A+ A-
المعارضة الإسلامية في السعودية
2000-08-15

المحتويات
*الفصل الأول : طبيعة الأصولية الإسلامية المتطرفة في السعودية
*الفصل الثاني:
نظام الملك فيصل
*الفصل الثالث:
فقدان السيطرة
المعارضة الإسلامية في أعقاب حرب الخليج

*الفصل الرابع:
رسوخ الأصولية الإسلامية:
تشكيل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية

*الفصل الخامس:
هجوم الأفغان السعوديين

*الفصل السادس:
الغاز لم تجد الحل : المعارضة الشيعية وتفجير الثكنات الأمريكية في الظهران
*الفصل السابع:
احتواء المعارضة: صراع آل سعود مع المنشقين
*الفصل الثامن:
خاتمة:
السعودية ، والمعارضة ، والأمير عبد الله ولي العهد.


المؤلف
يشوع تيتلباوم هو باحث زميل في مركز موشي ديان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية ومدرس في برنامج الطلبة الأجانب بجامعة تل أبيب . ويشتمل ميدان اختصاصه على تاريخ الجزيرة العربية ، وبخاصة تاريخ السعودية ، والتاريخ والسياسة الفلسطينية . وهو مؤلف كتاب "صعود وسقوط المملكة الهاشمية في الجزيرة العربية" (الذي سوف يصدر في لبنان عام 2001 ).وقد نال الدكتور تيتلباوم درجة الدكتوراه في مجال "تاريخ الشرق الأوسط الحديث" من جامعة تل أبيب عام 1996 .
وفي عام 1997 ، وبينما كان يعمل في "معهد واشنطن" كزميل ميرهوف ، بدأ بحثه في هذه الدراسة.
وتعتبر الآراء الواردة في هذا الكتاب آراء للمؤلف ولا تعبر عن وجهة نظر معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" أو وجهة نظر مجلس أمنائه ، او مجلس مستشاريه.


مقدمة:
هناك القليل من البلدان التي تخضع لقيود الإسلام الصارمة على نحو اكبر مما تخضع له المملكة العربية السعودية . ومن المفارقة ، كما يشير المؤرخ يشوع تيتلباوم في هذا الكتاب ، أن الأصولية المتطرفة ما تزال تشكل اكبر خطر على الأسرة السعودية الحاكمة ، حامية اقدس مسجدين ، واكبر مصدر للنفط في العالم.
ذلك أن المعارضة الإسلامية ، التي تتألف من المتطرفين الذين ينتسبون لمذهب السنة السائد ولمذهب الشيعة الأقلية في البلد ، تشكل خطرا جديدا وحقيقيا على آل سعود ، وذلك بالتشكيك في شرعية ادعاء الأسرة بحقها في الحكم بموجب الشريعة الإسلامية .
والواقع أن الأصوليين المتطرفين مصممون على زعزعة صورة السعودية كبلد وحيد حقق تزاوجا ناجحا بين التقاليد والحداثة . وليس في ذلك مجرد تحد عقائدي لنظام الحكم السعودي ، بل على العكس من ذلك ، تشكل المعارضة الإسلامية خطرا حقيقيا على النظام السعودي وعلى الولايات المتحدة التي تقدم مظلة أمنية للسعوديين ولبلدان الخليج الأخرى . وقد ترك المتطرفون الإسلاميون في السعودية آثارهم الجلية العنيفة في الهجمات الدموية ، مثل تفجير أبراج الخبر عام 1996 ضد القوات الأمريكية في الظهران ، والحملات المستمرة لاسامة بن لادن الذي يظل اعتقاله أولوية قصوى لمنفذي القانون الأمريكيين والسعوديين . والواقع أن المصلحة المشتركة لأمريكا وللسعودية في احتواء ذلك الشكل من التطرف الديني الذي يستهدف كلا البلدين على نحو متساو ، لهي إحدى حجارة الزاوية في العلاقات الأمريكية _ السعودية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا البحث الثاني الصادر عن معهد واشنطن في عام 2000 ، والذي يركز على المملكة السعودية ، يقدم الدكتور تيتلباوم مسحا ودراسة شاملة للمعارضة الإسلامية في السعودية . وبناء على سنوات الخبرة التي قضاها المؤلف واكتسبها حول ديانة ومجتمع وسياسات شبه الجزيرة العربية وتخصصه فيها ، فانه يقدم إجابات واضحة للأسئلة الجوهرية حول التحدي الخطير للاستقرار الإقليمي:
من هم الإسلاميون ؟ وما هي أهدافهم ؟ وما مدى خطورة التهديد؟ وما الذي يمكن القيام به لمحاصرته؟وعلى الرغم من الخلافات الحادة مع الولايات المتحدة حول قضايا السياسة الحساسة ، وبخاصة عملية السلام العربية _ الإسرائيلية ، تظل السعودية إحدى أهم البلدان ذات الحيوية الاستراتيجية في المنطقة الأكثر تقلبا في العالم . ولذلك ، فان إدراك المخاطر التي تواجهها السعودية يمكن أن يعمل على تحسين قدرة الولايات المتحدة على حفظ وحماية المصالح الأمريكية في هذه المنطقة الحساسة . ولتعزيز هذا الهدف ، يفخر "معهد واشنطن" بتقديم هذا البحث الهام.
رئيس مجلس الإدارة / مايكل ستين
الرئيس / فرد س.لافتر


الفصل الأول
طبيعة الأصولية الإسلامية المتطرفة في السعودية
أبدت السعودية منذ زمن طويل صورة البلد الوحيد الذي حقق الجمع الفريد والناجح بين التقليد والحداثة . غير أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية شلت منذ حرب الخليج ذلك البلد وأدت إلى ظهور حركة أصولية إسلامية متطرفة تحدت هذه الصورة عن السعودية . وتتشكل هذه الحركة من تكتل من جماعات وتوجهات ليس لها قائد معترف به ، رغم أن العديد من هذه الجماعات يعلن إعجابه وتقديره لاثنين من العلماء الدينيين المعروفين باسم "شيخي النهضة" اللذين أطلق سراحهما في أواخر حزيران 1999 بعد قضاء خمس سنوات في السجن السعودي.
وبخلاف تكوين الدول القبلية الأخرى في الجزيرة العربية ، اشتمل تكوين السعودية بعد الحرب العالمية الأولى ، على تسخير الدعوة الوهابية _ الفلسفة الإصلاحية المتطرفة في القرن الثامن عشر _ لخدمة الأهداف السياسية لاسرة آل سعود . واضطرت أسرة آل سعود ، مثلها في ذلك مثل أي نخبة أخرى تشترك في تكوين دولة ، إلى معالجة القضايا الأساسية المتصلة بالعلاقات بين الدولة والمجتمع ، وبين الدولة والدول الأخرى . غير أن الظروف الفريدة لتأسيس المملكة وتكوينها _التي شكلت فيها أسرة حاكمة واحدة حلفا مع زعيم مذهب إسلامي إصلاحي _حتمت تسيير السياسات في السعودية في ظل الدعوة الوهابية ، وان يكون للعلماء الوهابيين دور هام في تقرير السياسة السعودية.
تعتبر السعودية في الظاهر اكثر البلدان العربية تمسكا بالدين ، غير أن طبيعة الإسلام في السعودية _ أو بالأحرى قضية من الذي يقرر المسار الإسلامي السائد _ يشكل موضوع خلاف منذ تأسيس الدولة . ورغم أن الخلاف لا يظهر دائما في الواجهة ، لكنه غالبا ما يظهر خلال الأزمات الناجمة عن قضايا السياسة الخارجية والتعليم والحداثة والسكان الشيعة في البلد . وقد أضيفت على مر السنين المظالم الاقتصادية والسياسية إلى قائمة المشكلات التي تشكل تحديا للنمط السعودي من الإسلام.


البعد الأيديولوجي
خضعت أيديولوجيات الحركات الإسلامية الحديثة لمحاولات عديدة للوصول إلى تسمية متفق عليها . ويؤكد كل مصطلح من المصطلحات المختلفة على بعد مختلف . فمصطلح "الإسلامية" (Islamism) ، مثلا ، يقترح أيديولوجية شاملة ، بينما يوحي مصطلح "الإسلام السياسي" بحركة تضع الإسلام في مركز السياسات . ويقرر "ر.هرير دكمجيان" بان "انسب اصطلاح لظاهرة الإصلاح" هو أحد المصطلحات الذي يستخدمه الموالون أنفسهم ، "الأصولية الإسلامية" ، لانه يفيد ضمنا البحث عن أصول العقيدة و أسس الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ، وقواعد شرعية الحكم".
وفي الحالة السعودية ، يعتبر الإسلام الرسمي هو الاسلام الأصولي ، من حيث أن الدولة تدعي وهي الخضوع لحكم أصول الشريعة الإسلامية القرآن والسنة النبوية الخالية من البدع في الممارسات والمستحدثات ، والخضوع لحقيقة أن ورثة الدعوة الوهابية الأصولية يعملون لما فيه مصلحة الحكومة وحماية النظام الحاكم .
وافضل وصف لموضوع هذه الدراسة ، وهي الحركة الإسلامية المعادية للمؤسسة الدينية ، هو أنها حركة أصولية متطرفة . ويقود هذه الحركة "علماء" نشأوا وتعلموا داخل نظام الدولة الأصولي ، لكنها متطرفة من حيث أنها تهاجم الأسرة الملكية السعودية وتهاجم العلماء الرسميين لانهم ليسوا أصوليين على قدر كاف ولانهم تخلوا عن الطريق الأصولي الصحيح . ومما يثير الاهتمام ، أن اتباع هذه الحركة يثقون ثقة عالية بمستوى تعليمهم الإسلامي ، ولذا فانهم لا يشعرون بالحاجة للاستدلال بمحمد بن عبد الوهاب لاكتساب الشرعية ؛ وربما كان ذلك أيضا لان علماء النظام والدولة السعودية قد لطخوا صورته إلى درجة لم يعد معها اسم ابن عبد الوهاب يمثل عند المتطرفين المحك الذي يضفي الشرعية.
ولا بد من التوكيد على أن قادة الحركة الأصولية السنية المتطرفة في السعودية ليسوا أشخاصا عاديين وانما هم علماء دين ثائرون على النظام الأصولي نفسه الذي اوجدهم ، بخلاف معظم الزعماء الأصوليين المتطرفين من السنة (من أمثال أبو الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب وحسن الترابي الذين ليسوا أصلا علماء دين) . و رغم أن جذور الحركة راسخة في المؤسسة الدينية الرسمية لكن قيادتها لا تأتي من الصفوف العليا في المؤسسة . ومن المفارقة أن تلك المعارضة السنية المتطرفة أشبه بنقيضها من الحركة الإسلامية الشيعية ، التي تتشكل قيادتها كذلك من العلماء . أما بالنسبة لقاعدة الحركة من الجمهور العادي فإنها تتشكل في غالبها من الأفراد المتعلمين من الطبقة الوسطى.
وتتفق المعارضة السنية في السعودية في بعض الوجوه مع الإسلاميين المتطرفين الآخرين ، وبخاصة في النفور من العلماء الرسميين والشك فيهم . فيؤكد "عمنويل سيفان" في كتابه "الإسلام المتطرف" على أن المتطرفين في مصر وسورية يرون بان المؤسسة الدينية الرسمية تتولى مهمة تأييد مبادرات الحكومة المنافية للشريعة. وقد نقل سيفان عن أحد الإسلاميين قوله "أن ما نفتقر إليه هو العلماء المتحررون من الاعتماد على الوظيفة ومقتضياتها ، العلماء الذين لا يمكن استئجارهم وطردهم ساعة يشاء أحد ، والذين يتمتعون باستقلال اقتصادي ، وبالتالي لا يتقبلون الضغوط ".
ويرى "سعيد حوا" ، منظر جماعة الإخوان المسلمين السورية ، أن " الكثير من المشايخ الجهلة يعتبرون المعارضة لأي نظام سياسي حاكم خطيئة تشبه بدعة الخوارج . ويدرك المرء مدى جهل هؤلاء العلماء عندما يعتبر ، إن كانوا على حق ، إن النبيين إبراهيم وموسى قد اخطئا في مقاومة النمرود وفرعون…" .
ويرى الأصوليون المتطرفون السعوديون أن مجيء ناشطي الإخوان المسلمين إلى المملكة فارين من نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات ، قد أعطى حافزا لأولئك الساخطين على الوضع الديني الراهن في السعودية . فقد كانوا يمثلون نمطا من النشاط الإسلامي الذي اتحد مع الأفكار الإحيائية لابن عبد الوهاب وانتج "نموذجا فريدا من مذهب فعالية إسلامي ناضج ، وجد مجالا للتعبير السياسي عن نفسه أثناء أزمة الخليج وبعدها".
ومن الواضح كذلك ان تغير الأجيال كان عاملا على نمو الأصولية المتطرفة . فقد أقام العلماء الشبان ، الذين تأثروا بأفكار مذهب الفعالية الإسلامي (الذي يؤكد على ضرورة استعمال الإجراءات الفعالة او العنيفة) والذين ضاق صدرهم بالعلماء كبار السن ، حلقات دراسية إسلامية تطورت في الثمانينات . وكان من ابرز هؤلاء العلماء : عايد القرني وعوض القرني وناصر العمر (أطلق سراح الأخير من السجن في حزيران 1999) ، وسلمان بن فهد العودة وصفر بن عبد الرحمن الحوالي (شيخا النهضة) . والذي جعل من هؤلاء الرجال أشخاصا فريدين من نوعهم هو قدرتهم على الجمع بين العلم الديني وإدراك أهمية الأحداث الجارية ومضامينها للمسلمين في أنحاء العالم . وبالإضافة لذلك ، تمتعوا بعلاقات طيبة مع علماء الاتجاه السائد الرسميين ، رغم اختلاف وجهات النظر . وكانت تلك العلاقة بالإضافة إلى حقيقة انهم لم يقدموا اجندة سياسية صريحة ، هي التي حمت العلماء الشبان من اضطهاد الدولة لهم.
مصادر السخط :الجذور الاجتماعية والاقتصادية الأصولية السنية المتطرفة بعد حرب الخليجأجريت دراسات واسعة حول ظهور الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط . ويمكن القول بشكل عام إن الحركات جاءت نتيجة للتحديث ، لا بالمعنى التقني للكلمة وانما كرد فعل للافتقار للتقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي بشر به التحديث . وكما كتب نزيه الأيوبي في "الإسلام السياسي" ، فان "الإسلاميين ليسوا غاضبين لان الطائرة حلت مكان الجمل ، وانما هم غاضبون لانهم لا يستطيعون ركوب الطائرة". وعلى الرغم من توفير البرامج التعليمية المزدهرة ، فشل الكثير من أنظمة الحكم في توفير الفرص الكافية للاستخدام والعمل وتوفير فرص التقدم الاجتماعي . وبذلك قدمت الحركات الإسلامية آلية للدفاع عن القيم أمام الخطر المنظور للحداثة . وتقدم الأصولية الإسلامية أيديولوجية شاملة تعد بتوفير حلول لكافة أمراض المجتمع . كما تتمتع بمزية تقديم نفسها كأيديولوجية حقيقية موثوقة ، أيديولوجية هي ظاهريا غير مستوردة من الغرب أو ملوثة بادرانه.
وكذلك نجد أن الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي أدت إلى ظهور الأصولية الإسلامية في أماكن أخرى من الشرق الأوسط ، موجودة في السعودية ، حيث ربما تكون "التوقعات المحبطة" اكبر مما في سواها بسبب بشائر ثروة النفط . لكن السعوديين اكثر رفاهية اقتصادية من الكثير من البلدان في العالم العربي . ولذلك لا بد من ملاحظة اختلاف هام ؛ وهو أن السعوديين يفخرون بعيشهم في مهد الإسلام . فهم ينعمون بالدفء في وهج الكعبة ويمكنهم الصلاة كل يوم في المسجد النبوي بالمدينة . وتؤكد الحكومة السعودية ، اكثر من أي نظام حاكم آخر ، على حقها في الحكم باسم الإسلام . وتوكيدا لهذا المعنى أطلق الملك فهد على نفسه لقب "خادم الحرمين الشريفين" ( في مكة والمدينة) ، وهو لقب كان يختص به في السابق خليفة المسلمين . وعندما يدرك المسلمون السعوديون أن حكومتهم لم تعد تحكم بموجب الشريعة الإسلامية كما يعرفونها ، يتضخم التنافر ويصبح ملائما للأصولية المتطرفة.


الكوارث الاقتصادية والمأزق الديموغرافي
تشتهر السعودية بكونها "الدولة صاحبة الدخل" . ذلك أن دخلها يجئ ، لا من الضرائب ، وانما من دخل سلعة ، وهي النفط ومشتقاته . وتوزع الحكومة قدرا كبيرا من دخل النفط على مواطنيها بدلا من جمع جزء من دخل المواطنين . وتلتزم السعودية "بعقد اجتماعي" غير رسمي مع رعاياها : توفر الحكومة نظام رعاية اجتماعية من "المهد إلى اللحد" وتوفر فرص العمل في القطاع العام ، ومقابل ذلك يتنازل الناس عن حقهم في التمثيل في الحكم.
كان هذا الترتيب يعمل بشكل سلس في سنوات الازدهار التي شهدت ارتفاع أسعار النفط . ولكن مع انحدار أسعار النفط في منتصف وأواخر الثمانينات ، بدأت السعودية ، مثل بلدان الخليج الأخرى ، تعاني من فترات اقتصادية صعبة . فقد انخفض دخل عوائد النفط من نحو 118 مليار دولار عام 1981 إلى مجرد 18 مليارا عام 1986 ثم ارتفع عشية حرب الخليج عام 1990 إلى 40 مليار دولار . وكذلك انخفض الناتج المحلي الإجمالي السعودي من 155.1 مليار دولار عام 1981 إلى 73.2 مليارا عام 1986 ، لكنه عاد للارتفاع إلى 104.7 مليار دولار عام 1990. وكان يمكن معالجة هذا الوضع لو أن عدد السكان في السعودية لم يرتفع بشكل مثير . فعندما كان عدد السكان نحو 9.8 مليون نسمة عام 1981 كان معدل دخل الفرد 15810 دولارات من الناتج المحلي الإجمالي . لكن ارتفاع معدل النمو السكاني أدى لزيادة السكان إلى 13.8 مليون نسمة عام 1986 ، مما خفض معدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5479 دولارا فقط . وفي عام 1990 ارتفع عدد السكان إلى 14.9 مليون نسمة بينما ارتفع معدل دخل الفرد قليلا إلى 7039 دولار . ومقارنة مع ذلك ، بلغ معدل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة 13551 دولارا عام 1990.
وبالإضافة لذلك ، أدى ارتفاع معدل نمو السكان في السعودي إلى ظهور هرم توزيع عمري يميل بشدة في اتجاه الشباب . فمثلا ، كان 49 في المائة من السعوديين عام 1990 عشية حرب الخليج تحت سن العشرين ، بينما كانت النسبة 28 في المائة فقط في فرنسا و 29 في المائة فقط في الولايات المتحدة . ورغم أن الحكومة السعودية لا تنشر إحصاءات حول البطالة ، فان المصادر الغربية تضع عادة الرقم تقريبا من 25 في المائة.
قرب بداية حرب الخليج ، كانت الحكومة السعودية تجد صعوبة متزايدة في توفير الخدمات التي اعتاد السكان على توقعها . وكما هو الحال في بلدان إسلامية أخرى ، كان الإسلاميون يملأون الفراغ . فمثلا ، كان "الصندوق الخيري لمساعدة زواج الشباب" ينشط في مساعدة الكثير من السعوديين الذين لم يعودوا قادرين على تحمل أعباء الزواج من مهر وحفل زفاف وأثاث لبدئ حياة جديدة . وكانت النساء السعوديات بحاجة لملابس زفاف ، وقدم الصندوق الخيري تلك المتطلبات . وكان يدير هذه المنظمة "رجال ملتحون يلبسون أثوابا قصيرة وكوفيات راس غير مربوطة" _ كما كان يفعل "الإخوان" السعوديون من اتباع الدعوة الوهابية ، وكما يفعل الكثير من الأصوليين المتطرفين حاليا في السعودية.
وكجزء من الصفقة التي تضمنت التهميش السياسي لعلماء الدين (التي نناقشها لاحقا) ، أعطى النظام الحاكم علماء الدين صوتا رئيسيا في قضايا التعليم بما في ذلك التعليم العالي . ونتج عن هذا الاتفاق نفوذ قوي للأصوليين في التعليم السعودي ، وحتى في الجامعات التي لم تخصص للعلوم الإسلامية ، لان أساتذة المواد الإسلامية كانوا في الغالب إسلاميون من مصر ومن بلدان أخرى . وخلق ذلك الترتيب والنظام مزيجا قويا من نخبة متعلمة وعلماء ذوي تعليم علماني واصحاب رسالة أصولية . وكانت الأصولية السنية المتطرفة بعد حرب الخليج هي إلى حد كبير من فعل أشخاص في الجامعات حيث تطورت شباك تعدت الخطوط القبلية والمناطقية.
وقاد نمو المؤسسات والمعاهد التعليمية في الداخل إلى التردد في إرسال السعوديين للخارج ، وبخاصة إلى الولايات المتحدة . وكان عدد السعوديين الدارسين في الخارج قد وصل الذروة في منتصف الثمانينات حيث بلغ اكثر من 12.500 طالب ، ثم انخفض عام 1990 إلى 3554 ، ولم يزد إلا قليلا عن 3.400 طالب عام 1996 . وعلى وجه العموم ، لا تمول الحكومة السعودية الآن التعليم في الخارج لدارسي المواد والبرامج الموجودة في الداخل . رغم أن الدراسة في الغرب لا تحتم . ورغمتشرب القيم العلمانية أو التحررية ، يبدو من المؤكد أن ازدياد عدد الطلبة الذين ظلوا في داخل البلد يدرسون في النظام السعودي المعزول قد أوجد أرضية خصبة لتطور الأصولية السنية المتطرفة.
ويعتبر التعليم العالي مجانيا في السعودية . وتتمتع شهادة الدبلوم الجامعية بالسمعة الطيبة ، ولذلك تتردد السلطات في حرمان الطلبة منها . غير أن مستويات التحصيل تدنت وذلك للسماح لأي شخص بالتخرج من التعليم الجامعي . وكانت الدبلوم الجامعية قبل فترة التباطؤ الاقتصادي في منتصف الثمانينات تضمن لصاحبها الاستخدام في الحكومة . غير انه اصبح من الأكثر صعوبة إيجاد أعمال للجميع في بداية القرن الحادي والعشرين . ويختار