A+ A-
الأردن ومحاولات ترميم حركة فتح... نهاية الأوهام والرهانات
2009-08-25

قبل عامين أو يزيد قليلا، فتح الأردن أبوابه وذارعيه لمحاولات الرئيس الفلسطيني محمود عباس إعادة ترميم واستنهاض حركة فتح، العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، والشريك الفلسطيني الرئيس في عملية السلام التي يوليها الأردن اهتماما خاصا، ولقد كان لصعود حركة حماس وفوزها الساحق في انتخابات 2006 التشريعية الفلسطينية، أثرا كبيرا في دفع الأردن للخروج عن حذره المعتاد، وتقديم كل التسهيلات الممكنة لإتمام عقد مؤتمر فتح، وإعادة بناء الحركة.
لقد كان الاعتقاد السائد في بعض الأوساط القيادية الفلسطينية في تلك الفترة يقول أن فتح وحدها بمقدورها أن تواجه صعود الحركات الإسلامية المتشددة في فلسطين، وتوفير "البديل الفلسطيني المعتدل" المؤمن بعملية السلام وحل الدولتين، وهو أمر يرى فيه الأردن مصلحة حيوية له لسببين: الأول، أن الأردن ذاته، يواجه حركة إسلامية قوية شقيقة وداعمة بقوة لحماس تقوى بصعودها وتضعف بتراجعها إلى حد كبير... والثاني، أنه مؤمن بأن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، هو تعبير عن المصلحة الوطنية الأردنية العليا في مواجهة ما يعتقده مشاريع لحل قضية فلسطين على حسابه وبالضد من مصالحه.
لقد صدرت التعليمات عن أرفع المراجع السياسية في الدولة الأردنية لتقديم كل ما أمكن من تسهيلات للجنة التحضيرية لمؤتمر فتح السادس، وأتيح للرئيس الفلسطيني، رئيس فتح، أن يلتقي بعشرات الشخصيات الفتحاوية القيادية التي كان محظورا عليها دخول الأردن لسنوات وعقود عديدة، وتحولت عمان إلى مقر دائم لاجتماعات اللجنة المركزية لفتح واللجنة التحضيرية لمؤتمرها السادس.
وتعبيرا عن الدعم والإسناد للرئيس عباس وما يمثل ومن يمثل، فقد بادر العاهل الأردني إلى حضور جانب من اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح أثناء انعقاده في عمان، في إشارة فهم منها أن الأردن يقف بقوة إلى جانب خط الاعتدال الفلسطيني، أو بلغة أخرى إلى جانب الشرعية الفلسطينية، ممثلة برئاسة عباس، في سعيها لبناء دولة فلسطينية مستقلة من جهة وفي مواجهتها لما اعتبر في عمان رياح تطرف وأصولية قد تهدد عملية السلام بمختلف مكوناتها ومخرجاتها وفرصها.
وقد تزامن هذا الدعم الملحوظ لحركة فتح في مسعاها لإستعادة وحدتها ودورها القيادي التاريخي، مع وصول العلاقات مع حركة حماس إلى مستوى شديد التدهور، توّج بالإعلان الرسمي الحكومي في عمان عن اكتشاف خلية لحماس كانت تسعى كما قالت البيانات الرسمية لتنفيذ عمليات إرهابية على الأرض الأردنية وتمس الأمن الأردني في الصميم، الأمر الذي عمّق القطيعة بين عمان والحركة الإسلامية الفلسطينية، قبل أن تعود هذه العلاقات لاستعادة بعض هدوئها وحرارتها من خلال قناة الاتصال "الأمنية" التي دشنّها مدير المخابرات السابق، والرجل القوي في النظام آنذاك الجنراك محمد الذهبي.
ومن الجدير بالذكر أن موقع الأردن من الصراع الفلسطيني الداخلي وموقفه من فريقيه الرئيسين، كان محكوما ومتأثرا بجملة عوامل أهمها: (1) النظر للصراع بين فتح وحماس كجزء من الصراع بين معسكري "الاعتدال" و"المقاومة" في المنطقة....(2) المخاوف الأردنية المترتبة على صعود الحركة الإسلامية في الأردن والتي شعرت بدورها بالقوة والانتعاش إثر فوز حماس الكاسح في الانتخابات الفلسطينية، حتى أن بعض قيادات الإخوان المسلمين الأردنية بدأت تتحدث عن استعداد مماثل للحركة لتشكيل حكومة في الأردن حال فوزها في انتخابات ديمقراطية....(3) رغبة الأردن في تسريع عملية السلام وإغلاق الملف الفلسطيني الضاغط على حسابات صانع القرار الأردني وأولوياته.
لقد مضى على فوز حماس في الانتخابات وتشكيلها حكومة في غزة أكثر من ثلاث سنوات، شعر الأردن خلالها بأن رهانه على استنهاض حركة فتح وتعزيز دور السلطة وتطويره، كان رهانا مبالغا فيه، فلا العزل والحصار – ولاحقا الحرب- نجحا في إسقاط حكومة حماس في القطاع، ولا الدعم المقدم لفتح والسلطة كان كفيلا بتعزيز نفوذهما في الضفة الغربية، وسط تقارير طالما أكدت للأردن بأن ما يحول دون تكرار تجربة غزة في الضفة، هو وجود الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية، وليس قوة السلطة الفلسطينية.
لذلك أخذت الدبلوماسية الأردنية في التراجع قليلا للوراء في علاقاتها مع حركة فتح، والتقدم قليلا للأمام وبحذر شديد في علاقاتها مع حركة حماس، وعاد الأردن للنأي بنفسه من جديد عن خلافات فتح وحماس، وعن صراعات فتح الداخلية التي لا تنتهي، وفتح قناة اتصال "أمنية" مع حركة حماس.
وعندما فجّر رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير وأمين سر حركة فتح فاروق القدومي قنبلة اتهاماته للرئيس عباس ومساعده محمد الدحلان بالتخطيط مع شارون وموفاز لتنفيذ مؤامرة اغتيال ياسر عرفات كما قال القدومي، حرص الأردن على الابتعاد عن الجدل الفتحاوي الداخلي، وكل ما كان يهم الحكومة الأردنية هو أن لا ينظر لهذه التصريحات التي صدرت من عمان، على أنها تعبير عن تغير في الموقف الأردني أو أنها تمثل دعما للقدومي في مواجهة عباس، كما أن الحكومة الأردنية أكدت مرارا أنها لم تطلب من القدومي مغادرة الأردن، مشددة على أنها طلبت إليه عدم الإدلاء بتصريحات من شأنها إحراج الحكومة الأردنية والمساس بصورة موقفها المؤيد للشعب الفلسطيني ككل، علما بأن عمان لم تحتفظ يوما بعلاقات طيبة مع فاروق القدومي بل أن الدبلوماسي الفلسطيني المخضرم طالما "اشتبك" سياسيا ودبلوماسيا مع وزراء خارجية الأردن المتعاقبين في اجتماعات وزارية عربية وإقليمية.
اليوم، تنتظر عمان التئام مؤتمر فتح في بيت لحم، بعد أن تقرر عقده في الداخل (بالمناسبة التيار الذي يقوده عباس في فتح لم يكن جادا في أي مرحلة بطلب عقد المؤتمر في أي من العواصم العربية)، وهي تتمنى أن ينتهي إلى تعزيز وحدة فتح ودورها معسكر الاعتدال الفلسطيني، بيد أنها ما عادت تضع الكثير من الآمال والرهانات على إمكانية استعادة فتح زمام المبادرة والقيادة، والأردن الرسمي وإن كان يرى في انعقاد المؤتمر في بيت لحم دلالة على انتصار تيار الاعتدال داخل فتح، فهي لم تعد تعلق الكثير من الآمال على دور الحركة بالإجمال، فتجربة السنوات الماضية أظهرت ما لا يدع مجالا للشك، بإن عصر فتح في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في أفول وتراجع، وأنها تتحول يوما بعد يوم، إلى جهاز وظيفي في السلطة الفلسطينية، يعاني مما تعانيه السلطة ذاتها من عوارض وأمراض.