A+ A-
الانتخابات في العالم العربي ــ وجهة نظر أوروبية
2008-01-26
‏1. السياق السياسي : "الربيع العربي" القصير ‏
لقد كان الانفتاح السياسي وعلى يبدو ممكنا في عام 2005: ففي العديد من البلدان العربية كانت الانتخابات في ‏صلب هذا الانفتاح، وقد تمثل ذلك مع إجراء الانتخابات الديمقراطية في فلسطين ومقدمة لانتخابات رئاسية مباشرة ‏وبرلمانية أكثر انفتاحا في مصر، وإجراء انتخابات حرة نسبيا في لبنان ، ودخول حق الانتخاب للمرأة في الكويت ‏حيز التنفيذ، ولقد كانت وسائل الإعلام سريعة في هذا الاتجاه في منح ذلك اسم " الربيع العربي" على هذه ‏التطورات الديمقراطية.
ومع ذلك ، فقد حدث التراجع حيث بدأت السلطات المصرية في زيادة قمع المعارضة السياسية، وأجرت استفتاء ‏دستوري في عام 2007 والذي كان مثارا لسخرية جمهور النخبة، كما أن السلطات السورية قامت باتخاذ ‏إجراءات صارمة ضد المنشقين، ناهيك أن لبنان تعاني من الشلل السياسي، وحالة الجمود التي تسيطر على العملية ‏الديمقراطية في فلسطين والتي انحدرت بها الأمور للوقوف على شفير شبه حرب أهلية. وباختصار، فالربيع لم يتبعه ‏الصيف.‏
لا شك الانتخابات أكثر العناصر حساسية في إطار عملية التحول الديمقراطي، لأن لديها إمكانيات محتملة لان ‏تشكل تحديا مباشرا للمصالح السياسية والاقتصادية. ومع ذلك وعلى الرغم انه ليس من المفاجئ وجود درجة من ‏التحرر السياسي في السنوات العشر الأخيرة في بعض الدول العربية، إلا أن إجراء انتخابات ديمقراطيه حقا لا تزال ‏بعيدة المنال في معظم الدول العربية.
ومن الناحية التحليلية للانتخابات الديمقراطية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة عناصر: الأول، يتمثل بالسياق السياسي ‏وحقوق الإنسان الذي يحترم الحقوق السياسية؛ الثاني، وهو الإطار القانوني والإداري الذي يحترم المعايير الدولية ‏للانتخابات، والثالث هو الانتخابات التي أجريت وفقا للإطار القانوني والإداري - / أو المعايير الدولية. وتجدر ‏الإشارة إلى انه لن يتم تناول النقطة الأخيرة بالتفصيل في هذه الورقة.
‏2. لا يوجد هناك انتخابات ديمقراطية دون التمتع بالحقوق السياسية‏‏ ‏إن الانتخابات الديمقراطية الحقيقية تتطلب حماية الحقوق السياسية، مثل الحق في التظاهر (حرية التجمع)، والحق في ‏إنشاء أو ليكون عضوا في حزب سياسي (حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والإعلام. ودون إفساح المجال أمام ‏الجمهور والذي يسمح للمتنافسين السياسيين بالوصول لهذا الجمهور فان العملية السياسية ناقصة منذ البداية ومهما ‏كان شكلها.
التحرر السياسي في الحكومات الملكية وفي الدول العربية الهامشية ‏
لقد شهدت الدول العربية الملكية على مدار العشر سنوات الأخيرة بعض التقدم في سياق اللبرالية السياسية وقد ‏كان ذلك واضحا على سبيل المثال في دول مثل الكويت والمغرب، وعلى الرغم من حدوث بعض النكسات في ‏الآونة الأخيرة، إلا أن الملكيات تبدو أكثر ارتياحا في وجود التحرر السياسي، وربما ذلك لأنهم يستطيعون الاعتماد ‏على مصادر للشرعية غير الانتخابات، وعلى وجه الخصوص المصادر الدينية و الشرعية التقليدية. وعلاوة على ‏ذلك، البقاء فوق الخلافات السياسية، كما أن الملوك ليسوا في حاجة إلى مجاملة الأحزاب السياسية المهيمنة لتعزيز ‏سلطتهم. وبقدر تعلق الأمر في النظم الجمهورية العربية فان درجة اللبرالية السياسية أصبح بالإمكان ومنذ تسعينيات ‏القرن الماضي يمكن تحديدها في الدول العربية غير الرئيسية كما هو الحال في اليمن وموريتانيا أو في حالات استثنائية ‏في لبنان وفلسطين.
ليس هناك من لبرالية سياسية في النظم الجمهورية العربية
في النظم الجمهورية العربية الرئيسية كثيرا ما تنتهك الحقوق السياسية كما أفادت بذلك وعلى نطاق واسع ‏المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية والهيئات التابعة للأمم المتحدة؛ حيث لم تحرز هذه النظم أي تقدم ملموس في ‏إطار الإصلاح السياسي.كما أن هناك بعض النظم الجمهورية العربية لا تزال تحكم ومنذ عقود مضت تحت ظل ‏قوانين حالة الطوارئ كما هو الحال في (سوريا، مصر، الجزائر)، مما يعطي الأساس القانوني لحالة القمع ضد السخط ‏السياسي. ‏
وهناك قيود كبيرة لا زالت مفروضة على تسجيل الأحزاب السياسية، والذي شكل ومنذ البداية أهم الوسائل للحد ‏من المنافسة الانتخابية. ومن الأمثلة على ذلك، فقد أوضحت السجلات: أن هناك 63 طلبا لتسجيل الأحزاب ‏السياسية قد رفضت في مصر، ما بين عامي 1977 و 2004 وسمحت بالتسجيل لثلاثة أحزاب فقط. وفي نفس ‏الفترة فقد تم حل العديد من الأحزاب. علما أن "لجنة الأحزاب السياسية" المسئولة عن تسجيل الأحزاب يسيطر ‏عليها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، بالإضافة إلى أن المعايير المطبقة لتسجيل الأحزاب تبقى غامضة ولا تنسجم ‏مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
‏3. اطر للانتخابات
• القوانين الانتخابية ‏
إن التشريعات الانتخابية في البلدان العربية تقوم في نفس الوقت باحترام وانتهاك الالتزامات الدولية بتنظيم ‏الانتخابات الديمقراطية، مثل تلك التي تنشأ عن المادة 25 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وعلى ‏درجات مختلفة ومتفاوتة، يتم إلى حد كبير وفي ظل وجود بعض الأطر القانونية انتهاك أهم المبادئ الديمقراطية ‏للانتخابات في (سوريا) وغيرها من الدول(المغرب ، موريتانيا ، اليمن) وذلك مع وجود التعهدات والالتزامات ‏الدولية والمتطلبات الأساسية لإجراء انتخابات ديمقراطية.
دعونا نلقي نظرة فاحصة على هذه الحالات :‏
إن الخلل في الإطار القانوني السوري يكمن في تصميم ذلك القانون، وذلك أن حزب البعث الحاكم يضمن من ‏خلال ذلك القانون اغلبيه مطلقة من المقاعد في البرلمان مع عدد إضافي من المقاعد للأطراف المؤيدة له وإجمالا ‏هناك(نحو 170 من بين 250 مقعدا). ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك تصويت حر عندما يتم تحديد نتيجة ‏الانتخابات سلفا. كما أن الرئيس والذي يعتبر إلى حد بعيد القوة السياسية المهيمنة في البلاد، لا يأتي عبر الانتخاب ‏المباشر، ولكن تم التأكيد عليه من خلال الاستفتاء، وعلى أساس الترشيح من قبل حزب البعث، الذي يحتاج بدوره ‏إلى التأكيد عليه من قبل البرلمان الذي يسيطر عليه حزب البعث. وانتهاك آخر للمعايير الانتخابية يتضمن الشرط ‏القائم بان يكون الرئيس مسلما وهذا " تمييز على أساس ديني ". مع الأخذ بعين الاعتبار أن نصف البرلمانيين ينبغي ‏أن يكون من العمال أو المزارعين، وهذا يفتح الباب أمام سوء استخدام هذا المنصب.
وبالنظر إلى الروابط التاريخية، فان مصر تعاني من العديد من أوجه القصور التي تميزها عن النظام السوري، ولكن ‏بصورة اقل: فالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ليس له التمثيل المكفول قانونا، ولكن في إطار وطريقة الانتخابات ‏التي أجريت وأسفرت بحكم الأمر الواقع على الحصول الدائم على أغلبية الثلثين للحزب الحاكم في البرلمان. وقد ‏قامت مصر في 2005 بإلغاء النموذج السوري المتمثل بالاستفتاء على الرئيس وقدمت بدلا عن ذلك نموذج آخر ‏للانتخابات الرئاسية والذي تضمن تعدد المرشحين لمنصب الرئيس والتي اتسمت بإحراز بعض التقدم في هذا ‏السياق، وخاصة انه كان من الممكن خلال هذه الحملة مناقشة مزايا الذي سيشغل هذا المنصب الرئيس. ومع ذلك، ‏ووفقا لمراقبين للانتخابات المحلية فقد تم التلاعب في تلك الانتخابات، والمرشح أيمن نور الذي حل ثانيا في ‏الانتخابات الرئاسية قد تم سجنه بعد الانتخابات.
كما هو الحال في سوريا ، فان قانون الانتخابات المصري ينص على أن نصف البرلمان ينبغي أن يتألف من الفلاحين ‏والعمال، ووفقا لقانون الانتخابات فان هذا يعني أن المرشح الذي لا ينتمي لفئة الفلاحين والعمال ورغم حصوله ‏على عدد كبير من الأصوات قد لا يتم انتخابه أو انتخابها. والمشكلة الكبرى الأخرى هي عدم وجود وسائل فعالة ‏للتعامل مع الشكاوى الانتخابية كوجود محكمة الاستئناف للطعن في النتائج الرسمية على سبيل المثال.‏
إن الإطار الانتخابي في الأردن يتماشى بصورة عامة مع المعايير الدولية، باستثناء خلل رئيسي واحد وهو‎:‎‏ عدم ‏المساواة في الأصوات، والذي يمثل بصورة مبالغ فيها الناخبين في المناطق الريفية على حساب الناخبين في المناطق ‏الحضرية. علما أن هذه التناقضات موجودة في بلدان أخرى، ولكن بدرجة اقل، وفي حالة الأردن فهناك رؤية ‏سياسية واضحة لهذا المنطق والتي تقوم على أساس الحد من نفوذ الأردنيين من أصل فلسطيني حيث يقيم هؤلاء ‏بصورة أساسية في المدن. وبالإضافة إلى ذلك، فالأردن ليس له قانون انتخابي سليم أو مناسب‎:‎‏ حيث أن الانتخابات ‏البرلمانية التي تعقد تتم على أساس قانون " انتقالي " ولم يتم أبدا مناقشته في البرلمان.‏‏ ‏
وفي لبنان فان‎ ‎الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2006 " قد تمت إدارتها بصورة جيدة وبطريقة سليمة ضمن ‏الإطار الحالي للانتخابات. ومع ذلك ، ثمة حاجة إلى إصلاح عاجل للإطار القانوني للانتخابات.‏‎ ‎‏"في الوقت الذي ‏يوجد فيه مشروع القانون الجديد الذي يتناول عددا من أوجه الخلل الكبيرة، إلا أنه لا يبدو أن هناك قوة دفع ‏لإصلاح الإطار الدستوري كما هو مطلوب في اتفاق السلام الذي عقد في الطائف بين الأطراف اللبنانية، والذي ‏من شأنه أن يدفع بالإطار الانتخابي لان يكون أكثر انسجاما مع المعايير الدولية.
وفي الجزائر فان الإطار الانتخابي في معظم جوانبه يتوافق مع المعايير الدولية وذلك من خلال العديد من التعديلات ‏والتحسينات التي تحققت في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا يزال هناك انتهاك لبعض القضايا الحساسة والتي ‏تخالف الالتزامات الدولية للجزائر فعلى سبيل المثال: رفض الطلب لخوض انتخابات كمرشح للرئاسة لا يمكن ‏للمرشح أن يتقدم بطلب لاستئناف الرفض، وهذا يشكل انتهاكا لحق المرشح في الانتصاف لحقه. ويبدو واضحا ‏منطق التحكم في الوصول إلى منصب الرئيس وهو منصب سياسي محوري. عموما فان المشكلة الرئيسية في ‏الانتخابات الجزائرية تكمن في الافتقار إلى الشفافية التي من شأنها أن تعطى الثقة لأجزاء واسعة من الطيف السياسي ‏الذي ما زال يقاطع الانتخابات.
أما في المغرب يمكن القول أن قوانين الانتخاب كافية بصورة عامة، ولكن ثمة هناك خلل ويتمثل ذلك في مسالة عدم ‏المساواة في الأصوات، في ظل التمثيل المفرط للناخبين في المناطق الريفية، وفي الانتخابات البرلمانية 2007 كان من ‏شان تلك السياسة أن تلعب إلى حد ما لمصلحة بعض أحزاب الحكومة مثل حزب الاستقلال والحركة الشعبية.‏
‏ ‏
ويرى المراقبون الدوليون أن الأطر الانتخابية في فلسطين، واليمن وموريتانيا تتماشى وتتفق إلى حد كبير مع المعايير ‏الدولية، وان كانت هناك مخاوف كبيرة تجاه طريقة الإطار الانتخابي الذي تم تنفيذه في اليمن.
النظم الانتخابية
لا توجد التزامات دولية محددة للنظام الانتخابي. وبدلا من ذلك، هناك مجموعة كبيرة متنوعة من نظم تستخدم ‏دوليا (التعددية / النسبية / المختلطة). ومع ذلك، ومن الناحية العملية فان أفضل النظم الانتخابية هي التي تعتمد ‏على أساس الحل الوسط بين بعض القوى السياسية الرئيسية بما في ذلك المعارضة، ومع هذا ففي العديد من الدول ‏العربية فإن الأحزاب الحاكمة، أو الرؤساء، أو الملوك هم من يفرضون طبيعة النظم الانتخابية وذلك للحفاظ على ‏الأسس التي تقوم عليها سلطتهم.
ففي مصر يبدو أن التعديلات الدستورية التي تمت في عام 2007 قد سعت إلى تغيير نظام الانتخابات البرلمانية نحو ‏النظام الانتخابي القائم على الأساس الحزبي مع التمثيل النسبي ، والذي من خلال تعريفه يستبعد أهم الجماعات ‏المعارضة وهي جماعة "الإخوان المسلمين" ، وهي ليست حزبا سياسيا وهي ممثلة في البرلمان بنواب من خلال ‏ترشيحهم على أساس فردي ومستقل. وفي الأردن، فان الغريب هو استخدام نظام الصوت الواحد الغير قابل ‏للتحويل والذي " يستخدم فقط في أفغانستان وجزيرة فانتيو في المحيط الهادئ " وهذا النظام يأتي في مصلحة الترشيح ‏على الأساس الفردي والذي غالبا ما يمثل المصالح العشائرية على حساب الأحزاب السياسية والتي ينظر إليها ‏بوصفها كأحد التحديات المحتملة للنظام القائم. وفي المغرب، فإن النظام الانتخابي القائم على أساس (التمثيل ‏النسبي مع انتخابات المحافظات الصغيرة) هو في رأي العديد يسعى إلى تفتيت التمثيل السياسي للأحزاب من اجل ‏الحيلولة دون ظهور حزب واحد قوي يمكن أن يشكل تحديا للنظام الملكي. وعلى أية حال فان تجزئة الحزب ‏السياسي في الوقت الراهن ناجمة مباشرة عن أنماط التصويت، أكثر من أن تكون ناجمة عن النظام الانتخابي، وتبعا ‏لأنماط التصويت يمكن للنظام الانتخابي أيضا أن يلعب لصالح ظهور احد الأحزاب الكبيرة.
ماذا يحدث بعد الانتخابات : دور البرلمانات ‏
إن حق التصويت يعني أن المؤسسة المنتخبة يجب تؤدي دورا ذو معنى في الحياة السياسية للدولة. ومع ذلك ، فان ‏معظم البرلمانات في المنطقة لا تعتبر قوية ومستقلة بما فيه الكفاية لان تقوم بسلطتها التنفيذية بصورة مسئولة أو توفير ‏المنبر للمناقشات العامة والعلنية. ويبدو انه في العديد من البلدان في المنطقة تعتبر عضوية البرلمان أفضلية لها على ‏صعيد تحقيق بعض المصالح لدوائرها الانتخابية أكثر من قضية المشاركة في صنع السياسة.
الميول والشفافية والثقة ‏
إن الانتخابات في الدول العربية تميل إلى عزوف نسبة كبيرة ممن يحق لهم الانتخاب عن الإدلاء بأصواتهم وهي بنسب ‏منخفضة للغاية، وعلى سبيل المثال يتضح وحسب النتائج الرسمية انه لم يكن هناك سوى 25% من الناخبين أدلوا ‏بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية المصرية 2005، 27 ٪ فقط في استفتاء 2007. وطبقا للمراقبين المحليين فان ‏العزوف قد يكون أكثر من هذه النسبة. وفي الانتخابات المغربية التي جرت في 2007 هناك فقط 37 ٪ من ‏الناخبين المسجلين قد أدلوا بأصواتهم ، وهو ما يمثل حوالي 25 ٪ من الناخبين المحتملين.
ويبدو أن معظم الناخبين في الدول العربية لديهم القليل من الثقة بان الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات سيكون له أي ‏تأثير أو أن يحدث أي فرق، ومع الأخذ بعين الاعتبار تاريخ الانتخابات الملفقة وبقاء الأحزاب والشخصيات ‏السياسية المهيمنة على مدى عقود من الزمن، وحالة الضعف المحيطة بالبرلمانات فليس هناك من سبب يدعو للدهشة ‏للوصول إلى مثل هذه النتيجة.
إن أي إصلاح انتخابي حقيقي يحتاج إلى معالجة انعدام الثقة في العمليات الانتخابية، وعلى وجه التحديد التعزيز ‏بصورة كبيرة من الوسائل التي ترتقي بشفافية الانتخابات، وهناك ثلاث قضايا تستحق اهتماما خاصا لزيادة ورفع ‏مستوى شفافية الانتخابات‎:‎‏ ‏• إنشاء اللجان الانتخابية المستقلة، والتي تعمد إلى اتخاذ القرارات بصورة علنية والسماح لجميع المتنافسين ‏بإسماع آراءهم قبل اتخاذ القرارات الرئيسية. ‏
• وضع إطار قانوني واضح للمراقبين المحليين والدوليين. حيث أن الانتخابات في معظم الدول العربية غير ‏منظمة. ويسمح بها أحيانا بصورة خاصة وأحيانا أخرى يتم منعها. وهناك بعض الحكومات كالحكومة ‏المصرية تقوم بإرسال الوفود إلى الخارج لمراقبة الانتخابات في الدول الأخرى، ولكن وفي نفس الوقت ‏ترفض تلك الدول فكرة وجود الرقابة الدولية في دولهم، والى جانب مسالة المراقبين الدوليين فليس هناك ‏أي سبب معقول ولا يفسح المجال للمواطنين لمراقبة الانتخابات الخاصة بهم. يمكن القول أن التعليمات ‏والضوابط التي وضعتها لجنة الانتخابات الفلسطينية والمتعلقة بالرقابة الدولية والمحلية على الانتخابات قد ‏تكون بمثابة أفضل الممارسات والتي تنظم بوضوح الحقوق والواجبات لمراقبي الانتخابات. وغالبا ما تعلن ‏الحكومات بان المراقبة الدولية للانتخابات هي فقط تمارس في الدول التي تعاني من الصراعات أو التي ‏خرجت لتوها من جو النزاعات، ولكن خارج العالم العربي فان المراقبة الدولية على الانتخابات منتشرة ‏بصورة واسعة وهي منتشرة حتى في الديمقراطيات المستقرة مثل (الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة ‏المتحدة، ايطاليا ، الخ.) ‏
• نشر جميع نتائج الانتخابات فورا وبشكل كامل وبالتفصيل: يجب إعلان نتيجة كل مركز اقتراع على ‏الملأ، وان يتم نشر النتائج في الصحف الوطنية وعلى شبكة الانترنت من قبل إدارة الانتخابات، بحيث ‏يكون لكل ناخب القدرة على قراءة النتائج النهائية والكيفية التي جمعت بها ومن ثم قبول تلك النتائج. ‏
إن أيا من هذه التدابير ينبغي أن لا تثير القلق لدى أية حكومة مهتمة حقا في انتخابات ديمقراطية وشفافة.
‏4.المنظور الأوروبي: ‏
إن الاتحاد الأوروبي هو اللاعب "الهادئ" والفاعل لتحقيق الديمقراطية في المنطقة : تقوم المفوضية الأوروبية بدعم ‏حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية في البلدان العربية، وقد اشتركت في العمل مع العديد من الدول العربية ‏ضمن خطط عمل على قضايا الإصلاح السياسي والانتخابي في ظل خطة سياسة الجوار الأوروبية، وهناك العديد من ‏الحكومات الأوروبية والمنظمات غير الحكومية تحاول دعم عملية التحول الديمقراطي. بيد أن الاتحاد الأوروبي لديه ‏مجموعة كبيرة من المصالح‎ ‎السياسية المشتركة مثل الإمدادات بالطاقة، ومراقبة الهجرة، ومكافحة الإرهاب، ‏والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، والتي يمكن لاتجاهات الأمن العربي الحالي أن تستجيب معها بصورة جيدة وعلى ‏الأقل على المدى القصير. وعلى الرغم أن هذا نادرا ما يتم الاعتراف به رسميا، إلا أن العديد من صانعي السياسة ‏الأوروبية – مترددين إلى حد الرفض أحيانا إزاء التحول الديمقراطي في العالم العربي، معتقدين أن ذلك التحول لن ‏يفيد سوى الأحزاب الإسلامية التي يرون بأنها غير ديمقراطية أو عدوانية تجاه أوروبا. ونتيجة لذلك فان عملية ‏التحول الديمقراطي في المنطقة ليست لها الأولوية الكبرى لدى الاتحاد الأوروبي.
وهذا يتناقض مع النهج الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي في الأجزاء الشرقية المجاورة له، حيث تأخذ عملية التحول ‏الديمقراطي دورا أكثر أهمية. فعلى سبيل المثال فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات مختلفة على بيلاروسيا، وفي جملة أمور ‏منها إجراء انتخابات مزيفة. ولم يتم النظر في هذه العقوبات في أي وقت مضى على تنظيم الانتخابات المزيفة أو ‏الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تجري بصورة كبيرة في البلدان الجنوبية المجاورة للاتحاد. وهذا يعكس أيضا مستوى ‏مشاركة الاتحاد والمعلومات التحليلية حول الانتخابات: ففي أوروبا الشرقية يتم مراقبة الانتخابات من جانب ‏منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا. وبالتالي يوجد هناك معلومات متاحة عن الأطر الانتخابية وإجراء ‏الانتخابات، حيث يمكن للاتحاد الأوروبي من استخدام هذه المعلومات في إصلاح وتطوير الجهود المبذولة في إطار ‏العملية الانتخابية، وفي الوقت ذاته فان مثل هذه المشاركة في العالم العربي تعتبر قضية بعيدة المنال. ‏
‏5.التوقعات ‏
إن مناظير التحول الديمقراطي في المنطقة العربية ليست واعدة. إن الأطراف الدولية الفاعلة لها عدد كبير جدا من ‏الأهداف القصيرة الأجل والتي يبدو أنها تناهض الالتزام الكامل بالهدف الطويل الأجل مثل عملية التحول ‏الديمقراطي. ولكن في حال تغيرت المعالم الإقليمية / الدولية، فقد تظهر من جديد مناظير وآفاق تحقيق الديمقراطية، ‏وعلى سبيل المثال تحقيق الاستقرار في العراق، وعقد صفقة السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، وتخفيف الاعتماد ‏الدولي على المصادر النفطية العربية. كما أن الموقف للإدارة الأمريكية الجديدة قد يلعب دورا في هذا الإطار وفي ‏أوروبا فان رئاسات جمهورية التشيك والسويد للاتحاد الأوروبي في‏‎2009 ‎قد تعزز من وجود فرص التحول ‏الديمقراطي على أجندة الاتحاد الأوروبي.‏
وفي غضون ذلك، ينبغي على المجتمع المدني ووسائل الإعلام أن تحاول التأثير على أساسيات النقاش الدولي حول ‏هذه المسألة. إن النتائج التي توصل إليها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير التنمية العربية ذات الصلة ما زالت ‏قاسية: إن الوضع العربي الراهن قد يبدو مفيدا للأطراف الدولية الفاعلة، ولكن الافتقار إلى الحريات وركود العالم ‏العربي ينبغي أن يكون مصدر قلق للمصالح العربية والأجنبية على حد سواء.فاستمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق ‏الإنسان من شأنه تقويض الاحترام والشرعية لكثير من الأنظمة. إن الاتحاد الأوروبي كمجتمع مؤلف من 27 من ‏الديمقراطيات ينبغي عليه وعلى وجه التحديد أن يكون حريصا على عدم إضفاء الشرعية اللازمة على الانتخابات ‏في بعض البلدان. ولئن كان من المفهوم أن الاتحاد الأوروبي عليه إن يتعامل مع بعض القضايا مع جميع الحكومات، ‏إلا أن الدبلوماسية العامة يجب أن تكون واضحة، فعلى سبيل المثال حيثما كانت الانتخابات غير نزيهة يتوجب على ‏الاتحاد الأوروبي ألا يكون خجلا من إصدار بيان ينتقد فيها تلك الانتخابات ‏
ومن المنظور الأوروبي يبدو هناك أهمية خاصة لمعالجة المسألة السياسية في الإسلام بطريقة تستند إلى المعايير الدولية ‏لحقوق الإنسان. وهناك شرائح من الرأي العام الأوروبي يبدو أنها تميل إلى الاعتقاد بان الفصل الصارم بين الدين ‏والدولة، هو شرط لا غنى عنه للعمل الديمقراطي، ولكن هذا يشكل فهما خاطئا. إن دول أوروبا تتمتع بطائفة ‏واسعة من العلاقات مع الدول الدينية والتي لا تعني أن تلك البلدان والتي لديها مجال جيد ومحدد للتعاون بين الدين ‏والدولة أنها ليست دولا ديمقراطية. إن أوروبا يمكنها فعل الكثير على صعيد تبادل الخبرات، وإبلاغ الرأي العام ‏العربي عن نماذج للتعاون بين الدين والدولة على أن تكون متوافقة مع الديمقراطية (التعليم الديني في المدارس العامة، ‏والمجالس الاستشارية الدينية، والمستشفيات التي تديرها المنظمات الدينية، الخ). ‏
‏ ‏
إن الأحزاب السياسية والتي لها جذورها الإيديولوجية في المعتقدات الدينية أو استخدام المرجعيات الدينية لا ينبغي ‏اعتبارها غير ديمقراطية لهذا السبب. إن المعيار للأحزاب الدينية و"العلمانية" هو نفسه والذي ينبغي فيه الالتزام ‏بحقوق وقيم الإنسان الأساسية. وهناك عدد من الأسئلة بحاجة إلى أن تثار مع الأحزاب الإسلامية (دور المرأة، ‏الحريات الدينية لجميع الأديان، وما إلى ذلك) ، ولكن هناك نفس القدر من الأهمية للأسئلة التي ينبغي طرحها مع ‏معظم الأحزاب الحاكمة (حرية التعبير، وسائط الإعلام، واستخدام التعذيب، الخ). ما هو مفقود في معظم الدول ‏العربية يعود بصورة أساسية إلى إجراءات تسجيل الأحزاب السياسية. وبدلا من ذلك تقوم الأحزاب الحاكمة ‏بانتقاء واختيار منافسيها. بسبب أن هذه العملية ستتيح للجمهور فهم وتحديد ما إذا كانت هناك أسباب مشروعة ‏لرفض تسجيل هذا الحزب السياسي أو لا. إن التحدي العام يتمثل في تغيير التصور بان السياسة العربية تعرف فقط ‏نتيجتين هما حكومة استبدادية أو دينية، يجب تعزيز ذلك بنتيجة ثالثة وهي طريق الديمقراطية.

ترجمة مركز القدس للدراسات السياسية.
ورقة قدمت في مؤتمر الانتخابات والتحولات الديمقراطية في العالم العربي خطوة إلى الأمام أم خطوة إلى الوراء ‏ الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في 26-27 يناير 2008