A+ A-
اختبارات جديدة لعلاقة تركيا الأمنية المتطورة مع إسرائيل*
2008-02-13

بقلم: مصطفى كبارغلوترجمة : صادق ابو السعود
مركز القدس للدراسات السياسية


تحدثت الصحف التركية عن زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك إلى أنقرة في 12 شباط / فبراير على 13 واستقطابها للكثير من الاهتمام من المسئولين السياسيين والعسكريين الأتراك وذلك حسب ما جاء في صحيفة ميللت التركية الصادرة في الثالث عشر من شباط /فبراير 2008. وفي صحف أخرى " توركش ديلي نيوز والصباح "تحدثت في أعدادها الصادرة في 12 شباط / فبراير 2008، عن الزيارة واصفة إياها بأنها قد تكون بمثابة نقطة تحول في العلاقات التركية - الإسرائيلية ودفعة قوية للتعاون العسكري بين البلدين. حيث كان من المتوقع أن يحث باراك أنقرة على شراء قمر التجسس وهو من إنتاج شركة الصناعات الجوية والفضائية التي تديرها الدولة " أفق " بمبلغ 300 مليون دولار علما أن هذه الصفقة كانت قيد المناقشة لعدة سنوات وقد تساعد زيارة باراك على عقد هذه الصفقة. وأضاف مصدر امني إسرائيلي أن المحادثات السابقة حول هذه الصفقة قد أعاقتها عروض أخرى مقدمة من شركات فرنسية للصناعات الجوية والفضائية. وتتسلم تركيا حاليا 10 طائرات بدون طيار للمراقبة تدعى " مالك الحزين " تم شراءها من شركة الصناعات الجوية والفضائية الإسرائيلية بمبلغ 200مليون دولار، ومع التأخير تسليم هذه الطائرات لمشاكل تتعلق بالإنتاج ستتسلم تركيا 3 طائرات إضافية مع نهاية هذا الشهر إلى حين تسليم كافة الطائرات. وأضافت صحيفة " الزمان توداي " أن الاتفاقيات الدفاعية تصب في اغلبها في المصلحة الإسرائيلية وهي تشمل الآن 1.8 بليون دولار من أصل 2.6 بليون دولار الذي يشكله حجم التعاون التجاري بين البلدين.

الخلفية للعلاقة التركية – الإسرائيلية الدفاعية

لم تعترف تركيا بقيام دولة إسرائيل إلا بعد مرور سنة على إنشائها في عام 1948. وفي الواقع، فان العلاقات بين الأتراك واليهود تعود لنصف الألفية، إلى الوقت الذي قبل فيه السلطان العثماني اليهود الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في اسبانيا واضطروا إلى الفرار منها في 1492. والذين سرعان ما شغلوا مراكز النخبة في الإدارة العثمانية وكانوا دائما أوفياء للسلطان. كما أيد اليهود حرب الاستقلال التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ضد سلطات الاحتلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

إن علاقات تركيا مع إسرائيل لم تحظ بالكثير من الزخم خلال الجزء الأكبر من العهد الجمهوري على الرغم من إقامة العلاقات الدبلوماسية مبكرا بينهما. إن السياسات المحافظة والمعاني الإسلامية لخطاب رئيس الوزراء عدنان مندريس الذي حكم تركيا للفترة ما بين 1950 إلى 1960 لم تسهل جهود نظيره الإسرائيلي ديفيد بن غوريون للبدء بعلاقات شاملة مع تركيا في عام 1950. كما أن الحروب العربية الإسرائيلية إبان الستينات والسبعينات واعتماد تركيا على النفط العربي بعد السبعينات وحركة الانتفاضة الفلسطينية في الثمانينات والتسعينات كان من شأنه خلق كافة العقبات الرئيسية أمام المحاولات من كلا الجانبين على صعيد توسيع نطاق العلاقات الثنائية.

إن التغيرات الهائلة التي حدثت في العالم في مطلع التسعينات كان لها انعكاسات خطيرة على الشرق الأوسط، وخلق حوافز قوية للتقارب بين تركيا وإسرائيل في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما أن فترة التسعينات أيضا أحدثت أيضا تحولات بعيدة المدى في المركز الجغرافي - السياسي التركي على الصعيد الاستراتيجي. ومع تفكك حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفيتي، وفقدان دور حلف الناتو لشيء من وضوحه، وفي الوقت نفسه، فان التهديدات المحتملة من الشرق الأوسط ازدادت أضعافا مضاعفة بعد الغزو العراقي للكويت، والذي تلاه إنشاء ما يسمى "مناطق حظر الطيران" في العراق من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا والتي سببت الكثير من القلق السياسي في تركيا كما أن الملاذات الآمنة التي أنشئت للأكراد العراقيين في شمال العراق اتضح أنها تشكل مشكلة أمنية خطيرة. فالقطاعات الشمالية للأراضي العراقية والتي كانت ضمن نطاق منطقة حظر الطيران أصبحت ملاذا للإرهابيين من كردستان وحزب العمال (حزب العمال الكردستاني).

إن تكثيف هجمات حزب العمال الكردستاني من شمال العراق ضد تركيا كان يتطلب شراء معدات عسكرية للتصدي لها بفعالية. بيد أن معظم حلفاء تركيا في الغرب يحجمون عن تقديم ما يلزم من المعدات على أساس أن المؤسسة العسكرية التركية قد تستخدم هذه المعدات ضد أبناء شعبها من الأكراد. ولسوء الحظ، فان موقف حلفاء تركيا ومنذ فترة طويلة لم يقر بالفرق بين مواطني تركيا من الأكراد الذين كانوا دائما أوفياء لوحدة وسلامة البلاد والأكراد الذين سقطوا في فخ حزب العمال الكردستاني الانفصالي، والذي كانت قيادته تتمتع بهيمنة واضحة في صفوف الأكراد في سوريا وإيران والعراق.

وكما يبدو أن إسرائيل في ذلك الوقت كانت البلد الوحيد الذي بإمكانها توفير ما كانت تحتاج إليه تركيا، بدءا من المعدات العسكرية التي تحتاجها القوات الخاصة في حربها ضد الإرهابيين، والمعلومات الاستخبارية المناسبة عن الأماكن والقدرات اللوجستية لحزب العمال الكردستاني. لقد كان لدور إسرائيل في تحييد القدرات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني، ودورها المزعوم بالمساعدة في إلقاء القبض على زعيمه عبد الله أوجلان في عام 1999اثرا كبيرا بأن تحظى إسرائيل بتقدير كبير في تركيا.

إن انتشار الإحساس العام بالتهديدات التي يمكن أن تأتي من الدول المجاورة - سوريا والعراق وإيران – والتهديدات الجلية التي تمثلها أسلحة الدمار الشامل والقدرات الصاروخية البالستية لهذه الدول كان لهما الأثر الكبير في إضافة عامل آخر لتوطيد العلاقات الإستراتيجية بين تركيا وإسرائيل طوال عقد التسعينات. وشكرا لاتفاقية التعاون العسكري في عام 1999، حيث اتفق الطرفان على تطوير وتحديث طائرة عسكرية تركية في إسرائيل، وتعزيز القوة الجوية التركية بشكل كبير. وكما تضمن الاتفاق أيضا تمكين القوات الجوية والبحرية من كلا البلدين باستخدام المجال الجوي والمياه الإقليمية. وهكذا، فان اتفاق التعاون العسكري قد وفر لإسرائيل "عمقا استراتيجيا افتراضيا" والذي كان له أهمية حيوية لأمنها. ومن هذا المنظور، فان العلاقات التركية - الإسرائيلية الإستراتيجية قد أوجدت مناخا عادت " بالنفع " على كلا البلدين. إلا أن أجواء الاتفاق كانت عرضة للخطر نتيجة انتهاك إسرائيل للمجال الجوي التركي في أيلول / سبتمبر الماضي خلال ضربتها الجوية على ما يشتبه بأنه منشأة نوويه سورية ودون الحصول على موافقة تركية لهذا الاختراق. ووفقا لدبلوماسي تركي شارك في المحادثات مع إسرائيل : "إن إسرائيل تعلم جيدا أن تركيا لا تريد مواجهة إيران أو سوريا" (رويتر، 13 شباط / فبراير).

تدهور العلاقة الدفاعية

إن الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001- والتي مهدت الطريق أمام الحرب الأميركية في أفغانستان وغزوها للعراق – قد كان لها أيضا انعكاسات خطيرة على العلاقات التركية – الإسرائيلية، فالحالة الايجابية التي اتسمت بها العلاقة بين تركيا وإسرائيل أخذت منحنىً سلبياً بسبب الدور المفترض لإسرائيل بالإتيان بالولايات المتحدة إلى العراق، وبالتالي تقسيم البلاد على طول الخطوط العرقية والطائفية – وهي نتيجة لا ينظر إليها بصورة ايجابية في أنقرة. كما أن هناك ادعاءات بوجود صفقات سرية بين الجماعات الكردية في شمال العراق وإسرائيل والتي كان من شانها أيضا إضافة المزيد من التعقيدات على العلاقة التركية الإسرائيلية. وبعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة اثر فوزه في الانتخابات العامة التي جرت في 2002، حيث تجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من الأصوات التي حازوا عليها قد جاءت من الشرائح الدينية المحافظة في المجتمع التركي، بالإضافة إلى ذلك جاءت تصريحات رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان التي انتقد فيها معاملة إسرائيل للفلسطينيين وقادتهم، لتسهم في تدهور تصور وفهم السلطات الإسرائيلية لتركيا.

وعلى الرغم من استمرار الزيارات المتبادلة لكبار السياسيين من كلا الجانبين وفق المقرر لها، إلا أن البرودة التي أحاطت العلاقات التركية - الإسرائيلية استمرت قرابة نصف عقد من الزمن، كما أن المحاولات الرامية إلى المصالحة السياسية لم تثمر عن الكثير. فعلى سبيل المثال، تناولت بعض الصحف " البيان الاماراتية4شباط، الجيروزلم بوست 13 شباط، الزمان توداي 14 شباط" الأخبار التي تم تداولها على مدار السنوات القليلة الماضية حول إمكانية أن تلعب تركيا دور الوسيط بين إسرائيل وسوريا على مدى السنوات القليلة الماضية أوجدت بعض التوقعات بهذا الشأن ما إذا كان مثل هذا التطور من شأنه أن يساعد على إحياء العلاقات التركية – الإسرائيلية، ومع ذلك، سيكون من السذاجة بمكان الإيمان بمثل هذه التوقعات، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:

1- تملك كل من إسرائيل وسوريا عدة قنوات خلفية للاتصال فيما بينهما ويمكنهما من خلال ذلك تحديد المدى المطلوب من قبل الطرفين.2- لقد ظلت الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط لفترة طويلة، وبغض النظر عن مكانة سورية على قائمة "الدول الإرهابية" التي تحتفظ بها وزارة الخارجية الأمريكية.
3- حتى وإن تحقق بعض الانجاز في عملية التطبيع في إطار العلاقات التركية - السورية منذ عام 1998 - عندما أرغمت تركيا سوريا على وقف دعمها لحزب العمال الكردستاني – إلا أنه لم يتحقق الكثير من حيث الجوهر بين الأمتين باستثناء الزيارات الرفيعة المستوى بين الدولتين.

التصورات المختلفة للتهديد

هناك شكوك كبيرة تدور حول فيما إذا كانت مبيعات الأسلحة الجديدة سوف تكون كافية لرفع مستوى العلاقات بين تركيا وإسرائيل إلى المستوى الذي كانت عليه في أواخر التسعينات، إذ أن هناك اختلافا كبيرا بين ذلك الحين والآن وفقا لتصورات التهديد لكلا الشعبين.

وبالمقارنة مع التسعينات، وكما يبدو في نظر القادة السياسيين في تركيا فإن التهديدات المحتملة والقادمة من دول الشرق الأوسط المجاورة قد بدأت تتضاءل، فعلى سبيل المثال، فان البرنامج النووي الإيراني لا يشكل تهديدا رئيسيا لتركيا. وهذا يمكن فهمه من تصريحات اردوغان التي جاءت في صحيفة "الزمان توداي 11 شباط / فبراير " والتي أكد فيها أن إيران لها الحق في تطوير التكنولوجيا النووية طالما أنها لا تستغل هذه القدرات لأغراض عسكرية،كما أن علاقات تركيا مع سوريا هي أيضا بعيدة عن الإشكالات، وعلى الرغم أن هناك الكثير مما يتعين القيام به، إلا أن العلاقات الودية والسلمية بين تركيا وسوريا قد مضى عليها الآن ما يقارب العقد من الزمان. وفيما يخص العراق – وقدر تعلق الأمر بالحكومة المركزية في بغداد فان العلاقات التركية العراقية تتطور بصورة سريعة وذلك على الرغم من وجود إرهابيين من حزب العمال الكردستاني في المناطق الشمالية من العراق التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان والتي قد تلقي بظلالها على العلاقات التركية - العراقية، إلا أن مستوى التهديد الذي يمكن تصوره اليوم لا يمكن بحال من الأحوال أن يقارن بالتهديد الذي كان يشكله نظام صدام.

ومن الناحية الأخرى فان الفهم والتصور الإسرائيلي للتهديد لم يمر بتطورات مماثلة وفيما عدا إلغاء التهديد العسكري لنظام صدام، فإن مستقبل العراق ما زال غير مؤكد. وعلى الجبهة السورية، قد يكون هناك انخفاض طفيف في التهديد التي تتصوره إسرائيل مع تسلم بشار الأسد مقاليد السلطة في سوريا، والذي يبدو انه أكثر واقعية من والده الزعيم حافظ، الذي حكم سوريا لما يقارب ثلاثة عقود.

ولكن بدعم السلطات السورية لحماس ودور المخابرات السورية في الصراعات السياسية الداخلية في لبنان لا تزال تشكل التهديد الرئيسي لأمن إسرائيل. وقبل كل شيء، فان إسرائيل تشعر بالقلق مع الخطر الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، وخصوصا مع تصريحات القيادة الإيرانية التي تدعو إلى "تدمير النظام الصهيوني." علما أن المسالة النووية الإيرانية قد أثيرت خلال المحادثات بين باراك والمسئولين الأتراك.

وفى ظل هذه الخلفية وفي غياب التماسك القوي والمشترك لمفاهيم وتصورات التهديد من قبل الجانبين التركي والإسرائيلي، فان العلاقات بين البلدين تبقى بعيدة عن التطور، ويبقى التساؤل هل يمكن أن تصل هذه العلاقات إلى المستوى الاستراتيجي مرة أخرى، وعلاوة على ذلك فان تدهور صورة إسرائيل في نظر الرأي العام التركي – والناجم عن كارثة الحادي عشر من سبتمبر والتي شهدتها العلاقات الثنائية بين البلدين ستتواصل لان تكون إحدى العوامل الرئيسية في تركيبة العلاقة التركية - الإسرائيلية الدفاعية.

*المصدر Jamestown Foundation