A+ A-
الجماعة الإسلامية في مصر هل تجنح للسلم أو للانشقاق ؟
2000-07-05

اعداد مركز القدس

أثار سحب الشيخ عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي للجماعة الاسلامية في مصر تأييده لمبادرة وقف العنف موجة من الجدل في صفوف الاوساط الاسلامية عبرت عن نفسها من خلال البيانات التي أصدرها اكثر من طرف ، كما أدى إلى عودة المخاوف من موجات عنف جديدة كتلك التي شهدتها الساحة المصرية في الفترة ما بين عامي 1992-1997 وأودت بحياة 1200 شخصا، معظمهم من المتشددين ورجال الأمن وبلغت ذروتها في حادثة الأقصر التي أدت إلى مقتل 58 سائحا أجنبيا و4 مصريين في تشرين الثاني عام 1979.
لين ستيوارت ، محامية الشيخ عبد الرحمن ـ والذي يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة في روشستر بولاية مينيسوتا الامريكية بعد إدانته في اتهامات بالتواطوء والتحريض في قضية تفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك والذي راح ضحيته 6 قتلى وحوالي الألف جريح ، ـنقلت تصريحا على لسان الشيخ أعلن فيه أن المبادرة لم تسفر عن أية نتائج إيجابية للإسلاميين وأضافت انه على الرغم من ان من أعلنوا المبادرة كانوا يتسمون بحسن النية الا ان الحكومة المصرية لا تتسم بحسن النية ، فلم يحدث أي تقدم … فآلاف المعتقلين لا يزالون معتقلين والمحاكمات العسكرية مستمرة .. عمليات الإعدام لا تزال تنفذ ، وخلصت إلى القول ان الشيخ عمر لا يريد من الناس ان يعلقوا آمالا على هذه العملية لأنها لا تحرز تقدما .
وفي الخامس والعشرين من حزيران الماضي ، نقلت مصادر اسلامية في لندن بيانا للشيخ عمر عبد الرحمن اكد فيه " ان كل التصريحات التي نسبت إلي على لسان محاميتي لين ستيوارت صحيحة ، وصادرة بالفعل عني ...وان أية تصريحات تدلي بها تعتبر منقولة عني " وذلك في إشارة إلى ثقته في محاميته التي لم تدخر جهدا في الدفاع عنه منذ عام 1994 وردا على محاولات التشكيك في صحة ما نقلته .
واضاف بيان الشيخ قائلا " على الرغم من ان الحكومة المصرية سائرة في غيها في ابقاء المعتقلين وقتل الأبرياء والسجن العشوائي ومهاجمة المنازل وغير ذلك من الجرائم الفظيعة التي ترتكبها فإنني لم الغ المبادرة ولكني سحبت تأييدي لها وبينت رأيي وتركت الأمر لأخواني في النظر فيها وفي جدواها ، وهم أدرى بواقعهم في فهم الذين يعيشونه " .
الجدير بالذكر ان الجماعة الاسلامية التي تعتبر اكبر تنظيم للمتشددين في مصر قد أصدرت قرار وقف العمليات المسلحة من جانب واحد في مبادرة أطلقها القادة التاريخيون لها في تموز 1997، وهو ما أدى إلى خلافات في الرأي بين قادة الجماعة وانقسامهم إلى جناحين : الأول يؤيد الوقف الشامل للعمليات المسلحة داخل مصر وخارجها ومن ابرز رموزه القيادات التاريخية المسجونة في سجن طرة ويقضون عقوبة السجن في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات ومنهم كرم زهدي ، ناجح ابراهيم ،عصام دربالة ، عاصم عبد الماجد ، اسامة حافظ ، حمدي عبد الرحمن ، فؤاد الدواليبي ، علي الشريف ، وعبود الزمر الموجود حاليا في سجن أبو زعبل ، وقسم من أعضاء مجلس شورى الجماعة في الخارج والذي يرأسه مصطفى حمزة . ويرى هذا الفريق ان الأوضاع مع المبادرة ستسير نحو الأفضل خاصة بعد الإفراج عن قرابة 1500 معتقل من الجماعة لاول مرة منذ عام 1990 ، إضافة إلى وقف عمليات التعذيب والإعدام أو التخفيف من حدتها على الاقل ، وقبل هذا وذاك ، فان طريق العنف ذاته وصل إلى طريق مسدود في ظل العولمة الأمنية والتعاون الأمني العربي الذي يجري بخطوات متسارعة ناهيك عن الأضرار البالغة التي ألحقها بمصر والجماعة ذاتها .
اما الجناح الثاني الذي يرفض المبادرة فهو يتشكل أساسا من قادة الجماعة في الخارج وابرز رموزه رفاعي احمد طه المسؤول السابق لمجلس الشورى والذي يعتقد انه يقيم في أفغانستان ، وهو مطلوب للسلطات المصرية ضمن قائمة تضم 14 اسما من قادة الأصوليين الذين تطالب مصر بتسلمهم من الخارج ، وصدر بحقه حكم بالإعدام غيابيا في قضية " العائدون من أفغانستان " ،وتفيد مصادر مقربة من التنظيمات الأصولية إلى ان سبب تشدده هو قربه من اسامة بن لادن وايمن الظواهري زعيم جماعة الجهاد المصرية السابق.
فقد اكد طه وكنيته أبو ياسر ، والذي تعتقد السلطات المصرية انه المسؤول العسكري للجماعات ، " ان الجماعة عندما اعلنت عن وقف عملياتها لم تقل انها تخلت عن موقفها المعادي والمناهض للسلطات المصرية " ، وأعرب عن تأييده لموقف الشيخ عبد الرحمن الجديد مضيفا : " ان قرار وقف العنف قرار بشري يمكن إلغاؤه ، لو تبين للأغلبية داخل الجماعة مصلحة في ذلك لا سيما بعد توجيهات عبد الرحمن الأخيرة التي سحب فيها دعمه للمبادرة ، حيث ان قيادات الجماعة اعتادت ان تحيط توجيهات الشيخ الضرير بالاهتمام اللائق بها " .
واللافت للانتباه ان الشيخ عبد الرحمن طلب في بيانه عدم مصادرة " أي راي في الجماعة مهما صدر عن قلة " وهي إشارة فهمت على انها موجهة إلى طه الذي يعارض التوجه السلمي للتنظيم .
ومن اللافت للانتباه ان مصطفى حمزة والذي لم تخل قضية واحدة منذ تفجر أحداث العنف في مصر في ربيع عام 1992 من اسمه باعتباره ساهم في تدريب عناصر الجناح العسكري للجماعة الاسلامية ممن أقاموا في أفغانستان أو اصدر التكليفات لهم ، يقود حاليا التيار السلمي في الجماعة في مواجهة التيار المتشدد الذي يتزعمه كما أشرنا رفاعي احمد طه . وتفيد المعلومات حول شخصية حمزة انه من مواليد 14-12-1957 في مدينة بني سويف ، وتخرج من الجامعة وحصل على بكالوريوس في الزراعة . وكان من المتهمين في قضية اغتيال الرئيس السادات وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات غادر بعدها إلى احدى الدول العربية ثم إلى أفغانستان . وفي عام 1992 صدر ضده اول حكم غيابي بالإعدام في قضية "العائدون من أفغانستان " ، وبعد اقل من سنتين صدر ضده حكم غيابي آخر بالإعدام في قضية محاولة اغتيال وزير الإعلام المصري آنذاك صفوت الشريف ، وفي نيسان عام 1998 صدر ضده الحكم الثالث بالإعدام في قضية أحداث "المنيا" التي نظرت فيها محكمة أمن الدولة العليا .
وفي نهاية عام 1996 أوردت السلطات المصرية اسمه في لائحة ضمت 14 أصوليا عبر تهمة " اخطر الإرهابيين المصريين المقيمين في الخارج " ، ويبدو ان ذلك ليس بعيدا عن الذي جرى في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا في 26-6-1995 ، أي محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك . حيث تقول بعض المصادر الأمنية المصرية انه ـ أي مصطفى حمزة ـ كان قائدا للعملية وقد تمكن من الفرار مع اثنين من زملائه هما حسين شميط وإسلام الغامري بعيدا عن الأراضي الأثيوبية بعد ان قتل حرس الرئيس المصري ثلاثة من أفراد المجموعة وطاردت قوات الأمن الأثيوبية البقية فقتلت ثلاثة آخرين . وقد أحدثت تلك العملية تداعيات كبيرة على مجرى العلاقات المصرية - السودانية ، حيث اتهمت القاهرة الخرطوم بإيواء حمزة وزميليه بعد فرارهم ، وأكدت أن خطة الاغتيال وضعت في الخرطوم .
وفي وقت لاحق ظهر حمزة في أفغانستان ، وتحدث من هناك مع صحيفة " الحياة " اللندنية، وكانت تلك هي المرة الوحيدة التي ظهر فيها علنا ويعتقد ان هدفه كان نفي التهمة عن اقامته في السودان .
ويرى مراقبون في العاصمة المصرية ان سحب تأييد الشيخ عمر عبد الرحمن للمبادرة يشكل دعما للجناح المتشدد الذي يتزعمه رفاعي طه والذي اكد ان الجماعة ستستمر في " العمل على تغيير النظام " ومستندا في رأيه إلى انه لا توجد فرصة امام الجماعات للتحول إلى أحزاب سياسية عندما اعلن " قلت في مرات عدة ان النظام لا يمكن ان يسمح للتيار الاسلامي بممارسة دور سياسي فاعل من خلال أحزاب معترف بها... لن يرضى النظام لاحد ان يشاركه لعبة الحكم "
وقد قلل منتصر الزيات المحامي المصري المعروف بتوليه قضايا الأصوليين في مصر من اهمية موقف طه ، واكد التزام الجماعة بمبادرة وقف العنف كخيار استراتيجي رغم قوله انها لم تحقق الأمنيات والغايات المنشودة .
والمعروف عن الزيات انه من المدافعين عن المبادرة ويرى انها جاءت استجابة لاسباب شرعية وضرورات موضوعية وهي ليست صفقة مع الأمن كما يذهب البعض أو موقفا تكتيكيا أو نتيجة لضعف أصاب الجماعة الاسلامية .
وفي محاولة للتخفيف من وطأة تصريحات الشيخ عمر عبد الرحمن والتشكيك فيما قالته المحامية ستيوارت ، أوضح الزيات ان الشيخ عبد الرحمن لم يلغ المبادرة وانه نقل رسالة إلى القادة السجناء من الشيخ عبد الرحمن والتي تحدث فيها عن معاناته وأمور معيشية تخص أسرته منها معاشه التقاعدي من جامعة الأزهر وفي اسطر قليلة حسب رسالة الشيخ عمر التي رفض اطلاع الصحفيين عليها " دعا قادة الجماعة في داخل مصر إلى مراجعة نتائج مبادرة وقف العنف واعادة النظر فيها وليس التراجع عنها " وهو ما يؤكد صحة جوهر تصريحات الشيخ عبد الرحمن وموقفه الجديد تجاه مبادرة وقف العنف.
المصادر الاسلامية تقول ان عملية المراجعة تتم من خلال آليات عدة منها موقف قادة الجماعة في السجن . وقد بعثوا فعليا برسالة تتضمن موقفهم من المبادرة وقع عليها كل من ناجح ابراهيم وعلي الشريف وعصام دربالة وحمدي عبد الرحمن وفؤاد الدواليبي وكرم زهدي وعباس عبد الماجد ، وكان من اللافت للانتباه عدم توقيع عبود الزمر عليها ، رغم ان مصادر أخرى أكدت استمرار تأييده لها . اما الآلية الثانية فهي تقرير سيعده احد مؤسسي الجماعة في مصر صلاح هاشم وهو موجود في مصر خارج السجن .
رسالة القادة في السجن ـ بعدما عبرت عن انزعاجها من تسريب رسالة الشيخ إلى وسائل الإعلام ـ أكدت الثبات على المبادرة والتمسك بوقف العمليات المسلحة لما حققته من نتائج إيجابية.
وقد لفت صلاح هاشم الانتباه إلى ان الشيخ سحب تأييده بشكل فردي وترك لقادة الجماعة حرية اتخاذ القرار ، نافيا ان يكون الجدل الدائر يحمل تهديدا ضمنيا للحكومة المصرية لدفعها للتجاوب بشكل اكبر مع المبادرة .
وقد دفعت الخلافات التي شهدتها الجماعة والتي أثارتها رسالة الشيخ عمر عبد الرحمن إلى إصداره بيانا ثانيا يؤكد فيه موقفه في سحب تأييده للمبادرة ، مضيفا القول " أطالب إخواني وأبنائي أن يلتزموا الصمت بعد بياني هذا وان يتقوا الله فيما يقولون " وهو ما فسر على انه محاولة لإرضاء جميع الأطراف .
مصدر أمنى مصري قال ان الأجهزة الأمنية المصرية ترقب باهتمام شديد هذا الجدل الدائر في صفوف الجماعة الاسلامية ، لافتا الانتباه إلى خطورة تصريحات رفاعي طه ، بحكم وضعيته القيادية داخل الجناح العسكري للتنظيم . وحذر اللواء فؤاد علام نائب مدير مباحث أمن الدولة المصري السابق من الاستخفاف بتصريحات رفاعي والتي تعني ان التنظيم ربما يكون استعاد قدراته التنظيمية وإيجاد مصادر تمويل جديدة بعد نجاح السلطات المصرية في تجفيف منابع تمويله. وفي الوقت الذي قلل فيه من اهمية تصريحات الشيخ عبد الرحمن مبررا ذلك بقوله انه يعرف عن هذا الرجل تناقضه في معالجة الامور واستناده لمواقف عاطفية تمليها عليه اللحظة الآنية التي يعيشها مشيرا الا ان ما حدث يؤكد انه مجرد رمز ، وصف رفاعي بأنه " قيادي حركي يعرف ما يقوله ويعنيه تماما " ولذلك فانه يحذر من موجة عنف قد تشهدها مصر منبها إلى ان توقف أعمال العنف خلال العامين الماضيين لا يعني انتهاء الحركات والجماعات التي كانت تقوم بها، فهذه تستند إلى فكر عقائدي لم يزل قادرا على تجنيد العديد من الأعضاء .
وفي الوقت الذي تؤكد فيه أوساط مقربة من السلطات الأمنية المصرية انها لم تكن طرفا في المبادرة ولم تعترف بها أساسا وان حالة الهدوء عائدة إلى نجاحات حققها الأمن المصري في ملاحقة الأصوليين وتحجيم نشاطاتهم ، تحمّل المصادر المقربة من الاوساط الاسلامية الحكومة مسؤولية ما يجري ، خاصة في عدم إتاحتها المجال أمام أنصار هذه التيارات للتعبير عن أنفسهم سلميا . ويشير كمال حبيب عضو حزب العمل المصري المجمد أنشطته والذي قضى عشر سنوات سجينا في قضية الجهاد الكبرى عام 1981 ان ما يجري من اعادة نقاش حول المبادرة في صفوف الجماعة الاسلامية يعود إلى عدم تعاطي الدولة جديا مع الاسلاميين وإتاحة الفرصة أمامهم للانخراط في العمل السياسي ، ويدلل على ذلك برفض مشروعي حزبي " الاصلاح " و"الشريعة " ، مضيفا أن القضية لم تعد تخص الجماعة الاسلامية وحدها ، بل صارت قضية كل الاسلاميين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم .
ويرى المراقبون ان الأوضاع الدولية والعربية لا تتيح المجال امام عودة العنف الأصولي بالشكل الذي كان قائما ، لكن تجفيف منابعه والقضاء عليها نهائيا لا يمكن ان يتم بالإجراءات الأمنية وحدها على أهميتها ، بل من خلال مشروع سياسي ديمقراطي يمكن للقوى السياسية والاجتماعية من التعبير عن نفسها بغض النظر عن انتماءاتها الفكرية وتوجهاتها العقائدية وبرامجها السياسية .