A+ A-
أثر الانتخابات في عمليات الإصلاح السياسي في العالم العربي: حالة دول الخليج العربي
2008-01-26
مقدمة:‏‎
هذه انطباعات ومشاهدات عامة، وهي تسجيل لبعض المناحي السياسية المتعلقة بالانتخابات ‏والديمقراطية في منطقة الخليج.‏هذه الورقة لا تدعي الشمولية، وقد كتبت كنقاط تهدف إلى إثارة الحوار حولها.‏
‏الانتخابات شيء والديمقراطية شيء آخر، الانتخابات حركة بدنية فيها القلم أو البصمة تعبيرا عن ‏حرية الاختيار، وحرية الاختيار لا يحددها الانتخاب فقط، حيث أن مفهوما خاطئا نما بيننا يربط ‏الديمقراطية بالانتخابات، صحيح أن الانتخابات هي واحدة من أوضح صور الديمقراطية، ولكن ‏الانتخابات مرهونة حريتها بحرية الخيارات المطروحة، وتنوع المطروح، وبالتالي عملية الاختيار. ‏والاختيار لا يعني إيصال الأفضل، بل هو –في أحسن الحالات –إيصال الأنسب.

كثيرا ما رددنا أن الديمقراطية منهاج حياة يبدأ منذ الصغر، وينمو ويترعرع مع الطفل في البيت ‏والمدرسة والشارع بل وحتى الجامع (على الأقل نظريا).‏
‏فالديمقراطية ليست نظاما سياسيا بحد ذاتها، ولكنها ساحة سلمية للبحث عن نظام سياسي، وهي ‏مجال الاختلاف والتناحر السلمي على كافة الأصعدة- فكريا وثقافيا واقتصاديا وتعليميا وتربويا وحتى ‏دينيا، ثم اللجوء إلى صناديق الانتخابات لتحسم هذا الجدل بشكل دوري قد يتغير فيه خيار الناس بعد ‏مدة من الزمن. والسؤال هو: هل تحققت البيئة الديمقراطية التي توفر تلك الحرية، أم أن ما تحقق هو ‏عملية الانتخاب والتي لا تعني بالضرورة توفر الديمقراطية بكل مقوماتها؟‏
‏وقد لا يكون مبالغة القول أن هناك مراجعة لمفاهيم الديمقراطية، وأن ربطها بالانتخابات حصرا، أصبح ‏مجالا للتفكر، وصار الحديث مركزا أكثر على بناء مؤسسات المجتمع المدني، وصارت المطالبات ترتكز ‏على ضرورة بناء الدولة المدنية، وخلق وتهيئة الأجواء للديمقراطية، أكثر من عملية اختيار السلطة ‏عن طريق صناديق الاقتراع.
المحور الأول:‏
السياق العام الذي اندرجت فيه الانتخابات:يمكن القول أن الانتخابات التي جرت في قطر والإمارات والسعودية وعمان جاءت في سياق مناداة ‏دولية للديمقراطية في كل مكان، وبالذات في منطقتنا وذلك في أعقاب هجمات سبتمبر 2001 على ‏نيويورك وواشنطن، ويمكن استثناء الكويت والبحرين على اعتبار أن هاتين الدولتين خبرتا الانتخابات ‏منذ عام 1962 للأولى وعام 1972 للثانية.

‏تعثرت التجربة الكويتية عدة مرات في الأعوام 1967 و1976 و1986، ولكن الغزو العراقي للكويت ‏عام 1990 ومن ثم التحالف للدولي لنصرة الكويت الذي كان يدفع بديمقراطيتها كأحد أسباب إنقاذها، ‏جعلت التفكير في التراجع عن ديمقراطيتها يعد خارج المنطق والمعقول السياسي مستقبلا.‏
أما البحرين فقد استمرت المطالبات بعودة الديمقراطية لها، ووصلت تلك المطالبات ذروتها عام 2005 ‏بمظاهرات نتج عنها قتلى وجرحى ومعتقلين بالعشرات، وكان هذا السياق مخالفا لما كان يجري في ‏المنطقة من دعوات ومبررات ديمقراطية لغزو العراق من أجل الديمقراطية والإطاحة بالدكتاتورية، ‏فكانت الدعوة لانتخابات عامة بعد استفتاء على تعديل الدستور وتحويل البلاد من دولة إلى مملكة.

‏وجاءت التجربة القطرية بمبادرة من القيادة القطرية دون أن يكون هناك مطالبات شعبية بالديمقراطية، ‏وكأنما لسان حال القيادة القطرية يقول: "بيدي لا بيد عمرو". حيث جرت انتخابات بلدية، وتنتظر البلاد ‏انتخابات عامة بعد أن أقر دستور للبلاد لأول مرة عام 2004، ويتوقع المراقبون أن تكون انتخابات ‏هادئة لن تشهد صراعات أيديولوجية ومواجهة انتخابية بين تيارين مدني والآخر ديني بنفس الحدة ‏مثلما جرى ويجري في الكويت مثلا.‏
‏ كما جرى في عمان والإمارات انتخابات لمجالس استشارية شاركت فيها المرأة، وكان الإقبال عليها ‏كبيرا، ويتوقع الكثيرون أن تتطور مثل هذه التجارب لمجالس أكثر تمثيل مباشر.‏
أما المملكة العربية السعودية فقد شهدت لأول مرة في تاريخها انتخابات بلدية سيطر على نتائجها التيار ‏الديني التقليدي.‏
‏ ‏
المحور الثاني:
الانتخابات: حدث معزول أم تطور طبيعي؟
لعل استنتاج أن الانتخابات التي جرت في مجملها –سواء في الكويت أو أي بلد آخر في الخليج- ‏جاءت تحت ضغوط دولية لتغيير أنماط الحكم الخليجية التقليدية ومشاركة أكبر من شعوبها هو استنتاج ‏في محله، وقد تعاملت بعض القيادات الخليجية مع المطالبات الدولية من منطلق "الانحناء المؤقت ‏للعاصفة"، وامتثالا للمثل الشائع: "إن طاعك الزمان، والا طيعه". أي أنه ليس هناك مؤشرات كثيرة تدل ‏على القناعة التامة بالديمقراطية كمنهج حياة ونظام حكم، والمسألة بالنسبة للبعض هو التعامل ‏البراجماتي مع متطلبات دولية سرعان ما تتغير بتغير المعطيات والتطورات.‏‏ وقد يكون هذا "الصبر" و"الأناة" الخليجية قد أتت ثمارها، وخصوصا في ضوء نتائج انتخابات العراق ‏وأفغانستان والتي سأتناولها بعد قليل.‏
ديمقراطية بلا ديمقراطيين:‏
من الصعب القول أنه يمكن أن يكون هناك صنعة بدون صناعها، فلا تدريس بلا مدرسين، ولا طب بلا ‏أطباء، ولا عمارة بلا مهندسين وهكذا. وبنفس المعادلة لا يمكن أن يكون في هذه الدول ديمقراطية بلا ‏ديمقراطيين، فلا يمكن أن نتخيل قوى تنادي بالدولة الدينية وترى في تنظيراتها لدولة الخلافة أو دولة ‏ولاية الفقيه نموذجا ومثالا تجاهد من أجل تحقيقه، ونرى بأن هذه القوى يمكن أن تحقق الديمقراطية، ‏فالقوى الدينية- دون استثناء- في عالمنا العربي –والخليجي على وجه الخصوص- تنادي جميعا ‏بإقامة الدولة الإسلامية، وليس بينها من ينادي بإقامة الدولة الديمقراطية، والفرق شاسع بين الأولى ‏وبين الثانية، فلا تداول للسلطة في الدولة الدينية، ولا تعددية حزبية، ولا حرية صحافية، ولا مساحة ‏للنقد الفكري- وبالذات ما يتناول منه الفكر الديني. والقوى الدينية في غالبها ترى أن اختيار الناس ‏لهم عن طريق صندوق الانتخابات، بمثابة تفويض نهائي بوضع قوانين سرمدية يرون أنها إلهية، ‏وبالتالي فإن النكوص عن هذه القوانين ومحاولة تغييرها، يعني نكوصا على إرادة إلهية وشريعة ‏ربانية، لا يجوز- في نظرهم- السماح بها متى ما تحققت عن طريق الانتخابات.
‏لعل هناك شبه إجماع بين القوى المدنية على امتداد منطقة الخليج، بأن القوى الدينية استغلت ‏الديمقراطية لكي تصل إلى السلطة وتعزز مواقعها ثم تقوم بتنحية خصومها واحدا تلو الآخر، وتذكر ‏نماذج إيران والعراق والسودان للتدليل على صدق دعاواهم، وما يجري في الكويت والبحرين وإن كان ‏بدرجة أقل حدة ووضوحا.
‏ولكن من الإنصاف أن نذكر بأن هناك بين القوى الدينية من يجادل بأن هذا الرأي إنما تسوقه قوى ‏‏"ليبرالية" تحاول أن تفرض "مستوردا" غربيا على ثقافة ليست غربية، وبأن فشل هؤلاء في انتخابات ‏تلو انتخابات –من الجزائر حتى العراق مرورا بفلسطين ولبنان- يدفعهم لتقديم هذه المبررات.‏
‏ ‏
بين العنصرية والاستسلام والأنانية :‏
لا شك بأن جدلا دار ولا يزال يدور في أوساط السياسة الغربية والمثقفين العرب الذين نهلوا من الثقافة ‏الديمقراطية الغربية، ومفاده أن الديمقراطية قد لا تصلح لكل البشر، وهو ادعاء يتم تحسينه للنأي به ‏عن تهمة العنصرية بالقول أن الثقافة العربية-الإسلامية لا تصلح للديمقراطية، أو لا تصلح لها ‏الديمقراطية.‏‏ومثل هذا الإدعاء يرادفه تأييد من داخل المجتمعات العربية والإسلامية، تمارس جلدا للذات، وترفض ‏التعامل مع نتائج الانتخابات إن هي أوصلت قوى غير ديمقراطية، وهو موقف يصفه خصومهم بالأنانية ‏والتناقض، فهم لا يقبلون بالديمقراطية إلا إذا أوصلتهم ورفضت خصومهم من القوى الدينية، كما ينعت ‏هذا الموقف بالاستسلام وقصر النفس النضالي الذي ينادي بالتمسك بالديمقراطية وقبول نتائجها- ‏حلوها ومرها‏
‏ وهنا تدور أسئلة منهجية وفلسفية هامة:‏
‏كيف يمكن السماح لقوى غير ديمقراطية بأن تدخل في اللعبة الديمقراطية؟ ومن الذي يحدد ‏ديمقراطية قوى ما كي يسمح لها بالدخول في اللعبة الديمقراطية؟‏
‏ ‏
الدمقرطة والديمقراطية:‏
اختلط على الكثيرين منا مفهوم الديمقراطية، وارتبطت لدى الكثيرين بيننا بآلية التصويت في ‏الانتخابات حصرا كمؤشر على الديمقراطية، وكثيرا ما شاهدنا في عالمنا العربي صورا لطوابير من ‏المواطنين انتظارا للإدلاء بأصواتهم، في مشهد يوهم بأن الديمقراطية تسير على قدم وساق. كما ‏شاهدنا منافسين لرؤساء لا يزحزحهم عن كراسيهم سوى الموت أو الانقلاب، ولم يسجل لنا التاريخ ‏تسليم السلطة من قبل رئيس عربي منتخب إلى آخر تم انتخابه حديثا، ولعل تجربة سوار الذهب في ‏السودان والتجربة الموريتانية الأخيرة استثناء غير مكتمل، حيث جرت الانتخابات في السودان ‏وموريتانيا بعد انقلابات عسكرية وعدت بالديمقراطية وأوفت بوعدها.‏‏ ‏
التجربة الكويتية:‏
‏لا شك بأن التجربة الديمقراطية الكويتية هي الأقدم بين دول المنطقة، ولعلها –بمعايير المنطقة- تعد ‏واحدة من أهم التجارب في منطقتنا، ولكن التجربة الديمقراطية الكويتية، تمر كأي تجربة عالمية ‏بمراحل من التقدم والتراجع، ويدور جدل كويتي داخلي حول الوسائل الضامنة لتقدم التجربة دون ‏التنازل عن مبادئ الديمقراطية الدستورية. فهناك من يجادل في الكويت بأن القوى التي لا تؤمن ‏بالديمقراطية هي القوى التي سيطرت على المسار السياسي للبلاد، ولم يتقدم البرلمان منذ سيطرة ‏القوى الدينية عليه بأية مشروع بقانون يعزز من الحرية ويعمق من فلسفتها ومفهومها.‏
‏ولا شك بأن التجربة الكويتية- مثل كل التجارب الديمقراطية- لها عيوبها التي ركز عليها البعض ولا ‏زال ليذكر بمساوئ الديمقراطية، ففي العقود الثلاث الماضية، شاب التجربة الديمقراطية الكثير من ‏الجوانب السلبية، فانتشرت ظاهرة شراء الأصوات والانتخابات القبلية والطائفية والفئوية، وأصبح ‏الوصول للبرلمان طريقا سريعا وسهلا للثراء الفاحش السريع لدى مجموعة من النواب.

‏ولقد ركز أعداء الديمقراطية ولا يزالون على الجوانب السلبية كنوع من التحذير من الديمقراطية على ‏وجه العموم، ناسين أو متناسين انه ما من نموذج واحد للديمقراطية يمكن تطبيقه. فأعرق الليبراليات ‏الديمقراطية‏LIBERAL DEMOCRACIES‏لا تنتهج نهجا واحدا، فهناك النظام الاحادي البرلمان ‏‏(الفرنسي مثلا)، وهناك الثنائي البرلمان (كما الأمريكي)، وهناك الملكية الدستورية (بريطانيا وهولندا ‏وبلجيكا والدنمرك) وهناك الجمهوريات الديمقراطية (فرنسا وإيطاليا والنمسا).. إلخ.‏
‏ ‏
التجربة العراقية:‏
يشار إلى التجربة العراقية كنموذج لفشل الديمقراطية في منطقتنا، فالدكتاتورية الصدامية أطيح بها في ‏العراق لبناء الديمقراطية وإحلالها محلها، ولكن النتائج جاءت بما لا "تشتهي السفن"، فالعراق انزلق ‏إلى اقتتال طائفي وتصفية طائفية وعرقية، وتسبب البديل بمآس للإنسان العراقي لا تقل قبحا عما ‏تسبب به الدكتاتورية، وبقيت التجربة العراقية مثالا لتبرير "اللاديمقراطية" في العالم العربي عموما –‏ومنطقة الخليج خصوصا. فكلما نادى أحد بالديمقراطية، ذكره الرافضون بالتجربة العراقية "كبعبع" لأي ‏مناد بالديمقراطية، ويذكر المناوئون للديمقراطية دوما بالتجربة العراقية من أجل خفض درجة الحماس ‏للمتحمسين للتطور الديمقراطي في منطقة الخليج عموما، فالتجربة العراقية مرتبطة في الذهن الخليجي ‏اليوم بالتصفيات الطائفية والنزوح القومي والطائفي وبالهيمنة الإيرانية على جنوب العراق، وبالتالي ‏فإن أعداء الديمقراطية أيضا يذكرون من يتحمس للديمقراطية بالتجربة العراقية- لا كرها لنتائجها- ‏وإنما للتخويف من الديمقراطية برمتها.
خواتيم للمناقشة:‏
لا يوجد في الخليج –عموما- ديمقراطيات بالمعنى النظري للديمقراطية، ولكن يمكننا القول أنه لا ‏يوجد دكتاتوريات بالمعنى الوحشي للدكتاتورية العربية أو دكتاتورية العالم الثالث.‏
‏يبدو أن هناك تريث خليجي في مسألة التحولات الديمقراطية المطلوبة، والتركيز على دمقرطة ‏المجتمعات من خلال المناهج الدراسية والتعليم والإعلام والتربية، من أجل خلق ثقافة ديمقراطية، ‏ومؤسسات المجتمع المدني، بدلا من التركيز على ميكانيكية التصويت التي ربطها البعض بالديمقراطية ‏حصرا.‏
‏هناك شبه إجماع على أن الانتخابات بمعزل عن تحصينها المسبق وتطعيمها الثقافي بالديمقراطية، ‏ستؤدي إلى نتائج غير ديمقراطية، وستوصل قوى لا تنشد الديمقراطية وإنما تسعى إلى الوصول إلى ‏السلطة، من أجل احتكارها ومصادرتها.‏
‏ ‏
ورقة قدمت في مؤتمر الانتخابات والتحولات الديمقراطية في العالم العربي خطوة إلى الأمام أم خطوة إلى الوراء ‏ الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في 26-27 يناير 2008