A+ A-
الانتخابات الرئاسية الايرانية العاشرة… هل "شاخت الثورة"، وأي مسار ستسلكه الدولة
2009-07-20

تعد الاحتجاجات التي اندلعت في طهران، ووقف وراءها الاصلاحيون والبراغماتيون وسار في ركبها طيف مختلف الغايات بتهمة تزوير نتيجة الانتخابات الرئاسية العاشرة في ايران لصالح الرئيس الحالي محمود احمدي نجاد، محطة تاريخية فاصلة في تاريخ الجمهورية الاسلامية تبز غيرها من المحطات التي واجهتها. ففي هذه المحطة التي تواجه التيار المحافظ في استمرار رهانه على اولوية الامن القومي لرد المخاطر الخارجية والداخلية، مع التيار اصلاحي والبراغماتي اللذين يراهنان على اولوية التنمية الاقتصادية الاجتماعية للحيلولة دون التفكك الداخلي وتجنيب المواجهة مع الخارج. والتضخيم السائد في اوساط الاعلام الغربية، التي تلقفت الحدث واخذت تدفعه ككرة ثلج للاطاحة بقواعد النظام الاسلامي، أو على الاقل ضعضعة اساساته، لا يوحي بأنه حقق نجاحات في دفع الاحتجاجات قدما فالوقائع اليومية تدلل على انحسارها بعد فصل الخطاب الذي القاه المرشد الاعلى علي خامنئي.
ورغم ميل التقديرات الى أن انحسار الاحتجاجات لم يأتِ تأثرا بمرجعية المرشد الدينية، وانما بالمخاوف من اطلاقه يد السلطات لشد الحبل بعد ان تراخى أو أُرخي اثناء الحملات الانتخابية، وعدم مراهنة القوى المحركة للاحتجاجات في قدرتها على التماسك في الاستمرار بها لتحقيق الهدف المنشود، خصوصا ان من شأن دخول الغرب على الحدث ان يفقد حراك المعارضة صفته الوطنية، ويزيد من تصلب المحافظين، ويدفعهم لتدابير اكثر قسوة تفقد المعارضة قواعدها، الامر الذي اخذ يدفع القيادات المحركة لبحث سبل الضغط السياسي الهادئ خلف الكواليس الذي بدأ يثمر تدريجيا في الموافقة على تشكيل لجنة خاصة تضم شخصيات سياسية وممثلين عن المرشحين المعترضين على نتائج الانتخابات، لإعداد تقرير حول سير العملية.
والثابت ان مؤسسة النظام تمتلك من عناصر القوة الداخلية، ما يمكنها من ضبط الوضع الداخلي، وكبح جماح الاضطرابات في البلاد، وحتى الآن لا تسجل اخطاء وخيمة على طريقة ادارتها للازمة، حيث استطاعت امتصاص فورة الاحتجاج، وبالتالي فإن المراهنة على أن تتمكن المعارضة الاصلاحية والبراغماتية من تحقيق تعديل جوهري في النتيجة في الامد القريب تبقى واهية، ولكنها في اطار التوازنات الداخلية تستطيع أن تنتزع مكاسب مؤجلة اكثر منها معجلة لجهة انتزاع حقها بالمشاركة في صناعة القرار داخل مؤسسة النظام وتقييد سلطة المرشد الاعلى.
ورغم وجود ميل لدى متابعين للاخذ بوجود تزوير لصالح الرئيس الحالي، الا انهم يأخذون بصحة فوزه لما كانت اغلب التوقعات ترجح ذلك قبل المناظرات وهي التي تعززت بعدها. وبالتالي فإن حصوله على اكثر من نصف الاصوات لم يكن مفاجئا، وأنما تخطيه عتبة الـ 62% في الجولة الاولى، وفي اعتقادهم أن التزوير إن صح وجوده لم يكن بهدف قلب النتيجة، وانما تعزيز سلطة النظام في هذه المرحلة الحرجة وتسليح نجاد بمقومات اجراء تغييرات كبيرة لصالح مطبخ المتشددين السياسي بهدف الحفاظ على طبيعة الجمهورية الاسلامية وسلطة الولي الفقيه في اصعب مراحل عبورها نحو المستقبل بعد ان نفذت من عنق الحرب مع العراق، وتكاد تنفذ من الحصار المفروض عليها، وحققت خلال ولاية نجاد اوسع تمدد اقليمي لها في العصر الحديث، وباتت قائدا لمحور الممانعة في الشرق الاوسط، ويحسب لها الكثير من الحساب على المستوى الاقليمي والدولي.
وباعتقاد مراقبين ان موجة الاحتجاجات التي انطلقت عقب اعلان نتائج الانتخابات ليست معزولة عما سبقها من مخاوف لدى ما يصفها نجاد بالتيارات اللبرالية من دفع استحقاقات جسيمة خلال ولايته الثانية، وبالتالي ما كان لهذه التيارات سوى التحرك العاجل لقطع الطريق على مشروع "الثورة في الثورة" التي يقف وراءها المرشد الاعلى الذي لا يزال يرمي بثقله خلف حصان رهانه نجاد في العبور بالبلاد الى مرحلة الاقرار بها كقوة اقليمية يحسب لها كل حساب.
والتساؤل الذي يلقي بنفسه هو عما اذا كانت الاحتجاجات ستنجح في ثني المرشد عن عملية التطهير الآتية، وثمة ميل للاخذ بأنها نجحت الى حد ما في فرملة البرنامج المحافظ حيث اطلق المرشد رسائل استعد خلالها للتراجع، برفضه اتهامات الرئيس السابق على اكبر هاشمي رفسنجاني ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام بالفساد، واستعداداته للنظر في نتيجة الانتخابات، والتي وإن بدت شكلية الا ان اهمية ذلك تكمن في دق اسفين في صفته كولي الهي لا ينطق عن هوى.
وعلى اية حال فقد بدأت تنطرح الاشكاليات الجوهرية التي كان لا بد للجمهورية الاسلامية ان تصطدم بها والتي تتعلق بولاية الفقيه، فالولي الحالي لا يزال يتمتع بالسلطة الدينية التي من خلالها يستطيع أن يفرض الاتجاه الذي يريده، ولكن اجهار الاصلاحيين انتقادهم لهذه السلطة يعني أن الحبل الذي يربط الاصلاحيين بالمحافظين على وشك ان ينقطع، ولذلك فإن السنوات القليلة المتبقية من حياة المرجع الحالي ستكون حاسمة، خصوصا مع صعوبة التوافق على ولي فقيه من رحم مبادئ الثورة ولذلك فإن من شبه المؤكد ان تتراجع مكانة المرجعية لصالح تعزز الفصل بين السلطات مع انحسار آمال إن لم يكن موت فرص رفسنجاني الذي يرأس المجلس الذي ينتخب المرشد في ان يكون وليا فقيها بعد خامنئي.
واخيرا فإن نجاد امام خيارات صعبة، فبسط الجناح المحافظ لنفوذه يعني استطالة ذراعه الممثل بالحرس الثوري في الشؤون الداخلية وفرضه نظاما دكتاتوريا وهو ما سيعزز حالة العزلة الدولية، ويدفع الى السطح القلاقل المحلية والاثنية، الا إذا استطاع نجاد ان يطبق بجدارة صفته التي تطلق عليه كـ "نصير الفقراء"، لان من الصعب في العالم الثالث ان تثني الضغوط زعيما عن تحقيق اهدافه خصوصا عندما يكون متسلحا بارادة الهية قوامها طموح الازدهار لبلاده واحقاق العدالة الاجتماعية.
واخيرا فإن الفرصة لا تزال في يد المرشد فهو الوحيد القادر على تقليم اظافر صنيعته نجاد، وهو ما يدركه المعارضون له، وبالتالي يمكن القول إنه لم يفتقد بعد القدرة على لعب دور المايسترو ولكنه دور له كلفته لانه سيكون دق اسفينا مبكرا في اجهاض الثورة الثالثة التي وقف وراءها ضد اصدقاء الامس من نخب وعوائل ارستقراطية وثيوقراطية انتفعت من الثورة اكثر مما خسرت منها
انتخابات مصيرية بتيارات متبلورة في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية أعلن صادق محصولي وزير الداخلية الإيراني فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الرئاسية العاشرة التي جرت في 12 حزيران/يونيو 2009، من الدورة الأولى بحصوله على 24 مليونا و527 ألفا و516 صوتا من اصل 39 مليونا و165 ألفا و191 صوتا، اي مانسبته 63.62 % من الاصوات، في حين حل في المرتبة الثانية المرشح مير حسين موسوي بحصوله على 13 مليونا و216 ألفا و411 صوتا اي ما نسبته 33.75 % من الأصوات. بينما حل المرشح محسن رضائي ثالثا بحصوله على1.73% من الأصوات، ونال مهدي كروبي 0.85% من الاصوات. وأضاف أن هناك 409 آلاف و389 صوتا ملغى.
ويشار إلى أن عدد الناخبين يبلغ 46 مليوناً و200 ألف ناخب، فيما يبلغ عدد مراكز الاقتراع داخل إيران 47 ألف مركز وخارجها 304 مراكز.
ودلالة على اهمية الانتخابات ونظر الناخبين الى نتائجها المصيرية على مستقبلهم، فقد اظهرت النتائج المؤشرات التالية:
- ارتفاع نسبة المقترعين، حتى انها بلغت رقما قياسيا (84%) تخطى ما كانت سجلته الانتخابات التي نجح خلالها خاتمي(80%).
وتراوحت نسبة المشاركة من منطقة الى اخرى حيث وصلت رقما خياليا في يزد (99%) وكانت اضعف مشاركة في كردستان (63%) ذات الاغلبية السنية.
ومن الناحية العملية فإن رصيد نجاد في انتخابات 2009 ارتفع بنحو 7 مليون صوت، بسبب ارتفاع نسبة المشاركة.
واذا ما استثني الاخذ بتزوير النتيجة من خلال رفع نسبة المشاركة نظريا لصالح نجاد، فإن التفسير الاقرب للاخذ به هو ارتفاع حدة التحزب للمعسكرين الانتخابيين على خلفية المناظرات والمكاشفات التي خرجت عن الطور الذي عهدته الجمهورية، ما اكد على ان الاستحقاق مصيري بين المعسكرين.
- ترسخ التحزب في المجتمع الايراني، حيث برهنت على تبلور تيارين احدهما محافظ يمتثل لاشارة المرشد وهو اكثر قوة من التيار المنافس الذي يضم لفيفا من الاصلاحيين والبراغماتيين وغيرهم.
ودلالة على تبلور هذه التيارات فمن الملفت انحدار نسبة الاصوات التي حصل عليها الرؤساء المتأخرون مقارنة برؤساء عهد الخميني، حيث حاز بني صدر اول رئيس في انتخابات عام 1980 على نسبة 78%، ولكنه اقيل بعد سنة من ذلك، وحصل محمد علي رجائي الذي خلفه على 89% من الاصوات، ولكنه قتل بعد اقل من شهر، وحصل خامنئي في انتخابات 1981 على 95% من الأصوات، ولكن نسبة ما حصل عليه في ولايته الثانية عام 1985 كانت 85% من الأصوات، وقد خسر نحو 4 ملايين صوت بين الولاية الأولى والثانية. وخلفه رفسنجاني عام 1989 بـ 94% من الأصوات وجدد له عام 1993 بـ 62% من الأصوات، وقد خسر بين الولاية الأولى والثانية 5 ملايين صوت. تلاه خاتمي عام 1997 بـ 69% من الأصوات بنسبة مشاركة بلغت رقما قياسيا هو 80%، وجدد له عام 2001 بـ 78% ولكن نسبة المشاركة كانت قليلة ما يعني انه لم يضف الى رصيده اصواتا جديدة.
وفي حين ان الانتخابات كانت تحسم من الدورة الاولى، الا انها في عام 2005 دارت على جولتين حيث حصل في الجولة الاولى رفسنجاني على 21 %ونجاد على 19 %وكروبي على 17%، ونال الرابع والخامس أكثر من 13 %، والسادس والسابع بين 4 و5%.
وتأكيدا على تبلور التيارات منذ نحو اربع سنوات، فقد فاز نجاد في الدورة الثانية، على رفسنجاني بـ 61% من الأصوات. وهي تقريبا نفس النسبة 62% التي حصل عليها في الانتخابات الاخيرة ولكن من الدورة الاولى.
-اظهرت النتائج ميل الاقليات للتصويت لصالح موسوي منافس نجاد، حيث تفوق هذا الاخير في المحافظات الفارسية بصورة ملحوظة، ففي خرسان واصفهان فاز بنسبة 69% مقابل 29% لموسوي، وهي مناطق تلي طهران من حيث تعداد الناخبين.
وفي اذربيجان التي ينحدر منها موسوي وخامنئي، انحدر نجاح نجاد في الحصول على نجاح باهر حيث حصل على 52% مقابل 46% لموسوي. ومع ذلك فإن اسوأ ارقام حققها نجاد في المناطق كانت 46% وافضل ارقام كانت 78% في كرمان وسنان.
وسجل موسوي فوزا بمنطقتين للاقليات وهما أذربيجان الغربية في اقصى الغرب وسيستان وبلوشستان في اقصى الشرق. وكانت اسوأ نتيجة لموسوي 21%، واحسنها هي 52% في سيستان وبلوشستان.
-اكدت النتيجة فوز نجاد بصعوبة في المناطق الحضرية، مقارنة بالريفية، ففي اكبر المناطق الانتخابية طهران التي تمثل 20% من الجسم الانتخابي حصل على 52 %مقابل 46% لمنافسه موسوي.
-برهنت النتائج على تمتع نجاد بشعبية في كافة المناطق رغم تنوعها العرقي والطائفي، فمن اصل 30 منطقة، حصل على أكثر من 70% في 13 منطقة، وأكثر من 60% في تسع، وأكثر من 50% في ستّ، ولم يحصل على أقل من 50% سوى في منطقتين.
-تدلل النتائج على أن شريحة الشباب اعطت اصواتها لنجاد، وان القوى التقليدية لا تزال لها الافضلية على الحداثية حتى بين هذه الشريحة التي كانت عماد الاحتجاجات الاخيرة في طهران.
-اظهرت النتائج ارتفاع نسبة التصويت الى درجة شبه مطلقة في معاقل المحافظين مثل يزد ومازانداران وهو ما اثار الاستغراب والشكوك بوجود تلاعب.
نتائج الانتخابات بين الشرعية والبطلانفور اعلان النتائج اتهم المرشحون الخاسرون الحكومة بتزوير الانتخابات، وبحسب مجلس صيانة الدستور فقد تقدم المرشحون الثلاثة الخاسرون بطعون اوردوا فيها 646 مخالفة.
وعلى حد قول الصحفي البريطاني روبرت فيسك فإن موسوي وزع على انصاره رسالة عبارة عن مذكرة موجهة الى المرشد من وزير الداخلية تزعم أن نجاد جاء في المركز الثالث وليس الأول، وأن موسوي حصل على اكثر من 19 مليون، صوت يليه مهدي كروبي بأكثر من 13 مليون صوت بينما لم يحصل أحمدي نجاد سوى على ما يزيد بقليل على 5 ملايين صوت. ويشكك فيسك بصدقية الرسالة لصعوبة تصديق الارقام خصوصا انها تمنح كروبي "عددا من الأصوات لا يتناسب مع وزنه السياسي الخفيف كما تضعه ندا لموسوي". ويضيف "كما لا يتماشى عدد الأصوات التي تمنحها الرسالة لأحمدي نجاد مع الشعبية التي يحظى بها في المناطق الريفية ولدى الشرائح الفقيرة".
وفي رده على حدوث تزوير يقول النائب في مجلس الشورى الاسلامي في إيران أحمد توكلي" إن لموسوي حوالي 50 ألف شخص يمثلونه في مراقبة الانتخابات، ما يعني أنه لا يمكن ان يكون هناك تزوير أو تلاعب في نتائج الانتخابات، في وقت لا يمكن احتمال ذلك بسبب الاختلاف الكبير في عدد الأصوات بين كل من المرشحين. وقال إن التجارب السابقة اثبتت عدم حصول تلاعب في الانتخابات الايرانية، مشيرا بهذا الصدد إلى الانتخابات السابقة حيث فاز الرئيس خاتمي في منافسة ناطق نوري في عام 1997، وكذلك الانتخابات السابقة بين هاشمي رفسنجاني واحمدي نجاد في عام 2005 معتبرا ان ذلك يدل على نزاهة المسؤولين عن العملية الانتخابية في إيران بسبب قوة النظام والديمقراطية وآليات مراقبة العملية الانتخابية على حد تعبيره.
وانطلاقا من انه لا يمكن الاخذ بمواقف وتقديرات مناوئي السلطة في الخارج حول الانتخابات والحديث الغربي عن وجود تزوير نظرا لافتقاد الرقابة الخارجية على الانتخابات، فإن من الصعب الجزم بحدوث تلاعب بسبب نقص الادلة. وبهذا الخصوص يقول والتر ميبين وهو جامعي في ميشغن إنه قام بفحص دقيق للنتائج مستخدما سلسلة ادوات احصائية صممت لرصد حالات التزوير يطلق عليها "تشريح الانتخابات"، ووجد من خلال مقارنة معطيات 366 اقليما مع نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة لسنة 2005، ان النتائج جاءت مطابقة للتوجهات الموجودة سابقا. واوضح انه "في 2009 حقق احمدي نجاد افضل نتائجه في المدن التي كان يحظى فيها باكبر دعم في 2005" ولكنه لاحظ ان المعلومات التي قدمتها السلطات الايرانية ليست مفصلة بالقدر الذي يتيح القيام بتحليل شامل. وقال ان "فرز الاصوات الذي شاهدته كان واقعيا نسبيا غير ان ذلك لا يجعل احتمال التلاعب مستبعدا" موضحا ان نتائجه هو كانت ستكون اجمالا مطابقة للنتائج المعلنة حتى وان قامت الحكومة الايرانية بتضخيم الاصوات.
ويعتقد مراقبون ان اندلاع الاحتجاجات، هو الذي دفع الغرب للاخذ برؤية القوى الاصلاحية، رغم اعتقاده المسبق بصحة النتائج، فمثلا يقول روبرت وورث في نيويورك تايمز في مقال له في 13 يونيو، قبل اعلان نتيجة الانتخابات إنه قبل أقل من شهرين كان من المتوقع في إيران وفي الغرب بصورة كبيرة أن احمدي نجاد سيفوز مجدداً بانتخابات الرئاسة الإيرانية. وما يؤكد على صدقية النتائج هو استطلاع امريكي وحيد، وهو على غاية الاهمية بالنظر لانه أُجري بين 11 و 20 مايو/ايار اي قبل ثلاثة اسابيع من الاقتراع، وقامت به مجموعة "تيرور فري فيوتشر" الفكري في واشنطن، على عينة من 1001 ايراني، وشمل الثلاثين مقاطعة الايرانية التي جرت فيها الانتخابات. حيث منح تقدما مريحا لاحمدي نجاد مع 34 بالمئة من نوايا التصويت، مقابل 14 بالمئة لموسوي. وقال رئيس المجموعة كين بيلين "لقد كان احمدي نجاد متقدما بفارق اثنين الى واحد. فهل من المعقول ان يكسب الانتخابات؟ نعم" مشيرا الى ان 27 بالمئة من الاشخاص المستجوبين خلال فترة الاستطلاع كانوا مترددين وان "كل شيء يمكن ان يكون تغير" في يوم الاقتراع.
ويقول بيلين إنه في الاستطلاع كان يركز موسوي على إبراز هويته كأذري وهي ثاني أكبر مجموعة عرقية في إيران بعد الفرس لكي يستحوذ على أصوات الأذريين، وبالرغم من ذلك أشار الاستطلاع الى أن الأذريين فضلوا نجاد بفارق 2 إلى واحد على موسوي. وبضمن ما جاء في تقريره ان حوالي ثلث الإيرانيين فقط لديهم القدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت. ووجد الاستطلاع ان الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عاما هم كتلة التصويت الرئيسية لنجاد من بين كل المجموعات العمرية. واما المجموعة التي كان يتقدم فيها موسوي فهي شريحة طلاب الجامعة والخريجين والإيرانيين ذوي الدخل المرتفع.
ويقول ايضا إن حوالي أربعة من كل خمسة إيرانيين ـ بما يشمل معظم مؤيدي نجاد ـ إنهم أرادوا حدوث تغيير في النظام السياسي لإعطائهم الحق في انتخاب القائد الأعلى في إيران والذي لا يخضع حاليا للاقتراع العام.
ولعل اهم ما خرج به من استطلاعاته الايرانية خلال العامين الماضيين، هو أن الايرانيين اظهروا تأييدهم لنظام أكثر ديمقراطية وعلاقات طبيعية مع الولايات المتحدة بالتلازم مع تأييدهم لنجاد، فهم لا يريدون أن يستمر نجاد في سياساته المتشددة، بل يبدو أن الإيرانيين يرون نجاد كمفاوضهم القوي؛ أي الشخص الأفضل في ذلك الموقع الذي يمكنه أن يأتي لهم بصفقتهم المفضلة ـ وهو ما يشبه زيارة نيكسون الفارسي إلى الصين.
وبالنسبة للمآخذ التي يسجلها المشككون على النتيجة فاهمها حسم النتيجة بنجاح نجاد بنسبة عالية في الجولة الاولى، حيث كان كثير من المراقبين يتوقعون ان ينتقل المتنافسان الرئيسيان نجاد ومير حسين موسوي الى جولة ثانية، ولكن ما يدفع لصحتها هو السجالات التي سبقت الانتخابات حيث اظهر نجاد تفوقا في المناظرات بحسب اوساط حتى غربية، ولعل نسبة التصويت العالية والحسم في الجولة الاولى جاءا كتعبير عن التحزب الفائق المستوى عشية الانتخابات وهو ما دفع بكثير من المترددين لحسم خيارهم وخصوصا لصالح نجاد.
ويشكك انصار موسوي في أن السرعة الفائقة التي تم بها فرز ملايين الاصوات، وايضا يشككون في فوز نجاد في المدينة التي يتحدر منها موسوي الاذري، حيث من المفترض نظريا ان يفوز موسوي بها بحسب علي الفوناه الخبير في الشأن الايراني في معهد "اميركن انتربرايز انستتيوت". وبالمقابل فإن استطلاع بيلين اشار الى أن 16 بالمئة فقط من الاذريين الايرانيين اعربوا عن نيتهم في التصويت لصالح موسوي مقابل 31 بالمئة لفائدة احمدي نجاد. ورغم التشكيك الا ان للمدافعين عن النتيجة يرون أن الطعون ضعيفة، وبخصوص تفوق نجاد على موسوي بين الاذريين فليس من المستبعد أن يكون وقوف المرشد لصالحه وهو اذري ومن نفس خامنة التي منها موسوي ويقال انهما ابناء عمومة كفيلا بتعديل النتيجة في الاوساط الاذرية على عكس ما تشتهيه مراكز القرار الغربية لجهة المراهنة على الانقسامات الاثنية في ايران ودورها في الانتخابات.
ويقرأ البعض انسحاب خاتمي الاجدر للسباق امام نجاد مبكرا لمعرفته بالنتيجة مسبقا، ويدللون على ذلك باستمرار كروبي في التنافس وعدم انسحابه لصالح موسوى، فقد سبق لكروبي ان فشل في الماضي في الانتخابات، كما انه لا يتمتع بمواصفات تؤهله للانتخابات كبعده عن طموحات الشباب وسنه الذي تجاوز الـ 74 عاما وخلفيته كرجل دين. واما بخصوص المرشح محسن رضائي فلم يكن دفعه للانتخابات الا كرسالة للعرب ان ايران اممية وليست عنصرية ضد العرب، هذا مع الاخذ بانه مطلوب للانتربول الدولي بتهم خطيرة ما لا يسمح له فعلا بالمنافسة للعواقب الدولية، ورغم كونه ابنا لمؤسسة الحرس الثوري والباسيح كقائد لها خلال الحرب مع العراق الا ان هذه المؤسسة اثبتت انها تقف خلف نجاد.
نجاد وشرعية الفوزرغم حملة التشكيك الواسعة في شفافية الانتخابات، والتي تضافرت فيها جهود خارجية اكثر من داخلية، الا ان ذلك لا يعني ان نجاد لم يكن يحمل مقومات النجاح في الانتخابات لاسباب عدة:
1- تمسكه بالثوابت والمبادئ المحافظة للثورة الاسلامية، وتلقيه دعم المرشد الاعلى علي خامنئي بسلاح "الفتوى"، فهو الابن المطيع لتطبيق المصالح الاستراتيجية لايران وفق رؤية تيار المحافظين اقوى تيارات النظام. ونجاد الذي لا يتردد في تقبيل يد المرشد الاعلى يمثل عمق الولاء والطاعة للتراث المحافظ في المجتمع الشرقي، وهو عندما يعود ليؤكد في رسالته للمرشد على خلفية موقفه من الانتخابات" أرى كطفل صغير وخادم اختارته الأمة الإيرانية العظيمة انه من الضروري أن أتوجه إليكم بالشكر الصادق على قراركم الصائب" انما يمثل في ذلك الكتلة الصلبة في المجتمع الايراني الذي من البديهي فيه شأنه شأن مجتمعات الشرق الاسلامي ان يحظى المتدينون بنفوذ واسع يفوق غيرهم من التيارات، وهو نفوذ لم يتآكل بعد، هذا إن لم يزدد قوة بعد احتلال الجوار الايراني (العراق وافغانستان)، وبالتالي فإن فرصة نجاح تيارات براغماتية او اصلاحية أو حتى متمردة على طاعة مصالح الامة الايرانية التي يمثلها المرشد لم تنضج بعد حتى تتمكن من احداث تغيير جوهري في ادارة البلاد.ويكاد متابعون يجزمون بأن نجاد هو الطفل المدلل للمرشد، وحصان رهانه منذ تخليه عن رفسنجاني في انتخابات المنافسة عام 2005. ولم يكن خافيا على المرشد ايماءاته للناخبين المؤمنين بولاية الفقيه لانجاح هذا الحصان، وهو الذي عقب على فوز نجاد في 13 يونيو/حزيران بقوله إنه "عيد عظيم"، فبالنسبة اليه يشكل فوزه استفتاءا على مرجعيته لدى عموم الناخبين. واما ايماءات المرشد قبل الانتخابات فكانت من خلال ترشيح نجاد لنفسه في السباق متأخرا، وقوله "سأفوز لأني أخذت الدعم من الأمام المنتظر، وهو الذي أمرني بالترشيح" وهي رسالة يفهم منها المؤمنون بالمرجعية ان خامنئي يقف وراءه. وايضا قول المرشد صراحة "سأدعم ترشيح الرئيس نجاد" بمعنى اصداره فتوى لانجاحه.
ويعتقد مراقبون ان فترة نجاد غيرت كثيرا من توازن القوى في ايران لصالح المحافظين، والسبب يرتبط بأداء حكومته الذي لقي تأييد الرأي العام في البلاد. وبرهنت المناظرات على عمق الاختلافات بين المحافظين والاصلاحيين حيث تناولت امورا تخطت تهم الفساد واستغلال المنصب، وانما التزوير، والتناغم مع ما يقوله ويخطط له أعداء إيران، واظهرت من خلال هجوم نجاد الحاد على رفسنجاني انه اعلن حربا قد تنقلب عليه إن لم يخرج فائزا، وان ما ينتظر خصومه حال نجاحه تدابير لا اقلها محاكمات بتهم الفساد لرفسنجاني
2- تمسكه بثوابت امتلاك بلاده مقومات القوة الاستراتيجية، وهي ملفات تلقى التفافا واسعا من عموم الشعوب الايرانية خلفها، واستنهاضه ورقة اللعب على وتر استهداف الخارج لمنجزات الثورة واستنفاره لجهود حماية الثورة ومكتسباتها، وبضمنها انجازات عهده الصاروخية والنووية والفضائية، ا