A+ A-
كلمة الاستاذ عريب الرنتاوي في ورشة عمل الاصلاح في العالم العربي، الإمكانيات والعوائق من أجل سيناريو الإزدهار
2005-11-14
عريب الرنتاوي
مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية
اسمحوا لي في البداية أن أعبر عن سعادتي لوجودكم معنا اليوم، وأنتم نخبة متميزة من المثقفين والنشطاء الذين من دون أفكارهم وأنشطتهم، سيكون من الصعب أن نرى سيناريو ازدهار" وقد أصبح ممكنا أو قابلا للترجمة والتنفيذ.وأود أن أوضح في بداية مداخلتي أن اختيار لهذا العنوان، لم يكن صدفة أبدا، ففي ظني أن الجدل والصراع حول "أي قانون انتخابي نريد؟!"، يجسد ويلخص في الحالة الأردنية كما في كثير من المجتمعات الجدل الأوسع حول التحديات والعوائق التي تجابه عملية التحول الديمقراطي في بلادنا والسبل الكفيلة بتذليل هذه العوائق وتسريع عملية التغيير.
لقد استأنف الأردن "مساره الديمقراطي" كما نقول، في العام 1989، أي قبل ما يزيد عن خمسة عشر عاما، بعد سنوات وعقود من الركود تحت ظل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية التي عطلت الانتخابات ومنعت تشكيل الأحزاب السياسية وحدت من حرية الصحافة والرأي والتعبير والتظاهر والتنظيم.
وقد بدأ هذا المسار نشيطا في سنواته الأولى، حيث جرت انتخابات تعددية وتشكلت الأحزاب السياسية وازدحم سوق الصحافة بالعشرات من الصحف الحزبية والأسبوعية واليومية، وارتفع سقف الحرية، وتمت ترجمت كل هذه التطورات وتأطيرها في "الميثاق الوطني الأردني" الذي شاركت في صياغته عشرات الشخصيات الممثلة لمختلف تيارات الرأي العام في البلاد.
لكن المسار الديمقراطي الأردني أخذ يراوح في مكانه منذ عشر سنوات على أقل تقدير، وتحديدا منذ أن وقع الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل في أواخر العام 1994، حيث اشتدت العلاقة تأزما بين الحكم والحكومات من جهة، والمعارضة بمختلف تلاوينها وبالأخص الإسلامية من جهة ثانية، الأمر الذي أفضى إلى التراجع عن بعض المنجزات وازدياد التضييق على بعض الحريات، كما كان لاعتماد الحكومة قانونا انتخابيا يعتمد الصوت الواحد للناخب الواحد، أثرا في تعميق الفجوة بين الحكومات والمعارضة.
ويمكن تفسير حالة المراوحة التي تواجهها الحياة الديمقراطية في الأردن بوجود عائقين رئيسين أمام عملية التحول الديمقراطي، لم تصل الدولة الأردنية بعد، إلى اتخاذ تواجه نهائي حول كيفية التعامل معهما:

الأول: ويتمثل في النفوذ المهيمن للحركة الإسلامية الأردنية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، وحزبها السياسي/ حزب جبهة العمل الإسلامي، من دون أن يكون هناك في المقابل، نفوذ مؤثر لأية تيارات أو أحزاب وطنية أو قومية أو يسارية أو ديمقراطية وليبرالية في الشارع ومؤسسات المجتمع المدني، تلك الحالة من انعدام التوازن، ولّت مخاوف لدى مؤسسات صنع السياسة والقرار في الدولة الأردنية من مغبة استثمار الحركة الإسلامية وحدها لنتائج أية خطوات إصلاحية، وبصورة تعزز مكانتها القوية أصلا، وفي هذا السياق، وفي هذا السياق فقط، يمكن تفسير أسباب اعتماد الحكومات المتعاقبة منذ انتخابات العام 1993 وحتى يومنا هذا، قانون الصوت الواحد للناخب الواحد، والمصمم لتحجيم نفوذ الحركة الإسلامية وتمثيلها في البرلمان.والثاني: ويتعلق بدور المواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية، حيث ما زالت مؤسسات الدولة الأردنية على ترددها في اعتماد القوانين والتشريعات والسياسات والممارسات التي تنطلق من "المواطنة الكاملة" لهؤلاء، فما زالت قوانين الانتخابات وأنظمة توزيع المقاعد والدوائر الانتخابية، تصمم بصورة لا تسمح بتمثيل هذه الفئة من السكان بصورة تتناسب مع حجمها من السكان، ولهذه المسألة تفاعلات أخرى غير خافية على أحد في مجالات أخرى، ليس هنا مكان تناولها.ويمكنني القول أن الجدل الوطني حول مستقبل الخيار الديمقراطي الأردني يكاد يختصر في سؤال أي قانون انتخابي نريد، فالقوى التقليدية والعرفية والمحافظة تريد الإبقاء على قانون الصوت الواحد، كما تريد الإبقاء على نسب التمثيل وقواعد توزيع المقاعد على الدوائر الانتخابية، فيما تدفع القوى الحداثية والعصرية صوب قانون انتخابي مختلط يعتمد القوائم النسبية والدوائر الانتخابية معا، كخطوة لتوسيع المشاركة والخروج بالبرلمان من قبضة القوى العائلية والعشائرية والتقليدية، لكن هذه القوى الإصلاحية ذاتها، وبرم اتفاقها على ضرورة تطوير قانون الانتخابات، إلا أنها تنقسم على نفسها حين يتعلق الأمر بقضايا من نوع أوزان الدوائر والمقاعد ومعادلات تمثيل مكونات المجتمع الأردني المختلفة.
لقد انتهت الحياة السياسية الأردنية بعد ثلاث انتخابات برلمانية جرت على أساس قانون الصوت الواحد، إلى نمو الولايات والهويات الثانوية في المجتمع، وإلى تنامي دور الهويات الأولية – العائلة والعشيرة- على حساب الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع الأردني، ونشأت في البلاد نخبة برلمانية محافظة، تصطف غالبا إلى جانب الحكومات حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والإصلاح السياسي، أما حين يتعلق الأمر بالإصلاح التربوي والاجتماعي والثقافي وحقوق المرأة، فإن هذه القوى غالبا ما تتحالف مع ممثلي التيار الإسلامي في البلاد، لتكون النتيجة في معظم الأحوال: قيام البرلمان بدور محافظ وسلبي أحيانا في دفع عملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية نحو ضفاف الدمقرطة واللبرلة.
وتتخذ القوى المناهضة للإصلاح من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة ذريعة للقول بعدم نضج المجتمع الأردني للديمقراطية والإصلاح السياسي، بل أنها تتخذ من أداء البرلمان ذريعة للقول بأن خمسة عاما من استئناف المسار الديمقراطية ليست فترة كافية لإنجاز الديمقراطية والتقدم على دروبها.
لكن هذه المقاربة تسقط مسألتين في غاية الأهمية:
الأولى: وتتمثل في حقيقة أن انتصار القوى المحافظة في الانتخابات البرلمانية عائد إلى نوع القانون ونمط القواعد المتبعة في صياغة قانون الانتخابات وأنظمته التطبيقية المكملة، فالحكومات التي أشرفت على وضع هذه القوانين، كانت تدرك أية حصيلة ستأتي بها، بل أنها كانت ترغب في الحصول على هذه النتائج، لا غيرها.والثانية: أن خمسة عشر عاما، ليست فترة قصيرة في عمر التحولات الديمقراطية، فأوروبا الشرقية والوسطى، انتقلت إلى الديمقراطية من بطن النظم الشمولية الشيوعية وفي غضون فترة أقل من هذه الفترة بكثير، لكن الفارق هو توفر الإرادة السياسية الجادة هناك، وضعفها هنا.
أيا يكن من أمر، فإن العام الفائتين، شهدا احتداما للجدل الوطني حول أي قانون انتخابي، وتحديدا عندما شكل العاهل الأردني "اللجنة الملكية للأردن أولا" في العام 2002 وبعدها هذا العام "لجنة الأجندة الوطنية" حيث بحثت مسألة الإصلاح السياسي وقوانين الانتخاب بقوة في اللجنتين ، وكان واضحا لغالبية أعضائهما أن الصيغة الأنسب في الحالة الأردنية، هي اعتماد قانون انتخاب مختلط، يجمع بين الصوت الواحد في الدوائر الانتخابية والقائمة النسبية.
لكن الجدل ما زال محتدما حول نسبة توزيع المقاعد المخصصة للقوائم وتلك المخصصة للدوائر، وما إذا كان الناخب الأردني سيحظى بصوت واحد يعطيه للقائمة أو لمرشح الدائرة، أم أنه سيحق له الإدلاء بصوتين واحد للقائمة الحزبية / النسبية وآخر لمرشح الدائرة.
ومرة أخرى كما يتضح، فإن المحافظين ومناهضي التغيير، لم يسلموا بعد بأهمية إحداث تغيير نوعي في طبيعة القانون الانتخابي، فنراهم يعملون لتفريغ أية مقترحات باعتماد قانون مختلط من مضمونها، سواء بالسعي لتقليص نسبة المقاعد المخصصة لممثلي القوائم، أو من خلال وضع تناقض بين مرشح الدائرة ومرشح القائمة، فيصبح الاختيار بينهما سببا في إضعاف مرشحي القوائم، بدل أن يكون اختيار الاثنين معا، وسيلة لتعزيز مواقع القوى الحزبية والبرامجية في المجتمع.
لقد خرجت لجنة الأجندة الوطنية بتوصيات تتعلق باعتماد القوائم النسبية وسيلة لتشكيل البرلمانات الأردنية في المستقبل، فنكون أمام قوائم وطنية تشتمل على جميع المقاعد، بعد فترة من التدرج عل هذا الطريق، لكن زحم هذه التوصيات وتراجع مؤخرا، وزاد في حدة تراجعه أن اللجنة لم تصل إلى صيغة محددة للانتخابات المقبلة التي ستجري في العام 2007.
لقد أطلقنا في مركز القدس للدراسات السياسية وبالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور، مشروع طموحا لإنجاز قانون مقترح للانتخابات العامة، وبمشاركة عشرات الشخصيات السياسية والفكرية ونشطاء المجتمع المدني في البلاد، وبعد سلسلة من ورش العمل والمؤتمرات شاركت فيها مختلف الأطراف بمن فيها الحكومات المتعاقبة، أمكن الخروج بمشروع قانون مختلط، يعطي ثلث المقاعد في الانتخابات المقبلة، للقوائم النسبية، ويبقى للدوائر بثلثي المقاعد، وذلك في خطوة أريد بها الأخذ بنظرية التدرج في التغيير.
وسنظل نعمل على حشد التأييد لهذا القانون، سيما مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، بل وسنعمل على الأخذ بمبدأ المناصفة في توزيع المقاعد بين القوائم والدوائر، سيما وأن الأمل يحدونا بالحصول على دعم أوساط متزايدة، بما في ذلك بعض الاتجاهات الحكومية التي كانت مترددة من قبل ومتخوفة من مسألة الإصلاح السياسي، والتي يبدو أنها الآن، وتحديدا بعد التفجيرات الإرهابية في فنادق عمّان الثلاثة، باتت أكثر اقتناعا بأن تعطيل مسار الإصلاح لن يلحق الضرر سوى بالتيارات والاتجاهات الديمقراطية والليبرالية، وأن الجماعات المتشددة، سيما الأصولية منها، تمتلك أدوات الوصول والتواصل مع قواعدها الجماهيرية، سواء عبر الأطر المؤسساتية للديمقراطية أو من خلال الهياكل الاجتماعية والدينية القائمة، والتي لا تستطيع الحكومة أية حكومة، منعها أو إغلاقها كالمساجد ودور العبادة والزكاة والهيئات الخيرية الأخرى المرتبطة بالحركات الإسلامية.
لكن من السابق لأوانه التفاؤل بهذا التوجه، أو التكهن بما إذا كان سيتحول إلى ممارسات وسياسات مستقرة، تعبر عن نفسها بمقاربات جديدة حيال قوى الإصلاح وبرامج التغيير.
وقبل أن أنهي حديثي هذا عن قانون الانتخاب وأثره في تسريع أو تعطل عملية الإصلاح، أرجو أن أنتقل من سؤال "أي قانون انتخابي نريد؟" إلى أسئلة أخرى تتصل بنزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها وعدالتها، فتلكم أيضا عناوين مهمة، وتندرج في صلب عملية الدمقرطة، ونقطة البدء في تناولها تبدأ من قانون الانتخابات الذي نريد، وهنا سأشير وبإيجاز إلى النقاط التالية:
1. توخي معايير العدالة والمساواة في توزيع المقاعد والدوائر الانتخابية فلا يجوز أن تبقى الفجوات التمثيلية على حالها، ولا يصح أن يظل تفاوت التمثيل على حاله.
2. ضرورة أن ينتقل الإشراف على العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها من وزارات الداخلية، إلى هيئات ولجان مركزية أو وطنية تضم شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والاستقلال، من قضاة ورجالات دولة ومجتمع مرموقين.
3. ضرورة أن تخضع الانتخابات في جميع محطاتها الانتخابية إلى إشراف قضائي مناسب، وتحديدا عند في مراكز الاقتراع وعند الفرز.
4. ضرورة أن تخضع الانتخابات لرقابة مؤسسات المجتمع المدني المحلية والعربية وحتى الدولية، للتأكد من نزاهة العملية وتقليص أية تدخلات يمكن أن تلحق ضررا بصدقية العملية الانتخابية.
5. ضرورة أن يضطلع القضاء بدور رئيس في البت في الطعون وعدم ترك المسألة للبرلمان الجديد الذي أثبتت التجربة التاريخية أنه لم يأخذ ولو لمرة واحدة، بأي طعن من الطعون.
والحقيقة أن أي بند من البنود يقابل بمقاومة ضارية من قبل القوى المحافظة والتقليدية والمناهضة للإصلاح، والتي تريد أن تبقي على سيطرتها وهيمنتها، وأن تمنع قوى المجتمع الحديثة والمدنية من القيام بدور ينسجم مع حجمها وتوجهاتها المستقبلية، والأرجح أن معركة الإصلاح والتغيير في الأردن، كما في الكثير من الدول والمجتمعات العربية، تتوقف على كيفية الإجابة على هذه المعضلات والتحديات.