A+ A-
الانتخابات البلدية في السعودية ودورها في الاصلاح السياسي
2008-01-26
مقدمة‎:جاءت انتخابات المجالس البلدية في السعودية عام 2005م، كاول انتخابات شعبية عامة في المملكة ‏بعد انقطاعها لمدة تجاوزت نصف قرن من الزمن، ونتيجة لتحولات داخلية وخارجية عديدة. وحيث انها ‏تعتبر تجربة جديدة في المجتمع السعودي، فانها قد اعترضتها العديد من المشاكل والعقبات على صعيد ‏ادارتها وتهيئة المواطنين للمشاركة فيها بصورة فعالة‎.‎

كما ساهمت الانتخابات البلدية في خلق اجواء من التفاؤل لدى المواطنين حينها باتجاه خطوات ‏اصلاحية اكبر لتوقعهم بتوسيع المشاركة الشعبية وتكرار الانتخابات في مواقع ومؤسسات اخرى‎.‎
الآن وبعد مرور اكثر من سنتين تقريبا على تدشين الانتخابات البلدية، بدأت تطرح تساؤلات جادة حول ‏فاعلية هذه الانتخابات والدور الذي يمكن ان تلعبه في صياغة اطر جديدة وفعالة لخلق حالة من ‏المشاركة الشعبية تتناسب مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها المملكة‎.‎
تهدف هذه الورقة الى استعراض تجربة الانتخابات البلدية من الناحية الادارية وتاثيرها الاجتماعي ‏ودورها في تنشيط الحراك الاصلاحي في المملكة، كما تتطرق الى آفاق الاصلاح والتحول الديمقراطي ‏الذي يمكن ان تحدثه الانتخابات القادمة فيما لو تم تفعيلها بصورة سليمة‎.‎

وتنطلق الورقة في هذا العرض من معايشة ميدانية ومن متابعات للعملية الانتخابية التي غابت فيها ‏المعلومات الدقيقة عن توجهات الناخبين والمرشحين والدراسات التحليلية لنتائج الانتخابات، مركزة في ‏الاساس على التوجهات العامة لهذه التجربة وانعكاساتها الاجتماعية والسياسية‎.‎
المجتمع والانتخابات في السعودية‎:‎جرت منذ تاسيس المملكة عدة انتخابات بعضها عامة ولكن الاكثر منها كانت مناطقية او مهنية، فكانت ‏هنالك المجالس الاهلية التي انتخب اعضاؤها في منطقة الحجاز كاول تنظيم للادارات المحلية المنتخبة، ‏كما تشكل حينها مجلس شورى في اقليم الحجاز من اعضاء غير منتخبين‎.‎

وفي الخمسينيات جرت انتخابات بلدية عامة لجميع اعضاء المجالس وفي مختلف مناطق المملكة، ‏ساهمت في بلورة دور رقابي فعال على البلديات في حينها وطرح برامج جادة وجريئة في مجال الرقابة ‏المالية والادارية. ولكن هذه التجربة كانت قصيرة جدا ولم تستمر بحيث تطور حالة المشاركة السياسية ‏في المجتمع السعودي‎.‎

ومنذ ذلك الحين، اقتصرت الانتخابات على شرائح اجتماعية معينة كرجال الاعمال الاعضاء في الغرف ‏التجارية وبعض الاتحادات والاندية الادبية والثقافية والجمعيات الخيرية وما اشبه، دون ان يكون لها ‏أي تاثير عام على عموم المواطنين، وبالتالي فان الاجيال الحالية من المواطنين السعوديين كانوا ‏بعيدين عن أي تجربة او ممارسة انتخابية عامة‎.‎
وصدر قبل ثلاثين سنة تقريبا (1977م) نظام البلديات والقرى الذي اقر تشكيل مجالس بلدية وتضمن ‏صيغة انتخاب نصف اعضائها، ولكن هذا القرار لم يفعل الا عام 2005م عندما تم اجراء انتخابات ‏بلدية عامة مستندة على هذا النظام‎.‎

من هنا ندرك ان تجربة الانتخابات العامة في السعودية تعتبر بدائية واولية، وان المجتمع السعودي لم ‏يمر بتجربة حقيقية سابقة في أي انتخابات عامة بما تتطلبه من ادارة وتنظيم ومشاركة ورقابة. ولذا ‏فانه من المتوقع والحال هذه ان تواجه هذه التجربة العديد من الاشكالات القانونية والتنظيمية، وان ‏تكون هنالك صعوبات حقيقية في تقدير استعداد وتجاوب المجتمع معها وما يترشح عنها من نتائج على ‏ارض الواقع‎.‎
العوامل المؤثرة في اقرار الانتخابات‎:‎تزامنت الانتخابات البلدية في السعودية مع مجموعة تطورات محلية واقليمية ودولية ساهمت جميعها ‏في التسريع باقرار هذه الانتخابات وانجازها في هذه المرحلة بالتحديد، مع أن آلية الانتخابات كمبدأ ‏كان يتم التعبير عنها من قبل العديد من المسئولين كمشروع يمكن تحقيقه في مرحلة ما دون ان يحدد ‏بشكل او زمن معين‎.
ولعل من ابرز العوامل المحلية التي ساهمت في دفع مشروع الانتخابات ما يلي‎:‎‎
  • جموعة المبادرات التي قامت بها الحكومة ضمن حزمة مشاريع متعددة تهدف الى تعزيز ‏الاستقرار الاجتماعي والاقرار بالتعددية الفكرية والمذهبية، ولمواجهة التيارات الاقصائية. وقد تضمنت ‏هذه المبادرات اضافة الى الانتخابات البلدية خطوات مهمة أخرى ابرزها الدعوة الى الحوار الوطني، ‏وتأسيس الجمعيات الحقوقية والمهنية – منها الجمعية الوطنية لحقوق الانسان وهيئة الصحفيين، ‏وكذلك توسيع هامش حرية الصحافة والاعلام، وتشجيع قيام مجموعة مؤسسات مدنية تعنى بالشأن ‏الاجتماعي‎.‎
  • زيادة دعوات الاصلاح والتطوير من قبل الشخصيات الثقافية والاجتماعية، وتعبيرهم الواضح ‏والمحدد باتجاه ضرورة توسيع المشاركة الشعبية على مختلف المستويات، وتنمية مؤسسات المجتمع ‏المدني، واشراك المرأة في الشأن العام‎.‎
  • زيادة وعي المجتمع بأهمية المشاركة وآليات الانتخابات وخاصة مع الانفتاح الاعلامي والقدرة ‏على متابعة مجريات الاحداث والتطورات السياسية عبر وسائل التواصل والاعلام الحديثة، اضافة الى ‏حدوث تطور نسبي في الخطاب الديني ذي التأثير الاجتماعي حول موضوع الانتخابات وعدم رفضها ‏بالكامل كما كان سائدا من قبل‎.‎
    ومن الناحية الاقليمية، فان قيام عدة تجارب انتخابية في المنطقة وتحديدا في دول مجلس التعاون لدول ‏الخليج العربي وعلى مستويات مختلفة أدى الى نتائج ايجابية كبيرة وساهمت في تخفيف حالة الاحتقان ‏السياسي في بعض هذه الدول وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية وتحقيق جو من التوافق والسلم ‏الاجتماعي. ولعل ذلك كان له دورا ايجابيا في التأكيد على أن الانتخابات العامة – وعلى هذا المستوى ‏‏– ستعزز من حالة الاستقرار والمشاركة دون ان تخلق تهديدا كبيرا للصلاحيات والمسئوليات القائمة‎.‎
    وعلى الصعيد الدولي، فإن المملكة اصبحت محل انظار القوى الدولية الفاعلة في المنطقة وتحديدا منذ ‏احداث الحادي عشر من سبتمبر، ومارست هذه القوى رصدا ومتابعة دقيقة للتطورات السياسية ‏والاجتماعية عبر التأكيد على ضرورة الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات التي وقعت عليها المملكة المتعلقة ‏بهذا الخصوص، والتي تهدف الى تطوير الانظمة والتشريعات والاجراءات بما يتلاءم مع متطلبات هذه ‏العهود والمواثيق‎.‎
    قراءة في نظام الانتخابات‎:‎يمكن القول إن القرار الحالي للمجالس البلدية ما هو إلا تفعيل لنظام البلديات الصادر عام 1397هـ ‏‏(1977م) والذي لم ينل حظه في التطبيق حينها – كما مر ذكره‎‎
    وقد تم توزيع المجالس البلدية هذه على مستوى المملكة -حسب القرار الجديد- ليصل عددها الى ‏‏179 مجلسا بلديا يتكون كل منها من أربعة إلى أربعة عشر عضوا حسب الكثافة السكانية لكل مدينة ‏أو بلدة. كما تم إقرار أن يكون نصف أعضاء هذه المجالس منتخبين فقط بينما يكون النصف الآخر ‏معينا من قبل الوزارة المعنية. كما تم وضع لوائح تنظيمية عديدة لهذا الغرض حيث تم التعاقد مع فرق ‏استشارية محلية وفريق من هيئة الأمم المتحدة لتقديم سلسلة من الدراسات المقارنة والتحليلية ‏والبحوث المعتمدة، وتم عقد ورش عمل شارك فيها خبراء دوليون مستشارون متخصصون‎.‎
    ‎ ‎وحددت مسؤوليات المجالس البلدية -حسب ما ورد في التصريحات الرسمية- في أربع عشرة مهمة ‏هي: إعداد مشروع ميزانية البلدية، وإقرار مشروع الحساب الختامي لها، وإعداد مشروع المخطط ‏التنظيمي للبلدية، ووضع اللوائح التنفيذية الخاصة بالشروط التخطيطية والتنظيمية والفنية الواجب ‏توافرها في المناطق العمرانية، واقتراح المشاريع العمرانية في البلدة، ووضع اللوائح التنفيذية اللازمة ‏لممارسة البلدية واجباتها فيما يتعلق بالصحة والراحة والمباني والمرافق العامة وغيرها، وتحديد مقدار ‏الرسوم والغرامات بما لا يتجاوز مائة ريال، واقتراح مقدار الرسوم والغرامات بما زاد على مائة ريال، ‏ومراقبة الإيرادات والمصروفات وإدارة أموال البلدية، ومراقبة سير أعمال البلدية والعمل على رفع ‏كفاءتها وحسن أدائها للخدمات، واقتراح مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وعقد القروض مع ‏المؤسسات الحكومية المختصة وقبول الوصايا والهبات المتمشية مع الشريعة الإسلامية والمصلحة ‏العامة، وتحديد أسعار الخدمات والمواد التي تقدمها البلدية بطريق مباشر أو غير مباشر، وإبداء الرأي ‏فيما يعرض على المجلس من قضايا‎.‎
    كما حددت الأنظمة شروطا للمرشح لعضوية المجلس البلدي تتمثل في أن يكون سعودياً بالدم أو المولد ‏أو متجنساً مضى على تجنسه عشر سنوات على الأقل، وأن يكون متمماً الخامسة والعشرين من عمره، ‏وأن يقيم إقامة دائمة في نطاق البلدية طوال مدة عضويته، وأن يكون المرشح غير محكوم عليه بحد ‏شرعي أو بالسجن في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة ما لم يكن قد مضى على تنفيذ الحد أو السجن ‏خمس سنوات، وغير مفصول من الخدمة العامة لأسباب تأديبية ما لم يكن قد مضى على هذا الفصل ‏خمس سنوات، وأن يجيد القراءة والكتابة، ويتمتع بالأهلية والشرعية، وغير محكوم عليه بالإفلاس ‏الاحتيالي‎.‎

  • ويسعى المسؤولون من خلال الانتخابات البلدية لتحقيق مجموعة من الأهداف من بينها: توعية ‏المواطنين بأهمية المشاركة السياسية، وتخفيف حالة المركزية في الأجهزة الحكومية، وتمكين ‏المواطنين من المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وكشف مدى وعي المجتمع وقدرته على المشاركة، ‏وفصل الشأن العام عن الشأن الخاص‎.‎
    سير العملية الانتخابية‎:‎جرت الانتخابات البلدية بصورة مرضية بشكل عام في مختلف أنحاء المملكة حيث قسمت إلى ثلاث ‏مراحل لأغراض ادارية وتنظيمية. وجاءت نسب المشاركة في التسجيل للانتخابات متفاوتة من منطقة ‏إلى أخرى نتيجة لعوامل ديموغرافية وثقافية ولأسباب تتعلق بكثافة الجهود الأهلية في بعض هذه ‏الناطق، حيث أسهمت في زيادة عدد المسجلين في مراكز الاقتراع بصورة ملحوظة. كما أن إقبال هؤلاء ‏المسجلين على انتخاب ممثليهم في المجالس البلدية كان كبيراً وبلغ نسبة فاقت 70% في بعض ‏المناطق‎.‎
    ويمكن الإشارة إلى أن هنالك اجماعاً من قبل المرشحين والمراقبين على نزاهة العملية الانتخابية بشكل ‏عام بصورة تعزز من شرعيتها ومن عدم التأثير في نتائجها من قبل الجهات المختصة، حيث فسح ‏المجال أمام جهات رقابية أهلية عديدة وكذلك مندوبين من قبل المرشحين أنفسهم اضافة إلى مندوبي ‏الصحافة المحلية والأجنبية لمراقبة تفاصيل العملية الانتخابية‎.‎

    ومن ناحية أخرى فقد تميزت معظم الحملات الانتخابية في مختلف المناطق بحالة من التنافس المتزن ‏ولم تسجل فيها مهاترات أو اساءات مباشرة بين المرشحين، وقد يكون مرد ذلك إلى صرامة قوانين ‏وتعليمات النظام الانتخابي في هذا المجال، وتحديداً في موضوع اثارة النعرات القبلية والمذهبية ‏والمناطقية وعدم المساس بالثوابت الدينية والوحدة الوطنية‎.‎

    وأتاحت فترة الحملات الانتخابية الفرصة أمام المواطنين للتعبير عن قضاياهم ومطالبهم وآمالهم ‏بصورة كبيرة، مما رفع بسقف الصلاحيات المحدودة المعطاة للمجلس البلدي مطالبين المرشحين ‏بتوسيع مجال اهتمامهم لتشمل قضايا متعلقة بشؤون الصحة والتعليم والعناية بالبيئة وضبط الأراضي ‏وصيانة المال العام ومشاكل المرأة والشباب‎.‎
    ومع أن قوانين النظام الانتخابي تمنع بوضوح وصرامة قيام أي تكتل أو عقد تحالفات بين المرشحين ‏في مختلف الدوائر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا أن النظام ذاته كان يلزم الناخب باختيار ‏مرشحين من عدة دوائر إضافة إلى الدائرة التي يقيم فيها مما يتطلب بطبيعة الحال تنسيقاً بين ‏المرشحين أنفسهم بهدف الترويج لبعضهم البعض خارج دوائرهم. وقد دفع ذلك إلى بروز ظاهرة ما ‏اصطلح عليه "بالقوائم المزكاة" التي كانت تعبر في بعض الأحيان عن توجهات وتكتلات فكرية ‏واجتماعية محددة. ولم تخل أي منطقة من مناطق المملكة من ظهور قوائم للمرشحين بصور وصيغ ‏مختلفة تم العمل على ترويجها بصورة شعبية عبر وسائل التقنية الحديثة كشبكة الانترنت ورسائل ‏الجوال وغيرها‎.‎
    الاستجابة الاجتماعية‎:لقد استقبل مشروع الانتخابات البلدية في السعودية بمواقف متباينة من قبل مختلف الأطراف الفاعلة ‏سياسياً واجتماعيا، فمعظم الرموز الدينية كان تفاعلها مع المشروع فاتراً بسبب تحفظها المعهود على ‏أصل عملية الانتخابات وتعارضها مع مفاهيم الشريعة. أما الموقف الاجتماعي العام فلم يكن بصورة ‏عامة متجاوباً بسبب حداثة التجربة والنواقص التي بدت فيها لكون الانتخابات جزئية ولمحدودية ‏صلاحيات المجالس البلدية، بينما رأى العديد من الفاعليات المهتمة بالشأن العام أن هذه الانتخابات ‏تشكل خطوة أولى نحو إمكانية الإصلاح السياسي في المملكة‎.

    فتقليص عدد المشاركين من المواطنين عبر اقتصارها على الذكور منهم ممن بلغوا سن الحادية ‏والعشرين ومن غير العسكريين، جعل نسبة المواطنين الذين يحق لهم الاشتراك في التسجيل يبلغ ‏حوالي 20% فقط من عدد السكان‎.‎
    وتراوحت نسبة المشاركة الشعبية في التسجيل بين 20-40% ممن لهم حق التسجيل بالمناطق التي ‏بدأت فيها عمليات التسجيل للانتخابات، وهذا التفاوت يعود إلى كثافة الفعاليات الأهلية في بعض ‏المناطق -وخاصة في المنطقة الشرقية- التي ساهمت في تشجيع المواطنين على المشاركة وتسهيل ‏إجراءات التسجيل‎.

    ومع دخول الانتخابات في مراحلها العملية وبروز مرشحين من مختلف الاتجاهات، بدأت هذه القوى في ‏التفاعل مع العملية الانتخابية ولو متأخرا وخلقت حالة من التنافس القوي بين مرشحي كل اتجاه. ومع ‏استثناء الاتجاه الإسلامي المحافظ الذي لم يبد تجاوباً ملحوظا مع هذه الأطروحة، فإن بقية القوى ‏والاتجاهات دخلت المعركة الانتخابية وشاركت فيها بفاعلية وحضور كبيرين، كما وظفت هذه القوى ‏جميع ما لديها من امكانيات لدعم مرشحيها طوال فترة الحملات الانتخابيه عبر الاستعانة برموزها ‏وشخصياتها المعروفة والتأكيد على اطروحاتها الفكرية والسياسية‎.‎
    قراءة في النتائج‎:جاءت نتائج الانتخابات البلدية كما كان متوقعا في معظم المناطق، ولم تبد فيها أي مفاجئات كبيرة. فقد ‏حصد التيار الإسلامي المعتدل الغالبية الكبرى من أصوات الناخبين وبصورة واضحة للعيان، بينما ‏جاءت النتائج مخيبة ً للآ مال بالنسبة الى الاتجاهات الليبرالية، وحتى لبعض كبار رجال الأعمال ‏المستقلين على الرغم من بذلهم السخي لتنظيم حملاتهم الدعائية في فترة الانتخابات. وتأتي هذه النتائج ‏استناداً الى ما يتمتع به التيار الاسلامي من أرضية واسعة في المجتمع السعودي، ولما لديه من ‏امكانيات كبيرة تسهل عليه عملية توظيفها واستثمارها في الاستحقاقات الانتخابية وغيرها‎.‎
    وبنظرة موضوعية، فان القوى ذات الاتجاه الاسلامي في المملكة لديها من الفاعلية والحيوية والنشاط ‏الشيء الكبير الذي يؤهلها لتحقيق مكاسب ميدانيه على الأرض، نظراَ لقربها من قضايا المجتمع ‏وهمومه، وتمتعها بشبكة علاقات واسعة عبر المؤسسات الدينية والتطوعية والخدمية. وهذه الميزات ‏جميعها غير متوفرة لدى الليبراليين الذين تقتصر نشاطاتهم في وسط النخب المثقفة، وضمن اطر ‏محدودة‎.‎
    ومن الملاحظ أيضاً أنه حتى داخل الوسط الاسلامي كانت هنالك منافسة بين مختلف الاتجاهات والقوى ‏برزت في "القوائم المزكاة" لكل اتجاه، ولكن جاء صوت الناخب حاسماً لصالح المرشحين المعروفين ‏بخدماتهم الاجتماعية والخيرية التي ساعدتهم في تشكيل قاعدة اجتماعية واسعة لهم‎.‎
    كما أن دلائل الانتخابات تشير أيضا الي غلبة حالة الاعتدال في المجتمع السعودي بصورة عامة في ‏مقابل الصورة النمطية المأخوذة عنه بميوله إلى حالة التشدد والتطرف، فصوت المتشددين كان خافتا ‏في العملية الانتخابية سواء في الموقف منها أو في المشاركة فيها، ولذا لم يبرز أي مرشح يمكن ان ‏يكون محسوبا على الاتجاه المتشدد‎.‎
    وعلى أثر إعلان النتائج في كل منطقه من المناطق كان هنالك شعوراً عاماً بالارتياح لسير عملية ‏الانتخابات ونتائجها، إلا أن بعض المرشحين الخاسرين قدموا طعونا واعتراضات على نتائج الانتخابات ‏حسبما يتيح لهم النظام الانتخابي، وذلك ضمن نسق طبيعي بعد كل عملية انتخابية. وتركزت هذه ‏الطعون في معظمها على أهلية بعض المرشحين الفائزين وتحالفهم مع بعضهم البعض ضمن "قوائم ‏مزكاة". وتدرس لجان قانونية وشرعية مختصة في كل منطقة كل الطعون المقدمة وحقيقتها، وتعلن ‏عن النتائج النهائية بعد ذلك، الا انه لحد الان لم تحقق هذه الطعون أي نتيجة تذكر‎. ‎
    الدلالات والآفاق‎:
    لقد حققت الدولة والمجتمع في السعودية من خلال هذه التجربة عدة اهداف ايجابية محلية واقليمية ‏ودولية، فعلى الصعيد المحلي اثبت المجتمع السعودي انه قادر ومؤهل للدخول في مشروع اصلاح ‏سياسي يستند على اسلوب الانتخاب المباشر. كما أثبتت الحكومة أيضا جدية في مشروع الاصلاح عبر ‏اتاحة الفرصة لمواطنيها لممارسة حقهم الانتخابي – مع محدوديته - دون أي تدخل او وصاية. وقد ‏يقود ذلك الى طمأنة الجميع بصحة هذا الاتجاه وخاصة عندما يتم اختيار الاعضاء المعينين ممن هم من ‏ذوي الكفاءة والجدارة من اجل انجاح مشروع المجالس البلدية‎. ‎
    وعلى الصعيد الاقليمي والدولي، جاءت ردود الفعل ايجابية ومشيدة بهذه التجربة التي تتزامن مع ‏تطورات اقليمية ودولية مهمة جدا تدفع باتجاه المزيد من توجهات وخطط الاصلاح في مختلف جوانبه. ‏ولكن العديد من الجهات الدولية - وخاصة الحقوقية منها – لا ترى أن هذه الخطوة وحدها كافية ‏لاستيعاب التحديات والضغوط المختلفة وخاصة فيما يتعلق بمواجهة الارهاب ومشروع الاصلاح ‏السياسي الشامل الذي يستلزم مشاركة شعبية واسعة. ويرى هؤلاء ان اشراك القوى الاجتماعية ‏الفاعلة بمختلف اتجاهاتها – حتى المتشددة - في العملية السياسية سيساهم بشكل طبيعي في امتصاص ‏حالة التوتر الاجتماعي والسياسي، وتحميل هذه القوى دورا رئيسا في المساهمة في ادارة القضايا ‏والشئون العامة مما يجعلها اكثر موضوعية وعملية‎.‎
    ومن هنا فإنه يمكن اعتبار الانتخابات البلدية الجزئية في السعودية أول تجربة حقيقية للمشاركة ‏الشعبية الفعلية في إدارة ورقابة الأجهزة التنفيذية للدولة، من خلالها يمكن للمجلس البلدي- المنتخب ‏جزئياً- أن يمارس صلاحياته في الاشراف والرقابة على أعمال البلدية التابع لها، وذلك يتطلب بطبيعة ‏الحال مشاركة في تحمل المسؤولية الملقاة على هذه الأجهزة من أجل تطويرها وتنمية مواردها وتفعيل ‏برامجها وتقديم خدمات أفضل للمجتمع‎.‎
    إن المشاركة الشعبية - من أجل انجاحها- تستلزم تعاوناً وثيقاً بين مختلف الأطراف الفاعلة فيها ‏وتفاهماً واضحاً على توزيع الأدوار والمهام والمسؤوليات بحيث تتكامل وتتظافر الجهود الجماعية ‏لتحقيق مكاسب حقيقية من هذه المشاركة تنعكس على أداء أفضل للأجهزة التنفيذية المعينة. ومع العزم ‏على انجاح هذه التجربة فينبغي أيضاً العمل على توسيع صلاحيات المجالس البلدية بحيث تتلاقى آمال ‏ومطالب الناخبين مع حاجات المواطنين وقضاياهم المتعددة. إن مثل هذا الانجاز فيما أذا تم وفعل ‏بصورة صحيحة وحقيقية، فأنه بالتأكيد سيؤسس إلى إيجاد أرضية شعبية مناسبة لخطوات أوسع ‏وأشمل باتجاه لمشاركة السياسية في مختلف قضايا وشؤون المجتمع وعليه فأن آمالا كبيرة معلقة ‏بنجاح هذه التجربة الأولية‎.


    التوصيات‎:‎
    نظرا لما هو متوقع من أن يكون للمجالس البلدية دور متعاظم في السعودية في المراحل المقبلة، فإن ‏هنالك حاجة ماسة إلى معالجة الإشكالات القائمة وتطوير الوضع الحالي بما يمكن شريحة أوسع من ‏المواطنين من المساهمة في هذا المشروع الهام‎.‎
    ولعل أبرز ما يمكن القيام به في هذا المجال ما يلي‎:
    1-عتبار العملية الانتخابية الحالية خطوة تجريبية أولى في مشروع الإصلاح السياسي الذي ‏يهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية. وبالتالي، فانه من الضروري تطوير التجربة ليكون جميع ‏الاعضاء المنتخبين مستقبلاً، ونقلها الى مستويات اعلى، كانتخاب أعضاء مجالس المناطق ومجلس ‏الشورى‎.‎
    2-إفساح المجال أمام المؤسسات الأهلية الفاعلة للقيام بمبادرات تهدف إلى دعم الجهود الرسمية ‏في هذا المجال من خلال التدريب على الانتخابات ونشر الثقافة الانتخابية، والتواصل مع المؤسسات ‏الدولية وبيوت الخبرة في هذا المجال، والسماح بتشكيل مؤسسات أهلية متخصصة لهذا الغرض‎.
    3-‎إعطاء المجالس البلدية سلطات تشريعية ورقابية أوسع للمساهمة في تفعيل دورها المنوط بها ‏على المستوى المحلي، بحيث يمكن لأعضائها تحقيق مطالب وطموحات مواطنيهم. ويأتي ضمن ذلك ‏اهتمام المجالس بالشأن البلدي العام في كل منطقة عبر التنسيق مع بقية الاجهزة التنفيذية، ومن بينها ‏الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها‎.‎
    4-‎ العمل على تجاوز إشكالية مشاركة المرأة في الانتخابات بشكل عام واعطائها المجال للمشاركة ‏كمرشحة وناخبة في الدورات القادمة، وذلك نظراً لأهمية دورها في الشأن العام وضرورة مشاركتها ‏السياسية والاجتماعية، ولما تمثله من قوة فاعلة في المجتمع‎.‎

    5-توسيع فرص المشاركة الشعبية العامة بحيث تشمل قطاعات وشرائح اجتماعية أكبر. ويتطلب ‏ذلك تعديل السن القانوني لمن يحق لهم المشاركة في التسجيل للانتخابات (من 21 سنة الى 18 سنة) ‏بسبب كون الشباب تمثل شريحة عظمى في المجتمع السعودي‎.‎
    6-‎معالجة نقاط الخلل في النظام الانتخابي، كاعتماد نظام الدوائر المغلقة، بحيث ينتخب المواطن ‏مرشحي ائرته فقط، وكذلك تسهيل اجرءات التسجيل والتصويت في العملية الانتخابية عبر الاستفادة من ‏وسائل القنية الحديثة‎.‎
    7-تعميم برامج توعوية للمرشحين وللمواطنين حول الانتخابات والمجالس البلدية، وإعداد برامج ‏إعلامية مكثفة في هذا المجال تساهم في توعية المواطنين وتشجيعهم على المشاركة‎.‎
    8-‎طرح مشاريع تعليمية وتربوية لأفراد الأسرة وطلبة المدارس لتعزيز ثقافة الانتخاب والمشاركة ‏الشعبية‎.

    ورقة قدمت في مؤتمر الانتخابات والتحولات الديمقراطية في العالم العربي خطوة إلى الأمام أم خطوة إلى الوراء ‏ الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في 26-27 يناير 2008