن أيام صعبة ميدانيا بانتظار وصول رايس، حيث يراهن كل طرف على تحقيق أكبر تقدم على الأرض من أجل تحسين شروطه على مائدة المفاوضات.
 واشنطن قد تبعث برسالة حسن نية للجانب العربي، للتخفيف من وقع الفيتو المستخدم مرتين وللتغطية على الموقف المنحاز على الجبهتين، وتقول المصدر أن رايس تتحرك باتجاه فصل المسارين الفلسطيني عن اللبناني، تحقيق تقدم سياسي على جبهة غزة، وإبقاء سيف الجبهة العسكرية مشهرا في جنوب لبنان.
 معالم الصفقة المنتظرة فلسطينيا:
o الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير.
o الإفراج عن الوزراء والنواب المعتقلين والمختطفين
o الإلتزام لاحقا بالإفراج عن أسرى آخرين خصوصا من النساء والشبان والمحكومين الذين قضوا فترات طويلة في السجون.
o وقف شامل لإطلاق النار (العودة لمربع الهدنة)
o وقف العمليات الإسرائيلية في غزة وسحب الجيش منها.
سيناريوهات الأيام المقبلة: لم تنضج بعد، شروط الصفقة السياسية، ولم تنضج بعد شروط وقف شامل لإطلاق النار...أي وقف لإطلاق النار حاليا، يعني هزيمة لإسرائيل، ستترتب عليه تداعيات على حكومة أولمرت الضعيفة أصلا...وفي المقابل فإن أي قبول من حزب الله بالشروط المطروحة كما هي، تعني نهاية الحزب كما تعني صفعة قوية للمحور الذي يدعمه.
 المعركة البرية ستوفر لإسرائيل مناطق ترفض الانسحاب عنها إلا لمصلحة الجيش أو قوات الطوارئ الدولية، من دون انتظار موافقة حزب الله، وهنا يمكن أن يتوفر مخرج للأزمة في أحد وجوهها.
 أما تسليم الجنديين للحكومة أو لنبيه بري، فيمكن أن يوفر قاعدة لتفاوض أفضل على التبادلية، وهنا تتخطى إسرائيل عقدة التفاوض مع حزب إرهابي، برغم أنها تفاوضت معه في السابق بصورة غير مباشرة عبر الوسيط الألماني، ويخرج حزب الله بما يريد من تبادلية في الأسرى.
تداعيات الحرب – مقاربة أولى:
 يمكن لهذه الأزمة أن توفر للجانب اللبناني الفرصة للحديث عن إغلاق كافة القضايا الخلافية مع إسرائيل: إطلاق سراح من تبقى من الأسرى، حسم مسألة المزارع المحتلة، فضلا عن تزويد الجانب اللبناني بخرائط الألغام التي زرعتها إسرائيل في جنوب لبنان إبان احتلالها له، شريطة أن تتوفر إرادة لبنانية إجماعية وأن يتوفر دعم عربي لهذا المطلب، وفي هذا السياق تبدو الحكومة اللبنانية ومعها طيف واسع من اللبنانيين، مهتمة بجعل هذه الحرب آخر الحروب، ما يستدعي حراكا سياسيا يغلق الملفات جميعها، وهنا يمكن الوصول إلى حل لمشكلة المزارع (شبعا) والمعتقلين وخرائط الألغام، مقابل تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وتحويله إلى حزب سياسي، باعتبار أنه أنجز مهمة تحرير الأرض والأسرى، ويمكن للبنان أن يطلب ضمانات دولية في المقابل، بوقف الانتهاكات الإسرائيلية لحدوده ومياهه وأجوائه والامتناع عن مواصلة الاغتيالات.
 واشنطن تتحدث عن شرق أوسط جديد، وترى أن لبنان – بعد الفشل في العراق- سيكون بوابتها لذلك، أما كيف وبأي ثمن لمصلحة من وبالضد ممن، فهذه أسئلة ما زالت عالقة، بيد أن المراقب يستطيع أن يلحظ ما يلي:
 وقف النار يجب أن يلحظ حل الأزمة اللبنانية من مختلف جوانبها، فهل ستعمد الوزيرة إلى إقناع الإسرائيليين بإغلاق ملف مزارع شبعا، أم ستفرض على اللبنانيين القبول بوضع هذا الملف على رف الصراع العربي الإسرائيلي المعلق؟
 وقف النار يجب أن يمتد إلى جبهات غزة والضفة، فهل ستعمد الوزيرة إلى إعادة الوضع في فلسطين إلى مربع الهدنة والتهدئة، وما المقابل، وكيف ستنتهي حرب واشنطن على حماس حركة وحكومة، وما مصير سياسة الحصارات والعقوبات وشروط واشنطن الثلاث على حماس، هل ستكتفي واشنطن بتوقيع حماس على وثيقة الأسرى، أم ستعتبرها غير كافية كما قالت من قبل، هل تغير أولويات واشنطن على هذا الصعيد، أم أن تجريد حزب الله من سلاحه يملي حكما تجريد حماس من سلاحها، مقابل ماذا وما الثمن السياسي؟
 رايس طالبت سوريا بالانضمام إلى الإجماع الدولي، هل تمنح سوريا فرصة ثانية لتكون لاعبا معترف فيه في المنطقة، ما الذي يتعين على سوريا أن تقدمه لقاء إدراجها في الإجماع الدولي، هل أدركت واشنطن أن دور سوريا في لبنان لم يستنفذ بعد، وأن جهودها هناك مضبوطة لضبط حزب الله وإدماجه في العملية السياسية اللبنانية، هل تنجح واشنطن في فصل المسارين السوري والإيراني، وهل يكون ثمن فصل هذين المسارين، إعادة ربط المسار السوري باللبناني كجائزة ترضية لدمشق، هل تقبل سوريا بهكذا عرض، بل وهل تطمئن إليه ؟...أي بعبارة أخرى، هل يقدم لبنان لسوريا لضمان حيادها أو وقوفها إلى جانب واشنطن في المواجهة مع إيران كما حصل في العام 1990 عندما قدم لبنان لسوريا عربون تقدير لانضمام سوريا للتحالف الدولي ضد العراق بعد غزو الكويت؟...هل الظروف مواتية لصفقة من هذا النوع، أم أن البيئة تغيرت بما يكفي لممارسة الضغط واستخدام العصا، من دون أي حوافز أو جزر تقدم للأطراف الإقليمية الضعيفة حتى التآكل؟
 أين موقع الملف العراقي من "شرق رايس الأوسط الجديد"، ما المطلوب من الأطراف لمواجهة العراق المقسم، وهيمنة الشيعة وإيران على العراق، هل تدعم واشنطن انبثاق هلال أو قوس شني في مواجهة الهلال الشيعي – الإيراني، هل تسعى في كسر الهلال الشيعي في حلقته السورية أم تكتفي بكسر شوكة حزب الله ووقف تمدد الهلال عن المصنع وجديدة يابوس؟....
 سيكون لهذه الحرب تداعياتها على مستقبل العلاقة بين القوى اللبنانية ذاته، فمرحلة فتح الحسابات وتسويتها ستبدأ بعد أن تصمت المدافع، لكن ملامح هذه المرحلة ستتشكل في ضوء الكيفية التي ستنتهي بها هذه المعركة ومواقف الأطراف ومواقعها منها.
 وستتأثر العلاقة بين العرب السنة والشيعة، في ضوء الكيفية التي ستنتهي إليها المعركة، فالانتقادات العربية السنية للشيعة العراقيين بالتواطئ مع الأمريكيين في العراق، يقابلها اليوم إحساس بالتخلي والخذلان لدى بعض الشيعة اللبنانيين والعرب، من قبل أشقائهم السنة، وحكاية الأهلة والأقواس المذهبية تأخذ حيزا في التفكير العربي.
 سيكون لهذه المعركة أثرها في صياغة مستقبل العلاقات السورية اللبنانية، فإن قدر لحزب الله أن يخرج منها غير مهزوم على الأقل، سيتقوى الحضور السوري في لبنان، وإن قدر لإسرائيل أن تفرض أجندتها وشروطها على لبنان، فسيدخل لبنان مرحلة طويلة من التنازع مع سوريا وحلفائها، بل ويمكن القول بأن مصير النظام السوري سيتأثر إلى حد كبير بنتائج هذه المعركة.
 وإذا كانت هذه المعركة قد أظهرت انكشاف النظام العربي وفضحت عوراته، فإنها أسست لعودة المحاور على الساحة العربية، وربما لأول مرة بهذا الوضوح منذ حرب الخليج الثانية.
 وأظهرت هذه المعركة انكشاف الديبلوماسيات العربية وضعف دورها الإطفائي، وبدا من جديد أن الشرق الأوسط، هذه البحيرة العربية، يخضع لتأثير أطراف إقليمية ثلاث: إسرائيل وإيران وتركيا، وأن اللاعب العربي على مسرحها غائب أو مغيب.
مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية