A+ A-
حقوق المرأة بين الدين والتشريعات والمواثيق الدولية
2009-10-31
لم تعد قضية وواقع المرأة العربية والمسلمة قضية خاصة بالمنطقة العربية ولا بالعالم الإسلامي وحسب، بل إنها أيضاً موضوع يشهد مداً وجزراً على مستوى العالم. ولعل أهم ما يلخص هذا الجدل هو موضعة المرأة العربية والمسلمة، بين مطرقة اتجاه «تحرري» يضعها والرجل العربي على طرفـي نقيض، ويطلب اليها التجرد من ثقافة «تأسرها» و«تضطهدها»، وسندان آخر ينعت بـ «المحافظ» يكبل حياتها الخاصة بما لايتوافق والقرن الحادي والعشرين، ولايرى لها مكاناً في المجال العام إلا من خلال حدود يرسمها فهم معين لـ «الدين» وتحددها «العادات والتقاليد». وفي الأردن تجد المرأة نفسها - كما هو حال شقيقاتها في المنطقة - موضوع جدل حامٍ يدور بين الحركة النسائية ومن يمثلها من تنظيمات، وبين فاعليين سياسيين أُخر يحتل مقدمتهم «التيار الإسلامي» والعديد ممن يمثل «العشائر»، لكل من هؤلاء تصوره لواقع المرأة ورؤيته للتغيير. والمرأة ضمن سياق هذا الجدل - الذي يشكل في جوهره امتحاناً مهما لديمقراطية الدولة وهوية الديمقراطية بشكل خاص - تُمنَحُ تارة «حقوقاً» عرَّفتها الأجندات الدولية على أنها عالمية وعامة (Universal)، وتحرم تارة أخرى من «حقوق» بإسم الخصوصية الثقافية (Culture Relativism) المستندة إلى تباين الدين والعادات والتقاليد.
والتغيرات التي طرأت على وضع المرأة الأردنية في العقود الأربعة المنقضية، هي خير ما يمثل هذا الجدل. فمنذ منح المرأة حقوق الترشيح والانتخاب وتوْلِيتِها منصباً سياسياً رفيعاً (أول وزير إمرأة في تاريخ المملكة) في السبعينيات، مروراً بظهور الأجندة الدولية للمرأة وبإصرار المرأة الأردنية على دخول المجال السياسي تنافسياً على مستوى البرلمان، أو من خلال التعيين على مستوى البلديات في التسعينيات، وانتهاء بحزمة القوانين (وأهمها الأحوال الشخصية والعقوبات والانتخاب) التي عدِّلت في الألفية الحالية، وألحقت مؤخراً بقرار نشر اتفاقية الغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» ورفع التحفظات عن مادتها الخامسة عشر والخاصة بحرية التنقل واختيار السكن، أثير - رداً على جملة هذه التغييرات - جدلٌ واسعٌ بين الفاعلين السياسيين في المجال العام الأردني: الإسلاميون والعشائريون من جهة، والقطاع النسائي ومن يتعاطف معه من تنظيمات مدنية من جهة أخرى، تركز مداره حول حاجتنا الحقيقية للتغيير المحدث، ومدى استقلاليتنا في تحقيقه، وحول أهميته وتوقيته، والمرجعيات المستند إليها في تعريف شكله، ومدى ملاءمته لسياقنا الثقافي ببعديه الاجتماعي والديني.
وضع هذا الجدل المشتغلات على قضية المرأة أمام سؤال محوري مفاده: أية مقاربة لحقوق المراة نتبنى أردنياً، تتمتع بالفعالية وتحقق للمرأة الأردنية حقوقها، وتحمل في ذات الوقت القدرة على التأثير والقبول الاجتماعي العام؟
أهم إفرزات هذا الجدل - ونحن ننازع مسألة الهوية التي نستصعب مقايضتها في سياق التغيّر والتغيير - ظهور ثلاث مقاربات رئيسية تتداول قضايا المرأة وحقوقها في الأردن بشكل خاص، وفي العالم الإسلامي بشكل عام. أولى هذه المقاربات هي ما يطلق عليه:المقاربة الحقوقية، وتستند إلى منهج مرجعيته الأجندة الدولية الخاصة بحقوق المرأة، والتي تتناولها على أساس أنها حقوق إنسان بالأساس. أما الثانية فتتولد - كما سنرى - من رحم نقد الأولى، وتأتي باتباعها منهجاً دينياً رداً على افتراضات الأولى منطلقة في تناولها لقضايا المرأة من سياق ثقافي وديني خاص بالمنطقة العربية والإسلامية. أما المقاربة الثالثة فهي ما بات يطلق عليه أردنيا ًوعربياً (فقط) «منهج الاسرة» وقوامه تحقيق الرعاية والحماية لأفراد الاسرة بمن فيهم المرأة.
المقاربة الحقوقية Rights Based Approach تنطلق المقاربة الحقوقية من أن حداً أدنى للحقوق، لابد أن يتمتع به الإنسان، ولابد للدول من الالتزام بتوفير هوامش لممارستها وأجهزة وأطر قانونية لحمايتها، تحقيقاً لإنسانيته وعلى مستوى العالم، وينبغي أن لا تستخدم الثقافة وخصوصيتها كمبرر لأي تمييز أو اضطهاد ضد المرأة (كجرائم الشرف أو ختان البنات). وعلى هذه الأسس قامت فلسفة المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الانسان عموماً، وتلك الخاصة بالمرأة على وجه التحديد. جدل هذه المقاربة الرئيس يستند إلى حقيقة أن المرأة العربية والمسلمة اليوم مواطن في الأساس، بالإضافة إلى كونها أماً وزوجةً وأختاً...إلخ. والمواطنة كدور ومكانة تحتم حقوقاً أساسية لابد للقانون والمؤسسات في الدولة من حمايتها وتوفيرها. وأهم ما يمنع المرأة العربية والأردنية على وجه التحديد من ممارسة حقوقها والتمتع بها، هو التمييز الممارس ضدها والامتيازات التي يحظى بها الرجال كطائفة وتحرم منها النساء. وتعتقد مناصرات هذه المقاربة أن علاقات القوة والتوزيع غير العادل للثروة لها، هي الأساس في دونية مكانة المرأة. فتتم الدعوة كتطبيقات عملية لهذه المقاربة، إلى إنهاء كافة أشكال التمييز الممأسس والممارس ضد المرأة، والقابع في البناءات الاجتماعية الأساسية للقوة، من خلال تعزيز دور المرأة في السياسة وسوق العمل والتعليم، واستهداف القوانين بجعل الاتفاقيات الدولية («سيداو» وبيجين) معياراً يتم على أساسه تعديلها، ولاسيما تلك الخاصة بالأحوال الشخصية والأسرة، والتي يجادل بأنها تحد من استقلالية المرأة في المجالين العام والخاص، وتبرر التمييز ضد النساء وتمنح اضطهادهن مبررات رسمية وشرعية.
من المهم ونحن نراجع هذه المقاربة محلياً، أن نلتفت إلى خلط يحدث غالباً ويعتبر هذا التيار «علمانياً»، بالضرورة وبأنه يسعى لدفع الدين خارج حيز السياسة ولاسيما خارج اطار تنظيم حياة النساء الشخصية. هذا الخلط غير دقيق في الواقع وعلى الأقل ليس أردنياً، فليس بين الحركة النسائية الأردنية اليوم من تطالب بعلمنة قانون الأحوال الشخصية المنظم من منظور شرعي وبفقه يختلط فيه أبو حنيفة والمالكي. والدليل أيضاً أن الاستراتيجية الوطنية للمرأة الأردنية، التي تتوافق على مضامينها العديد من التنظيمات النسوية الوطنية، تؤكد في ديباجتها شرط التوافق مع الدين وعدم مخالفة الدستور، بالإضافة إلى اعتبار الأجندات الدولية كمصادر أساس للمشروع النسوي الأردني.
ورغم ذلك لم تنجُ هذه المقاربة من انتقادات، جعلت مشروعية الأنشطة النسوية المستندة إليها محط شكوك مستمرة. فاتُهمت صاحبات هذه المقاربة في أسوأ الأحوال «باستيراد» خطابهن من الغرب وبالعمالة لمشاريعه الامبريالية، كمــا أنهـــن أُتهمن في أحسنها «بالنخبوية» وبالانفصال عن قواعد شعبية، لاتمثل القضايا التي يناضلن من أجلها أية أولوية.
بعض هذا النقد لم يقتصر على الأردن، بل إن نقداً مماثلاً لمشروعية المقاربة وحقيقة عالميتها، قد تم التعبير عنه في اكثر من سياق ثقافي ليس مسلماً بالضرورة. فالجدل بأن الأجندة الدولية لحقوق الانسان غربية الهوية، «بيضاء» اللون، علمانية، تركز على الفرد مقابل الجماعة وعلى تطبيق «الحق» من خلال قانون «يُفرَضْ» (مخالفاً بذلك الثقافات التي يتم التفاعل الاجتماعي فيها «بالمقايضة» و«التفاوض»)، جدل يطلقه العديدون من أصحاب مقاربة النسبية الثقافية. وفي العالم الإسلامي تمثل هذه النقاط أبعاداً أساسية في فهم مشكلة العالم الإسلامي مع الأجندات الدولية وأحد أهم تفسيرات ردها ورفضها.
المقاربة الدينية Religion Based Approach: النسوية الإسلامية من مجمل النقد الموجه للمقاربة الحقوقية، تتولد لدى العديد من المشتغلات على قضية المرأة - عربياً وإسلامياً وحتى عالمياً وبشكل متزايد- قناعات بأن أي منهج ناجع لتحسين أوضاع النساء، لابد له أن ينبثق من سياق الخصوصية الثقافية لكل جماعة اجتماعية. وعليه فإن النساء المسلمات يعانين إشكالية إيجاد روابط حقيقية بين تجاربهن، وحيواتهن اليومية وبين الأجندة الدولية لحقوق المرأة. الأسوأ من ذلك هو أن الأجندات الدولية بإطارها العلماني الغربي والامبريالي غير المعتبر لأهمية الدين، يضع المرأة المسلمة في حالة من التضاد مع مجتمعها وسياقها الثقافي وفي حالة أزمة هوية هي في غنى عنها.
نقطة الجدل الرئيسة التي يثيرها هذا التيار في (تركيا وإيران وماليزيا وحتى شمال أمريكا وجنوب إفريقيا)، هي أن الإسلام بنصوصه ومصادره المختلفة (القرآن والسنة النبوية والفقه) قد فُسِّرت وتمت قراءتها - حتى يومنا هذا - من منظورات أبوية، قلصت هوامش حقوق النساء ومنحت التمييز ضدهن أغطية ومبررات «شرعية». آن الاوان إذاً لتقديم قراءة نسائية في النص الأصيل (القرآن) وتعريته مما شابه من اجتهاد ذكوري قابل للإصابة والخطأ، وانتمى لسياقات تاريخية واجتماعية وثقافية تختلف عن واقعنا اليوم.
المعرفة والصلة الوثيقة بالقرآن والإلمام بآليات تفسيره والتعامل مع نصوصه، هي الأسس المعيارية التي ينبني عليها خطاب النسويات الإسلاميات. وتعدُّ المساواة بين الرجل والمرأة نقطة الانطلاق المحورية لخطابهن، ويُعِدن وضع المرأة المسلمة اليوم والإجحاف اللاحق بحقوقها إلى التفسيرات الأبوية للنصوص القرآنية أولاً، وثانياً إلى الفقه الممنوح قدسية ليس أهلاً لها والذي تطور منذ القرن التاسع الميلادي في سياق حضاري تاريخي مختلف لاينبطق على واقع النساء والرجال اليوم، ومشبع بأبوبة تفكير وممارسة تلك الفترة، وثالثاً إلى ذلك الخلط بين المعتقدات الشعبية والدين، وتغليف التقليد الشعبي بنصوص شرعية وأحاديث نبوية غير صحيحة أو ضعيفة، أو مستخدمة خارج سياقها التاريخي والحدثي. وتستند النسويات الإسلاميات في مشروعهن هذا إلى منهجية قوامها أولاً التفسير والاجتهاد واستخدام أدوات تحليل اللغة ودراسة التاريخ والأدب والانثروبولوجيا الضرورية كلها، لإعادة اختبار النصوص المشكلة للشريعة الإسلامية اليوم. وهن في اختبارهن للشريعة ونصوصها، يستخدمن خبراتهن وتجاربهن كنساء في مواجهة تاريخ طويل من التعامل مع النصوص الشرعية من مناظير وخبرات رجولية بحتة.
ومثال على هذه المنهجية، تريد نسويات هذا التيار المستمر للآيات المؤكدة للمساواة بين النساء والرجال في الخلق: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ{ و}يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ{. فجعل الله التقوى معيار المفاضلة بين البشر وليس الفروق البيولوجية. ويقرأن بتمعن تلك الآيات المثيرة للجدل، والتي تتشكل حول تفسيرها ثقافة شائعة كالآية التي تتحدث عن «القوامة». فمن وجهة نظرهن القوامة لم تكن أبداً تشريفاً بل تكليفاً للرجال على القيام بالإنفاق على النساء في قيامهن بعميلتي الإنجاب وتربية الأطفال، ولم يجعلها نصاً عاماً ملزماً لكل زمان ومكان، ولم يقل إن ليس بامكان النساء القيام على أنفسهن والإنفاق على أسرهن بالصورة الأبوية التي تفسر فيها الآية.
ومن هذا المنطلق نشرت مثلاً إسراء النعماني الأميركية من أصول اندونيسية مسلمة، ومجموعة من رفيقاتها مدونيتن لحقوق النساء، الأولى في المسجد والثانية في البيت، وتجادلان بأن الفصل بين النساء والرجال في المسجد مثلاً ليس له ما يثبته شرعاً، وأن فصل المداخل واحد للنساء وآخر للرجال لا أصل له في القرآن، وأن من أبسط حقوق النساء أن يشغلن منصب إمام للمسجد ومؤذن، وسُق على ذلك حقوق النساء السياسية والعامة. وفي المجال الخاص فإن للنساء حسب المدونة حقوقاً تبدأ من حق الأجر مقابل العمل المنزلي ورعاية الأطفال، إلى حق الدخول في علاقة جنسية مسنودة إلى قاعدة الإيجاب والقبول الفردي فقط. وهنا كأخريات ضمن هذا التيار (وتحديداً في مصر)، ممن يحاولن تجنب إشكالية علاقة المسلمة بالفقه وقدرتها «ضمن الحدود الشرعية» على الاجتهاد، اهتماماً «للدين الممارس» والمختلط بوعي أو بغير وعي، مع العادات والتقاليد المضطهدة للنساء، ويقدمن ضمن هذا الإطار شكلاً آخر للنسوية الإسلامية يقوم على إعادة قراءة التاريخ الإسلامي بشكل يُبرَز دور المرأة الفاعل اجتماعياً وسياسياً، من منظور نسوي واعٍ للقيم الإسلامية المؤكدة لمبدأ «المساواة» بين النساء والرجال في التكليف والحساب، وبالتالي أحقية النساء بتلقي المعاملة «العادلة» وكامل الاعتراف بدور مجتمعي فاعل. وصاحبات هذا الخطاب بمجملهنَّ اذاً أقل خجلاً في الخوض في قضايا المرأة، وأكثر راديكالية وجرأة من خطاب الحركات النسوية العربية السائد (المنعوت جزافاً بالعلماني) الذي ما زال يستحي من طرح فكرة «المساواة» وينادي بـ«التكامل».
وباستناد هذا التيار إلى النصوص الشرعية والتاريخ الإسلاميين كمرجعيات أساس، وبابتعاده قصداً عن ما يسمى بالأجندات العالمية لحقوق المرأة (بما في ذلك «سيداو» وبيجين)- يضع تيار النسوية الإسلامية، النسوية كحركة وفكر في مواجهة موجة من التساؤلات تصب في عمق افتراضاتها الأساسية: فهل النسوية بالضرورة فكرة «علمانية» متحررة كلياً من الدين؟ وهل من الممكن أن يشكل الدين - المعروف أبداً بأبويته (وهذا الوصف ينطبق على كل الأديان المعروفة والممارسة) - إطاراً لتحرير النساء من قيود يُجادل أنه مُسهِم رئيس في إحكامها؟ كما ويتحدى هذا التيار فكرة أن يعني منشأ النسوية الغربي - ككلمة ومفهوم - اقتصار ظهور «الوعي النسوي» على السياقات الثقافية «الغربية» وحدها، ويضعها (أي النسوية) أمام امتحان للهوية، فاتحاً حدودها لمختلف الخصوصيات الثقافية. وبهذا، يعتبر ظهور النسوية الإسلامية، رداً على العديدين ممن يعتبرون أن النساء في العالم الإسلامي وبحكم الدين والثقافة الراسخة، عاجزات عن تحرير ذواتهن من قيود الاضطهاد والتمييز والعنف. ويؤهل كل هذا - الخطاب النسوي الإسلامي - لأن يكون إثراءً للحراك النسوي في المنطقة العربية، ويجعله حسب قناعات بدأت تتشكل لدى المشتغلات في مجال الدفاع عن حقوق النساء، عربياً وفي الأردن آلية طال البحث عنها لتصويب أوضاع النساء ومنحهن حقوقهن، طالما أن علمنة الأطر القانونية لاتلوح في الأفق، وطالما أن شؤون النساء بمطلقها ما زالت تكال بمكيال الدين والعادات والتقاليد. ويوفر التيار فرصة للبحث عن صيغ توافقية بين الدين والمواثيق الدولية، مما قد يحمي الحركة النسائية من الرفض المجتمعي والنقد المشار اليه مطلع هذا النص.
وفي الأردن هناك بوادر قناعات متزايدة بأهمية استخدام هذا المنهج، خصوصاً بعد أن أثبت نجاعته حين عدلت مدونة الأسرة في المغرب، أو حين عينت نساء كقاضيات شرعيات في فلسطين، وهناك تحالفات نسوية أردنية سعت وتسعى إلى استخدام المنهج الديني بشكل براغماتي، في طرح تعديلات لقانون الأحوال الشخصية. ولكن هذا الطرح بعيد عن الشكل الأصيل للنسوية الإسلامية، ويبحث في الغالب عن غطاء شرعي يبرر التوافق بين الأجندة الدولية والدين الإسلامي. يبقى تبنيّ المشروع أردنياً محفوفاً أيضاً بتحديات أهمها: هل من الممكن أن نتجاوز جدل فتح مصادر التشريع الإسلامي للقراءة النسائية أو النسوية، وقضاؤنا الشرعي مازال نادياً رجولياً مغلقاً؟ وهل آن الآوان أردنياً لجعل الشريعة الإسلامية موضوعاً لقراءة نسائية؟ وهل المجال مفتوح لتقديم قراءة نسوية؟
مقاربة الأسرة Family Based Approach تنبع مقاربة الأسرة من سياق الجدل ذاته القائل بضرورة إيجاد مقاربة حساسة لواقعنا الاجتماعي والثقافي عربياً. وبما أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمعات العربية، القائمة على فكرة الجمعية وليس الفردية، فإن أي تدخل لتعديل أوضاع النساء، لابد له أن يموضع في سياق تأثيره المحتم على الأسرة والمجتمع ككل. فكرة المقاربة ومنهجها الأساس قائم على مفهومي «الحماية» و«الرعاية»، فحماية الأسرة من التفكك والانحلال، وضرورة رعاية أفرادها كمجموع سيعود بالضرورة بالأثر الإيجابي على المرأة كفرد فيها. والأهم ضمن هذه المقاربة هو أن التصوير شبه السلبي لأدوار المرأة التقليدية، يتم تجاوزه ضمن هذا المقاربة، التي تعتبر كافة الأدوار التي تقوم بها المرأة أساسية ومهمة لبنية المجتمع استقراره وتطوره، وأنها قبل ذلك كله أهل للاحترام.
بالطبع يحمل هذا التيار القدرة على مخاطبة الضمير الثقافي العربي، ويستطيع الوصول إلى شرائح اجتماعية واسعة، من خلال استخدام مفاهيم قريبة إلى العقلية العربية والمسلمة، لكن إشكالية المقاربة الأساس تكمن في منهج الحماية والرعاية، الذي يتجنب الحديث عن التمكين ولايعيره أية اهمية. ونقطة ضعفه الأهم هي أنه في حين يعيد الاعتبار لأدوار المرأة الاجتماعية التقليدية، يقلل من أهمية دورها ومكانتها كمواطن يتمتع بحقوق. كما أن في سعيه لاستقرار الأسرة والنهوض بها قد يقايض في الأثناء على حقوق النساء.
خلاصـة

من الواضح أن لكل مقاربة إيجابياتها ولكل واحدة أيضاً تحديات تواجهها. وبالعودة إلى السؤال الرئيس الذي يدور حوله هذا الجدل: أية مقاربة نتبنى؟ فلعل من الصواب أن لاننظر إلى المقاربات بشكل منفصل، مستقل ومتنافس. فوجودها دليل على تعددية صحية بل وضرورية. المهم أن نتمكن كمجتمع يعيش مخاض تغيرات القرن الحادي والعشرين، أن نحول هذا الجدل إلى «تداول» يدور في دائرة واحدة وليس دوائر منفصلة، وأن تحترم في هذه العملية منطلقات كل مقاربة أملاً في الوصول إلى مقاربة تكاملية تحمل جزءً من كل اتجاه.
الأمر المهم الآخر، هو ضرورة أن تتولد لدى جميع القوى العاملة والفاعلة في المجال العام الأردني، القناعة الحقيقية بأن المشروع النسوي الأردني مشروع «أصيل» لا دخيل ولا مستورد، وأنه لابد لنا جميعا من نشترك/نشتبك فيه مهما اختلفت مرجعياتنا.
ورقة عمل قدمت في ورشة عمل " نحو علاقة صحية بين الدين والدولة" التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية في31 أكتوبر 2010