A+ A-
عراق ما بعد صدام حسين ومصادر التهديد للأمن الوطني الأردني
2005-12-15

بقلم: عريب الرنتاوي
مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية.

طرحت الهجمات الإرهابية على ثلاثة فنادق في عمان في التاسع من نوفمبر الماضي، مسألة العلاقات الأردنية العراقية على بساط البحث من جديد، فأفراد الخلية الإرهابية الأربعة الذين نفذوا العملية هم من أبناء منطقة الأنبار، المعقل الرئيس لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، وذا الأغلبية العربية السنية.تاريخيا، لم يكن العراق زمن البعث والانقلابات العسكرية مصدر طمأنينة للأردن، حتى في ذروة التحسن في العلاقات الأردنية العراقية، سيما مع تفشي النزعات التدخلية للنظام البعثي البائد، لكن العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، تحول إلى مصدر قلق أمني واستراتيجي لصناع القرار في الأردن، وقد تعاملت الديبلوماسية الأردنية مع هذا القلق بكثير من الحذر والتحسب، الذي لم يخل من بعض العصبية والانفعال أحيانا.
ويمكن القول أن النظرة الأردنية لعراق ما بعد صدام حسين تأخذ بعين الاعتبار جملة من التحديات والتهديدات أهمها:أولا: أن العراق يتحول يوما بعد آخر، إلى ساحة خلفية للنفوذ والهيمنة الإيرانيين، حيث يتتبع المسؤولون الأردنيون، وبكثير من القلق لعبة إيران المزدوجة في العراق، فطهران تدعم من جهة العملية السياسية الجارية في العراق كونها ستأتي بالغالبية الشيعية الموالية لها إلى مواقع الحكم في بغداد، بيد أنها من جهة ثانية، تدعم قوى أصولية وجماعات مسلحة في المناطق السنية، بهدف إرباك وتهديد الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وفي هذا السياق جاءت التحذيرات الأردنية المبكرة من خطورة قيام "هلال شيعي" تسيطر عليه طهران ويمتد منها إلى جنوب بيروت ولبنان، مرورا ببغداد ودمشق وبعد الجيوب الشيعية في دول الخليج، ولعل آخر ما يتمناه الأردن أن يجد نفسه ذات يوم محاطا من الشرق والشمال بحدود مع "إيران" أو مع دويلات وكانتونات وأنظمة خاضعة لـ"ولاية الفقيه".ثانيا: ولمواجهة هذا التهديد، رأى بعض السياسيين وصناع القرار الأردنيين مبكرا أن بناء "جدار عربي سني" مقاوم في بغداد ومناطق غرب العراق، يمكن أن يوفر سدا في مواجهة تمدد النفوذ والهيمنة الإيرانية، وهي ذاتها المقاربة التي عادت دول عربية أخرى مثل مصر والسعودية للحديث عنها بصوت خافت وكانت وراء مبادرة الجامعة العربية الأخيرة لإنجاز المصالحة والوفاق بين العراقيين، وهي ذاتها المقاربة التي دفعت عواصم عربية عدة للتقرب من ممثلي العرب السنة في العراق، بل وفتح قنوات حوار واتصال مع "التيار المقاوم" في العراق.
لكن نظرية "بناء السد العربي السني" والتي اتخذت من شعار "عروبة العراق" تعبيرا دبلوماسيا عنها، اصطدمت بغياب الشريك الفاعل في هذه المناطق، فالتمثيل السياسي العربي السني في العراق موزع على عشرات الأحزاب والعشائر ومراكز القوى والشخصيات، والقوى النافذة في هذه الأوساط، تنتمي في غالبيتها إلى تيارات سياسية أصولية أو بعثية، لا تتفق توجهاتها مع توجهات الحكم في الأردن، بل وتتهم عمّان في الغالب بتقديم المساعدة والتسهيلات للولايات المتحدة وبريطانيا في حربهما على العراق.
وإذا كانت التحذيرات الأردنية من مغبة قيام هلال شيعي قد ولّدت ردود أفعال قاسية في أوساط الشيعة العراقيين ضد الأردن، لم تنمح آثارها برغم محاولات الأردن الحثيثة لاحتوائها، فإن العلاقات الأردنية الأمريكية ذات الطبيعة الاستراتيجية، لم تساعد عمّان على كسب ثقة وتأييد قطاعات واسعة من العرب السنة الموزعة انتماءاتها على تيارات أصولية وقومية متشددة.
وهكذا تجد الديبلوماسية الأردنية نفسها في وضع صعب، بل ويزداد صعوبة كلما زاد النفوذ الإيراني في العراق، وكلما تعمقت عمليات الاستقطاب الطائفي والمذهبي، وهي إذ تحاول تفتيح قنوات حوار واتصال مع مختلف مكونات العراق، إلا أنها تحقق القليل من الإنجازات على هذا الصعيد، شأنها في ذلك شأن معظم الديبلوماسيات العربية على أية حال.
أما التهديد / التحدي الثالث الذي يواجه الأردن من العراق، فيتمثل في الإرهاب، فالعراق تحول بفعل سياسة "الفوضى البناءة" إلى معقل رئيس وخندق أمامي لجبهة الإرهاب الدولي، وهذه بدورها نجحت في إشاعة "الفوضى الهدامة" في العراق، وهي تسعى اليوم في تصديرها إلى دول المنطقة، وتحديدا إلى إسرائيل وفلسطين والدول المحيطة هما، ترجمة لإستراتيجية جديدة للقاعدة اعتمدتها بعيد الحرب على أفغانستان، ويعتبر الأردن من منظور القاعدة، ساحة مناسبة لتجريب هذه الاستراتيجية واختبارها.
وإذ انتقلت قيادة القاعدة في العراق إلى الأردني أحمد فضيل نزال الخلايلة المعروف بـ"أبو مصعب الزرقاوي"، فقد أصبح للقاعدة أسبابها الخاصة لتركيز هجماتها على الأردن، فالرجل كما تقول الدوائر الأمنية الأردنية، يصفي "حسابات شخصية" مع الأردن وأجهزته الأمنية، فضلا بالطبع عن "التفويض العام" للقاعدة الذي يعمل بموجبه.
ومنذ سقوط النظام العراقي البعثي، قبل أكثر من ثلاثين شهرا، تم الكشف عن عشرات الخلايا الإرهابية في الأردن، وبمعدل يزيد عن خلية واحدة شهريا، حيث تنشغل المحاكم الأردنية بالتعامل مع عشرات المتهمين وبملفات التحقيق المتراكمة.
صحيح أن معظم هذه الخلايا انكشف أمرها وهي في طور الإعداد والمحاولة لتنفيذ عمليات إرهابية، لكن الصحيح أيضا أنها نجحت خلال أقل من سنة في تنفيذ عمليتين نوعيتين في العقبة وفنادق عمان، وقبلها نجحت في تنفيذ عملية اغتيال الديبلوماسي الأمريكي لورنس فولي.
ويلاحظ أن معظم إن لم نقل جميع المحاولات والعمليات الإرهابية قد تم التخطيط لها والتدريب عليها في العراق، لكن الملاحظة الأهم المثيرة لقلق الدوائر الأمنية الأردنية، أن العمليات "الناجحة" للقاعدة ضد أهداف أردنية أو أهداف غربية في الأردن، قد تمت على يد عناصر غير أردنية، فاغتيال الديبلوماسي فولي تم على يد إرهابي ليبي، وعملية العقبة نفذها إرهابيون سوريون وعراقيون، والفنادق الثلاثة استهدفت بخلية جميع عناصرها من العراقيين، الأمر الذي يعني أن تغيرا قد طرأ على تكتيك القاعدة، وأنها باتت تلجأ لاستخدام عناصر غير أردنية، متواجدة بوفرة في العراق، حيث لا تمتلك أجهزة الأمن الأردنية معلومات كافية عنهم.
وتقودنا هذه الملاحظة إلى ما يمكن وصفه بالتحدي / التهديد الرابع الذي يواجه الأردن من عراق ما بعد الحرب، حيث أدت العمليات الحربية وتفشي الإرهاب والفوضى والفلتان الأمني والضائقة الاقتصادية إلى هجرة أعداد واسعة من العراقيين إلى الأردن، انضموا بدورهم إلى مئات ألوف العراقيين الذين تواجدوا في الأردن طوال سنوات التسعينيات، وبرغم عدم وجود أرقام رسمية دقيقة عن أعداد الجالية العراقية في الأردن، إلا أن التقديرات بهذا الشأن تتراوح ما بين 500 – 800 ألف عراقي، في حين تصل بعد التقديرات إلى المليون، وتقول مصادر المفوضية العليا للانتخابات العراقية أن وزارة الداخلية الأردنية زودتها بتقديرات عن أصحاب حق الاقتراع من العراقيين المقيمين في الأردن تتراوح ما بين 300 – 500 ألف مواطن عراقي، لكن المفوضية تعتقد أن الأرقام الفعلية عن أصحاب حق الاقتراع من العراقيين أكبر من ذلك بكثير.
وفي غياب أية معلومات دقيقة عن خلفيات هؤلاء ومناطق انتشارهم، سيما أن الغالبية العظمى منهم تقيم بشكل غير شرعي، ومع ازدياد اعتماد التنظيمات الإرهابية على العنصر العراقي في استهداف الأردن، فإن مسألة الأعداد المتزايدة من العراقيين المقيمين في مختلف المناطق الأردنية، بما فيها الريفية، تتحول إلى تهديد كامن، ومشكلة أمنية حقيقية، فضلا عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من نوع الضغط على الموارد وزيادة البطالة بين الأردنيين وغير ذلك.
ولهذا السبب بالذات، بدأت السلطات الأردنية حملة "إعادة تنظيم الوجود العراقي" في الأردن، وسمحت للمتجاوزين مغادرة البلاد من دون دفع أية غرامات، وتقوم هذه السلطات بعمليات إبعاد للمخالفين، كما أن هناك محاولة لتحديد أعداد العراقيين الذي يسمح بدخولهم يوميا للبلاد، وبصورة لا تتعدى المائة قادم يوميا.
والخلاصة أن عراق ما بعد صدام حسين تحول إلى مصدر قلق وتهديد للأمن والاستقرار الأردنيين، ولذلك تجد الديبلوماسية الأردنية نفسها في موقع الداعم بقوة للعملية السياسية الجارية في العراق، على أمل أن تفضي هذه العملية إلى الحفاظ على وحدة العراق، حتى لا يجد الأردن نفسه أمام "كانتون سني متطرف" على حدوده الشرقية، وصون عروبته المنفتحة على مكوناته غير العربية، حتى لا يخضع العراق للهيمنة الإيرانية، واستعادة الأمن والاستقرار حتى لا يتحول العراق إلى مصدر للفوضى الهدامة والعنف والإرهاب في المنطقة، وبناء مؤسسات الدولة على أساس مشاركة جميع مكونات العراق في هذه العملية من دون إقصاء أو تهميش أو إلغاء.