A+ A-
قراءات في الموازنة العامة الأردنية لعام 2008
2008-02-09
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركم على دعوتكم الكريمة لأكون واحداً من هذه النخبة الطيبة من أبناء الأردن، نتبادل سويا الرأي والمعلومات حول الأوضاع الاقتصادية الاستثنائية التي نعيشها في هذه الأيام. واشكر الأخ الأستاذ عريب الرنتاوي على مبادرته هذه لأنني على يقين بأن التحدث إليكم ومعكم سيزيدني علماً ومعرفة في هذا الموضوع المهم.

ندرك جميعاً الأوضاع السياسية المقلقة في الإقليم وندرك أيضاً الآثار السلبية لهذه الأوضاع على الأردن. ففلسطين التوأم تعيش تحت نير الاحتلال والخلافات الفلسطينية - الفلسطينية. وكذلك الحال في العراق وتستمر حالة عدم التوافق في لبنان بين فئاته المختلفة وما زالت حالة ترقب تسود المنطقة في انتظار ما سيؤول إليه الموقف من الملف النووي الإيراني.
كلكم على دراية واسعة بهذه القضايا واذكرها هنا لأنها تؤثر سلبياً على أوضاعنا الاقتصادية.
ونعلم جميعاً العوامل الاقتصادية الخارجية التي هي خارج سيطرة صاحب القرار وواضع السياسة الاقتصادية في الأردن. وأهم هذه العوامل:- انخفاض سعر صرف الدولار، والارتفاع غير المسبوق لأسعار النفط، وبدء الانكماش في اقتصاديات أمريكا والعالم الغربي، وأزمة التمويل العقاري في أمريكا، وتداعياتها على القطاع المصرفي العالمي.
وفي الوقت ذاته، هناك حقائق تفرض علينا التعامل معها بكل جدية وأهمها:-
• أن الأردن يعاني من نقص كبير في الموارد الطبيعية وخاصة المياه.
• وأن المورد الوطني الأول هو الإنسان. ومن هنا تأتي أهمية التربية والتعليم والثقافة.
• وأن الأردن، شاء أم أبى، هو جزء من الاقتصاد العالمي المنفتح على بعضه بعضاً، مما جعل اقتصاد السوق هو المهيمن في هذه المرحلة، وأدى، بالتالي، الى إعادة النظر في دور الحكومة في الاقتصاد الوطني.
• وأن الأردن يعتمد على المساعدات الخارجية لتمويل أكثر من 10% من موازنته كل عام .
• وأن أعباء المديونية الخارجية أصبحت تشكل حوالي 6% من الموازنة العامة .
• وأن نسب الفقر والبطالة تراوح مكانها منذ أكثر من خمس سنوات.
• وأن الإنفاق العام يزداد عاماً بعد عام بنسب أكبر من الزيادة في الإيرادات .
• وأن معظم الإنفاق الجاري يذهب للرواتب والتقاعد المدني والعسكري.
• وأن هناك عجزاً في الميزان التجاري يصل الى 4770 مليون دينار سنوياً ولولا اتفاقات التجارة الحرة مع أمريكا وبعض الدول العربية والصديقة والشراكة الأردنية الأوروبية، لازداد هذا العجز بشكل كبير ولكن هذه الاتفاقيات ساعدت على نمو الصادرات الوطنية بنسب كبيرة.
• وأن قدرة الحكومة على تقديم الخدمات من دون مقابل، أصبحت محدودة جداً وتزداد محدودية كلما ارتفعت تكاليف تقديم هذه الخدمات، مما اضطرها الى القيام بدور المنظم لهذه الخدمات وتخلت عن دورها كمقدم لها.
• أن الأردن يستهلك أكثر مما ينتج.
• أن العجز في الموازنة العامة في تنامٍ مستمر. وقد وصل هذا العام الى 724 مليون دينار.
ومع هذا، فقد حقق الأردن العديد من النجاحات، خاصة في مجال السياسة النقدية، منها النجاح في استقرار سعر صرف الدينار، وبناء الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وتحقيق نسبة نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي وصلت الى 6-7% سنوياً.
هذه بعض الحقائق وأنا واثق من أن الأخوة الكرام يستطيعون ان يضيفوا اليها إضافات نوعية كثيرة.
وأمام هذا الواقع، وجد الأردن نفسه في مآزق اقتصادية، الواحد تلو الآخر، وكلنا يذكر تعويم أسعار الخبز في منتصف التسعينيات ثم رفع أسعار المشتقات النفطية عدة مرات لمعالجة الزيادة في كلفة الدعم والتي فاقت أو تفوق قدرة الحكومة على تحملها.
ولمعالجة هذه الأزمات لجأت الحكومة الى فرض الضرائب والرسوم لتحقق زيادة في إيراداتها. وكانت ضريبة المبيعات أهم هذه الضرائب. وكذلك لجأت الحكومة الى خصخصة العديد من المؤسسات الخدمية لأن قدرتها على الاستثمار فيها أو تمويلها لم تعد متوفرة. واضطرت الى طرح العطاءات الكبيرة على أسس BOT للحد من الزيادة في المديونية الخارجية.
ولكل إجراء، مؤيدون ومعارضون وهذا حق ولكن تبقى مسؤولياتنا الوطنية هي الأساس. وهي تدفع كل واحد منكم، يحمل الهم الوطني في قلبه، الى محاولة إيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية بعد دراسة البدائل المتاحة، بصورة علمية ودقيقة وشاملة للأبعاد الاجتماعية لهذه الحلول.

الأخوة الأفاضل
الحديث عن حث الدول العربية والصديقة على زيادة مساعداتها للأردن أو تقديم النفط بأسعار تفضيلية، يقع ضمن التمنيات وليس الحلول. وكذلك الحديث عن إعفاء الأردن من ديونه. فلكنا نعلم بجهود جلالة الملك المعظم في هذا المجال. فجلالته في حراك مستمر واتصالات لا تنقطع مع هذه الدول لتحقيق ذلك.
وقد حقق نجاحات كان آخرها شراء ديون نادي باريس بخصم مقداره 11% ومبادلة الديون الألمانية باستثمارات محلية. ولا يستطيع أحد ان يفعل اكثر من ذلك من دون ان يكون هناك ثمن باهظ جداً قد يؤثر على مبادئ الأردن ومواقفه القومية وربما على سيادته.
وفي رأيي أن الحل يكمن بوضع برنامج إصلاح وطني اقتصادي اجتماعي شامل يتضمن:-
1- معالجة مشكلة الدعم المزمنة في الموازنة العامة، وصولا الى إلغاء الدعم عن السلع وتعويض المستحقين. على أن يتم ذلك خلال فترة زمنية معقولة.
2- توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني وإنتاجيته من خلال تشجيع الاستثمار وتحفيز الاستثمارات التي لها عائد مباشر على العمالة والطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
3- تطوير القوى البشرية وزيادة تأهيلها ورفع قدراتها الإنتاجية.
4- وضع خطة لخفض العجز في الموازنة العامة لتصل الى حدود مقبولة.
5- التعامل بشفافية مع مصادر الأردن الطبيعية وخاصة المياه واستعمالاتها.
6- إيجاد آليات للمحافظة على أموال المواطنين ومدخراتهم وتفعيل الدور الرقابي للمؤسسات المعنية بذلك.
7- تشديد المراقبة على الأسعار ونوعية الغذاء والدواء.
8- تطوير القضاء.
9- التعامل مع القضايا الاجتماعية بجدية وشمولية ومعالجة التحديات الحياتية التي تواجه ذوي الدخل المتدني او الذين يقعون تحت خط الفقر، بأسلوب يحفزهم على العمل، ويحافظ على كرامتهم، ويؤمن لهم أساسيات الحياة من مأكل ومسكن وملبس.
10- تنمية ثقافة المسؤولية الاجتماعية عند القطاع الخاص .
11- المحافظة على المؤسسات الدستورية واستقلالها والفصل بين صلاحياتها .
12- تعزيز قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للمحافظة على أمن واستقرار الأردن.
وهذا الحل يحتاج الى جهد وطني يراعي، عند تطبيق بنوده، قدرة تحمل الحكومة، كما يراعي قدرة تحمل المواطن، كل حسب إمكانياته.
الأخوة الكرام
وانطلاقا من هذه الحقائق، ومن القناعة بهذا الحل لمشاكلنا الاقتصادية، ومن مفهوم أن السياسة والاقتصاد هما لخدمة المواطن والمجتمع، وأن الاحتياجات الاجتماعية لا يمكن تجاهلها، وأن مبدأ العدالة والمساواة لا يسمح بتجاهل فئة من مجتمعنا لحساب فئة اخرى. من كل هذا جاء تقرير اللجنة المالية لمجلس الأعيان الموقر. وأوضح التقرير التجوهات المزمنة في الموازنة العامة، ووضع، من خلال التوصيات، مقترحات لبدائل قد تساعد على حل هذه المشكلات، وانتهى الى ملاحظات هامة حول أولويات الموازنة بهدف توضيح الصورة، ولفت نظر المسؤولين إلى ما يمكن اعتباره تناقضاً مع الأولويات المطروحة أو أنه لا يتوافق معها.

الأخوة الأفاضل
علمت ان تقرير اللجنة قد تم توزيعه على الحاضرين وهو بين أيدكم الآن لمناقشته. وأنا جاهز للإجابة على استفساراتكم حوله، مؤكداً لكم أنني، في مناقشاتي وإجاباتي، أتكلم بأسمي شخصياً، ولا أتكلم بأسم الأعيان أو اللجنة المالية والاقتصادية.
وأخيراً يسعدني أن أشارك في هذا اللقاء، وأن أكون بين هذه النخبة من أبناء الوطن، وأشكر المركز على هذه الدعوة وعلى ترسيخ مفهوم الحوار الهادف البناء لمعالجة قضايا الوطن.
حفظ الله الأردن قوياً منيعاً، وشعب الأردن الأصيل، وآدام علينا نعمة الأمن والاستقرار بفضل قيادتنا الهاشمية وقدرة جلالة الملك المعظم على استشراف المستقبل ورؤيته الواضحة لمستقبل الأردن المزدهر الذي ينعم به كل مواطن بالحرية والعدالة والحياة الكريمة.
شكراً لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*ورقة عمل قدمت في ورشة قراءات في الموزانة العامه لعام 2008 التي نظمها مركز القدس للدراسات السياسية في 9 فبراير 2008