A+ A-
الجماعة الإسلامية على المفترق الخطر
2002-07-25
من إشهار السلاح إلى مد يد المصالحة المخاض ... المصالحة ... احتمالات الانقسام
فتح قرار الجماعة الاسلامية في مصر وقف العنف والاتجاه الى العمل السلمي صفحة جديدة في ملف العلاقات الشائكة والمتوترة بين أجنحة الأمن المصرية وهذه الجماعة، وكانت بداية لتحولات أخرى على صعيد هذه العلاقة التي كانت فترات المد والتصعيد فيها أكثر من فترات الجزر والهدوء.
ومن أبرز هذه التحولات قيام ثمانية من القادة التاريخيين لتنظيم "الجماعة الاسلامية" يقضي سبعة منهم عقوبة بالسجن في قضية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، من اعداد "أبحاث شرعية" طرحوا فيها رؤيتهم لمستقبل الحركات الاسلامية والأسباب التي دعتهم الى تغيير استراتيجية الجماعة والدعوة الى اعتماد العمل السلمي بدل العمليات المسلحة، وكان الثمانية وهم أعضاء في "مجلس الشورى" أطلقوا في تموز (يوليو) 1997 مبادرة سلمية ناشدوا فيها زملاءهم المقيمين في الخارج وأعضاء الجناح العسكري الفارين في مصر وقف العمليات المسلحة داخل مصر وخارجها.
وأحدثت مبادرتهم ضجة كبيرة في أوساط الاسلاميين حتى أصدر مجلس شورى الجماعة في آذار (مارس) 1999 قرار بوقف العمليات المسلحة.
وستظل هذه المبادرة السلمية أهم تحول في مسيرة الجماعة الاسلامية وتأتي أهميتها من كونها صدرت من قادة أكبر تنظيم راديكالي في مصر اطلع عناصرة بأكثر من 90% من عمليات العنف التي وقعت داخل البلاد في عقد التسعينيات بدءا من اغتيال رئيس مجلس الشعب السابق رفعت المحجوب في تشرين الأول (أكتوبر) 1990 وحتى مذبحة الأقصرالتي وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1997.
والأسس التي استند اليها القادة التاريخيون في مبادرتهم السلمية، واعتبروا أن المبادرة "تحولت الى رأس جسر يحتشد من خلفه كل أبناء الجماعة وكلهم أمل في أن ينفضوا عن أكتافهم اثر الأيام العصيبة ليعودوا الى مهمتهم الأصلية كدعاة الى الله يشاركون في هداية الخلائق الى طريق الله القويم".
ولفتوا الى أن المبادرة "تتنامى على مهل" وقالوا:- "هكذا توقفت العمليات والدماء حقنت والمناخ رجع أكثر استعدادا للوصول لحل المشكلة التي سببت كل هذه الأحداث وهي مشكلة المعتقلين وبدأت أصوات المتشككين تتخافت وهي ترى الأيام تمر فتزيد من تأكيد صدقنا وحرصنا على الوفاء بعهودنا التي قطعناها على أنفسنا، رغم ما تعرضت له المبادرة من اختبارات وانتكاسات وضغوط".
ولكن القادة التاريخيين "الجماعة" عادوا ليأكدوا أن المبادرة ليست مقايضة بين دين وعرض زائل في الدنيا، وليست مقاطعة بين السعي الى اعلان دين الله وشريعته وبين دنيا رخيصة القيناها خلف ظهورنا.
ثم بدأوا في رصد أسباب تحولاتهم، تحت عنوان "المصلحة والمفسدة" اورد آيات قرآنية وأحاديث نبوية ومواقف في التاريخ الاسلامي تؤكد صحة ما ذهبوا اليه وخلصوا "الى ضرورة" اعتماد المصالح في أي عمل ياتيه المسلم أو الجماعة الاسلامية.
والهدف الذي سعوا لتحقيقه "ولا بد أن نقوم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف، وأن هدفنا الأسمى هو ما جاء به الرسل أقوامهم، هدفنا تعبيد المناسب لربهم".
وكانت القضية المحورية التي ركز عليها التنظيم في قضية الشيخ عمر عبد الرحمن حيث نشر تقرير مطول بعنوان "محنة خلف الأسوار ويجاهد في بلاد الأشرار"، وقد تفادى التنظيم أيضا توجيه تهديدات الى الولايات المتحدة رغم التعهد بالعمل على اطلاق سراحه.
وهذه المبادرة ذات أهمية كبيرة لا يوازيها سوى تحول التنظيم في العام الأخير من عقد التسعينيات من مجرد جماعة دعوية تمارس نشاطا سلميا شبه علني الى تنظيم سري كان أول أعماله اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في تشرين (أكتوبر) 1981 بعدما عقدت الجماعة حلفا مع "تنظيم الجهاد" كانت بداية أعمال الحلف حادثة المنصة، التي كشفت للأجهزة الأمنية أن الجماعة لم تكن "مجرد بعض البؤر في الكليات الجامعية والمناطق العشوائية في الأحياء الفقيرة" وانما شبكة تمتد جذورها وفروعها الى غالبية المدن المصرية، وتحظى في الصعيد خصوصا بحضور قوي وانتشار كثيف.
خرجت المبادرة الى النور بعد ولادة عسيرة واحتاج التزام الجماعة بها قرارات أخرى مصيرية واجراءات لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تقوم الجماعة بها.
ويموج تنظيم الجماعة الاسلامية بتفاعلات شديدة وعلى رغم قرار وقف العمليات المسلحة فان بيانات ومقالات حملت لهجة متشددة نشرت في الأشهر الماضية بتوقيع المسؤول السابق لمجلس الشورى في الجماعة رفاعي أحمد طه تسببت في تفسيرات خاطئة لموقف الجماعة من بعض القضايا ما دعا المسؤول الحالي لمجلس الشورى مصطفى حمزة الى الخروج من صمته وتأكيد أن التنظيم ملتزم بالمبادرة السلمية ولم يتراجع عنها.
ومنذ أطلق القادة السجناء مبادرتهم السلمية تعرض أصحاب التوجه السلمي في التنظيم لاختبارات صعبة كان أولها مذبحة الأقصر الشهيرة خاصة أن هذه المجزرة تمثل منعطفا خطيرا في عنف الجماعات الاسلامية ينقله من حدود العنف العشوائي غير المنظم سياسيا والمرتبط بمفهوم "دفع الفصائل" أو رد الاعتداء الى حدود العنف الارهابي المرتبط بأولويات سياسية محددة وهي في ذلك تسمح الحديث عن نوعية عنف الجماعة الاسلامية ما قبلها وأشكالها النوعية المختلفة والمحتملة ما بعدها ووضع المستقبل في دائرة الاحتمالات حيث وقعت هذه المجزرة بعد أسابيع من اطلاق المبادرة، ما اعتبر وقتها ردا عمليا على دعاة وقف العنف من قادة الجماعة، وبعد صدور المبادرة تصاعدت وتيرة الخلافات ما بين قيادات الداخل التي أيدت قيادات الخارج الذين عارضوا الجماعة الاسلامية، وظهرت لهجة مختلفة حين بدأ الحديث عن أوضاع قادة الخارج الذين تمكنوا من ترتيب أوضاعهم في الدول التي يعيشون فيها بالحصول على حق اللجوء السياسي أو الاقامة الدائمة وما يتمتعون به من ثراء وحرية وقد أدى مجمل ذلك الى وضعهم في واد وبقية التنظيم في واد آخر.
وأفرزت الحادثة تفاعلات شديدة داخل الجماعة بعدما تبناها مسؤول مجلس الشورى في التنظيم رفاعي أحمد طه ورفضها واعتذر عنها قادة بارزون آخرون من بينهم أسامة رشدي "لاجئ في هولندا"، ودخل الاثنين في معارك كلامية وعلنية انتهت ببيان أصدره مجلس شورى الجماعة في شباط (فبراير) 1998 أعلن أن قادة التنظيم تجاوزا خلافاتهم وأن المجلس يدرس التعاطي بايجابية مع مبادرة القادة التاريخيين السلمية.
كشفت مصادر أصولية مطلعة لـ"الشرق الأوسط" عن وجود انقسام داخل "الجماعة الاسلامية" المصرية بسبب المراجعات الفكرية التي أطلقها القادة التاريخيون للجماعة وقالت المصادر أن هناك اتفاقا عاما حول مبدأ رفض العنف الذي أعلنته الجماعة خلال مراجعاتها التي جاءت عبر أربعة كتب صدرت تحت مسمى "سلسلة تصحيح المفاهيم". لكن الخلاف الأساسي داخل الجماعة يتمحور حول اعلان الجماعة تخطي كل ممارساتها السابقة، في ظل توقعات بأن هذا الموقف جاء ضمن اتفاق مع الدولة في مصر.
وتشير مصادر مقربة من الجماعة الاسلامية الى ظهور حالة تذمر بين أعضاء الجماعة داخل السجون والذين بدأوا في اتهام القادة بتحقيق مصالحهم الخاصة داخل السجون والاستفادة من اطلاق كتب المراجعات في اخلاء سبيل أقارب قادة الجماعة الاسلامية المسجونين خاصة أن قرار الافراج عن رموز الجماعة وقادتها بعد اطلاق كتب المراجعات الفكرية جاء كمحاولة لنزع فتيل الأزمة واسهام هذه القيادات في تهدئة أنصار الجماعة واقناعهم بجدية التحولات واطلاقها عبر قنوات فقهية وتنظيمية من دون ضغوط خارجية.
وتشير المصادر الى أن محور مناقشات حادة حدثت داخل السجون بين قادة الجماعة الاسلامية وباقي العناصر وطالت الاتهامات أسماء كبيرة من التنظيم مثل كرم زهدي الذي يعد القائد الحقيقي للجماعة بعد الافراج عن شقيق زوجته محمود شعيب والذي يعد من صقور الجماعة، كما طالت الانتقادات أيضا ناجح ابراهيم الذي يعد الرجل الثاني في تنظيم الجماعة الاسلامية بعد الافراج عن جميع اخوته داخل السجن وعلى رأسهم أحمد ابراهيم، وطالت الانتقادات قادة الجيل الثاني مثل صفوت عبد الغني المتهم الأول في حادثة اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب المصري عام 1989 افرج عن شقيقه عبد الغني.
الجدير بالذكر أن الجماعة الاسلامية التي تعتبر تنظيم للمتشددين في مصر قد أصدرت قرار وقف العمليات المسلحة من جانب واحد في مبادرة أطلقها القادة التاريخيين لها في تموز 1997 وهو ما أدى الى خلافات في الرأي بين قادة الجماعة وانقسامهم الى جناحين: الأول مؤيد للوقف الشامل للعمليات المسلحة داخل مصر وخارجها ومن أبرز رموز القيادات التاريخية المسجونة في سجن طرة ويقضون عقوبة السجن في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات ومنهم كرم زهدي، ناجي ابراهيم، عصام دربالة، عاصم الماجد، أسامة الحافظ، حمدي عبد الرحمن فؤاد الدواليبي، علي الشريف، وعبود الزمر الموجود حاليا في سجن أبو زعبل، وقسم من أعضاء مجلس الشورى الجماعة في الخارج والذي يرأسه مصطفى حمزة. ويرى هذا الفريق أن الأوضاع مع المبادرة ستسير نحو الأفضل خاصة بعد الافراج عن قرابة 1500 معتقل من الجماعة لأول مرة منذ عام 1995، اضافة الى وقف عمليات التعذيب والاعدام والتخفيف من حدتها على الأقل، وقبل هذا وذلك، فان طريق العنف ذاته وصل الى طريق مسدود وفي ظل العولمة والتعاون الأمني العربي.
أما الجناح الثاني الذي يرفض المبادرة فهو يتشكل أساسا من قادة الجماعة في الخارج وأبرز رموزه رفاعي أحمد طه المسؤول السابق لمجلس الشورى والذي يعتقد أنه يقيم في أفغانستان، وهو مطلوب للسلطات المصرية ضمن قائمة تضم 4 أسماء من قادة الأصوليين الذين تطالب مصر بتسليمهم من الخارج، وصدر بحقه حكما غيابيا في قضية "العائدون من أفغانستان"، وتفيد مصادر مقربة من التنظيمات الأصولية الى أن سبب تشدده هو قربه من أسامة بن لادن وايمن الظواهري زعيم جماعة الجهاد المصرية السابق.
واحتاج قادة الجماعة الى سنة كاملة حتى صدر قرار انهاء العنف مرت بهم خلاله خلافات عنيفة انتهت الى اجراء تغيرات على تشكيل مجلس الشورى ليحل القيادي البارز مصطفى حمزة محل طه قائدا للجماعة، ولم يكن خافيا أن طه ظل على موقفه معارضا للتوجه السلمي وقام باصدار بيانات وكتابة مقالات نارية سببت كثيرا من اللغط حيث كانت وسائل الاعلام الغربية تحسب موقفه على أنه موقف الجماعة.
وظهرت الخلافات على السطح مجددا حيث اضطر مصطفى حمزة والذي لم تخل قضية واحدة منذ تفجر أحداث العنف في مصر في ربيع عام 1992 من اسمه باعتباره ساهم في تدريب عناصر الجناح العسكري للجماعة الاسلامية ممن أقاموا في أفغانستان أو أصدر التكليفات لهم، يقود حاليا التيار السلمي في الجماعة في مواجهة التيار المتشدد والذي يتزعمه رفاعي أحمد طه، حيث اضطر حمزة المعروف بعزوفه عن التعاطي مع وسائل الاعلام الى الخروج من صمته ليوضح عبر "الحياة" ان طه يعبر عن نفسه وأن الجماعة مستمرة في نهجها السلمي.
وتؤكد بعض المصادر أن اعتراض جزء من قادة الخارج لم يكن على مشروعية المبادرة من حيث المبدأ وانما تركزت معارضتهم على الاعلان، أي أنهم من أنصار المبادرة ومع ممارسة وقف العمليات فعليا دون الاعلان عن ذلك، وقد عكست الخلافات ما بين الجماعة والجهاد نفسها على تعامل الحكومة المصرية مع كل منهما ففي الوقت الذي تمارس فيه التشدد مع الجهاد وتستعد لاحالة المئات من المتهمين بعضويته الى المحاكم العسكرية وتتسلم أعداد كبيرة منهم في الخارج تحت شعار "العائدون من اليمن"، "العائدون من الكويت" ...الخ قامت بمبادرة ايجابية تجاه الجماعة الاسلامية تمثلت باطلاق سراح حوالي 1200 من أعضائها المعتقلين في السجون في اطار قانون الطوارئ في خطوة اعتبرت ردا على مبادرة الجماعة ونوعا من الحوار الغير مباشر.
ويكشف استقراء المرجعية الفكرية والحركية للجماعات الاسلامية في مصر - كما يقول ضضياء رشوان- المحلل السياسي بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام القاهرية - عن انقسام تلك الجماعات الى فئتين رئيسيتين:
الفئة الأولى: الجماعات الاسلامية – جرى العرف الأمني والاعلامي على تسميتها بجماعات العنف، او الجماعات الارهابية، وعند هذه الجماعات لا تمثل السياسة هما أساسيا الا بقدر تماسها مع الأفكار التي تتبناها مع الاتفاق بينها على أن المجتمعات الاسلامية تعيش حالة من الكفر أو الجاهلية.
اما الفئة الثانية: الجماعات السياسية والاجتماعية ذات الايديولوجية الاسلامية –فيكمن الفارق الأساسي بينها وبين الأولى، في أنها تضع السلطة ضمن مفردات حركتها، وتتبنى برنامجا للاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي مؤسسا على مرجعية اسلامية تراه الأفضل الفرد والمجتمع والدولة، وهذه الجماعات لا تتبنى منهج التكفير بل تعتقد أن المجتمع الاسلامي غير كامل الاسلام، ويحتاج الى اعادة صياغته تشريعيا بمقتضى الرؤية الاسلامية، وتعد جماعة الاخوان المسلمين – طبقا لرؤية المحلل السياسي – هي الأكثر تعبيرا عن هذه الفئة في العالم الاسلامي.
وتنبع أهمية قرار وقف العنف من دلالاته الفكرية، فقد أسست الجماعة الاسلامية ممارساتها العنفية على اعتبار أن المجتمع جاهلي او كافر، ويعني قرارها – بالتبعية – أن الأساس النظري لحركتها قد طاله التغيير أيضا.
حظيت مبادرة وقف العنف بمباركة وتأييد من الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن الذي يعتبر الأب الروحي وزعيم "الجماعة الاسلامية" والتي تعد أكبر الجماعات الأصولية في مصر والذي يقضي حكما بالسجن في أحد السجون الأمريكية، وكان لهذه المباركة أهميتها لأعضاء قوة دفع واستمرار ليس لقدرات حركية أو تنظيمية يتمتع بها بين الاسلاميين بمختلف انتماءاتهم التنظيمية يتخطى كونه زعيما روحيا لتنظيم "الجماعة الاسلامية" الذي نفذت عناصره عددا كبيرا من عمليات العنف داخل مصر، بدءا من اغتيال الرئيس أنور السادات وانتهاءً بمذبحة الأقصر الشهيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 1997.
وتكفي الاشارة الى أنه حينما تبنت منظمة "الجيش الاسلامي العالمية" لقتال اليهود والصليبيين التي أسسها أسامة بن لادن والزعيم السابق لجماعة "الجهاد" المصرية الدكتور أيمن الظواهري، وجماعتان في باكستان، وأخرى من بنغلادش، عملية تفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام، احتل اسم عبد الرحمن مكانا بارزا في البيان الذي أصدرته لتبني العملية كواحد من علماء المسلمين الذين يعانون في سجون أمريكا.
وحينما أطلق القادة التاريخيون "الجماعة الاسلامية" في تموز (يوليو) 1997 مبادرتهم السلمية ظلت الاعتراضات عليها من جانب زملائهم من أعضاء "مجلس الشورى" المقيمين في الخارج تتصاعد حتى جاء عبد الرحمن وأصدر بيانا من داخل سجنه مثل دعما كبيرا لأصحاب المبادرة باعلان تأييده، كما وجد معارضو المبادرة أنفسهم في موقف صعب، اذ لا يمكنهم معارضته توجهات عبد الرحمن فاضطروا الى تغيير مواقفهم وحتى أكثر المتشددين منهم رفاعي أحمد طه، نزل على رغبة الغالبية، وآثر الصمت ولم يستطع أن يوقف التيار المؤيد للتوجه السلمي حتى صدر قرار التنظيم في آذار (مارس) 1999 بوقف العمليات العسكرية داخل مصر وخارجها وقفا شاملا.
وأرسل الشيخ عبد الرحمن رسالة للقادة التاريخيين حول قرار سحبه تأييد مبادرة وقف العنف وقد دفعت الخلافات التي شهدتها الجماعة الشيخ عمر لاصدار بيان ثاني يؤكد فيه موقفه في سحب تأييد المبادرة.
وبرر الشيخ عمر عبد الرحمن موقفه الجديد وذلك من خلال تصريحاته أن المبادرة لم تسفر عن أية نتائج ايجابية للوصوليين وقال:"أنه لم يحدث أي تقدم، فآلاف المعتقلين لا يزالون معتقلين والمحاكمات العسكرية مستمرة، وعمليات الاعدام لا تزال تنفذ"، وصدر عنه أيضا "على الرغم من أن الحكومة المصرية مستمرة في ابقاء المعتقلين وقتل الأبرياء، والسجن العشوائي ومهاجمة المنازل وغير ذلك من الجرائم الفظيعة التي ترتكبها فانني لم ألغ المبادرة ولكني سحبت تأييدي لها وتركت الأمر لأخوتي في النظر فيها وفي جدواها وهم أدرى بمواقفهم أكثر مني فهم الذين يعيشونه، كما طلبت منهم أن لا يصادروا أي رأي في الجماعة مهما صدر عن قلة كما هو شأن الجماعة منذ أن وجدت". "واني بعد أن بينت موقفي واضحا جليا لا لبس فيه اطالب اخوتي وأبنائي أن يلتزموا الصمت بعد بياني وأن يتقوا الله فيما يقولون".
وقد ظهرت بوادر خلافات جديدة داخل تنظيم "الجماعة الاسلامية" في مصر بعد ما سحب زعيم الجماعة الدكتور عمر عبد الرحمن تأييده للمبادرة السلمية خاصة أن "الجماعة الاسلامية" تعيش منذ اطلاق المبادرة، تفاعلات وخلافات بين فريقين الأول يتزعمه مصطفى حمزة ويمثله غالبية كانت وراء قرار أصدره التنظيم في آذار (مارس) 1999 قضى بوقف شامل لعمليات العنف داخل وخارج مصر، في حين يتزعم القيادي رفاعي أحمد طه جناحا متشددا يرفض المبادرة ويرى أنها لم تحقق شيئا للجماعة.
ويرى مراقبون في العاصمة أن سحب تأييد الشيخ عمر عبد الرحمن للمبادرة يشكل دعما للجناح المتشدد الذي يتزعمه رفاعي طه وان أكد أن الجماعة ستستمر في "العمل على تغيير النظام" ومستندا في رأيه أنه لا توجد فرصة أمام الجماعات للتحول.
وأظهرت ردود الفعل على تراجع عبد الرحمن عن موقفه وسحب تأييده للمبادرة اهتمام وسائل الاعلام لكل ما يخرج عنه من كلمات كانت سلما أم حربا، وليس فقط لما ينتج عنها من سياسات وأفعال من جانب أتباعه، ولكن أيضا لما يمكن أن يؤثر عليه هو نفسه وهو بحسب قوله يعاني حصارا لم يفرض على أي سجين آخر في أمريكا.
ولد الشيخ عبد الرحمن في 3 أيار (مايو) 1938 في قرية الجملية التابعة لمحافظة الدقهلية التي تبعد 120كم عن القاهرة، وأصيب بمرض السكري مما أفقده البصر بعد عشر شهور من ولادته. وفي مدينة دمياط القريبة درس الابتدائية والاعدادية والثانوية في مدارس تابعة للأزهر ثم التحق في جامعته وتخرج من كلية أصول الدين التابعة له عام 1995، وفي أثناء دراسته تعرف على أفكار "اخوان المسلمين" لكنه لم ينضم اليهم واعتقل عبد الرحمن ثم فصل في العام التالي من الأزهر نتيجة آرائه المتشددة التي كانت ذروتها فتوى أطلقها بعدم جواز الصلاة على جثمان جمال عبد الناصر لأنه كافر، مما جعل السلطات تعيد اعتقاله في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1970، وقضى عبد الرحمن ثمانية أشهر في سجن القلعة ثم أطلق، وعمل مدرسا في معهد محافظة المنيا ثم جامعة أسيوط، وحصل على الدكتوراه في الفقه عام 1980، وبعد عودته التقى أعضاء في مجلس الشورى "الجماعة الاسلامية" في مدينة الفيوم حيث عرضوا عليه امارة الجماعة لحرصهم على وجود مرجعية شرعية لهم فرفض في البداية ثم خضع لرأيهم وتولى المنصب. وفي وقت لاحق دخلت "الجماعة الاسلامية" في تحالف مع تنظيم "الجهاد" وقبل الطرفان ببقاء عبد الرحمن زعيما وأميرا ومفتيا للتحالف الذي تولى عملية اغتيال السادات. تحدث عبد الرحمن على طريقته: "لم أفتِ بمقتل السادات، وهل يحتاج السادات الى فتوى؟". ودافع عن نفسه لأكثر من 8 ساعات أمام المحكمة التي قضت ببراءته ومتهم آخر من بين 24 متهما لعدم توافر القرائن.
غادر عبد الرحمن عام 1990 الى السودان، وهناك حصل على تأشيرة دخول الى الولايات المتحدة الأمريكية التي سافر اليها واتخذ من مسجد السلام في مدينة جيرسي مركزا لنشاطه الى أن قبض عليه عقب تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك في 26 شباط (فبراير) 1993، بعدما استخدمت السلطات الأمريكية واحد من أتباعه هو عماد سالم شاهد ضده، وخلال المحاكمة دافع الشيخ عمر عن نفسه مرة أخرى، لكن المحكمة الأمريكية قضت عليه عام 1995 بالسجن مدى الحياة بتهمة التورط في تفجيرات نيويورك، وتم نقله الى سجن مانهاتن ومنه الى سجن ولاية مينستونا، بعدما ساءت حالته الصحية ليكون قريبا من مركز صحة هناك.
وفي محاولة للتخفيف من وطأة تصريحات الشيخ عمر عبد الرحمن والتشكيك فيما قالته محاميته ستيوارت، أوضح منصر الزيات أن الشيخ عبد الرحمن والذي تحدث عن معاناته وأمور معيشته تخص أسرته منها معاشه التقاعدي من جماعة الأزهر وفي أسطر قليلة حسب رسالة الشيخ عمر التي رفض اطلاع الصحفيين عليها "دعاه قادة الجماعة في داخل مصر الى مراجعة نتائج مبادرة وقف العنف واعادة النظام فيها وليست التراجع عنها"، وهو ما يؤكد صحة جوهر تصريحات الشيخ عبد الرحمن وموقفه الجديد تجاه مبادرة وقف العنف.
وفي 25 من حزيران (يونيو) 2000 نقلت مصادر اسلامية في لندن بيانا للشيخ عمر عبد الرحمن أكد فيه "ان كل التصريحات التي نسبت الي على لسان محاميتي لين ستيوارت، صحيحة وصادرة عني بالفعل".
ومن جانب آخر رفض أحد مؤسسي "الجماعة الاسلامية" وأحد قادتها التاريخيين المطلق السراح في مصر، صلاح هشام، أن يكون الزعيم الروحي للجماعة الاسلامية عمر عبد الرحمن قصد توجيه رسالة لأعضاء جماعته للتراجع عن مبادرة وقف العنف واصفا بيان الشيخ عمر عبد الرحمن الأخير بأنه أقل وطأة من التصريحات التي جاءت على لسان محاميته، اذ أنه حدد موقفه بشكل فردي من سحب المبادرة وترك لقادة الجماعة حرية اتخاذ قرارهم وفقا لمعطيات الواقع الذي يعيشونه.
ولقد نفى هاشم حدوث انقسامات داخل جماعته وتأكيده أن بيان عمر عبد الرحمن الأخير كان أفضل تأثيرا في مضمونه، فانه لم ينف أن تمسك عمر عبد الرحمن بسحبه لتأييد المبادرة قد يلقى استجابة من بعض أعضاء جماعته لاتخاذ ذات الموقف.
وأشار الى أن القادة ردوا برسالة الى الشيخ عرضوا فيها جوانب ايجابية حققتها المبادرة من بينها توقف المحاكمات العسكرية ووقف حملات الاعتقالات العشوائية وتحسين أحوال السجون واطلاق أعداد كبيرة من عناصر الجماعة وخصوصا المسنين والمرضى منهم وعدم احتجاز الرهائن ووقف التعذيب في السجون ورأء القادة في رسالتهم أن استمرار حالة الهدوء سيؤدي الى نتائج ايجابية.
وتابع أن عملية المراجعة تتم من خلال ثلاث آليات الأولى من قادة الجماعة في السجن الذين بعثوا برسالة تتضمن موقفهم من المبادرة ووقع هذه الرسالة ناجح ابراهيم وعلي الشريف وعصام دربالة وحمدي عبد الرحمن وفؤاد الدواليبي وكرم زهدي وعباس عبد الماجد، واللافت أن القيادي عبود الزمر لم يكن ضمن الموقعين على الرسالة، والآلية الثانية لتقييم المبادرة تتم من خلال تقرير يعده صلاح هاشم وهو أحد مؤسسي الجماعة الموجودين في مصر خارج السجن والثالثة من خلال منتصر الزيات نفسه.
والسلطات المصرية كانت قد نفت أن يكون لها دور في اطلاق مبادرة وقف العنف ولا سيما أن "الجماعة الاسلامية" كانت قد دعت لوقف العنف من جانب واحد وقد صدر ذلك بشكل مباشر عن طريق القادة التاريخيين "للجماعات الاسلامية" ومصادر دبلوماسية مصرية قالت أن الحكومة لم تبرم اتفاقا مع هذه الجماعات ولم تتفاوض معها أساسا وقالت أن وزير الداخلية الأسبق اللواء عبد الحليم مرسي كان قد أعفي من منصبه عندما بادر للحوار مع الجماعات المتطرفة، حيث كان يطمع اللواء مرسي لحملها على نبذ العنف، الا أن هذه الخطوة التي قام بها المسؤول المصري كانت تتعارض مع الخطاب الرسمي الذي يرفض التفاهم أو الحوار مع من يدهم ملوثة بدماء الأبرياء. ولكن أشارت أنباء أن نيابة أمن الدولة في مصر قامت بتوجيه خمس اتهامات الى مؤسس "الجماعة الاسلامية" في مصر المهندس صلاح هاشم بتهمة السعي الى افشال المبادرة السلمية للتنظيم.
ومن جهة أخرى قال "موقع المحروسة" على شبكة الانترنت الذي يديره القيادي البارز في "الجماعة الاسلامية" أسامة رشدي أن نيابة أمن الدولة وجهت الى مؤسس التنظيم صلاح هاشم عدة تهم كان من أبرزها السعي لافشال المبادرة السلمية للجماعة الاسلامية وتلقى انتقادات من عناصر الجماعة في الخارج ليروجها على عناصر الداخل في السجون وخارجها.
وأشار المصدر نفسه أن هشام كان يعرض بشكل سري على النيابة اذ لم يتمكن أحد من المحامين حضور التحقيقات معه.
وهذه الأنباء تشكل أهم الدلائل والمؤشرات على ضلوع السلطات المصرية بالمبادرة وما ورد فيها.
وقعت مجزرة قصر المنتزه بعد أسابيع من اطلاق مبادرة وقف العنف، مما اعتبر وقتها ردا عمليا على دعاة وقف العنف من قادة الجماعة وهي من أبرز العمليات التي استهدفت كبار المسؤولين وضباط الشرطة وعكست هذه العملية أجواء المرحلة الجديدة التي تعيشها "الجماعة الاسلامية" وخاصة فيما يتعلق بعلاقتها مع نظام الحكم في مصر نفسها.
قصر المنتزه: هو المقر الصيفي لرئيس الجمهورية في الاسكندرية على ساحل البحر المتوسط وقد أثارت هذه العملية ردود فعل سلبية واسعة النطاق وداخل "الجماعة الاسلامية" نفسها نتيجة مقتل 508 سائحا وأربعة من المصريين، فان هذا الحادث هو الأول من نوعه وهنا خطورته وخاصة لجهة احتمال عودة العنف الى الساحة المصرية وانهيار وقف اطلاق النار الضمني القائم بين الجماعة والحكومة.
لا زالت مجزرة الأقصر تتفاعل خاصة أن سويسرا التي فقدت 35 من مواطنيها في هذه المذبحة هي من أكثر الدول المعنية بمعرفة أدق التفاصيل حول هذه العملية تمويلا واعدادا وتكليفا وتنفيذا، وفي هذا السياق قام أورس فون داينكن والنائب العام كارلا ديك بزيارة القاهرة للحصول على تقرير نهائي حول آخر ما توصلت اليه السلطات الأمنية واجابات لـ(116) سؤالا قدمها الجانب السويسري حول ملابسات العملية واشكالاتها.
داينكن أعلن أن معلومات الجانب المصري تؤكد وقوف أسامة بن لادن وراء تمويل هذه العملية وأن القائد العسكري للجماعة الاسلامية، مصطفى حمزة والذي كان يعيش في السودان ثم غادرها ويعتقد أنه حاليا في أفغانستان، هو الذي أعطى بشكل مباشر أو غير مباشر أوامر التنفيذ.
ومن المعروف أن ثلاث أحكام غيابية بالاعدام صدرت بحق حمزة، الأولى قضية "العائدون من أفغانستان 1992"، والثاني 1994 اثر محاولة اغتيال وزير الاعلام المصري آنذاك صفوت الشريف والثالثة في قضية أحداث المنيا عام 1996 اضافة الى اتهامه في قضية محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا حزيران من نفس العام. ومصادر الجماعة الاسلامية تنفي تمويل ابن لادن للعملية او حتى علمه بها قبل وقوعها وتضيف أن العلاقة مع ابن لادن اقتصرت على اقامة معسكرات التدريب في أفغانستان وتسهيل السفر والتنقل لأعضاء الجماعات الاسلامية، ولكنها لم تشمل التخطيط لعمليات عسكرية داخل مصر أو تمويلها.
وتعتبر عملية "قصر المنتزه" من أكبر وأخطر العمليات التي خططتها الجماعات الاسلامية ولكنها لم تتمكن من تنفيذها، ويقوم سيناريو العملية على تفجير القصر بواسطة قوارب بحرية يتم اطلاق صواريخ وقذائف "آر.بي.جي." المضادة للدبابات ثم اقتحامه واغتيال مسؤولين داخله.
وأكدت المعلومات أن التنسيق بين قيادات الجماعة في السجن والخارج المكلفين بالتنفيذ استمر قرابة عشرة شهور بحثت خلاله مسائل التمويل والأسلحة وكافة القضايا المتعلقة بالتنفيذ الميداني لخطة الاقتحام.
وفي المعلومات أن أربعة من أعضاء الجناح العسكري لتنظيم الجماعةالاسلامية كانوا مختبئين في محافظة الجيزة/منطقة العمرانية/ شارع الهرم عندما حاصرت قوات الأمن وطلبت منهم تسليم انفسهمن الا أنهم رفضوا وحصلت معركة استمرت لمدة ساعة كاملة أدت الى مقتلهم وهم:
1- فريد سالم كدواني. وتعتبره السلطات المصرية القائد الحالي للجناح المسلح في الجماعة الاسلامية واعتبر مراقبون مقتله بأنه أكبر ضربة توجه الى الجماعة منذ مقتل القائد السابق للجناح العسكري طلعت ياسين همام في نيسان 1994 في معركة مع الشرطة في منطقة حدائق القبة.
وكدواني من مواليد عام 1966 في محافظة المنيا وحاصل على بكالوريوس التجارة ومتهم بتدبير وارتكاب 24 حادثا ارهابيا.
2- سعد نور الدين ابراهيم عبد الجليل. مواليد عام 1963 ومتهم بتدبير وارتكاب ثلاث حوادث ارهابية.
3- كسبان سيد محفوظ. مواليد 1977 ويعمل مبيض محارة ومتهم بتدبير وارتكاب 11 حادثا ارهابيا.
4- لم يتم تحديد شخصيته بعد.
وتفيد المصادر بأسماء المشمولين بقرار الاتهام والأحكام الموجهة اليهم:
الأشغال الشاقة المؤبدة صدرت بحق أربعة منهم:
1-أحمد اسماعيل الشيخ:
سبق اتهامه في عمليات ضرب السياحة وصدر الحكم ببراءته وأفرج عنه، وعقب خروجه من السجن شكل ثلاث مجموعات لتنفيذ هذه العملية بعد حصوله على موافقة قيادات الجماعة الاسلامية الذين التقاهم أثناء جلسة في سجن طرة وكذلك حصوله على مباركة قادة الجماعة الاسلامية في الخارج.
وأكدت مصادر مطلعة أن خطة مهاجمة القصر الرئاسي وضعت بعد شرح مفصل عن موقعه وتحصيناته ووسائل تأمينه والتي تمكنت قيادة الجماعة الاسلامية من الحصول عليها، لكن سلطات الأمن المصرية تمكنت من القاء القبض على المتهمين قبل البدء بتنفيذ مخططهم الذي جهزت له كمية كبيرة من الأسلحة والمتفجرات.
وقد أع