A+ A-
المجتمع المدني في العراق ومراقبة ما بعد الانتخابات
2010-06-26
لقد بات واضحاً أن المجتمع المدني في العراق ما بعد 2003، على الرغم من الحيوية التي عاشها، تعثر ـ طويلاً ـ في أن ينجز طموحاً بأن يؤدي وظيفة الرقابة على الدولة. وعلى الرغم من وجاهة التفسيرات التي تربط هذا التعثر بالتعثرات التأريخية والكبت المنهجي الذي تعرض له المجتمعُ المدني، في الأقل في العقود الأربعة الأخيرة، فإنني أربط هذا التعثر بسببين رئيسين:
1 ـ قلتُ، في مقال سابق ، إن الولايات المتحدة حاولت أن تطبق في العراق برنامجاً نيوليبرالياً، يدور على رؤية أساسية، وهي أن إضعاف الدولة سيقود إلى نتيجتين حاسمتين في سبيل بناء ديمقراطية سياسية: أن المجتمع سيكون أقوى من الدولة، وأنه سيسمح بظهور تنظيمات مدنية في داخل المجتمع، أي شكل من أشكال تنظيم المجتمع لنفسه بعيدا عن تدخل الدولة، ذات التراث الطويل في التحكم بحركة المجتمع العراقي.
وبالفعل، عمل الأمريكان على إضعاف الدولة في ظل تصوّر بأنه سيقود إلى بناء مجتمع مدني.
لقد كانت الرؤية النيوليبرالية الأمريكية تراهن على أن تتحول الدولةُ إلى جهاز خدمة عامة، وأن تنبني حوكمة تقوم على تنظيم المجتمع لنفسه، حيث يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دوراً أساسيا وفاعلاً. وهكذا، كانت هذه الرؤية تركز، وتتمحور، على استقلالية المجتمع المدني عن الدولة، لا على العلاقة الندية بينهما. ومن دون شك، تتضمن هذه الرؤيةُ أن من مهمات المجتمع المدني أن يكون مراقباً للدولة، ولكنها لا تجعل من هذه المراقبة محورَ حركته.
وقد مضى المجتمع المدني في العراق ما بعد 2003 في النمو باتجاه بناء الاستقلالية عن الدولة، في ظل افتراض بأن ما حدث في نيسان/ أبريل 2003 سيقود إلى إصلاح جذري في جهاز الدولة.
ولكن، في بلدان تلعبُ الدولةُ فيها دورَ الموجِّه الأساسي للحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، وفي ثقافة سياسية ذات نزعة دولتية، وفي مجتمعات تعيش على هامش القطاع العام، وعياً، وحياةً، وتنفسّاً، يبدو أن من العسير على المجتمع المدني أن يُحقِّق طموحه في الاستقلال عن الدولة، بل ـ على العكس من ذلك ـ سيقود السياقُ السياسي الخاص بالمنطقة المجتمعَ المدني باتجاه أن تكون الرقابةُ على الدولة وظيفته الأساسية، على نحو أولى، لا أن يكون أداة لتنظيم مجتمعي مستقل عن الدولة، التي هي ـ للمفارقة ـ نافذة ومتغلغلة في سائر تفصيلات المجتمع.
وبالفعل، كان المجتمع المدني في العراق ما بعد 2003، دائماً، أمام محاولات من الدولة لتقييده والسيطرة عليه.
2 ـ لم يستطع المجتمعُ المدني الناشئ أن يعي مهمةَ الرقابة على الدولة، ربما لأنها كانت في طور إعادة البناء، وأنها كانت فضاء لصراع عنيف، ولكن ـ أيضاً ـ لأن النظام السياسي الناشئ بنى تضامناً داخلياً بأن المؤسسة الرقابية الأولى هي البرلمان، الذي يمثل الشعب، مصدر السلطات.
ومرة أخرى، لم يكن السياقُ السياسي الذي بُني فيه النظامُ البرلماني ما بعد 2003 يتيح للبرلمان أن يمارس دوراً رقابياً. فمن جهة، عُدّ النظام البرلماني هو الأنسب لمجتمع تعددي، على غرار المجتمع العراقي، فهو الأقدر على أن يعكس التعدد الإثني والديني والطائفي في البلاد، بدلاً من النظام الرئاسي الذي يفوّض شخصاً بالسلطات. ومن جهة ثانية، كان على البرلمان الناشئ ما بعد 2003 أن يفكك البنية التشريعية والقانونية لعراق ما قبل 2003 ويبني إطاراً تشريعياً جديداً، من دستور وقوانين ناظمة، هذا فضلاً عن أن النظام التوافقي، الذي تبناه العراق ما بعد 2003، يقلل ـ إلى حد كبير ـ، بحسب ما يقول منظروه، من مساحة المعارضة داخل البرلمان.

وهكذا، لم يمارس مجلسُ النواب العراقي، وكانت قد وُلدت منه سنة 2006 حكومة توافقية تمثل الكتل الرئيسة فيه، أيَّ دور رقابي على أداء الحكومة، إلا في اللحظة التي تصدّع فيها الائتلاف التوافقي القائم، وكذلك الكتل الكبرى في البرلمان. وعلى أية حال، لم تحدث هذه الرقابة إلا في الأشهر الستة الأخيرة من الدورة البرلمانية المنقضية، ولم يُنظَر إلى حركة استجواب الوزراء، التي شهدها البرلمانُ خلال هذه المدة، إلا بأنها أداة في لعبة مسيّسة.
وبالتزامن، كان ينبني رأي مجتمعي عام يعكس خيبة من أداء البرلمان السابق.
يعبر عن هذا أننا شهدنا، منذ أواخر 2009، أول دراسات تقييمية لتجربة البرلمان العراقي خلال السنوات الماضية، فقد أطلق عالم السياسة الأمريكي إريك دافيز مشروعا لدراسة التجربة البرلمانية في العراق ما بعد 2003 بوصفها واحدة من أهم مظاهر التنمية السياسية في البلاد. ولكن الأهم هو الكتاب الذي أصدرته في بغداد، مطلع 2010، الباحثة العراقية نهلة النداوي، والذي يحمل عنوان (الأداء البرلماني للمرأة العراقية).

وعلى الرغم من أن المجتمع المدني العراقي بنى، خلال السنوات الماضية، حملات مهمة لتعديل وتطوير مسودات القوانين المطروحة أمام البرلمان، كان آخرها الحملة الواسعة التي أطلقها لتعديل مشروع (قانون المنظمات غير الحكومية) وتقديم مقترحات لتطويره، بعد أن فهمت المنظمات غير الحكومية مسوّدة هذا القانون بأنها تتضمن مواد كثيرة تحد من حركته، من قبيل الموافقة الحكومية المسبقة على الدعم الأجنبي، وإعادة التسجيل سنويا، وتقديم كشوفات مالية للحكومة. وقد أقر البرلمان العراقي في كانون الثاني/ يناير 2010 هذا القانون مع الأخذ بملاحظات وتعديلات واقتراحات المجتمع المدني العراقي، أقول: على الرغم من ذلك، فإن الأشهر الأخيرة فقط هي التي سمحت ببناء رؤية، لا عن ضرورة تفعيل الأداء الرقابي للبرلمان فقط، بل مراقبة البرلمان نفسه.
لقد أعطت الانتخابات النيابية الأخيرة، التي جرت في آذار الماضي، دفعة قوية لهذه الرؤية. وستشهد المرحلة القادمة، وبالتزامن مع بدء انعقاد دورة مجلس النواب الجديد، عدداً من المبادرات لتشكيل منظمات مجتمع مدني تراقب الأداء البرلماني. هذه المبادرات تريد أن توصِل رسالة بليغة، وهي أنه مع ولادة المؤسسات السياسية، ينبغي أن تولد الرقابة عليها، وأن غلطة 2005 لا ينبغي أن تتكرر في 2010.
إن الديناميكية التي ولّدتها الانتخاباتُ الأخيرة، والتي ستطبع شكل العلاقة بين المجتمع المدني والبرلمان، تتجه إلى ما أسميه (مراقبة ما بعد الانتخابات). لقد بات واضحاً أن الأهم من عملية الانتخابات هو ما يجري بين العمليات الانتخابية، وأن المجتمع المدني القوي لا يراقب العملية الانتخابية فقط، بل يستمر في حركة الرقابة ما بعد الانتخابات.
إن الرهان الأساسي في العراق، الآن، يتمثل في كسر الفهم المبتسر للديمقراطية، الذي يحصر المشاركة الشعبية بالمشاركة في الانتخابات، وفي بناء ثقافة جديدة تمرّن العراقيين على أن المشاركة الشعبية سيرورة طويلة، ومستمرة، . . سيرورة تمتد إلى ما هو أبعد من الانتخابات.
يندرج هذا في تحد أشمل يواجه العراقيين، وهو بناء الديمقراطية من قاعدة الهرم باتجاه قمته، بدلا من المحاولة الأمريكية التي أرادت أن تبني نظاما ديمقراطيا من القمة باتجاه القاعدة، أي برسم شكل المؤسسات السياسية الديمقراطية، التي ستعمل على تغيير المجتمع، في حين يتمثل الرهان الحقيقي أمام المجتمع المدني العراقي الآن في تقوية المجتمع ودفعه إلى تعزيز المسار الديمقراطي، وصولا إلى قمة الهرم، أي مؤسسة السلطة والمؤسسات السياسية العليا.
لقد أظهرت التجاربُ العالمية أن الانتخابات لا تضمن لوحدها قيامَ حكم ديمقراطي، وأن الدول التي تكون الانتخابات فيها ذات أثر فاعل في بناء وتعزيز الحكم الديمقراطي إنما تنطوي على ميزة أساسية، هي وجود مجتمع مدني قوي. وفي العموم، تتحدث الأدبيات المعاصرة أن دراسة الديمقراطيات الفعلية أو المحتملة كشفت عن أن المجتمع المدني والديمقراطية يعزز أحدهما الآخر. لقد أصبح واضحاً أن الديمقراطية الصحيحة تحتاج إلى أكثر من انتخابات. ولذلك، تركز معظم عمليات دعم الديمقراطية على نشاطات أخرى غير الانتخابات، بدءاً من دعم المجتمع المدني وصولاً إلى تعزيز عمليات التشريع المؤثرة. ومع ذلك، فإن الجوانبَ الانتخابية وغير الانتخابية للديمقراطية تعتمد إحداها على الأخرى بصورة متبادلة: لا يمكننا أن نحصل على جانب دون الآخر، فهذه الجوانب تتطور بشكل متواز.
وفي مقابل ذلك، تميل الأدبيات الديمقراطية المعاصرة إلى وصف تجارب الدول التي تجري فيها انتخابات شبه تنافسية ولا يوجد فيها مجتمع مدني قوي، أو تكون المجتمعات المدنية فيها ضعيفة جداً أو غير متطورة، تميل إلى وصفها بأنها (ديمقراطيات عقيمة)، أو (أنظمة استبدادية تنافسية). وبالفعل، يسمح المجتمع المدني الضعيف، أو لنقل: غياب المجتمع المدني، بترسيخ الحكام المستبدين المنتخبين، على غرار ماليزيا، وروسيا، وكمبوديا .
وفي النهاية، يمكن لهذه الحركة أن تعيد السؤال في موقع البرلمان من النظام السياسي العراقي، أو لأقل: إعادة التفكير في النظام البرلماني نفسه.
_____________________
يُنظَر: الدولة شر لا بد منه، نحو رؤية ما بعد نيوليبرالية، مجلة آفاق المستقبل، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، العدد 3، يناير/ فبراير، 2010، ص ص 51 ـ 52.
يُنظَر: Civil Society, Democracy and Elections, Bruce Gilley, in: More Than Elections, How Democracies Transfer Powers, eJornal USA, US Department of State, Vol. 15, Number 1, January 2010, p. 17.
*ورقة بحثية قدمت في ورشة عمل تعزيز دور المجتمع المدني في الرقابة على البرلمان والتي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية بالتعاون مع مؤسسة ويسمنستر في الفترة من 20 -20 آذار مارس 2010