A+ A-
كلمة محمد خروب في مؤتمر كوسوفو والعالم العربي.
2008-07-26
كان هذا هو عنوان المؤتمر الذي عقده مركز القدس للدراسات السياسية نهار يوم امس الاثنين، استضاف فيه شخصيات سياسية واكاديمية وحزبية من كوسوفو ومصر ولبنان وسوريا وبالطبع من الاردن..
اكثر ما يلفت الانتباه في العناوين العديدة التي كانت محور جلسات المؤتمر، هو المحاولة الواضحة والحثيثة من قبل المتحدثين، كما هي حال المعقبين والمداخلين، لربط مسألة كوسوفو سواء كخلفية تاريخية أم في نجاحها باعلان الاستقلال وقيام الدولة، مع الحال الفلسطينية وهي محاولة تبدو في ظاهرها مشروعة وباعثة على الاسئلة والمرارة في الآن ذاته، الا انها في واقع الأمر، لا تعكس بحق، فهماً لطبيعة الملابسات والظروف التي احاطت بولادة كوسوفو الاقليم والمذابح، وتدخل حلف الاطلسي في الاقليم، ثم لاحقاً اعلان استقلال كوسوفو في 17 شباط الماضي، التي لم تعترف بها سوى 43 دولة ليس بينها دولة عربية واحدة حتى الآن..
لا أنكر أنني تأثرت كثيراً بما حملته اوراق أو كلمات المتحدثين، وبخاصة الضيوف من كوسوفو، وأحسب ان الزميل عريب الرنتاوي قد اصاب مرتين، الاولى في اقتصار العنوان على طبيعة العلاقة الراهنة (والملتبسة) والمقبلة (المفتوحة على احتمالات عديدة والمرتهنة لمعادلات وموازين قوى دولية واقليمية)، والثانية في دعوته لعدد محدود من المهتمين والمختصين على نحو منح المؤتمر/ الندوة اهمية اضافية وبخاصة ان المداخلات والاسئلة التي جاءت من قبل الحضور اتسمت بالهدوء والعقلانية، على قاعدة محاولة الفهم وطرح المقاربات والربط بين طبيعة العلاقات الدولية القائمة، والتي بلا شك استفادت من ظروف وتداعيات انتهاء الحرب الباردة، وخصوصاً في المصير الذي آل اليه الاتحاد اليوغسلافي، بعد ان استعرت الحروب بين مكوناته القومية والعرقية والتي كانت في الأساس بعثاً لهويات قومية وتمرداً على الهيمنة الصربية، التي لم تكن مرئية في عهد مؤسس الاتحاد اليوغسلافي الكرواتي (وليس الصربي) جوزيف بروز تيتو، لكن وفاته عجّلت بظهور النزعات القومية، التي لم تنجح الصيغة التي اخترعها ورثة تيتو في ادامة النموذج اليوغسلافي (التيتوي)، والتي قامت على وجود مجلس رئاسي سباعي يتولى رئاسته احد رؤساء الجمهوريات شهرياً..
ماذا عن كوسوفو والعالم العربي؟.
يكاد الاستاذ في جامعة آل البيت الدكتور محمد الارناؤوط، ان يكون من ابرز الباحثين الذين اضاءوا على المسألة الكوسوفية (إن صح التعبير)، لأسباب شخصية وموضوعية وثالثة لها علاقة بمعرفته العميقة كشاهد عيان لهذه القضية ، التي شكلت (لسوء حظها أو لحسنه) محور صراعات مريرة اتخذت طابعاً قومياً تارة ودولياً طوراً آخر ودينياً في بعض الاحيان، وغالباً ما كانت لعبة الامم و الجيوسياسي هي التي تحكم مسار الاحداث..
لفتني في العرض التاريخي الموجز (ولكن المحكم والمعمق)، الذي قدمه د. الارناؤوط هو اشارته الى المفكر القومي العربي المعروف ساطع الحصري، الذي كان موظفاً عثمانياً في كوسوفو واعترافه في مذكراته (الحصري) ان ما عايشه في كوسوفو قد أثّر به كثيراً، وعاد من كوسوفو ببذرة القومية حيث رأى ان مسلمين يقاتلون مسلمين، لكن يجمعهم شعور قومي واحد ويطالبون بحقوق قومية ضمن الدولة وتطور لاحقاً للمطالبة بالاستقلال..
المسألة الكوسوفية، كما بينت اوراق المتحدثين، على درجة عالية من التعقيد لأسباب عديدة، والمراحل التي تحدث عنها باسهاب الدكتور الارناؤوط، كشفت عن عمق وطبيعة العوامل والمعطيات التي أسهمت بحلول نهاية القرن العشرين في بروز الازمة وتصدرها جدول الاعمال الدولي، رغم ان حروب البلقان (الجديدة في تسعينات القرن الماضي، والتي ادت الى تفكك الاتحاد اليوغسلافي، كما كانت الحال مع تفكك الاتحاد السوفياتي) لم تنزل عن جدول الاعمال لكن الامور كانت قد نضجت في داخل اقليم كوسوفو (النهوض القومي ووجود حركات مسلحة)، كما داخل اروقة حلف شمال الاطلسي، وخصوصاً في البيت الابيض الاميركي وادارة بيل كلينتون على وجه الخصوص، دون إهمال ردود الفعل الدولية ذات الطابع الانساني (التي تفوح منها رائحة النفاق والانتهازية السياسية الغربية الانتقائية) على المذابح والمجازر وجرائم الحرب والابادة العرقية التي ارتكبها المتعصبون الصرب سواء اولئك الذين اصدروا الأوامر في نظام ميلوسيفتش من بلغراد أم الذين ارتكبوا بأنفسهم بعض هذه المذابح الفظيعة.
ثمة ما لفت اليه الدكتور الارناؤوط وهي المساهمة العربية أو قُل الموقف العربي من مسألة كوسوفو وبخاصة بعد وقوع كوسوفو (الاقليم) تحت الادارة الدولية عام 1999 حيث بدأت الدول الغربية بفتح ممثليات لها في العاصمة بريشتينا كذلك فعلت تركيا وماليزيا، فيما اكتفى العرب باقامة جمعيات خيرية، صحيح انها لعبت دوراً يمكن وصفه بالايجابي (على المستوى الانساني) في عامي 1999 - 2000، إلاّ أن بعضها كان يقوم باعمال سلبية وخصوصاً بانشغاله في قضايا اخرى مثل نشر بعض المذاهب الاسلامية الاخرى (المذهب السائد في كوسوفو هو المذهب الحنفي). وإن كان من الانصاف القول أن الدكتور الارناؤوط لم يبرئ القيادة الكوسوفية ممثلة بالراحل ابراهيم روغوفا، من مسؤوليته في هذا الشأن وهو انه لم يكن مهتما بتحسين العلاقات مع العرب أي ان المسؤولية مشتركة في هذا المجال.. لكن ربما يبقى السؤال قائماً هنا وهو: أي سر يكمن خلف هذا الموقف العربي الموحد في رفض الاعتراف باستقلال كوسوفو رغم مرور خمسة اشهر على اعلانه؟.
هل يمكن لفلسطين ان تحذو حذو كوسوفا؟.
كثيرون كتبوا في هذه المسألة الشائكة والمقارنة لا تبدو قائمة لأسباب عديدة ربما لا يتسع المجال لذكرها الآن، لكن ما طرحه السيد فيتون سوروي ناشر وصاحب مجموعة كوها الاعلامية في العاصمة الكوسوفية بريشتينا يدفع للتأمل، رفضا ام موافقة.
يقول سوروي: اذا كانت كوسوفو حصلت على استقلالها لماذا لا تحصل فلسطين على هذا الحق؟.
الضيف الكوسوفي ربطها باربعة اسباب.
الاول: لا يستطيع الفلسطينيون اعلان الاستقلال بدون تحقق الامن وهذا لا يتوفر لهم.
الثاني لا يمكن للاستقلال ان يتم بدون ديمقراطية وكيف يكون المجتمع الفلسطيني ديمقراطيا فيما يتم اطلاق النار عليه.
اما السبب الثالث فقال عنه الضيف: لتطوير دولة فلسطينية لا بد من ان تكون هناك جزئيات متاحة ليس بالضرورة ان تكون في اطار واحد، لكن الأهم هنا هو وحدة الشعب.
السبب الاخير كان في نظر المتحدث الكوسوفي، ضرورة استخدام الأساليب المجدية لتحقيق الاستقلال.
أحسب انني لم أفِ المؤتمر المهم هذا حقه، إلاّ ان الفرصة قد تتاح لاحقاً.