A+ A-
الدّوامــة الأفغانيــة
2000-09-01

إيلي كراكوسكي

أفغانستان … إن هذا الإسم يعيد إلى الذاكرة ويستحضر صورة بلد ناء ، دخل في حرب مع السوفييت، وأصبح الآن ملجئاً للإرهابيين الدوليين وللمخدرات. ويعتبر هذا البلد صغيراً وفقيراً، وهو من أقل البلدان نمواً في العالم . فهو يفتقر إلى السكك الحديدية، وبه شبكة من الطرق البدائية، ويضم واحدة من أصعب الأراضي وأكثرها وعورة في العالم ، تتخللها جبال لا يمكن عبورها. وأهله يتسمون بالعنف. وهو كما يصفه "جاسون جودوين": "بلد ابتلع حضارات وغطاها بالرمال . لقد شهد حفريات ورسم خرائط له، وخضع لسلطان غيره، ولكن ما الذي يمكن له تغيير حقيقة أن صحاريه جرداء أبداً، وجباله واسعة وأنه شديد عن البحر؟".إذن، لماذا قامت بلدان وأمم كثيرة بشن الحروب فيه وتقاتلت عليه؟ ولماذا نهتم به الآن؟ السبب في ذلك هو أن أفغانستان ملتقى الطرق بين مركز العالم وشبه القارة الهندية. فهو يكتسب أهميته من موقعه عند التقاء الطرق الرئيسية في العالم. وهو يشكل حداً بين القوة البرية والقوة البحرية، ونقطة التقاء للقوى المتصارعة. وقد استخدمه الاسكندر الأكبر كطريق لتحقيق الإنتصارات والفتوحات، تماماً مثلما فعل المغول. وكانت أفغانستان محورا للتنافس بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في القرن التاسع عشر، كما أصبحت مصدراً للخلاف والنزاع بين القوتين العظميين الأمريكية والسوفييتية في القرن العشرين . ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت معبراً هاماً للبحر بالنسبة لدول آسيا الوسطى الجديدة المحصورة داخل حدود برية بعيداً عن المياه الدافئة . وقد أدى وجود رواسب ضخمة من النفط والغاز في تلك المنطقة إلى جذب البلدان والشركات متعددة الجنسيات. فهناك روسيا والصين ، وباكستان والهند ، تحاول كلها بقوة تشكيل مستقبل شعب هو من أعصى بلدان العالم على التغيير. ولأن أفغانستان محور استراتيجي رئيسي في العالم، فإن ما يحدث فيه يؤثر على بقية بلدان العالم.
إننا نشاهد في أنحاء العالم سرعة ظهور دول جديدة (أو كيانات تسعى لكي تصبح دولاً). كما نشاهد إنهيار سلطة دول أخرى. ويصح ذلك على معظم افريقيا، وأجزاء كبيرة من الاتحاد السوفييتي السابق، وفي آسيا الوسطى وجنوب آسيا. ويمكن اعتبار أفغانستان حالة نموذجية لذلك. ومن المؤكد أنها تظل مثالاً واضحاً لما يمكن أن تزاوله كيانات ، تبدو غير هامة، من نفوذ وتأثير على مجرى الأحداث الكبرى، لا يتكافأ مع أهمية هذه الكيانات.
واليوم ، نجد أن معظم الدول الفاعلة في مأساة أفغانستان ، ضعيفة وتعاني من مشكلات داخلية، وتواجه توترات في علاقاتها الدولية. فنجد باكستان، اللاعب المهيمن حالياً، تعاني من ضائقة اقتصادية خطيرة، وتواجه اضطرابات داخلية متصاعدة وعنفاً طائفياً، بالإضافة إلى توترات متصاعدة مع الهند حول كشمير. وهناك روسيا التي تسير من أزمة اقتصادية إلى أخرى، وتواجه قلاقل عرقية كبرى، بما في ذلك حرباً فدائية طويلة في الشيشان. كما أن نظامها السياسي غير متوازن. وقد تساءل البعض عن مدى قدرة موسكو على السيطرة على ولاياتها البعيدة مترامية الأطراف، ناهيك عن محاولتها مزاولة نفوذها في الخارج. وهناك جمهوريات آسيا الوسطى التي تواجه صراعاً عرقياً وطائفياً حقيقياً أو كامناً. وتتعرض جميعها كثيراً للتدخل الخارجي، وبخاصة من روسيا. كما تشهد المؤسسات الداخلية في إيران التمزق والتجاذب بين زمر من النخب الدينية الحاكمة التي لا تتمتع بالشعبية . وكذلك نرى الصين ، التي تعتبر بلا شك أقوى دول الجوار، تواجه وضعاً غير مستقر في ولاية زنجيانغ المسلمة، المتاخمة لحدود باكستان وأفغانستان وكزاخستان الشمالية الشرقية، في الوقت الذي تشعر فيه السلطات الصينية بالقلق حول سيطرتها على سكانها. فقد أدى التحديث والتقدم الاقتصادي السريع إلى ظهور ضغوط واتجاهات تدعو إلى اللامركزية تتعارض مع متطلبات السيطرة الشيوعية. إذن ، لماذا تتدخل هذه الدول جميعها في أفغانستان ، وما هي فرصها في الوصول إلى ما تريده؟
باختصار، ليس لهذه الدول فرصة للنجاح في هدفها الرامي إلى السيطرة. فباكستان التي تتولى حالياً زمام المبادرة في أفغانستان تواصل محاولة إقامة حكومة خاضعة لها بقيادة طالبان، التي تتشكل من حركة إسلامية متطرفة غالبيتها من طائفة البوشتان. وعلى الجانب الآخر، تقع غالبية الأطراف الباقية المهتمة بمجرى الأمور: تحالف غير وثيق معاد لباكستان ولطالبان يضم روسيا وإيران ومعظم دول جمهوريات آسيا الوسطى والهند. وترتكز استراتيجية باكستان على ارتباطها مع البوشتان، وهم الجماعة العرقية الأشد انتشاراً في أفغانستان، ويعيشون في الجنوب الشرقي، بينما يعتمد خصومها على الأقليات العرقية التي تعيش في الشمال من طاجيك وأزبك، وعلى الشيعة في الوسط. وهذا التحالف، حتى لو نجح عسكرياً، لن يكون قادراً على حكم أفغانستان بشكل فاعل أكثر مما يقدر عليه البوشتان .
ويخشى جميع جيران أفغانستان من انتشار خطر الأصولية الإسلامية، التي تمثلها طالبان، داخل حدودها وأراضيها. فقد سعت روسيا منذ البداية إلى إبقاء جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية سابقاً داخل الفلك الروسي، ويعني ذلك جزئياً استمرار اعتماد هذه الجمهوريات على روسيا. لكن افتتاح طريق تجاري جديد لجمهوريات آسيا الوسطى يمر عبر أفغانستان وباكستان إلى المحيط الهندي يقضي على هذا الهدف. وكذلك سعت إيران إلى منع احتمال تدفق نفط آسيا الوسطى وغازها عبر افغانستان ، كما حاولته إيران تثبيط وإعاقة بإنشاء أي خط أنابيب لا يمر بإيران نفسها. ويعتبر منع تدعيم السيطرة الباكستانية على أفغانستان أسهل من تثبيت باكستان لهذه السيطرة والإبقاء عليها. ولكن ، كما سنرى، ربما لا تتطلع باكستان إلى الاستقرار بالطريقة التي يعرفها الغرب. كما أن محاولة إدامة حالة ما يمكن أن نسميه "الفوضى الموجهة" ، يعتبر " لعباً بالنار" ، كما كان السوفييت مولعين بتسمية مثل هذه الحالة.
وتفيد جميع الأطراف من عدم الوصول إلى حل جذري للصراع في أفغانستان. فلم يبد أي طرف حتى الآن ميلاً لمحاولة الوصول إلى هذا الحل. ومن الواضح أن الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، لا تأمل في إرشاد الأطراف المختلفة إلى السياسات التي تصب في صالحها. ولكن الصفحات التالية تشير إلى فرص متوافرة للغرب لإيجاد استقرار في أفغانستان.
شهد القرن العشرين في أفغانستان هجومين استراتيجيين على هذا البلد. كان الأول من 1978 حتى 1989، دفعت به موسكو وأدى إلى فشل مأساوي أسهم في إنهيار الاتحاد السوفييتي. وتلا نهاية الهجوم الأول فترة انقطاع غامضة وقصيرة استمرت ثلاث سنوات، من 1989 إلى 1992، شهدت انهيار الهجوم السوفييتي وخلق فراغ سياسي هام. وقدم هذا الفراغ السياسي لباكستان فرصاً لم تكن تتوقعها. أما الهجوم الثاني، من 1992 وحتى الآن، فقد اتجه نحو الشمال، برعاية إسلام أباد. وبينما يبدو أنه أصيب بالإرهاق، ما يزال يسير في نفس الطريق والنمط المحزن الذي رسمه الاتحاد السوفييتي من قبل. وجاء النجاح المبدئي الذي قاد عام 1997 بعض المراقبين إلى إعلان انتصار طالبان والسعي إلى التكيف مع حالة الوضع الراهن، لكنه أفضى بحلول 1998-1999 إلى مأزق. وفسر عجز طالبان عن تحقيق نصر نهائي بأنه يقود إلى نهاية هذه الحركة. فهل ستواجه إسلام أباد في وقت قريب خياراً مثل الذي واجهته موسكوا عامي 1978 و 1979؟ أم أن هناك قيوداً على باكستان لم توجد من قبل على الاتحاد السوفييتي؟ وعلى أي حال، هل هناك سبب للإعتقاد بأن إسلام أباد سوف تنجح حيثما فشلت موسكو؟ أم أن هناك طريقاً للخروج عن النمط الذي ترسخ وساد؟ في الصفحات التالية نسبر غور نمط الهجومين اللذين أشرنا اليهما سابقاً ومحاولات لمواجهة ومعالجة هذه الأسئلة.
الهجوم السوفييتي (القادم من الشمال)، 1953-1989

وصف الأمير عبد الرحمن، الزعيم الأفغاني في أواخر القرن التاسع عشر، بلده بماعز بين أسدين-وكان حينها هدف لعبة كبيرة روسية بريطانية ، وقد وصفت تلك العبارة المناسبة وضع أفغانستان بين ضغوط الإمبراطوريتين. وجاء إنسحاب بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية ليفسح المجال للتوسع الروسي.
وبالإضافة لذلك، عملت السياسة الاستعمارية البريطانية على خلق علاقات عدائية بين أفغانستان ودولة باكستان الجديدة منذ البداية. وكانت أفغانستان الدولة الوحيدة التي صوتت ضد دخول دولة باكستان الجديدة وإنضمامها للأمم المتحدة. وكانت الحدود بين الدولتين-ما يسمى خط دوراند – نتيجة تنازلات مفروضة من بريطانيا على أفغانستان العاجزة عن الرفض، وذلك في القرن التاسع عشر. وقد أدت الحدود إلى فرض تقسيم وتفريق قبائل البوشتان على جانبي الحدود، وأصبح ذلك مصدر نزاع بعد ذلك. وقد ساعد ذلك النزاع الإتحاد السوفييتي على التغلغل التدريجي في أفغانستان .
بدأ الإهتمام والنفوذ الروسي في البلد في مطلع الحقبة الثورية. لكن الزخم السوفييتي للسيطرة على أفغانستان بدأ عام 1953، عندما تسلم رئاسة الوزارة في كابل محمد داود، ابن عم ملك افغانستان، وتقبل العرض السوفييتي بالمساعدة للوقوف في وجه باكستان. وبدأت المساعدة العسكرية السوفييتية بمبادرة من داود، بما في ذلك تدريب الضباط الأفغان في الاتحاد السوفييتي. ومع ذلك، حاولت أفغانستان موازنة علاقاتها المتنامية مع موسكو بطلبات متكررة بالمساعدة الإقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة. ولكن معضلة كبيرة ظهرت في منتصف الخمسينات. فقد عارضت باكستان ، حليفة أمريكا الجديدة، أي مساعدة عسكرية أمريكية لأفغانستان.
ومنذ ذلك الحين لم يجد النفوذ السوفييتي في أفغانستان تحدياً من أي قوة أخرى. ورضيت الولايات المتحدة بترك ذلك البلد داخل منطقة نفوذ السوفييت، وتخلت عن أفغانستان بضم باكستان داخل دائرة حلفائها. ومع حلول عام 1960، كانت موسكو قد طلبت بأن يكون لها مستشارون سوفييت في كل وزارة أفغانية. ومثلما هو الحال في بلدان أخرى، عملت موسكو من خلال هياكل الدولة وكذلك من خلال تشجيع تطور ونمو حركات شيوعية محلية. وتشكل عام 1965 الحزب الشيوعي الأفغاني (حزب الشعب الديمقراطي لأفغانستان)، وجاء ثمرة تحركات الملك وخطواته الديمقراطية في العام السابق . وفي عام 1973، أطاح رئيس الوزراء السابق داود بالملك وأعلن الجمهورية بدعم من الجيش الموالي للسوفييت وضباط القوات الجوية، والحزب الشيوعي.
وجاء الإنقلات ملائماً تماماً لرغبة موسكو في بسط المزيد من سيطرتها على الشئون الأفغانية. وكان لقائد الإنقلاب، ابن عم الملك، مصداقية لدى السوفييت. ولكن ، لأن داود كان من أقرباء الملك، كان التغيير يعتبر ببساطة جزءاً من الصراع الداخلي في الأسرة الحاكمة، وبالتالي كان مقبولاً عند الشعب الأفغاني. أما التحول من الملكية إلى الحكم الجمهوري من خلال زعيم وطني، فإنه سيكون في نظر العالم الخارجي حركة تقدمية تتمشى مع توجهات التحديث. وكان هناك كل سبب للإعتقاد بأن المصالح السوفييتية ستتدعم بدون إثارة معارضة ذات أهمية.
ولكن سرعان ما خاب أمل السوفييت. فالذي حدث بعد ذلك كان من طبيعة أفغانستان: فقد شعر داود، مثل الكثير من القادة الأفغان قبله ومن بعده، أن باستطاعته استغلال السوفييت والحد في نفس الوقت من استغلالهم له ولبلده إلى أدنى قدر ممكن. وحالما تولى داود السلطة، بدأ إزاحة مسانديه من الشيوعيين عن مراكز النفوذ. وفي الخارج، سرعان ما عكف على تحركات وقام بسلسلة من الإجراءات لتحسين علاقاته مع الدول المجاورة والدول الإسلامية ذات الصبغة الدينية. ولكي يؤمن موقفاً أكثر استقلالية ولتنويع قاعدة دعمه الداخلية، بدأ إرسال الضباط العسكريين الأفغان إلى مصر والهند للتدريب. وقبل الإطاحة به عام 1973 كان قد بدأ خطوات مماثلة مع باكستان.
تلت الإطاحة بالملك، واغتيال داود بعد خمس سنوات من ذلك، محاولات من زعيم أفغاني لتحسين العلاقات مع دول الجوار، وبخاصة باكستان، لكنه سرعان ما أزيح عن السلطة. فقد خاب أمل موسكو ولم تقنع بالسيطرة غير المباشرة وقررت الاعتماد على الشيوعيين. ولذلك قام إنقلاب 1978 وجلب إلى السلطة جناح "خلق" (الجماهير) من حزب الشعب الديمقراطي لأفغانستان. وسرعان ما تقدم الشيوعيين لتنفيذ برنامجهم الماركسي، الذي استدعى السيطرة على كافة مناحي الحياة الأفغانية.
لكن الأفغان الذي اعتادوا الحياة القبلية التقليدية المستقلة ظلوا غير مبالين بكيفية إدارة حكومة مركزية. غير أن سطوة الحكام الجدد واعتدائهم على هذه الحياة المستقلة وعلى عقيدتهم الدينية أثارت وحفزت على ظهور مقاومة مسلحة كبيرة. وعندما بدأت المقاومة الشعبية عام 1978، وجد نظام الحكم المدعوم من السوفييت نفسه في وضع صعب.
ومع ذلك، لم يكن السوفييت مضطرين لغزو أفغانستان. كان يمكن لموسكو أن تعدل من سياسة المساعدة العسكرية القائمة حينذاك وأن تجلب مكان نظام الحكم الشيوعي القائم "زعيماً" مرناً غير شيوعي، وسلوك طريق تدريجي لتطبيق الشيوعية اللينينية. ولو فعلت ذلك لحرمت المقاومة من سبب وجودها . كان قرار التدخل بقوة عسكرية ضخمة مثار جدل وخلاف خطير داخل القيادة السوفييتية. ومع أن النظام الشيوعي الحاكم كان يواجه مشكلات لكنه لم يكن على حافة السقوط. ذلك أن المقاومة كانت، رغم اتساع نطاقها وتأثيرها، ضعيفة السلاح وتفتقر للتنظيم. وكانت موسكو تنظر في البداية إلى التدخل العسكري على أنه إبراز ضخم للقوة يخيف حركة المجاهدين الأفغان، التي كانت تتولى المقاومة. كان ذلك يعتبر في نظر السوفييت الطريق المختصر لحل مشكلة مقلقة بقوة وحشية.
كانت العمليات السوفييتية الأولى تسير على نمط الغزو السابق لتشيكوسلوفاكي�