A+ A-
كلمة السيدة كريمة القري، منسقة مبادرة التنمية البرلمانية بالمنطقة العربية/ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
2009-10-03
معالي الاستاذ موسى المعايطة المحترم، وزير التنمية السياسية في المملكة الاردنية الهاشمية
اصحاب السعادة اعضاء مجلس الاعيان
اصحاب السعادة اعضاء مجلس النواب
الاستاذ عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية
سيداتي سادتي،
احتلفت الهند امس الجمعة بمرور مئة واربعين عاما على ولادة الزعيم الهندي التاريخي المهاتما غاندي. وبهذه المناسبة اروي لكم واقعة هامة حول غاندي وحول حزب المؤتمر الذي تزعمه وقاده نحو تحرير الهند من الاستعمار. وارجو الا تظنوا انني سوف احيد بمؤتمركم الكريم عن موضوعه الحيوي، فنحن ما زلنا في صلب موضوع الاحزاب والحياة الحزبية. وتقول الواقعة انه عندما انفجرت الصراعات الدامية بين الهندوس والمسلمين خلال عام 1947 اثارت قلقا عميقا بين العرب. وتعبيرا عن المخاوف ارسلت جامعة الدول العربية وفدا للوساطة بين الطرفين المتصارعين.
ولما التقى وفد الجامعة غاندي قال له رئيس الوفد وقد كان سياسيا لبنانيا من الذين ساهموا في تحرير بلادهم من الاستعمار: انني اعتز وافتخر بالالتقاء بكم، فنحن في لبنان وفي بلدان عربية مشرقية اخرى، تابعنا بدقة نضالاتكم من اجل الاستقلال ، وسعينا الى الاقتداء بالخطوات التي كنتم تتبعونها من اجل تحقيق تلك الغاية. عندما فرغ رئيس الوفد العربي من ملاحظاته، اجابه غاندي وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ودودة: 'يسعدني ان اسمع منك هذا الكلام. وانه ليسرني ان اقول لك انني عندما بدأت حياتي المهنية والسياسية في جنوب افريقيا، وانخرطت في حركة النضال ضد الابارتايد، كنت اتتبع خطوات الزعيم الوطني المصري الكبير سعد زغلول، واتابع خطى حزب الوفد، واتعلم منه ومن حزبه اساليب بناء القواعد الشعبية في الارياف والمدن، واستقطاب المناصرين من جميع الاديان والفئات السياسية والطبقات الاجتماعية، واقحام المسألة الاخلاقية في صلب العمل من اجل تحقيق اهدافنا'. ثم استطرد غاندي قائلا، انه لما عاد الى الهند وتسلم زعامة حزب المؤتمر الهندي، حمل معه تلك الدروس الى مئات الملايين من الهنود، فشكلت جزءا مهما من زاده النضالي في تحقيق الاستقلال
سيداتي سادتي,
هذه الواقعة لا تذكرنا بذكرى ميلاد الزعيم الهندي الكبير فحسب، وانما تذكرنا ايضا بالزمن الضائع الذي اهدرناه اذ لم نتمكن من تنمية حياتنا وتجاربنا الحزبية على النحو المطلوب. ان المقارنة بين احزابنا العربية في مراحل سابقة وبين واقع احزابنا اليوم تدل على حجم الاستثمارات البشرية والمادية التي ينبغي توظيفها في الحياة العامة وفي استراداد الزمن الضائع حتى نتمكن من انتاج احزاب تقودنا على طريق التنمية والديمقراطية والتحرر والتكتل الاقليمي. وطلبا للدقة وللانصاف فانه ينبغي الا يقلل المرء ما حققته بعض الاحزاب العربية على صعيد تطوير بناها الفكرية والتنظيمية والتعبوية، ولكن المقصود هنا المشهد الحزبي العام في المنطقة العربية وهو بعيد في الوقت الراهن عن تحقيق الآمال التي تعلق عادة على انظمة التعددية الحزبية.
وفيما نحتاج الى مضاعفة جهودنا في هذا الميدان، وتكثيف نشاطنا في تنمية الحياة الحزبية العربية، فانه من الطبيعي ان يقدر المرء الجهود التي يبذلها برنامج الامم المتحدة الانمائي وبشكل خاص مبادرة التنمية البرلمانية في المنطقة العربية والشركاء الوطنيون مثل مركز القدس للدراسات السياسية في تنمية وتطوير الحياة الحزبية.
سيداتي سادتي
عندما بدأت 'مجموعة العمل حول البرلمان واصلاح قوانين الاحزاب السياسية ' نشاطها ومساعيها كان عليها ان تختار بين ثلاثة مقاربات رئيسية من اجل بلورة ما وصف بمعايير الحد الادنى للحياة الحزبية في المنطقة.
المقاربة الاولى، اعتبرت الحزب كائنا مستقلا تماما عن الدولة وانه يشبه اية مؤسسة او مبادرة من مبادرات القطاع الاهلي والخاص. ومن ثم ارتأى اصحاب هذه المقاربة انه لا دور للدولة ولا للتشريعات البتة في قيام الاحزاب وعملها ونموها وعلاقتها بالمجتمع. وانطلقت هذه المقاربة من نظرة ليبرالية راديكالية او حتى ليبرتارية تقلص دور الدولة في الحياة العامة الى ادنى حدود ممكنة ان هذا التقليص هو الضمانة الافضل للحريات الحزبية.
المقاربة الثانية، انطلقت من التحسب من العلاقة بين المصالح الخاصة، من جهة، وبين الاحزاب، من جهه اخرى. وخشي اصحاب هذه المقاربة من تسلل الفساد الى السياسة عبر التكوينات الحزبية. تأسيسا على هذه المخاوف ، اتجه هؤلاء الى اصدار التشريعات والقوانين التي تقيد الحياة الحزبية من اجل حماية المواطنين من الفساد الحزبي.
المقاربة الثالثة، اعتبرت انه ينبغي الاعتراف بالاحزاب كفاعل سياسي وليس كجزء عادي من الفضاء العام، وفي نفس الوقت منعها من التحول الى اداة افسادية. ولقد دعا اصحاب هذه المقاربة الى تشجيع النمط المفضل من الاحزاب بدلا من تقييد الاحزاب بصورة عامة.
من بين المقاربات الثلاث بدت تلك التي تعتمد التشجيع بدلا من التقييد والتغييب هي الاقرب الى حاجات تطور الحزبية في المنطقة العربية. فنحن في افضل الحالات ما زلنا في مرحلة الانتقال الى الديمقراطية ولم يصل اي مجتمع من مجتمعاتنا، مع احترام كافة الجهود المبذولة على هذا الصعيد، الى مرحلة توطيد الديمقراطية.
من منطلق التشجيع نظرنا الى مسألة التمويل فاعتبرناها ضرورية ولكن دون ان تمس باستقلالية الاحزاب، ونظرنا الى مسألة الترخيص فاعتبرنا انه على الحزب ان يبلغ الدولة عن قيامه ولكن دون انتظار رخصة حكومية، وانه على الاحزاب ان تضع لوائح داخلية ولكن دون ان تكون السلطة التنفيذية رقيبا على الالتزام بهذه اللوائح.
تلك هي باختصار شديد الوجهة العامة التي سارت عليها مجموعة العمل واننا نأمل ان يكون مؤتمركم الكريم اليوم محطة هامة على طريق الاخذ بهذه المعايير وملائمتها مع واقع الحياة الحزبية في الاردن وتطوير الاحزاب الاردنية.
وشكرا لكم