A+ A-
الديمقراطية في الأحزاب الإسلامية... أوجه التقدم والقصور
2009-06-13
يُعتبر مفهوم الديمقراطية؛ من المفاهيم الحديثة على الثقافة العربية المعاصرة، غير أنه يتقارب ويتقاطع في كثير من الأحيان مع مفاهيم معروفة في الحضارة العربية الإسلامية؛ مثل الشورى والبيعة؛ والمشاركة الشعبية في الحكم.
أما العلاقة بين الظاهرة الحزبية والديمقراطية فهي علاقة جدلية، حيث أن وجود الأحزاب ارتبط تاريخياً بالتحولات الديمقراطية في الدول الغربية؛ بما فيها من تزايد دور البرلمانات؛ والإقرار بحرية التنظيم؛ والمشاركة الشعبية في الحكم.
وبهذا يمكن القول؛ بأن وجود الأحزاب؛ كان نتيجة التحولات الديمقراطية أكثر منه دافعا للديمقراطية؛ وفي الوقت نفسه؛ ساهم وجود الأحزاب السياسية؛ في دعم التحولات الديمقراطية بشكل عام؛ وسوف تبدأ هذه الدراسة؛ بتحديد بعض المفاهيم الأساسية للعلاقة بين الأحزاب الإسلامية والديمقراطية، ثم الانتقال لدراسة العلاقة بين الظاهرتين من ناحية نظرية وإيديولوجية، ثم من ناحية حركية كسلوك و ممارسة في الحياة السياسية.
تحديد مشكلة البحث
تنحصر مشكلة هذه الدراسة؛ في تحليل ومتابعة موقف التيارات والأحزاب السياسية الإسلامية من الديمقراطية.
وسوف تشمل هذه العملية؛ مدى التوافق والاختلاف بين الديمقراطية وإيديولوجية الأحزاب الإسلامية؛ وكذلك مع ممارسة هذه الأحزاب لدورها في النظام السياسي؛ من خلال تبني الأسس الديمقراطية في السعي للسلطة أو حين الوصول لها.
تساؤلات الدراسةالسؤال الأول: ما المقصود بالأحزاب الإسلامية؟السؤال الثاني: ما هي مؤشرات الديمقراطية الحديثة؟السؤال الثالث: ما هي أوجه الالتقاء والاختلاف بين إيديولوجية الأحزاب الإسلامية والمفاهيم الديمقراطية؟السؤال الرابع: ما هي أهم التحديات والعقبات التي تعترض ممارسة الأحزاب الإسلامية للديمقراطية؟السؤال الخامس: ما هو دور الأحزاب الإسلامية في التحولات الديمقراطية سواء على صعيد الأحزاب نفسها ثم على صعيد النظام السياسي؟تحديد المفاهيم والمصطلحات إن الخطوة الأولى في أي بحث علمي؛ تقوم على تحديد المفاهيم المستخدمة في البحث.
وكون الدراسة تهتم بالأحزاب الإسلامية والديمقراطية؛ فسوف نبدأ بتحديد هذين المفهومين:
1 - الأحزاب الإسلامية:يقصد بكلمة الحزب هنا: مجموعة من الأفراد تجمعهم مبادئ ومعتقدات مشتركة، ويخضعون لقيادة وتنظيم معين، ويسعون للوصول للسلطة والمشاركة فيها
أما الأحزاب الإسلامية: فهي تلك الأحزاب التي تتبنى الإسلام كعقيدة وإيديولوجية، وتعلن التزامها بالشريعة الإسلامية، ورفض كل ما يتعارض معها، وتسعى لإقامة نظام حكم إسلامي استنادا لمبدأ السيادة والحاكمية لله، واعتماد الشورى كآلية للحكم واتخاذ القرارات. وقد برز على الساحة الأردنية حتى الآن ثلاثة أحزاب أردنية مرخصة هي حزب جبهة العمل الإسلامي والذي سيكون محور هذه الدراسة؛ ومجال اهتمامها؛ هذا بالإضافة إلى وجود حزبين آخرين سبق أن حصلا على الترخيص هما: حزب حركة دعاء؛ وحزب الوسط الإسلامي، هذا بالإضافة إلى وجود كثير من الحركات الفرعية؛ والجماعات الإسلامية؛ النشطة لكنها لم تحصل على ترخيص كأحزاب سياسية وفق قانون الأحزاب الأردنية.
2 - مفهوم الديمقراطية:يقصد بالديمقراطية حكم الشعب، وذلك حين يتولى الشعب زمام السلطة بنفسه وذلك من خلال اختيار الشعب لحكومته وخضوع السلطة للإرادة الشعبية.
ويقوم هذا المفهوم على عدد من الأسس أهمها: أ- احترام حقوق الأفراد وصيانة الحريات العامةب- السماح بالتعددية السياسية من خلال وجود الأحزاب وجماعات المصالحج- الالتزام بالانتخابات الحرة والنزيهة لاختيار الحكام، وضمان المشاركة الشعبية في الحكمد- سيادة حكم القانون، والاعتماد على المؤسسات في صنع القرارات والابتعاد عن الشخصانيةهـ- فصل السلطات؛ وقدرة السلطات على مراقبة بعضها بعضاًو- التداول السلمي للسلطة؛ وإمكانية تغيير السلطة بالطرق الشرعية والسماح بوجود معارضة سياسيةنشأة الأحزاب الإسلامية
دون الدخول في تفاصيل ظهور الحركة الإسلامية، وتطور ظاهرة الأحزاب الإسلامية؛ يمكن القول إن هذه الظاهرة أخذت عدة نماذج ومبررات نذكر منها:
- ارتبط وجود الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي بالفترة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال، حيث حاولت التيارات الإسلامية بلورة أحزاب سياسية لتقود النضال ضد السيطرة الاستعمارية، وقاد بعضها حركة المقاومة ضد إسرائيل والحركة الصهيونية مثل حركة الإخوان المسلمين وحماس.- ومن ناحية أخرى؛ حاولت بعض التيارات الإسلامية؛ قيادة حركات الرأي العام المعارضة للسلطة القائمة في الفترة الاستعمارية والموالية للغرب في المنطقة العربية، ومحاولة هذه الأحزاب تأليب الرأي العام والشعوب العربية على التوجهات الغربية للأنظمة العربية واتهامها بالعلمانية؛ ومحاولة فصل الدين عن الدولة، ومنها حزب التحرير وحركة النهضة في تونس وحركة الإنقاذ في الجزائر.- وظهرت بعض الأحزاب الإسلامية للتعبير عن الانقسامات الطائفية والقبلية، والتي استفادت من تشجيع القوى الغربية لها للوقوف أمام الحركات الثورية والاشتراكية في الوطن العربي، والتعدي للحركات الوطنية والقومية، مثل حزب الإصلاح في اليمن.- وشكلت بعض الأحزاب الإسلامية امتداداً للحركات الصوفية والتقليدية التي كانت سائدة في الوطن العربي، مثل المهدية والسنوسية1- موقف الأحزاب الإسلامية من الديمقراطية كإيديولوجية ونظرية: تنطلق الأحزاب الإسلامية من إيديولوجية رئيسية؛ تقوم على فكرة الحاكمية والسيادة لله،وذلك يتمثل في سيادة الشريعة الإسلامية المعتمدة على القرآن والسنة ومصادر التشريع الإسلامية الأخرى كالاجتهاد والقياس وغيرها. وهي تقبل مبدأ الشورى كأساس سياسي لنظام الحكم.
وبناء على هذه المقولة؛ فإن الأحزاب السياسية ترى في الديمقراطية بدعة غربية تنطلق من ارث حضاري وفلسفي غربي، وإنها ذات طابع إيديولوجي يسعى لفرض هيمنة الثقافة الغربية القائمة على العلمانية وفصل الدين عن الدولة.
ولذلك فإن الأحزاب الإسلامية تطرح الشورى كبديل للديمقراطية.
وينظر للشورى في هذا المجال؛ باعتبارها تقوم على استخراج واستطلاع آراء الأمة المسلمة؛ وتقليب وجهات النظر لاختيار أفضلها، وقد جعلت الشورى في الفكر الإسلامي من أركان وقواعد الحكم الأساسية ووسيلة لإصلاح المجتمع والدولة، وذلك اســتناداً للنــصوص القــرآنية التـــي تنــص وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38].
وكذلك النص في قوله تعالى وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159].
وبالرغم من وضع الشورى كنقيض للديمقراطية لدى كثير من الأحزاب الإسلامية فإن هناك أوجه شبه كبيرة بينهما:
- تمثل الديمقراطية والشورى وسائل معتمدة لتنظيم عملية الوصول للسلطة قائمة على الاختيار الحر.
- إقرار مبدأ المساواة بين الناس ورفض التمييز على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الدين، والاعتراف بالآخر، والعمل على تحقيق العدالة بين الجميع.
- تأكيد مبدأ الحوار والدعوة والإقناع؛ وقبول مبدأ المعارضة السلمية؛ ورفض فكرة الثورة والعنف للحد من سلطة الحاكم.
- رفض الانفراد بالحكم؛ والاستبداد في ممارسة السلطة؛ وحق الشعب في مراقبة الحاكم.
- إقرار أهمية مشاركة الناس في صنع القرارات، وإتاحة الفرصة للمشاركة الشعبية في اختيار الحكام وإدارة الدولة.
أما أوجه الخلاف بين الديمقراطية والشورى فتتمثل في:
- تنطلق الديمقراطية من فكرة سيادة الأمة؛ وإن الأمة هي مصدر السلطة، ولكن الشورى تجعل السلطة مقيدة بالشريعة، وأن السيادة لله وللشريعة الإسلامية.
- تعتمد الديمقراطية على علاقة قانونية تعاقدية بين الحكام والمحكومين؛ تقوم على صيانة الحريات العامة؛ وتعظيم المصلحة الخاصة للأفراد. بينما يقوم الأساس النظري للشورى على علاقة أخلاقية وروحية أساسها: سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموازنة بين المصلحة الخاصة والعامة
- تستند الديمقراطية على مبدأ حكم الأغلبية من ناحية عملية؛ ويؤخذ بمبدأ التعداد الكمي للمصوتين، بينما تلزم الشورى بأخذ رأي الجميع وتعطي أهمية للنوعية والخبرة لدى أهل الحل والعقد على حساب التعداد الكمي.
- قدمت النظرية الديمقراطية آليات وأساليب محددة لبناء النظام الديمقراطية؛ مثل: الانتخابات والمجالس التشريعية وفصل السلطات وغيرها، ولكن مبدأ الشورى بقي يدور في العموميات ولم يقدم آليات محددة بخصوص كيفية الوصول للحكم ومن هم أهل الشورى، ومدى إلزامية الشورى وغيرها.
وبشكل عام يمكن القول بأن معظم الأحزاب الإسلامية رأت بأن هناك خلافات واضحة بين مضمون الديمقراطية والخطاب الإسلامي السياسي المعاصر، وقد تركزت الانتقادات الأساسية لمفهوم الديمقراطية حول النقاط التالية:
أ- رفض مبدأ الحرية والفردية؛ التي تجعلها الديمقراطية الأساس لنظريتها؛ والقيمة العليا في المجتمع الرأسمالي؛ حيث ترى الأحزاب الإسلامية؛ أن الأساس للدولة الإسلامية؛ هو فكرة العدالة كقيمة عليا؛ وضرورة الالتزام بالحرية المسئولة؛ والتي لا تتعارض مع قواعد الشرع.ب- رفض فكرة سيادة الأمة؛ التي تظهر في صورة قوانين ودساتير تنظم حياة المجتمع دون أي اعتبارات دينية وروحيةت- رفض فكرة التعددية السياسية من قبل بعض الأحزاب الدينية؛ لأنها تتعارض مع وحدة العقيدة والأمة في الدولة الإسلاميةث- انتقاد فكرة المصلحة الخاصة؛ وإهمال المصلحة العامة لدى الديمقراطية، وتطرح الأحزاب الإسلامية فكرة السعي لتحقيق مصلحة الفرد والجماعة معا؛ وانه يمكن تجاوز المصلحة الفردية للصالح العام.أما بخصوص حقوق الإنسان؛ والتي تعد ركناً أساسياً من النظرية الديمقراطية؛ فيلاحظ هنا أن الأحزاب الإسلامية اعترفت بمعظم حقوق الإنسان؛ مادامت لا تتعارض مع النصوص الإسلامية الواضحة، وطالبت باحترام الإنسان؛ وتفضيله على بقية المخلوقات، وحاولت الأحزاب الإسلامية الاستفادة من الدعوات لاحترام حقوق الإنسان لتكريس شرعية وجودها؛ ودورها في الحياة السياسية، ولكنها جعلت حقوق الإنسان هذه؛ حقوقاً توازن بين الحقوق الفردية التي يتبناها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفكر الغربي، وبين الحقوق الجماعية التي تهتم بحقوق الشعوب والأمم الإسلامية.
وفي دراسة لي عن حقوق الإنسان في مواثيق الأحزاب الأردنية؛ أظهرت الأحزاب الإسلامية تفوقا في إظهار حقوق الإنسان في مواثيقها؛ وقد وصلت النسبة إلى 81 % من خلال ذكر 13 حقاً من أصل 16 حقاً وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وتغلبت على الأحزاب الوطنية والقومية؛ التي وصل مجموع الحقوق المذكورة في مواثيقها بنسبة 67 % للأحزاب الوطنية، و 50 % للأحزاب القومية واليسارية.
2- ممارسة الأحزاب الإسلامية للديمقراطية:لقد واجهت الأحزاب الإسلامية جملة من الانتقادات للنظرية الديمقراطية كأيديولوجية وأفكار، كما رأينا فيما سبق، وقدمت هذه الأحزاب الشورى كبديل عملي للنظام الديمقراطي؛ بالرغم من عدم وضوح أسس هذه الشورى؛ وآلياتها كما سبق الإشارة له، ولكننا هنا ننتقل لدراسة الجوانب العملية؛ حيث سنحاول استكشاف مدى تطابق ممارسات الأحزاب الإسلامية؛ مع الأسس والمعايير الديمقراطية المعتمدة.
وسوف نبدأ أولاً برصد أهم التحديات التي تواجه عمل الأحزاب الإسلامية:التحديات التي واجهت الأحزاب الإسلامية في ممارستها لدورها في الحياة السياسية:1- معوقات اجتماعية وثقافية:
يلاحظ المتتبع للمجتمعات العربية؛ بأنها ما زالت تعيش في ظل جذور القبلية؛ والانقسامات الطائفية؛ التي تعرقل العمل المؤسسي؛ القائم على العمل الإداري الذي تمثله الأحزاب، كما أن تخلف الحياة الاقتصادية؛ ساعد في الحد من نمو الوعي السياسي القادر على خلق تنافس حر بين مؤسسات سياسية مستقلة.
كما ساهمت الحياة الثقافية السائدة؛ القائمة على ثقافة الشخص القائد الملهم الذي يملك الحقيقة ولا يقبل العمل المؤسسي؛ وكذلك الثقافة القائمة على عدم الإيمان بالحرية واحترام الآخر؛ وإمكانية التعايش بين الاتجاهات المختلفة؛ في رفض فكرة الأحزاب أولاً؛ ثم التعددية السياسية ثانيا، مما حال دون وجود أحزاب إسلامية فعالة.
2- معوقات نظامية ودستورية:
تتعلق بتركيز السلطة؛ وإعطاء صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني، ومحاولة الحد من نفوذ الأحزاب؛ والتلاعب بقوانين وإجراءات الانتخابات للحد من فعالية دور الأحزاب في الحياة السياسية.
3- رفض الأنظمة العربية القائمة:
يلاحظ المتتبع لدور الأحزاب الإسلامية في مواجهة الأنظمة المستبدة في العالم العربي والإسلامي؛ لجوئها إلى العمل السري؛ واستخدام القوة والعنف الثوري الذي يرفض الاعتراف بسيادة القانون، ومعظم هذه الأحزاب تصنف ضمن أحزاب المعارضة، وغالباً ما وجدت نفسها في حالة صدام عنيف مع السلطة والأحزاب الحاكمة، ولم تتح لها مجالات المشاركة السلمية في الانتخابات والحكم.وقد تحالفت الأحزاب الإسلامية في بعض الحالات؛ مع بعض الأنظمة العربية في مواجهة المد القومي والثوري ومجابهة الأفكار الاشتراكية؛ مما عزز موقعها داخل النظام السياسي؛ دون أن تصل إلى الحكم كما حصل في الأردن.
4- معوقات داخلية وذاتية:تتعلق هذه المعوقات؛ بتجربة الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية؛ وعدم قدرتها على بناء مؤسسات ديمقراطية؛ تقوم على الانتخاب لمؤسسات الحزب وقياداته؛ ورفض الانفراد بالقرارات، فمعظم الأحزاب الإسلامية تتسم بهشاشة وضعها التنظيمي؛ وسيطرة بعض القيادات الفردية عليها؛ وغياب التحديد الواضح للصلاحيات والمسؤوليات بداخلها، وبالتالي كيف يمكن أن نتوقع من أحزاب غير ديمقراطية أن تقوم بتعزيز التجربة الديمقراطية؟
5- تحدي القوى السياسية والأحزاب الأخرى:
أ- فالتيار اليساري والاشتراكي؛ يرى في الأحزاب الإسلامية دعوة للتخلف والرجعية، وتخوفاً من سيطرة القيم الدينية على طبقة البروليتاريا مما يضعف دوافع الثورة لديهاب- التيار الليبرالي عارض وجود الأحزاب الإسلامية؛ لأنه رأى أن الديمقراطية الليبرالية تصب في مصلحة الأحزاب الدينية الأقرب إلى المزاج الشعبي، ويعتبرها أنها دعوة للتعصب والعودة لعصور الظلام.ج- التيارات التقليدية والعشائرية؛ والتي تحكم علاقات الولاء والانتماءات القبلية؛ عارضت وجود الأحزاب الدينية؛ باعتبارها أحزاب إيديولوجية؛ قادرة على كسب تأييد من كافة فئات المجتمع؛ وهي أكثر تنظيماً مؤسسياً من الأحزاب التقليدية.6- الضغوط الخارجية والبيئة الدولية:
أ- ساهمت البيئة الدولية الداعمة للحريات العامة؛ ومبدأ الديمقراطية والمشاركة الشعبية؛ في تمهيد الطريق لظهور الأحزاب الإسلاميةب- في مرحلة الحرب الباردة؛ حصلت الأحزاب والحركات الإسلامية على دعم الدول الغربية ومساندتها لدورها الفاعل في التصدي للشيوعية والأفكار الثوريةج- تراجع دور الأحزاب الإسلامية وأهميتها في مرحلة العولمة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهزيمة الفكر الاشتراكي، وتناقص التأييد لها في الدول الغربية؛ خاصة بعد وقوفها ضد العولمة الثقافية؛ ونشر القيم الغربية في العالم العربي والإسلامي.د- اتهمت الأحزاب الإسلامية في الفترات اللاحقة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول بتأييدها للإرهاب؛ وتشجيعها للأصولية الإسلامية المتعصبة؛ القائمة على رفض الهيمنة الغربية على العالم.وقد تنوع سلوك الأحزاب الإسلامية في الممارسة الديمقراطية بين عدة تيارات رئيسية نذكر فيما يلي أهمها:
1- تيار يرفض الديمقراطية رفضاً قاطعاً؛ وهو يرى بأن الخلاف مع الديمقراطية خلاف نوعي وكيفي، وبالتالي يستحيل التوفيق بين الديمقراطية العلمانية والشورى التي مرجعيتها شرع الله، ولهذا؛ فالديمقراطية من وجهة نظرهم؛ تكرس الهيمنة الغربية على العالم العربي والإسلامي، ويتمثل ذلك في حزب التحرير، والحركة الأصولية والسلفية.2- تيار يحاول التوفيق بين الديمقراطية والإسلام؛ ويرى إمكانية حل الاختلاف بين الديمقراطية والشورى من خلال الأخذ بالآليات الديمقراطية والاقتباس منها؛ باعتبار ذلك يدخل ضمن باب الاجتهاد؛ وان هناك نقاط التقاء كبيرة بين الديمقراطية والشورى في مجال رفع مكانة الإنسان ودوره في الحكم.3- تيار يطالب بالأخذ بالديمقراطية بشروط معينة؛ والأساس في ذلك اعتماد الديمقراطية كنظام عصري؛ قدمها الفكر البشري مفصولة عن تراثها التاريخي والحضاري؛ ومحيدة عن مضامينها الفلسفية؛ الداعية للعلمانية وتهميش دور الدين، وبالتالي يمكن الاستفادة من الديمقراطية في خدمة المجتمع الإسلامي؛ واستبعاد ما يتعارض منها مع الفكر الإسلامي.وفيما يلي ملخص لمشاركة الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية في الأردن:
ممارسة الأحزاب الإسلامية للأنشطة الديمقراطية
أولاً: المشاركة السياسية
تعرف المشاركة السياسية بأنها النشاطات الإرادية التي يمارسها الأفراد في مجال اختيار حكامهم وممثليهم وكذلك المساهمة في صنع القرارات.
يلاحظ المتتبع لدور الأحزاب الإسلامية في الأردن؛ وخاصة تجربة حزب جبهة العمل الإسلامي؛ بأنه مارس دوراً نشطاً في مجال المشاركة السياسية في الأردن، ويمكن رصد هذه المشاركة؛ من خلال الأنماط التالية:
1- المشاركة في الانتخابات النيابية: فقد دخلت الأحزاب الإسلامية الانتخابات النيابية في المجلس الحادي عشر سنة 1989؛ من خلال كتلة جماعة الإخوان المسلمين وحصلت على 23 مقعدًا، ولكن هذه المقاعد تراجعت في المجلس الثاني عشر 1993 إلى 16 مقعداً.أما في المجلس الثالث عشر سنة 1997؛ فقد قاطع حزب جبهة العمل الإسلامي الانتخابات من ناحية رسمية، لكن كثيراً من أتباعه وأنصاره دخلوا الانتخابات وفازوا واعتبر 12 عضواً في البرلمان؛ من أعضاء جبهة العمل الإسلامي.
وفي انتخابات 2003؛ تراجع حزب جبهة العمل الإسلامي عن مقاطعته للانتخابات؛ وقدم قائمة للمرشحين تضم 30 عضوا من خلال قائمتين، أولاهما قائمة معلنة؛ والثانية قائمة غير معلنة؛ وفيها 10 مرشحين؛ وحصل الإسلاميون على 17 مقعداً؛ منها مقعد نسائي على أساس الكوتا.
أما في انتخابات 2007؛ فقد وصل عدد مقاعد الأحزاب الإسلامية إلى ستة مقاعد فقط.
ويلاحظ في هذا المجال؛ أن مجموع الأصوات التي حصل عليها مرشح حزب جبهة العمل الإسلامي؛ كانت تفوق كثيراً أصوات المرشحين الآخرين.
2- المشاركة في الحكومة: شاركت الأحزاب الإسلامية؛ في الحكومة الأردنية؛ التي تألفت بعد انتخابات 1989؛ وبقيت مشاركتها حتى توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، حيث انسحبت من المشاركة في الحكومات؛ وان كان بعض المقربين منها بقوا جزءاً من الحكومة؛ خاصة أولئك الذين انشقوا على الجماعة، كما يساهم أعضاء الأحزاب الإسلامية؛ في الوظائف الحكومية بشكل كبير؛ مثال ذلك في وزارة التربية والتعليم.3- المشاركة السلبية بأدوات غير عادية: من خلال الضغط على قرارات الحكومة؛ ومحاولة التأثير عليها؛ مثال ذلك: مقاطعة الانتخابات النيابية لسنة 1997؛ وعدم المشاركة في الحكومات؛ والتي تعد إحدى وسائل الضغط على الحكومة لاتخاذ سياسات تتفق ومواقف حزب جبهة العمل الإسلامي، وكذلك المشاركة في حركات الاحتجاج والمظاهرات ضد سياسات الحكومة؛ خاصة في مجال الصراع العربي الإسرائيلي.4- المساهمة في مؤسسات المجتمع المدني؛ حيث شاركت الأحزاب الإسلامية في كافة مؤسسات المجتمع المدني؛ مثل النقابات والجمعيات الخيرية، وقامت بتأسيس والإشراف على كثير من مؤسسات المجتمع المدني؛ والتي كانت بالمقابل داعمة للأحزاب الإسلامية؛ ومناصرة لبرامجها.من خلال متابعة نشاطات المشاركة السياسية السابقة؛ يلاحظ بأن هذه الأنماط من المشاركة السياسية ساعدت في خلق شعور بالمسؤولية لدى أفراد الأحزاب الإسلامية.
ثانياً: الرقابة الشعبية والمحاسبةأبدت الأحزاب الإسلامية؛ قدرة على رقابة الحكومات الأردنية ومحاسبتها؛، وتظهر سجلات البرلمان الأردني؛ ارتفاع نسبة الأسئلة والاستجوابات التي قدمها ممثلو الأحزاب الإسلامية؛ وقد بدا ذلك واضحا في قدرة الكتلة الإسلامية في فرض شروطها على حكومة مضر بدران سنة 1991، ومحاولة سحب الثقة من حكومة طاهر المصري سنة 1991.
ثالثاً: المداولة في القضايا العامة؛ وبلورة الرأي العاملعبت الأحزاب الإسلامية دوراً واضحاً في تبني قضايا الأمة؛ وفي تفعيل دور الرأي العام؛ من خلال بحث ومناقشة القضايا العامة التي تهم المجتمع الأردني، سواء القضايا المعيشية؛ أو قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، والموقف من الاعتداءات الأجنبية على الوطن العربي والعالم الإسلامي.
وقد ساعدها في ممارسة هذا الدور؛ امتلاكها لوسائل إعلام خاصة بها؛ وقدرتها على النشر والتوزيع للمعلومات مما عزز دورها، هذا بالإضافة إلى اللجوء إلى الوسائل غير العادية في إثارة الرأي العام؛ مثل المظاهرات والاعتصام ضد معاهدة السلام مع إسرائيل أو التطبيع.
والتي أظهرت بشكل واضح؛ قدرة الأحزاب الإسلامية على التنظيم وتكتيل القوى وحشد الجماهير لتأييد مواقفها؛ كما حصل في تنظيم المواقف المؤيدة والداعمة لغزة ضد الاعتداءات الإسرائيلية عليها.
رابعاً: دور الأحزاب الإسلامية في تحقيق التعددية السياسية والتمثيل السياسيمارست الأحزاب الإسلامية دوراً في تمثيل كافة الفئات الاجتماعية؛ وكذلك الجماعات العرقية والقومية والعشائرية؛ وحتى ضمن الفئات العمرية المختلفة؛ والجماعات المهنية؛ حيث يلاحظ بان الأحزاب الإسلامية عملت على تمثيل كافة الدوائر والمناطق الجغرافية، وقد مارست الأحزاب الإسلامية هذا الدور؛ في تمثيل الفئات المختلفة ضمن فكرة التعددية السياسية؛ والتنافس مع القوى السياسية الأخرى.
خامساً: دور الأحزاب الإسلامية في تداول السلطةتعد الأحزاب الإسلامية من أولى الأحزاب الأردنية التي مارست تداول السلطة داخل أطرها التنظيمية؛ ومن خلال تغيير زعامات هذه الأحزاب بانتخابات داخلية؛ وهذا نقيض ما حصل في كل الأحزاب الأردنية الأخرى؛ حيث لا يوجد في أي حزب أردني زعيم حزب سابق؛ لأن تغير القيادة لأي زعيم؛ يعني الخروج أو الانشقاق على الحزب.
كما مارست الأحزاب الأردنية دورا في تداول السلطة؛ خاصة في السلطة التشريعية؛ من خلال تغيير ممثليها داخل البرلمان؛ وفق كل انتخابات أجريت، كما ساهمت في السلطة التنفيذية؛ من خلال المشاركة في بعض الوزارات؛ ثم غادرت هذه الحكومات، ومارست في كثير من الأحيان ضغطا لإسقاط بعض الحكومات؛ أو تغييرها مما يعني بالتالي تداولا للسلطة داخل النظام.
الخاتمةفي ختام هذه الدراسة المختصرة عن دور الأحزاب الإسلامية في التحولات الديمقراطية، يمكن القول إن هذه الأحزاب؛ لعبت دوراً مميزاً في هذا المجال، وإن نشاطاتها كانت أكثر فعالية من كثير من الأحزاب الأردنية، حيث شكلت هذه الأحزاب مؤسسات حزبية واضحة لها هيكلها التنظيمي ونظامها الداخلي الذي يحكم نشاطاتها، كما برز دورها بصورة كاملة في مجال الانتخابات وحشد الرأي العام وتنظيم الجماهير، وقد شاركت في الحياة السياسية من خلال برامج اتسمت بالثبات والوضوح بشكل عام، وقد أظهرت هذه الأحزاب أيضاً روح المرونة والبراغماتية في التعامل مع المسائل السياسية مثل قبولها بمبدأ المواطنة ومبدأ المساواة لكافة أفراد المجتمع، واعترافها بأنها أحزاب أردنية وتراجعها عن كونها حركات عالمية وغيرها.
وفيما يلي نقدم تلخيصاً لأهم الجوانب الايجابية والسلبية في دور الأحزاب الإسلامية في مجال الديمقراطية:
أولاً: الجوانب الايجابية 1- شاركت الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية؛ ودخلت الانتخابات والبرلمان ضمن برنامج التعددية السياسية.2- قبول الأحزاب الإسلامية العمل ضمن معادلة المعارضة السلمية والمشروعة للحكم؛ وقبول الانتظار إلى أن يتاح لها المجال للانتصار في المرات القادمة والفوز بالحكم.3- قبلت الأحزاب الإسلامية مبدأ تداول السلطة من خلال المشاركة الشعبية في المنافسة السياسية القادرة على فرز أفضل العناصر والأشخاص للمناصب السياسية، وإمكانية خروجها من السلطة إذا ما وجد من هو أفضل منها.4- عملت الأحزاب الإسلامية على خلق وتطوير مؤسسات المجتمع المدني الموالية لها والتي تؤمن لها الدعم المادي والمعنوي وتعطيها الفرصة لتكتيل القوى السياسية حول برنامجها الانتخابي.5- أثبتت الأحزاب الإسلامية قدرة على مخاطبة الرأي العام ومحاولة كسبه وتركيزها على القضايا العامة التي تشغل بال الرأي العام؛ ومدافعتها عن هذه القضايا، مما ساهم في تطوير وتفعيل الرأي العام؛ وتزويده بالمعرفة والمعلومات؛ من خلال وسائل الإعلام والدعاية وتنظيم المناقشات العامة.6- لعبت الأحزاب الإسلامية دوراً في التنشئة السياسية؛ وفي إعداد القيادات والكوادر السياسية؛ من خلال تدريب القيادات؛ وزيادة مهاراتها؛ في الاتصال؛ وتعليمها كيفية التعامل مع الناس ومع المشاكل واتخاذ القرارات.7 - مارست الأحزاب الإسلامية دور الرقابة الشعبية على الحكومات المعاصرة؛ خاصة داخل المجالس النيابية؛ وأظهرت القدرة على محاسبة الحكومات؛ وإحراجها في كثير من المواقف.ثانياً: الجوانب السلبية1- افتقار الأحزاب الإسلامية إلى المؤسسية القائمة على توزيع المسؤولية وتحديد الصلاحيات، وصياغة هيكلية واضحة لاتخاذ القرارات، فمعظم ممارسات هذه الأحزاب الداخلية؛ تقوم على الانفراد بالسلطة داخل هذه الأحزاب؛ انطلاقا من فكرة القائد الملهم؛ بالرغم من ذلك؛ تبقى هذه الأحزاب أفضل من غيرها من الأحزاب السياسية في هذا المجال.2- بالرغم من تبني الأحزاب السياسية لإيديولوجية مقبولة على الصعيد الشعبي؛ فإنها أبدت عدم اهتمام بالاحتياجات اليومية والحياتية للشعب؛ وركزت على الشعارات السياسية العامة؛ والقضايا الخارجية التي تهم الأمتين العربية والإسلامية .3- ابتعاد هذه الأحزاب عن قبول مبدأ تداول السلطة بداخلها؛ ولذلك غادرت القيادات الحزبية الإسلامية أحزابها؛ بمجرد خروجها من المراكز القيادية؛ وهذا يفسر ظاهرة التشرذم في الأحزاب الإسلامية؛ وظهور الصقور والحمائم؛ والاتهامات المتبادلة بين أقطاب الحزب الواحد.4- إبداء كثير من التحفظات على حقوق الإنسان؛ خاصة المتعلقة بدور المرأة؛ ورفض فكرة المساواة بين الجنسين.5- اتسمت معظم نشاطات الأحزاب الإسلامية بالموسمية؛ واستغلال المناسبات العامة؛ بدلا من العمل المؤسسي المستمر والمتواصل.