A+ A-
الإخوان المسلمون في الأردن، بيانات وتحليلات *
1998-06-22

شمويل بار

مقدمـــة:
نالت الحركة الإسلامية في الأردن الاهتمام الدولي في أعقاب اضطرابات نيسان 1989 وما تلا ذلك من الانتخابات النيابية في تشرين الثاني 1989 . وقد سلطت تلك التطورات الضوء القوي على القوة السياسية للحركة أظهرت في الغرب شبح ثورة إسلامية في الأردن على النمط الايراني، تغذيها حركات إسلامية متطرفة كالتي توجد في مصر والمغرب. وبينما تنافس مختلف التوجهات السياسة على النفوذ أثناء الأشهر التي سبقت الانتخابات، كان الإخوان المسلمون يتمتعون بميزة واضحة: بناها التحتية في المساجد والمدارس القرآنية والجامعات التي منحتها قاعدة سياسية جاهزة. ومن ناحية أخرى، كان على الجماعات اليسارية والجماعات الموالية للنظام الحاكم خلق أحزاب سياسية قائمة فعلا – كانت ما تزال محظورة قانونيا – وبناء قاعدتها التنظيمية التي لم تكد تكون موجودة، أو تحويل بناهات التحتية السرية الى بنى سياسية علنية / ولذلك لم يكن من المفاجئ ان يفوز مرشحو الإخوان المسلمين وغيرهم من المرشحين الإسلاميين باثنين وثلاثين مقعدا من مجموع ثمانين مقعدا في البرلمان. وليس تسييس الإسلام امرا جديدا في الأردن. (1) فالإسلام يعتبر منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن على يدي عبد الله، أحد ركائز شرعية النظام الحاكم وبناء الدولة. وكان انتساب الأسرة الهاشمية لقبيلة النبي محمد مصدرا هاما لشرعية حكمها في سورية والأردن والعراق، خاصة وانها كانت تعيش في الحجاز. ولم تكن أيديولوجية " الثورة العربية الكبرى " أيديولوجية إسلامية أقل من كونها عربية، وفسر النظام الحاكم الحاكم سيطرته على القدس عام 1948 على أنها مسئولية إسلامية، لا مجرد مسئولية عربية (2) وحرص كل من الملك عبد الله وحفيده من بعده الملك حسين على الظهور بمظهر المسلم المؤمن، والظهور في الصلاة والمناسبات الدينية، والحج الى مكة وتزيين خطاباتهما بالعبارات الإسلامية (3) وأخذ وضع الإسلام في المملكة صفته الرسمية في الدستور الأردني لعام 1952، اذ نص على ان الإسلام هو دين المملكة وعلى وجوب ان يكون الملك مسلما ومن أبوين مسلمين. وتحددت الشريعة الإسلامية كأحد أعمدة التشريع في المملكة، بينما تحدد اختصاص المحاكم الشرعية بالبت في شئون الأسرة.. ( ولكن، وبخلاف بلدان إسلامية أخرى، حيث يلعب الإسلام دورا محوريا، اختط النظام الأردني طريقا وسطا. فهو لم يعلن مطلقا بان الشريعة الإسلامية مثلما هو الحال في السعودية وباكستان والسودان. كما كفل الدستور الحريات المدنية والمساواة أمام القانون لغير المسلمين (4).ويأخذ الإسلام السياسي مظهرا بارزا في النظام الأردني الحاكم ويلعب تقليديا دورا هاما كقوة اجتماعية وسياسية وله نفوذ واسع الانتشار في المساجد والمدارس. والأخوان المسلمون هم أقدم وأقوى ممثل للتيار الإسلامي في الأردن، وكان أول ظهور لهم في شرقي الأردن وفلسطين في أواخر الأربعينات، وظلوا أحد أشد القوى السياسية والاجتماعية تماسكا وعمق جذور على ضفتي الأردن منذ ذلك الوقت.
وأخذ النظام الحاكم منذ الخمسينات يرعى ويشجع الحركة، وسمح لها بنطاق واسع من الحرية الدينية والسياسية والاقتصادية، بخلاف ملفت للنظر للحظر الذي فرض على الأحزاب السياسية الأخرى. وكان مبرر وجود هذه السياسة هو الحاجة لوجود قوة موازنة للأحزاب السياسية السرية التي أنكرت مجرد شرعية وجود " الكيان الأردني "، وهي الحزب الشيوعي ومختلف الجماعات الناصرية والأحزاب الموالية لسورية والموالية للعراق، ثم فيما بعد المنظمات الفدائية الفلسطينية. وفي نفس الوقت، كان الأخوان المسلمون في الخمسينات والستينات في عداء شديد مع النظام المصري. وكان رد الأردن منح اللجوء السياسي للإخوان المسلمين المصريين ( والسوريين فيما بعد ) ومنحهم قاعدة للعمل في الأردن، وان كان ذلك على نطاق محدود، وذلك ردا على أعمال التخريب المصرية ضد النظام الهاشمي.(5) وفي ظل الحماية الهاشمية، نجح الأخوان المسلمون الأردنيون، لا في مجرد تطوير بناهم التحتية، وانما كذلك في تعميق الروابط مع اندادهم الأقل حظا من الأخوان في مصر وسورية, وفي بلدان بعيدة مثل باكستان وأفغانستان. ولما كان الأخوان في الأردن أحد الفروع القليلة التي لم تتعرض للقمع، فقد عزز ذلك أهميتهم النسبية.
وينبغي النظر للحركة الإسلامية في الأردن في مجرد سياقها السياسي الايديولوجي المحلي. فالحركة الإسلامية هذه، شأنها شأن معظم الحركات السياسية الأخرى في البلد، هي جزء من حركة أكبر داخل العالم العربي الإسلامي. ولذلك، يجب النظر الى الحركة في الأردن، لا من مجرد منظور السياسات المحلية الأردنية ولكن من خلال منظور سياسات الحركة الإسلامية الواسعة. وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الفاعلية الاجتماعية العرقية للمجتمع الأردني. ذلك ان الانقسام في المجتمع الأردني بين السكان الأصليين لشرقي الأردن الذين تحكم مصالحهم في استمرارية " الهوية الأردنية "، والعنصر الفلسطيني الأقل ولاء، يلعب دورا مركزيا في تشكيل معظم الأحزاب السياسية الأردنية.
وتعتبر أصول قيادة الحركة الإسلامية ومدى تركيزها على الجمهور الفلسطيني أمورا حاسمة في فهم سياسة الحركة. وأخيرا، يرتبط اهتمام الحركة الإسلامية في الأردن، لا بمجرد " الجماهير " التي ترغب في قيادتها، وانما كذلك بالنظام الحاكم الذي تعارضه. والنظام الحاكم ( الذي يتمثل في النخبة الحاكمة ) أصبح أكثر علمانية على مر السنين. فلم يعد الورع الذي كان يميز الملك عبد الله والكثير ممن كانوا حوله، والذي كان محل مديح الحركة الإسلامية، نموذجيا للنخبة الأردنية الحالية ذات التعليم الغربي.
والأخوان المسلمون، الذين هم محل الاهتمام الرئيس لهذا البحث، هم أحد الحركات الإسلامية في الأردن، لكنهم اكبر هذه الحركات واشدها خطورة على المدى البعيد. وهناك حركات سياسية أخرى ومنظمات سرية تبني اجندتها السياسية على المفهوم الأصولي أو النقي للإسلام. والكثير منها، مثل حزب التحرير الإسلامي ومختلف فصائل الجهاد الإسلامي والفلسطيني وحماس الفلسطينية، جذور في الأردن وتلعب دورا سياسيا في المملكة. لكنها بشكل أساسي " فلسطينية المركز " في توجهها السياسي وجمهورها. وهناك حركات أخرى، مثل " الدعوة والتبليغ " ذات الأصول الباكستانية ، (6) وجماعة السلفيين " السعودية، جاءت من الخارج، وتظل كذلك غريبة على السياسة الأردنية.
مولد الحركة:
تعود أصول حركة الأخوان المسلمين الى اندماج جماعتين منفصلتين تمثلان عنصري المجتمع الأردني: الشرق أردنيين وفلسطينيي الضفة الغربية. وظهرت الحركة في نفس الفترة تقريبا في فلسطين وفي إمارة شرقي الأردن. واندمجت الحركتان الإسلاميتان تماما بعد اتحاد الضفة الغربية مع شرقي الأردن على كلا ضفتي نهر الأردن.وتأسست " جماعة الأخوان المسلمين " ، المشهورة بالاسم المختصر " الأخوان "، عام 1929 في مصر على يدي الشيخ حسن البنا على خلفية الأزمة السياسية والاجتماعية والفكرية التي سيطرت على مصر إبان الهيمنة البريطانية. وبدأ البنا، الذي كان يتمتع بالحيوية والنشاط، " الدعوة " في قرى مصر العليا، وفي منتصف الثلاثينات أسس حركة جماهيرية مبنية على مبادئ الالتزام الشامل بالإسلام باعتباره الدواء الشافي لجميع أمراض المجتمع. وقامت دعوة البنا على المذهب الحنبلي الصافي معتمدا بشكل كبير على كتابات ابن تــيمية ( القرن الرابع عشر )، مقترنة مع التعاليم السلفية التي ظهرت في القرن التاسع عشر وتنسب الى محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا. وكان جوهر هذه العقيدة القديمة الجديدة التأكيد على صلاحية الإسلامية الأبدية كما جاء به محمد ( أي صلاحيته للعصر الحديث أيضا)، وعلى الحاجة لتنقية الإسلام والعودة به الى وضعه الاصلي (أو " الطريق المستقيم ")، واعتبار المسلمين كلهم جزءا من الامة الإسلامية، واعتبار الإسلام " دينا ودولة ". وبموجب هذا المفهوم الأساسي، طور الأخوان المسلمون في مصر دولة داخل دولة لها مساجدها الخاصة ومنظماتها الخيرية ومدارسها ومستشفياتها وحركة للشبان، وفيما بعد " الجهاز الخاص" السري. غير أن المبدأ الأساسي للتيار الرئيسي للإخوان ظل إقامة مجتمع إسلامي بديل، يعمل أخيرا على إصلاح الدولة ويخضع النظام الحاكم للنظام الإسلامي الصحيح . (7)
وبدأت دعوة الأخوان المصريين تنتشر خارج حدود مصر في مرحلة مبكرة من تطورهم. وتعلن المادة الثانية من " النظام الأساسي " للجماعة بأن " الأخوان المسلمين هيئة إسلامية عالمية "، أي أنها ليست مجرد جمعية سياسية مصرية، ولكنها جمعية يقدر لها الانتشار في كافة أنحاء العالم الإسلامي. ولذلك بادرت المنظمة منذ منتصف الثلاثينات وفيما بعده إقامة صلات مع الجماعات ذات الفكر المشابه في البلدان الإسلامية الأخرى ( بما في ذلك البلدان غير العربية كالهند وافغانتسان ).
كان الفرع الأول والأشد نشاطا في عمل الحركة في الخارج يقع في سوريا، وبخاصة في شمال البلد، في حمص وحماة وحلب واللاذقية وكذلك في دمشق. وبينما كانت هذه الفروع ترتبط بالإخوان المسلمين المصريين، كانت تعرف بأسماء مختلفة، بينما كانت تطلق على الحركة فيما بينها بشكل عام " شباب محمد ". وفي المؤتمر الخامس للجماعات الإسلامية الذي عقد في حلب في عام 1944، اتخذت اسم " الأخوان المسلمين " (8) وفي المؤتمر السادس للإخوان المسلمين السوريين ( في يبرود عام 1946) تم الأعداد للقيام بدور أنشط للحركة السورية في خارج البلاد. ويبدو ان الأخوان السوريين كانوا على اتصال مع مؤيديهم في فلسطين في مطلع الثلاثينات، (9) وكانوا يعملون لتأسيس فرع للحركة في حيفا (10)
وقام أول اتصال للإخوان المصريين والفلسطينيين عام 1927 عندما التقى حسن البنا مع الحاج أمين الحسيني في القاهرة. (11) وتم اللقاء كجزء من نشاط الحسيني لحشد الدعم للموقف الفلسطيني في الصراع مع اليهود حول الحرم الشريف في القدس ولتعزيز شرعيته كرئيس للمجلس الفلسطيني الأعلى. وكان الأخوان المسلمون المصريون يساندون بطبيعة الحال النضال الفلسطيني، لكن الصلات ظلت على مستوى منخفض. وفي عام 1945، أرسل حسن البنا صهره سعيد رمضان الى القدس للمساعدة في إقامة فرع للحركة، وتلا ذلك تأسيس الجمعية في القدس في 26 تشرين الأول عام 1945. (12) كما تشكلت فروع في اللد ويافا وحيفا (13) وبينما كان فرع يافا هو أكبرها وأكثرها نشاطا، تقرر ان يكون فرع القدس، برغبة من البنا، المركز الرئيسي لرئاسة الجماعة ومركز نشاطها ( حتى تم توحيدها مع فرع شرقي الأردن (14).
وكان من البديهي ان يساند المفتي الحركة، وترأس الفرع الجديد نائب رئيس اللجنة العربية العليا، جمال الحسيني. وتم اختيار الشيخ أسعد إمام الحسيني أمينا عاما للحركة، ولعب توفيق صالح الحسيني دورا بارزا في الجماعة الجديدة. (15)
وبعد إقامة المركز الرئيسي في القدس، واصلت الحركة النمو والاتساع. ومع بداية 1947 أصبحت تضم خمسة وعشرين فرعا في يافا والرملة وطولكرم وجنين ونابلس وغزة وخان يونس وبئر السبع والناصرة وغيرها من المدن، ينتسب اليها 12 ألف عضو (16). وكانت جميع هذه الفروع تعتبر نفسها فروعا للحركة المصرية ( بعكس الشخصية شبه المستقلة للجماعة في سوريا في ذلك الوقت ) (17)، وتأسست تحت اسم " الأخوان المسلمون ". ولكن المفتي ظل السلطة الدينية الرئيسية في أعين معظم الأعضاء ولم تكن مواقف الأخوان السياسية متميزة عن مواقف المفتي واللجنة العربية العليا (18).
وعقدت الحركة الفلسطينية أول مؤتمر واسع لها في تشرين الأول عام 1946 في حيفا، وشارك فيه أعضاء من شرقي الأردن ومصر وسوريا ولبنان. ودعا المؤتمر الى مساندة التضامن العربي – والى عرض القضية الفلسطينية على مجلس الأمن الدولي، وتخليص فلسطين من الصهيونية ( مع السماح لليهود الفلسطينيين بالبقاء)، ونشر دعوة الأخوان، وتأييد المرشد العام للحركة ، حسن البنا، ومساندة الحركة في البلدان الأخرى. (19) ولا شك ان مركزية فلسطين لدى الأخوان الفلسطينيين كان الميزة البارزة لنشاطهم وتوجههم في وقت كانت تؤكد فيه الحركات الأخرى على هويتها الإسلامية التي تتخطى حدود بلدانها.
وفي نفس الوقت، تجذرت الحركة في شرقي الأردن، بقيادة الشيخ عبد اللطيف أبو قورة ( ولد عام 1909)، وهو مواطن من السلط ينتسب لأسرة بارزة سورية الاصل، كان قد انتقل الى مصر حيث نال شهادة في العلوم الدينية واطلع على تعاليم الامام حسن البنا. وعاد أبو قورة الى شرقي الأردن في منتصف الثلاثينات كمدير لفرع شرقي الأردن من شركة تجارية كبرى وبدأ ينشر أفكار الأخوان في البلد. والواضح ان جماعة الأخوان الأصلية في شرقي الأردن توحدت تحت قيادة أبو قورة عام 1934، واشتمل المجلس الإداري فيها على ثمانية أعضاء وهم:
أبو قورة ومحمد عبد الرحمن خليفة ( وهو محام من السلط وخلف فيما بعد أباغده كمراقب عام للإخوان في الأردن) وأحمد الخطيب ويوسف البرقاوي والشيخ جميل البرقاوي وممدوح الصرايرة ومفلح السعد ومسلم النابلسي. وسجلت الجماعة كجمعية خيرية عام 1936 (20).
ولكن التأسيس الرسمي لجمعية الأخوان المسلمين في الأردن جاء فيما بعد. ففي عام 1945، قام سعيد رمضان، صهر حسن البنا، بزيارة الى شرقي الأردن كجزء من جولة قادته الى فلسطين (21) وبعد جهد طويل، تم في 9 تشرين الثاني 1945 تسجيل " جمعية الأخوان المسلمين " بشكل رسمي وأصبح أبو قورة أول مراقب عام لها. (22).
وفي 19 تشرين ا