A+ A-
الولايات المتحدة وإيران : خيارات للتعاون
2007-12-01

قلما تحقق حل لنزاع ما اذا كان أي طرف مفاوض يعيش في الماضي، وانما يتحقق ذلك عندما يوافق كل طرف على العيش في الزمن الحاضر والتحرك قدما إلى الأمام. وهذا الأمر ليس هينا على أي من ايران او الولايات المتحدة. ذلك ان أدى كل جانب قائمة طويلة من الاتهامات والشكاوى ضد الجانب الاخر، يعزز من ذلك الضغوط السياسية الداخلية والخليط المختلف من الأصدقاء والحلفاء. وقد وجد القادة، كما وجدت الايديولوجيات، في كلا البلدين، ان من المناسب الصاق صفة "الشيطان" بالنظام الحاكم للبلد الأخر، ومما زاد الوضع سوءا، حقيقة ان العلاقات الأميركية - الإيرانية أصبحت مقيدة بلازمة العربية - الإسرائيلية، والحرب العراقية - الإيرانية، وحرب الخليج والتوسع الاقليمي، وحشد من القضايا الأخرى .

اذا لم يستطع المرء نسيان الماضي ، عليه ان يتجاهله
ان لدى ايران قائمة طويلة من الشكاوى ضد الولايات المتحدة، وبعض هذه الشكاوى نتاج جريمة الصداقة والزمالة: انها نتاج مائة عام من الجهود الاوروبية والروسية للسيطرة على التراب الايراني او على جزء من الاقتصاد والإيراني، ومن معاناة إيران تحت الاحتلال الانجلو - روسي اثناء الحرب العالمية الثانية. وتشكو إيران بشكل مباشر من الدور الأمريكي في الإطاحة بمحمد مصدق، واستغلال أمريكا لإيران "كدعامة" في الحرب الباردة، والدعم الأمريكي لأطماع الشاة "وفاشيته"، والمشاركة الأمريكية في الفساد الذي اكتنف مشتريات الشاه من الأسلحة ومشاريع المدينة الطموحة، والموقف الأمريكي من اتفاقات القوات وانتهاكها الحاد للحقوق الايرانية في الاستقلال، والمحاولات الأمريكية لإبقاء الشاه في السلطة او استبداله بحكومة صديقة، وذلك خلال فترة 1979-1980، وتغاضي أمريكا عن الهجوم العراقي على ايران، والمحاولات الأمريكية لحرمان إيران حق استيراد الأسلحة ونعومة الاحتجاجات الأمريكية عندما بدأ العراق استخدام الأسلحة الكيميائية ضد إيران، والدعم التجسسي الأمريكي للعراق وتشجيع مبيعات السلاح الاوروبية للعراق، وحرب ناقلات النفط في فترة 1987 -1988، وخلق بنية أمنية في "جنوب الخليج" استبعدت إيران، والعقوبات الاقتصادية.
أما الولايات المتحدة فان اهتمامها ضئيل بتاريخ الاستعمار الغربي في الشرق الأوسط، وهي لا توافق على أي جريمة جماعية لاوروبا ولا تعترف بأن أعمالها هي تشكل " استعمارا جديدا" كما ان فهمها محدود لتفاصيل التاريخ الإيراني، وترى ضعف الارتباط بين دعمها للشاه وبين السياسات "المعادية لإيران" ثم ان انطباعات الولايات المتحدة عن النظام الحاكم الحالي في إيران تشكلت من حملات الهجوم الإيرانية على الولايات المتحدة بعد سقوط الشاه، ومن أزمة الرهائن التي دامت أربعمائة يوم. كما ان التعاطف الأمريكي الاولي مع إيران بعد التوسع العراقي تلاشى نتيجة لكل من أزمة الرهائن والغزو الإيراني المعاكس للعراق بعد سنة 1982، عندما كانت إيران في وضع يهدد باجتياح الخليج. ويتذكر المسئولون الأمريكيون المحاولة الانقلابية في البحرين، واستمرار الإشارة الى "الشيطان الأكبر" وحادثة السفارة الإيرانية، وقصف مواقع البحرية الأمريكية، واحتجاز الرهائن في لبنان، وفضائح إيران - كونترا وتلغيم مسارات شاحنات النفط في الخليج والمصادمات البحرية الناجمة عن ذلك من 1987-1990، ومشاكل جزر ابو موسى وطنب الصغرى والكبرى، والحشد العسكري الإيراني في مياه الخليج، والدعم الإيراني "للإرهاب" ومعاداة إيران لعملية السلام.
ان مشكلة هاتين المجموعتين من الترانيم التاريخية المثيرة للعواطف انهما تضمان احداثا لا يمكن تغييرها، وآراء مختلفة حول قضايا تاريخية وثقافية لا يمكن حلها. كما انهما مشحونتين بالانفعالات على كلا الجانبين وبنوع من العداوة يمكن ان تقود الى مجادلات لا حد لها، ولن يؤدي أي قدر من المباحثات الرسمية لهاتين المجموعتين من التهم الى الصفح والاعتذار. واذا أدتا الى شيء فانهما ربما ستؤديان الى مطالب جديدة لبلد من البلد الآخر، والى ترسيخ مواقف وآراء المتشددين في كل بلد.
وبذل الجهود الكبيرة لتحسين التفاهم والانسجام المتبادلين، ولكن مثل هذا التحليل من المؤكد انه سيلي قرار حل النزاع وليس قبله. والجانب المأساوي في العلاقات الإيرانية - الاميريكية انه طالما ظل أي من البلدين يتذكر الماضي، فان من الممكن ان يبقى الطرفان رهينة لهذا الماضي.
والبديل لكل من " الايدولوجية" و " العبارات الطنانة" هو المصالح الاستراتيجية المشتركة"
واذا لم يكن بوسع احد نسيان الماضي، فهناك أسباب قوية لتجاهل هذا الماضي والتغاضي عنه. ولو لم يكن لإيران والولايات المتحدة ذلك التاريخ القريب من المعاداة لكان من المؤكد لهما ان تتصرفا بناء على حقيقة ان لهما مصالح استراتيجية هامة ومشتركة. وتشمل هذه المصالح الاستراتيجية المشتركة ما يلي:
- الطاقة: من مصلحة الطرفين استمرار انتاج وتقدير النفط والغاز من منطقة الخليج على أرضية مستقرة تحددها أسعار السوق وزيادة الانتاج من خلال استغلال احتياطيات جديدة والتوسع في انشطة التكرير والتبركيمايات الاقليمية لأسباب بيئية ، وخلق توازن اقليمي اقتصادي وتنموي.
وبينما يحتمل ان يبقى سوق البترول مشبعا على المدى القصير، فان الزيادة في الطلب سوف تعمل على الأرجح على امتصاص الفائض بسرعة على المدى المتوسط، وتخلق زيادة مطردة على الطلب على المدى البعيد، طالما ظلت الأسعار مستقرة وظل تدفق النفط مستقرا ويلبي حاجات السوق العالمية. ولن يستطيع بلد أو اتحاد منتجين ان يفرض الأسعار بطرق تقدم لإيران تدفقا من الدخل أكثر توازنا واستقرارا على المدى المتوسط والبعيد مما تفرضه قوى النفط، كما لا يمكن لاي جهود امريكية ان تأمل في التأثير على البلدان المصدرة لكي تبيع الولايات المتحدة بأسعار أدنى من أسعار السوق - وهو على أي حال أمر ليس في صالح الولايات المتحدة بسبب حاجتها لورادات تجارية منخفضة السعر تعتمد على الطاقة. حوض قزوين وتركيا واسيا الوسطى وتوزيع الطاقة:
ان لكل من إيران والولايات المتحدة مصالح مشتركة في التنمية الهادئة المستقرة لحوض قزوين وتركيا واسيا الوسطى. وذلك ان لكلا البلدين مصالح مشتركة في تجنب الاعتماد والزائد لأي من هذه المناطق على روسيا. كما تمثل إيران طريقا رئيسيا للتجارة ولخطوط أنابيب النفط ويمكن ان تلعب دورا رئيسيا في تأمين تلقي تركيا لمصادر الطاقة بالسعر الحقيقي. واذا كانت اقتصاديات مثل هذه الخطوط لأنابيب النفط وطرق التجارة مؤكدة، فان النقاش الحالي حول طريق واحد مفضل يحتمل ان يكون هو السائد على المدى القريب. كما وهناك احتمال في وجود طلب كاف على طرق متعددة مما سيساعد في تجنيب الاعتماد على طريق رئيسي واحد يمكن ان يجعل مثل هذا الاعتماد رهينة للمنازعات الاقليمية .- تدفق التجارة والاستثمار:
كان كلا البلدين دائما يغيران من التجارة ومن الاستثمار طالما ظل الأمر في هذين المجالين يسير حسب شروط السوق، فإيران في حاجة ماسة للاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا المستوردة من الخارج ويمكن ان تقوم فرصا جيدة حسب شروط لا تهدد بالاعتماد المفرط على الولايات المتحدة او على أي قوى خارجية . ويصح هذا القول بشكل خاص على الاستثمارات المتصلة بالطاقة القريبة المدى، لكنها يمكن ان تتوسع بشكل جيد لتشمل المزيد من الفرص المتنوعة في المستقبل .تحجيم " لعبة الكبار" :
ان وجود إيران مستقرة ومتنامية - تتصرف بذكاء على أساس مصالحها الوطنية الخاصة - سوف يحجم ويقلص مخاطر الاحتكاك بين الولايات المتحدة وروسيا حول تنمية منطقة قزوين الخليج. واذا كان هناك من درس حقيقي يستفاد من "لعبة الكبار" التي جرت في القرن التاسع عشر، فهو ان الطريقة الوحيدة للنفوذ هي الا تمارس هذه اللعبة ذلك لان المنافسة الانجلو - روسية لم تسفر مطلقا عن استرجاع تكاليف التنافس، وانما قادت البلدين الى منافسة حمقاء لا جدوى منها، بينما لم تفلح قوة اقليمية مطلقا في الإفادة من التأليب على البلد الآخر. التعامل مع العراق و " التعايش مع صدام":
لكل من إيران والولايات المتحدة مصالح مشتركة في الاحتواء العسكري للعراق، وفي منع التوسع العراقي. كما يتشاطران مصالح متساوية في التشجيع على ظهور حاكم عراقي أقل استبدادية وعدوانية، وفي وجود نوع من التنمية الاقتصادية للعراق يسمح للشعب العراقي بالمعافاة من العقوبات وارساء قاعدة لتكامل العراض ضمن هيكل خليجي مستقر ومتوازن اقتصاديا وسياسيا. الأمن الاقليمي:
لا يستطيع أي من إيران او الولايات المتحدة "الهيمنة" على امن الخليج، بمعنى أملا، سياسة ما على الدول الاخرى، او تحقيق مصالح سياسية واقتصادية من محاولة القيام بذلك على أمل تجاوز التكاليف والمخاطر المرتبطة به. فليس لإيران مصالح قومية في تكبد مصرفات عسكرية غير ضرورية، كما انه لا مصلحة للولايات المتحدة في الإبقاء على وجود لها يزيد عن الحاجة اللازمة لتأمين استقرار اقليمي وتدفق صادرات الطاقة. وينبغي لنشاطات كلا البلدين العسكرية ان يتمم بعضها البعض الآخر الى الحد الذي يخدم المصالح القومية الحيوية لكل بلد ولا يهدد الدولة الاخرى. ويظل هذه الأمر حقيقيا بشكل خاص طالما العراق على وضعه الحالي من القوة، وظل جنوب الخليج ضعيفا. الأمن الإيراني:
ان للولايات المتحدة كل مصلحة في إبقاء إيران على درجة من القوة تكفي لتجنيب قيام مغامرة لاحياء الصراع الإيراني - العراقي، مما يعرض إيران للضغط الروسي، ويخلق ذلك النوع من التعرض الإيراني للخطر الذي يحملها للاعتماد على أسلحة الدمار الشامل. امن الخليج :
يعتبر التنافس أمرا مقبولا، لكن أي عمل عسكري يحد من انسياب حركة السفن في الخليج، يشكل تهديدا للمصالح الاستراتيجية الحيوية لكل من إيران والولايات المتحدة . كما تظل مسألة من يستطيع إحراز "النصر" في أي صدام أو معركة أمرا لا أهمية له، لان النتيجة النهائية المؤكدة سوف تكون سباقا جديدا للتسلح، والمزيد من التوتر والمزيد من المصادمات الحادة في المستقبل. الحد من التسلح وانتشار الأسلحة:

لن يستفيد أي من إيران او الولايات المتحدة على المدى البعيد من ظهور بطيء ليهيكل امني في الخليج والشرق الأوسط يعتمد بشكل متصاعد عل القوى الاقليمية التي تمتلك صواريخ بعيدة المدى وأسلحة للدمار الشامل ، وعلى القدرة الأمريكية لتطوير أنظمة تكاثر معاكسة ومكلفة، و أنظمة تقليدية ضاربة ومتطورة، والردع المطول الذي يستخدم أسلحة نووية ودفاعات صاروخية ميدانية. كما ان عقد " صلة " متصاعدة للتكاثر النووي الذي يربط الصرعات بين التنافس الهندي - الباكستاني وبين مفاهيم القوة الاقليمية لا يقدم لاي بلد الفرصة ليكون هو "المنتصر" ولذلك فإن الجهود التي تبذل لمنع انتشار الأسلحة النووية والحد منها ، واستبدال التنافس بالحد من التسلح، وتطوير طرق لمنع وللحد من الأزمات التي تستخدم أسلحة الدمار الشامل، هذه الجهود تعتبر من المصلحة الاستراتيجية لكل بلد. القضية الأفغانية:
لكل من إيران والولايات المتحدة مصلحة مشتركة في ظهور أفغانستان مستقر غير متطرف، يحترم مصالح الفرق الدينية والجماعات العرفية المختلفة في ذلك البلد. القضية الكردية: يشترك كل من إيران والولايات المتحدة في مصالح متشابهة لإيجاد طريقة ما لحل القضايا الكردية في تركيا والعراق بما يحمي المصالح الكردية دون خلق دويلات غير مستقرة أو محاطة ببلدان معادية. وينطبق نفس الشيء على إيجاد طرق للتأكد من عدم ظهور توترات "ذرية" جديدة.
استقرار جنوب الخليج، وجزر أبو موسى والطنب: ليس للولايات المتحدة مصلحة في الوقوف الى أي جانب في الصراعات الاقليمية ذات المستوى المنخفض. وفي نفس الوقت ، للولايات المتحدة مصالح قوية في تهميش أي صدام عسكري او هجمات متبادلة تقع بين الأنظمة القائمة . كما ان لإيران مصالح استراتيجية في وجود علاقات جيدة مع دول جنوب الخليج، وفي الحد من الحاجة لوجود عسكري أمريكي متقدم. لبنان :
ربما تقوم الولايات المتحدة وإيران بمساندة أطراف مختلفة في لبنان، ولكن لكلا البلدين مصالح واضحة في وجود لبنان حر ومستقل، خال من الاحتلال الإسرائيلي والاحتلال السوري، تحل فيه مكان الصراع العرقي حقوق متساوية للجميع ويلعب فيه شيعة لبنان دورا سياسيا متكافئا مع نسبة عددهم في سكان لبنان، ويستطيعون فيه تنمية اقتصادهم ومنطقتهم داخل لبنان خال من خطر إسرائيلي أو ارتهان سوري. السلام العربي - الإسرائيلي:
عندما لا يقدر أي بلد على الإطلاق تحقيق النصر، فان الحل الوحيد البديل لذلك هو السلام العادل. ويمكن للولايات المتحدة وإيران مواصلة الحوار حول أي نوع من السلام يعتبر هو السلام "العادل"، أما المزيد من العنف فيمكنه فقط أن يصبح هو الهدف في حد ذاته. ولذلك، يمكن للضغط الإيراني السلمي وللاقتراحات ان تسهم في مسيرة السلام. الإرهاب مقابل "القتال من اجل الحرية:

الدمار مقابل العمليات السرية: اذا نحينا جانبا الخطب الرنانة والايدبولوجية، وجدنا ان الولايات المتحدة وإيران سوف تجنيان من التنافس السياسي السلمي ومن التعاون أكثر مما تجنيانه من التهديد والعنف. صحيح ان الحاجة ربما تستدعي الجدل والحوار ، وربما كثيرا ما يعارض كلا البلدين بقوة اراء بعضهماالبعض ، لكن عقدين من العنف منخفض المستوى لم يعمل على خدمة أي من المصالح الوطنية، وانما أدى الى قتل الأبرياء. المخرج: الصبر والتسامح والخطى الصغيرة للأمام:
لقد بدأت إيران والولايات المتحدة حوارا غير رسمي مسؤولين، رغم المعارضة المتشددة داخل إيران وضغط الكونغرس الأمريكي.