A+ A-
هل يستبدل الأردن معادلة الديمغرافية بتمكين المرأة؟
2010-04-11
قد تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة رافعة لتنمية المرأة سياسيا إذا نفذّت الحكومة وعودها بتخصيص مقاعد إضافية للجنس الناعم, وبالتالي تسير الرياح كما تشتهي أشرعة سفن تسعى لتمكين نصف المجتمع المهمش في بلد يفتخر بارتفاع معدلات التعليم بين شاباته.
إلى جانب ناشطات في شأن المرأة, يتفاكر ساسة وحزبيون حاليا حول أمثل السبل لضمان زيادة نسبة تمثيل النساء في مجلس النواب "كمّا ونوعا", عبر تطوير نظام الكوتا ضمن مشروع قانون قيد الطبخ, ستجرى بموجبه الانتخابات في النصف الأخير من تشرين الثاني.
برأي هذه النخب, مستوى تمثيل المرأة في جناحي التشريعي (انتخاب نيابي واختيار أعيان) يقل عن 8.5% - الأقل بين دول العالم - مقارنة مع معدل 18.9% أمميا. كما أن تمثيل المرأة في السلطة التشريعية يبقى متدنيا مقارنة مع حقول أخرى بما فيها التنفيذية, السلك الدبلوماسي, المجالس البلدية.
فرغم توطين العلم وسن تشريعات تضمن عدالة أكبر في الحقوق, ما تزال المرأة مهمشة في مراكز صنع القرار في الجهاز الرسمي - أربعة من 100 مدير عام وأمين عام وزارة هم نساء - بينما لا تتعدى مساهمتهن في سوق العمل 15% من مليون وربع المليون شخص.
هذا الانحسار لا يجاري التطور الذي حقّقه الأردن خلال العقدين الفائتين, بتدخل شخصي من الملك عبد الله الثاني ومن قبله والده الراحل الحسين بن طلال.
التحدي الأكبر أمام صانع القرار يكمن في تغيير العقلية النمطية بين رجال وسيدات الأردن ومؤسساته باتجاه تقبل إدماج المرأة تدريجيا في مسيرة تنموية متكاملة بدءا بالقواعد الشعبية صعودا إلى القمة.
الحوار بدأ مع تعهد حكومة سمير الرفاعي عشية التكليف أواخر العام الماضي بإعادة النظر في نسبة الكوتا النسائية لضمان وصول المرأة إلى مراكز قيادية في مجتمع ذكوري محافظ. من شأن هذا التحرك دفع التجربة الأردنية إلى ضفاف العصرنة والحداثة.
لكن النقاش الدائر منذ أشهر لمّا يختمر بعد لجهة تحديد عدد النساء المطلوب وصوله إلى النيابي, وآلية احتساب الفائزات, طبقا لنظام جديد يعيد الاعتبار لعملية تنافس جدي تفرز نوعيات كفؤة من النساء يتمتعن بثقة الناخبين, وقادرات على إطلاق حالة سياسية وتشريعية متميزة, وصولا إلى كسر حواجز مجتمعية تحول دون تعميم تولي المرأة مناصب عامة رفيعة.
ما يرشح من الدوار الرابع يفيد بأن الحكومة تفكّر في مضاعفة مقاعد المرأة إلى 12 كحد أدنى ضمن سيناريو الابقاء على نظام الدوائر الحالي - ربما مع تصغيرها.
من جهتها, تدعو اللجنة الوطنية لشؤون المرأة برئاسة سمو الأميرة بسمة بنت طلال, ومؤسسات نسوية موازية, إلى زيادة حصة المرأة إلى 20% من مقاعد المجلس المقبل. كما تطالب هذه اللجنة بتغيير آلية احتساب الفائزات لضمان فوز أكبر عدد ممكن من نساء كفؤات, بما يساعد على تغيير نظرة المجتمع إلى دور المرأة وأدائها.
تتفاوت الخيارات والسيناريوهات المطروحة بديلا عن نظام الكوتا المعمول به منذ .2003 لكن ثمّة إجماعا على أن هذه الحسبة تلحق ظلما بنساء الأردن, ذلك أنه يتم اختيار الفائزات باحتساب عدد الأصوات التي تحصدها المرشحة وتقسيمها على عدد مقترعي الدائرة الانتخابية.
على أي حال, فإن التغييرات المرتقبة من الأعلى تأتي ضمن وجبة تعديلات ستمس مشروع قانون الانتخاب, الذي يطبخ على نار هادئة لتجنب مزيد من الانقسامات المجتمعية بين قوى تريد المحافظة على التمثيل الجغرافي وأخرى تطالب بزيادة التمثيل الديمغرافي.
المعادلات الجديدة قد تساعد عمان في كسب رضا الدول الغربية التي توفر منحا ومساعدات ضرورية لضمان أمن واستقرار المملكة, بخاصة وأن تلك الدول تطالب بإصلاحات سياسية حقيقية, وتدريجية تمس جوهر قانون الصوت الواحد لتحسين ميزة الأردن النسبية وضمان أمنه واستقراره.
لكن التسريبات حتى الآن تشي بأن التغييرات لن تمس جوهر القانون القائم على الصوت الواحد, بما يضمن فرز مجلس يمثل المجتمع بأطيافه ومكوناته كافة ويحرّر الحياة السياسية من رواسب الولاءات الثانوية والبنى التقليدية قادر على القيام بمهامه الرقابية والتشريعية.
لذلك قد يساعد عنوان التغيير المطروح على امتصاص النقد الخارجي عبر بوابة الكوتا النسائية التي يساندها الغرب.
السيناريوهات قيد البحث
المحامية أسمى خضر, أمين عام اللجنة الوطنية لشؤون المرأة, تسعى لأن يكون بين كل خمسة أعضاء في المجلس المقبل امرأة واحدة على الأقل, تماشيا مع طموح القفز إلى 30% في مجلس ,2015 إذا طبقت حسابات الأجندة الوطنية (2005) وأهداف الألفية التنموية.
في حال تثبيت مقاعد النيابي عند ,110 يفترض أن لا تقل الكوتا النسائية عن 20 إلى 22 وإن خفّضت مقاعد المجلس إلى ,80 بسبب ضرورات مشروع اللامركزية الإدارية, فسيكون الحد الأدنى للتمثيل النسائي 12 مقعدا, حسبما شرحت خضر لكاتبة المقال.
اللجنة الوطنية شبه الرسمية ما تزال تنتظر لقاء رئيس الوزراء لإسماعه مطالبها ضمن جهود تمكين المرأة. في الأثناء, عقدت اجتماعات مع وزير التنمية السياسية موسى المعايطة. وهي تقترح تخصيص مقعد نسائي لكل محافظة كحد أدنى, على أن يجري توزيع المقاعد المتبقية على المحافظات الكبرى, وفقا لوزنها السكاني وحراكها الاقتصادي والاجتماعي.
كذلك تطالب هذه الهيئة المكلفة بمراقبة تطبيق الإستراتيجية الوطنية للمرأة بحسبة جديدة لاختيار المرشحة التي تنال أعلى الأصوات في محافظتها, بدلا من النظام الحالي الذي يقوم على مستوى الدائرة. وتسعى ان لا تحول الكوتا دون إمكانية الفوز عن طريق التنافس الحر, على طريق الطبيبة فلك جمعاني التي فازت في الانتخابات الأخيرة خارج نطاق الكوتا.
اللجنة الوطنية, التي حصلت على منحة 12 الف دينار من منظمة اليونيفيم الأممية لمصلحة برنامج دعم المرأة في الانتخابات, تحركت للتركيز على التغييرات المطلوبة في القانون الجديد لدعم المرأة كناخبة ومترشحة فضلا عن زيادة تمثيلها في لجان الرقابة الانتخابية وتشجيعها على التسجيل في قوائم الناخبين.
المرحلة الثانية من المشروع, تعقب صدور القانون الجديد. وهي تتمحور حول تهيئة الراغبات في الترشيح بما في ذلك تدريبهن والعاملات في الحملات الانتخابية النسوية, وأيضا حفز الشباب كمساندين وناخبين. المرحلة الثالثة تشمل حملة مكثفة لتشجيع التصويت للنساء, خاصة وأنهن شكّلن 52% من المسجلات ضمن قوائم الناخبين في الانتخابات الاخيرة (مليون و900 الف).
إلى جانب اللجنة الوطنية, تتحرك منظمات مجتمع مدني بهدف تطوير نظام الكوتا النسائية. من بينها مشروع ينفذه مركز القدس للدراسات السياسية بالتعاون مع الوكالة الكندية للتنمية الدولية. يتضمن المشروع مقابلة ناشطات وممثلات منظمات نسائية ومؤسسات مجتمع مدني وعضوات في المجالس البلدية فضلا عن قادة فروع أحزاب سياسية في محافظات المملكة. باكورة تلك الأنشطة انطلقت الثلاثاء الماضي في إربد, حيث أبدت المشاركات آراءهن حيال تطوير نظام الكوتا في سياق خمسة سيناريوهات; بما فيها فرضية اعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل أو الجزئي (المختلط). في حال اعتماده, تحتل النساء مواقع مضمونة على القوائم الوطنية/ النسبية المتنافسة, وبنسبة لا تقل عن 20% من مقاعد المجلس.
طرح آخر يفترض إعادة توزيع الدوائر الانتخابية على أساس أكثر عدالة, وتقليص الفجوة التمثيلية للمقعد الانتخابي; ما يجعل احتساب الكوتا المعمول بها حاليا أكثر عدالة وتنتفي الحاجة لتعديلها.
سيناريو رابع يفترض عدم حدوث تعديل جوهري على نظام توزيع المقاعد والدوائر, ويقتضي اعتماد "معامل ضرب" لمعادلة النتائج وإعادة توزيعها لتصبح اكثر عدالة للمترشحات عن الدوائر ذات الكثافة السكانية العالية. وبذلك تصبح معادلة الفوز: حاصل قسمة أصوات المترشحة على مجموع أصوات المقترعين في دائرتها مضروبا بعدد المقاعد المخصصة للدائرة. ثم يجري اختيار اعلى النسب المئوية المرجحة (المعدلة). السيناريو الأخير, المعمول به في المغرب, يعتمد نظام "القائمة الوطنية النسائية", فهو يمنح الناخب صوتين, واحد لمترشح دائرته والثاني من بين قائمة نسائية.
للمرأة حظوظ موازية, بموجب القوانين المقترحة, في اللامركزية الإدارية, بما في ذلك تخصيص 20% لها من مقاعد المجلس المحلي لكل محافظة.
حراك المجتمع المدني بحاجة للتكثيف لدحرجة كرة ثلج صوب تمكين المرأة سياسيا. فالبناء لا يتم فوق فراغ. بل تشير المعطيات إلى أن الحال المجتمعي بدأ يتغيّر بعد اعتماد الكوتا في الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة.
فهل تساهم آلية التمييز الايجابي في ضمان اندماج حقيقي للمرأة في المجتمع بعد أن كسرت حاجز الصمت واخترقت جمود الذهنية السائدة والمفاهيم الخاطئة المتحكمة في مجتمعاتنا المحلية لمصلحة الحسبة الذكورية?.0