A+ A-
الخليج والشرق الأوسط القضايا والمشكلات وسيناريوهات المستقبل
2001-01-25

"الهيريتيج فاونديشين" ، أحد أهم مراكز الدراسات والتخطيط الاستراتيجي في الولايات المتحدة ، وهو محسوب على الحزب الجمهوري ، ومن بين كوادره وباحثيه ، اختار الرئيس الأمريكي الجديد جورج دبليو بوش كثير من أفراد طاقمة ، بمن فيهم وزير العمل ، هذا المعهد اليميني المحافظ ، قدم دراسة استراتيجية شملت مختلف عناوين أجندة الإدارة الجديدة ، داخليا وخارجيا ، تضمنت قراءة الوضع الراهن ، النجاحات والإخفاقات في شتى الميادين والأفكار المطروحة للمستقبل ، وقد ارتأينا أن ناخذ القسم الخاص بالشرق الأوسط والخليج العربي ، بوصفه المنطقة التي تعنينا ، وفيما يلي النص الكامل لهذا الجزء من التقرير الضخم الذي يقارب السبعمائة صفحة ، وقد أعده عشرات الباحثين والخبرءا في شتى الحقول:
يظل الشرق الأوسط منطقة متفجرة وخطيرة يمكن أن تندلع فيها على شكل مفاجئ حرب أو إرهاب أو مخاطر أخرى على مصالح الولايات المتحدة . وقد انحدرت مكانة وسلطة أمريكا في الشرق الأوسط في ظل إدارة كلينتون من القمة التي بلغتاها في أعقاب انتصار حرب الخليج عام 1991 . واهم سبب في ذلك أن الإدارة الأمريكية لم تفعل ما فيه الكفاية لاحتواء أعداء الولايات المتحدة الرئيسيين في المنطقة و إلحاق الهزيمة بهم - بمن فيهم صدام حسين والثوريين الإيرانيين ذوي الاتجاه المتشدد الذين يهيمنون على السياسة الخارجية ، والراديكاليين الإسلاميين الذين يشجعون على اعمال العنف والثورة ضد الغرب أنظمة الحكم المعتدلة في المنطقة . وما زالت هذه القوى المعادية تشكل تهديدات خطيرة لأمريكا ولحلفائها في المنطقة .
وبينما تم إنجاز تقدم في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية ، فقد جاء الاختراق المبدئي نتيجة محادثات إسرائيلية فلسطينية سرية في أوسلو عام 1993 ، ولم يأت نتيجة لمبادرة أمريكية . وقد تقبل الرئيس كلينتون اتفاقات أوسلو بشغف وسعى لاستخلاص ثمار سياسية محلية من التوقيع الاحتفالي للاتفاقات في حديقة البيت الأبيض في أيلول 1993 . غير أن تنفيذ اتفاق الإطار كان مهمة مضنية وشاقة . وقد ضغطت " الإدارة " على إسرائيل اقرب حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، لتقديم تنازلات إلى السلطة الفلسطينية في سلسلة من الاتفاقات ، وفسرت تفسيرا خاطئا الانتهاكات الفلسطينية المتكررة للاتفاقات .
وربما يؤدي إحياء محادثات السلام السورية الإسرائيلية الذي جاء في كانون الأول 1999 ، والتي كانت مجمدة منذ 1996 بسبب الخلافات حول إمكانية إعادة مرتفعات الجولان لسورية ، إلى قيام الإدارة الأمريكية عام 2000 بالضغط على اسرائيل لتقديم تنازلات يمكن أن تضعف أمنها على جبهة جديدة . وربما تعمد الإدارة الأمريكية إلى ترغيب كل من اسرائيل وسورية بتوقيع صفقة بعرض زيادة ضخمة في المساعدات الخارجية لكلا البلدين ونشر قوات حفظ سلام أمريكية في الجولان . ويمكن أن تكون النتيجة النهائية إضعاف آمن كل من اسرائيل وأمريكا . ذلك أن إسرائيل ستفقد ميزتها الجغرافية الاستراتيجية في الجولان ، بينما تتحمل واشنطن عبء الالتزام بحفظ سلام لا نهاية له في الجولان تضطر فيه أمريكا إلى تحويل قوات قتالية من التزامات أمنية في مكان آخر.
وهكذا ، فان السجل الإجمالي لادارة كلينتون في الشرق الأوسط مخيب للآمال . وسوف تبقى مشكلات هذه المنطقة ترهق صانعي السياسة خلال حقبة الإدارة الأمريكية القادمة . وتشتملا المخاوف الأساسية على ما يلي : 1.سوف يظل الدكتاتور صدام حسين يهدد مصالح الولايات المتحدة في الخليج الذي يشكل المستودع الاستراتيجي لنحو 55 في المائة من احتياطات النفط العالمية . فصدام ، رغم العقوبات الدولية ، يواصل إثارة مواجهات في جهود لا تهدأ لإضعاف التحالف الدولي الذي الحق الهزيمة به في حرب الخليج عام 1991 . وعملت تكتيكاته من " الخداع التقهقر " على تقويض جهود لجنة " الاونسكوم " الدولية التي كانت مكلفة باستخراج وتدمير أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى . وسجل صدام نصرا كبيرا عام 1998 عندما نجح في طرد مفتشي " الاونسكوم " من العراق ، مما ترك له حرية استئناف جهوده السرية لصنع الصواريخ وتطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية . ويواصل صدام كذلك شن حرب دعائية لتقويض العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق . 2. رغم الأعمال الاستفزازية لصدام وجهوده المتواصلة لصنع أسلحة الدمار الشامل ، لم تسع إدارة كلينتون بجد للإطاحة به . ورغم أن الكونجرس اصدر في عام 1998 " قانون تحرير العراق " ، الذي يسمح للإدارة بتحويل مبلغ 97 مليون دولار وإرسال معدات إلى المعارضة العراقية ، لم تعط " الإدارة " للمعارضة سوى معدات مكتبية . وتثير هذه المساعدة الفاترة الشكوك لدى أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط . ويتساءل البعض فعلا عما إذا كانت واشنطن قانعة بمجرد معالجة أعراض المشكلة والتركيز على إجبار صدام للالتزام بقرارات الأمم المتحدة أن هدف الولايات المتحدة يجب أن يكون إزالة صدام من موقع السلطة ، لا مجرد ترويضه . 3. تظل إيران خطرا يهدد الولايات المتحدة رغم الخطاب المعتدل الآتي من طهران هذه الأيام فقد جاء انتخاب الرئيس محمد خاتمي في أيار 1997 ليرفع الآمال بحدوث انفراج في العلاقات الإيرانية الأمريكية . غير أن لهجته الودية لم ترافقها اعمال ملموسة تبرهن على رغبة إيران في إيقاف سياساتها العدائية . وذلك أن دعم إيران للإرهاب وتصديرها للثورة الإسلامية . وجهودها السرية لتطوير أسلحة الدمار الشامل ، والمعارضة العنيفة للسلام بين العرب وإسرائيل ، يلغي الشك على احتمالات تحسن العلاقات . كما أن عروض خاتمي ، كالتي قدمها أثناء مقابلة مع تلفزيون سي أن أن في 7 كانون الثاني 1998 ، يجب الاتثني واشنطن عن مواجهة النشاطات العدائية لإيران. ورغم أن خاتمي يمكن أن تكون لدية رغبة حقيقية في تهدئة التوترات مع الغرب ، غير انه يجد معارضة من جانب المتشددين بقيادة أية الله روح الله علي خامنئي الذي خلف أية الله الخميني كزعيم أعلى لإيران . وسيكون التحدي الذي يواجه صانعي السياسة الأمريكية هو اختبار رغبة وقدرة خاتمي على إيقاف النشاطات الإيرانية المهددة ، بينما يزاولون أقصى ضغط على إيران من خلال العقوبات الاقتصادية .
ولكن إدارة كلينتون خففت ضغوطها الاقتصادية على إيران فقد تخلت عن فرض عقوبات اقتصادية على شركات النفط الأجنبية التي تساعد إيران على زيادة عوائدها النفطية ، مما يزيد من قدرتها على تصدير الإرهاب والثورة . وهذه التهدئة المبكرة للعقوبات انما تقلل الفرص في تغيير إيران لسياساتها المعادية .
وذلك أن البراغماتيين من أمثال الرئيس خاتمي ، الذين يريدون إيقاف الإرهاب الإيراني م اجل الوصول التجارة الخارجية والاستثمار والقروض والتكنولوجيا الأجنبية ، سيجدون صعوبة اكبر في إكساب السياسة الخارجية سمة الاعتدال ، لان المتشددين سيدعون عندها بان إيران تستطيع التعامل تجاوبا مع الغرب بشكل عادي مع الاحتفاظ بسياسات معادية له .
4.يجب أن تكون مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل وسيلة لتحقيق هدف ، وليست هدفا في حد ذاتها ، مثلما تتعامل الإدارة الأمريكية مع ذلك لقد أمكن تخفيف حدة الصراع العربي الإسرائيلي - الذي هو أحد المشكلات العديد التي تثير الزعزعة في الشرق الأوسط - والى حد كبير عن طريق عملية السلام ، لكنه ما يزال يهدد آمن إسرائيل وأنظمة الحكم العربية المعتدلة الموالية للغرب . وإذا تجدد هذا الصراع فانه يمكن أن يشعل التطرف الإسلامي ويتسبب في موجة من الإرهاب الدولي . لقد تمكن ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل من توقيع اتفاق مرحلي آخر - اتفاق شرم الشيخ - مع الفلسطينيين في 13 أيلول 1999 ، و أنعش محادثات الوضع النهائي . وسوف تعالج المحادثات اكثر القضايا إثارة للنزاع ، مثل ترسيم الدود والدولة الفلسطينية والترتيبات الأمنية ووضع القدس والمستوطنات الإسرائيلية واللاجئين الفلسطينيين ومصادر المياه . والهم الأكبر للولايات المتحدة هو كيفية إحراز تقدم في المفاوضات بدون تعريض آمن إسرائيل للخطر . وكانت المحادثات في الماضي تتوقف لان السلطة الفلسطينية كانت تفشل في الوفاء الكامل بالتزاماتها في محاربة الإرهاب وتعديل أجزاء من " الميثاق الفلسطيني " - ميثاق منظمة تحرير فلسطين الذي يدعو إلى تدمير إسرائيل . وكان الإسرائيليون بالتالي يترددون في تقديم أي تنازلات جديدة . وقد أصر نتنياهو ، وهو محق في ذلك ، على تقديم التنازلات المتبادلة ، و أجلت إسرائيل المزيد من الإنسحابات العسكرية من الأراضي المحتلة حتى يفي الفلسطينيون بهذه الالتزامات لكن رئيس الوزراء باراك اتخذ موقفا اكثر لينا ، لكنه في النهاية سيطلب اذعان الفلسطينيين للاتفاقات السابقة ، وذلك قبل التوقيع على اتفاقات جديدة . وعلى واشنطن أن تتذكر وهي تقوم بتسهيل المفاوضات الإسرائيلية مع الفلسطينيين والسوريين ، بان إسرائيل حليف حميم ، وان تمتنع عن الضغط عليها لتقديم تنازلات سوف تقوض أمنها على المدى البعيد .
5.من إحدى التحديات الخطيرة للولايات المتحدة احتواء التطرف الإسلامي الذي يهدد الأنظمة العلمانية في المنطقة ، وكذلك احتواء الإرهاب . ومن أنظمة الحكم التي تواجه التهديد ، الأنظمة الموجودة في الجزائر ومصر والأردن والمغرب وباكستان وتونس . كما يهدد المتطرفون الإسلاميون المصالح الأمريكية بتعزيزهم للإرهاب العالمي ومعارضتهم لعملية السلام العربية الإسرائيلية .فقد خطط الإرهابي السعودي أسامة بن لادن ومول سلسلة من الهجومات الإرهابية من حصنة في أفغانستان على أهداف مقل السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا . وكذلك فان على الولايات المتحدة القيام بخطوات لردع هذا الإرهاب والحد من قدرة المتطرفين من أمثال ابن لادن على الظهور كأبطال جهاد في العالم الإسلامي ضد الغرب .
الحقائق
نمو نظام صدام
رغم خسارة صدام لحرب الخليج ورغم فرض العقوبات الاقتصادية الدولية ، فان دكتاتور العراق يشكل خطرا متزايدا على استقرار المنطقة وعلى المصالح الأمريكية . حقيقة : يبقى الجيش العراقي أقوى قوة برية عسكرية محلية في منطقة الخليج رغم هزيمة الجيش العراقي النكراء عام 1991 والضعف الشديد الذي أصابه من جراء ذلك ، رغم سنوات العقوبات الاقتصادية متعددة الجوانب ، فان هذا الجيش في حالة نهوض . وبعد غزو المنطقة الكردية في آب 1996 ومهاجمة المعارضة العراقية ، اصبح صدام يتعاظم في عدوانية ، في اعتراض أنشطة مفتشي الاونسكوم عام 1997 وإنهاء وجودهم عام 1998 . وتواصل بغداد تحدي منطقي حظر الطيران في شمال وجنوب العراق وتحاول بإصرار إسقاط الطائرات الحربية الأمريكية التي طيرت 28 ألف طلعة جوية لفرض منطقتي حظر الطيران منذ 1991 .
حقيقة : يعتقد بان بغداد اخفت إمدادات من غاز الخردل ، ونوعين من غاز الأعصاب ، وعدة أنواع من العوامل البيولوجية منها الجمرة وسموم التوكسين .
المعروف أن صدام استخدم أسلحة كيماوية غير مشروعة في حرب 1980 - 1988 ضد إيران ثم ضد الثوار الأكراد في مدينة حلابجة عام 1988 . وبعد أن غادر بغداد مفتشوا أسلحة الاونسكوم عام 1998 ، اصبح صدام حرا في تسريع برامج بغداد النووية والكيماوية والبيولوجية ، وكذلك في تطوير الصواريخ ويصر صدام على رفض تفكيك برنامج الأسلحة النووية الذي اكتشف فريق تفتيش الاونسكوم بأنه كان اكثر اتساعا وتعقيدا مما اعتقد في البداية عندما بدأ المفتشون عملهم . حقيقة : نجح صدام في إضعاف العقوبات الاقتصادية الدولية وكذلك في أضعاف نظام الاونسكوم
لقد أعفت الأمم المتحدة الغذاء والدواء من الحظر ومنحت العراق الفرصة لتصدير ما قيمته 1.6 مليار من النفط كل ستة اشهر وذلك لدفع ثمن وارداته تحت الأشراف الدولي . وفي البداية ، رفض صدام ذلك باعتباره خرقا لسيادة العراق ، مفضلا استخدام معاناة شعبه لاستغلال الرأي العام الدولي . ثم وافق فيما بعد على ترتيبات " النفط مقابل الغذاء " ، الذي رفع إلى 10.66 مليار دولار سنويا في مطلع عام 1998 . و أصبحت صادرات النفط العراقي ألان عند مستويات ما قبل الحرب تقريبا .