A+ A-
حركة الجهاد الاسلامي في مصر
2006-06-03
تشكلت جماعة الجهاد في مصر في اواخر السبعينات، وهي فترة شهدت نشؤ العديد من التنظيمات والقوى والجماعات الاسلامية المتطرفة التي تسعى الى هدم النظام القائم واقامة نظام حكم اسلامي مستخدمة العنف وسيلة رئيسية للوصول الى هذا الهدف. وكان من ابرزها الى جانب تنظيم الجهاد الذي نفذ عملية اغتيال الرئيس السادات في 6/10/1981 واعدم على اثرها خمسة من اعضائه البارزين – محمد عبد السلام فرج الذي يعتبر مؤسس التنظيم، خالد الاسلامبولي، عبد الحميد عبد السلام، عطا طايل وحسين عباس – الجماعة الاسلامية التي نفذت مجزرة الاقصر صباح 17 تشرين الثاني 1997 ضد السياح الاجانب واسفرت عن مقتل 68 شخصا – منهم 58 سائحا اجنبيا – وجرح 24 اخرين. وسجلت حقبة السبعينات حدثين لهما دلالتهما على صعيد العنف السياسي في مصر . وقد تمثل الاول بالهجوم الذي قاده شخص يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة ويدعى صالح سرية على الكلية العسكرية الفنية سنة 1974، متوهما ان بامكانه الحصول على مزيد من الاسلحة وان أعدادا كبيرة من المتطوعين سينضمون الى مجموعته التي تشكلت في اغلبيتها من الطلاب بما يمكنه من احتلال اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي. وكان جوهر خطته اغتيال الرئيس السادات وعدد من اركان حكمه ومن ثم اعلان الاستيلاء على السلطة. وقد قيل وقتها ان هذه المحاولة التي جرى القضاء عليها بسرعة حيث قتل بعض الافراد وحوكم صالح سرية وبعض زملائه واعدم عدد منهم كانت بتأثير حزب التحرير الاسلامي.
اما الحدث الثاني فكان عملية اختطاف واغتيال وزير الاوقاف المصري الشيخ محمد الذهبي وقد نفذته مجموعة من الشبان الذين يرتدون زي ضباط الشرطة وكانوا ينتمون لجماعة " التفكير والهجرة ". وينظر هذا التنظيم الى المجتمع القائم بوصفه جاهليا ويشبهه بمجتمع مكه قبل هجرة الرسول الى المدينة. ولذلك رفضوا المجتمع الذي يعيشون فيه وسعوا الى قطع كل الصلات التي تربطهم به.
وكان فكرهم يدعو الى الانسحاب من المجتمع الى المساجد واذا تطلب الامر الى الصحارى والجبال من اجل اقامة مجتمعات اسلامية مصغرة تمثل النواة التي تقوى شيئا فشيئا لكي تعود فتهدم المجتمع القائم الذي اعتزلوه، مستلهمين في ذلك كمثل وقدوة هجرة الرسول من مكه الى المدينة وعودته اليها فاتحا منتصرا.
وقد اشترطوا للافراج عن رهينتهم الشيخ الذهبي – الذي تصوروه في فترة من الفترات متعاطفا معهم – ان يذيع بيانا قاموا بأعداده في الإذاعة والتلفزيون يندد فيه بالنظام القائم لانه لا يقوم على أحكام الإسلام . ولكن الذهبي ارتد عن الإسلام من وجهة نظرهم عندما اصدر كوزير للأوقاف فتوى تدين أفكارهم مما جعله في عيونهم خائنا يجب ان يحاسب.
والملاحظ ان القاسم المشترك الأهم بين هذه القوى والحركات والتنظيمات هو ممارسة العنف المبرر على قاعدة فهم خاص بها للأيديولوجية الدينية الاسلامية بهدف اقامة نظام الحكم الاسلامي على انقاض النظام غير الاسلامي القائم حاليا.
اما التنوع والتعدد فيها فهو ناشيء عن اختلاف ظروف التربية والتنشئه والثقافة والمصالح فيها بينها، مما يعكس نفسه في فهم خاص بكل منها للفكر الاسلامي واولوياته ومبادئه وطرق تجسيدها واساليب تحقيقها وهو ما يؤدي في نهاية المطاف الى جعل تنظيم الجهاد يختلف عن غيره كالتفكير والهجرة وحزب التحرير الاسلامي والجماعة الاسلامية على سبيل المثال.
ومهما تدثرت هذه التنظيمات بالعباءة الدينية فان المدخل الحاسم لفهمها والتعامل معها يبدأ من تحليل نشأتها كظاهرة سياسية وتفسير نشاطها كسلوك سياسي انساني، فاية فكرة لا توجد مستقلة بحد ذاتها، بل لابد من حامل مادي – فرد جماعة، تنظيم، حزب، مؤسسة... كما انها لا تنبت من فراغ ولا تعيش في فراغ ولا تدور في فراغ، بل تولد من رحم الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتترعرع في كنفها وتتطور في سياقها، خاصة وان جل نشاط هذه التنظيمات موجه نحو " الدولة " وهي المقولة المركزية في علم السياسة.
وبعبارة مختصرة يمكن ان نكثف سبب قيام تلك التنظيمات بظاهرة " الاغتراب " التي تؤدي الى عزلة بعض افراد المجتمع عنه وتجعلهم هامشيين فيه، اما ممارسة العنف فعائدة الى طريقة تمثلهم للفكر الديني في اذهانهم وحدة التناقض بينها وبين الواقع الذي يعيشون فيه.
وبناء على ما تقدم فاننا سنحاول تسليط الاضواء على مجموعة من العوامل التي شكل وجودها واستمرارها سببا لنشوء ظاهرة التنظيمات الاسلامية المتطرفة وبقائها الى يومنا الراهن.
اولا : الجانب العقائدي في اجواء مليئة بالمتناقضات حافلة بالاحباط والشك والقلق والحيرة شكلت ما اصطلح على تسميته " بالاصولية الاسلامية " قوة جذب للعديدين خاصة في اوساط الشباب حيث بدت وكانها والامل المرتجى السبيل الوحيد الى الخلاص والاصولية الاسلامية كما يشير اللفظ نفسه تعني العودة الى الاصول الاولى للاسلام والنقاء الذي كان عليه في فترة الرسول والخلفاء الراشدين، وغني عن القول ان رسالة الاسلام لا تقتصر على تنظيم علاقة الانسان بخالقة بل تتعداها الى تنظيم علاقة البشر فيما بينهم ، ومن هنا الطابع الشمولي المتكامل لها.
والعودة إلى الأصول ليست ظاهرة جديدة في التاريخ الإسلامي، ففي عز ازدهار الدولة العباسية و أبهتها ظهرت دعوة العودة إلى الأصول الاولى النقيه للإسلام على يد الأمام احمد بن حنبل الذي كان يرى ان سبب ما حققه المسلمون الأوائل من مجد يعود إلى التزامهم بأصول الإسلام، وبالتالي فان العودة إليها تصبح في حكم الضرورة إذا ما أراد المسلمون استعادة ذلك المجد.
وفي مصر مثلت حركة الاخوان المسلمين التي تأسست على يد الشيخ حسن البنا في مدينة الإسماعيلية عام 1928 محاولة لاعادة بعث وتنشيط الفكر الاسلامي السلفي، غير ان الضربات التي تلقتها وخاصة اثر محاولة اغتيال الرئيس المصري الاسبق جمال عبد الناصر في 26/ 10/1954 ادت الى اضعافها وانتقال مركز الاصولية الاسلامية الى موقع جديد تمثل في باكستان، حيث كانت فروع تنظيم الاخوان المسلمين قد امتدت اليه، وهو البلد الذي نشأ تاريخيا بفعل حركة اسلامية قوية. وقد لعب " ابو الاعلى المودودي " دورا في اعادة صياغة الاصولية الاسلامية الجديدة. لكن باكستان كانت تختلف عن مصر حيث التعبير الاسلامي فيها توحيديا بينما اخذ في باكستان بحكم ظروف نشأتها طابعا انعزاليا مما عكس نفسه على الصياغة الجديدة فاصبحت انعزالية جاهزة للانفصال عما حولها ومستعدة للهجوم عليه وتحطيمه لها.
وقد برز في فكر المودودي عنصر " الجهاد " وميز بين مرحلتين في حياة المجتمعات الاسلامية الاولى مرحلة الاستضعاف وفيها تنسحب النواه حتى تجهز نفسها وتصبح قادرة على القيام بمرحلة الجهاد والذي عن طريقة تنهي عزلتها وتتولى زمام الامور بنفسها، وكان مثله في هذا التقسيم التمييز بين مرحلة مكه والهجرة الى المدينة في حياة الرسول.
ومن ابرز الافكار التي طرحها فكرة الحاكمية التي شرحها في كتاب صغير تحت عنوان المصطلحات الاربعة وهي.
- حاكمية الله في مقابل حاكمية البشر
- الوهمية الله في مقابل الوهيه الانسان
- ربانية الله في مقابل العبودية لغيره
- وحدانية الله في مقابل الاعتماد على أي مصدر اخر في تنظيم امور المجتمع .
وببساطة شديدة فانها تعني تكفير النظام القائم والنتيجة المنطقية التي تترتب على ذلك هي الثورة عليه اذا كان اساسه حاكمية البشر وليس دولة اسلامية .
وكان من بين الذين تأثروا بافكار " ابو الاعلى المودودي " سيد قطب الذي وصلته كتابات المودودي بطريق ما وهو في السجن ، فتلقفها مستعدا للتفاعل معها وتطويرها. وفي تلك الفترة تبلورت في ذهنه افكار كتابين من اهم كتبه وهما " في ظلال القرآن " " ومعالم على الطريق " الذي رسم فيه منهاجا واضحا بسيطا يقوم على الامور التالية.
1. ان هناك تعارضا شديدا بين فكرتين وتصورين ومجتمعين ونظامين وحقيقتين: الاسلام والجاهلية، والايمان والكفر، الحق والباطل ، الخير والشر، حاكمية الله وحاكمية البشر، الله والطاغوت، وانه لا بقاء لطرف الا بالقضاء على الطرف الاخر، ولا سبيل الى المصالحة او الوساطة بينها.
2. ان الاسلام هو الحق والخير والعدل، وان مجتمع الايمان هو المجتمع الذي تكون فيه الحاكمية لله، وان نظام الدولة القائم هو الباطل والشر والظلم ، مجتمع الكفر حيث تكون الحاكمية للطاغوت. ولما كان الايمان قولا وعملا فان الدولة الاسلامية تصبح مشروعا ممكنا على شرط ان تصبح الشهادة مطلبا وامنية.
3. لا يمكن ان يحدث التغيير الا عن طريق الانقلاب، الانقلاب في السلطة والقضاء على أئمة الكفر ووضع أئمة الايمان محلهم .
4. ان هذه العملية تقوم بها الصفوة المؤمنة، جيل قرآني جديد مثل جيل الصحابة الأوائل، قادر على قيادة مجتمع الأيمان ضد مجتمع الكفر. فالأولوية للصفوة وليست للجماهير والصدارة للنخبة وليست للشعب.
5. ان هذه العملية عملية تحرر شامل واجبة وضرورية مفروضة فرضا عينا على كل مسلم ومسلمه، مسؤولية فردية وجماعية، دينية وأخلاقية لتحويل مجتمع الكفر والطاغوت الى مجتمع الأيمان والحرية، وحتى تصبح " لا اله إلا الله " منهج حياة وتحرير للوجدان البشري والتخلص من حكم الطاغوت ".
وبالطبع كان لهذه الأفكار الاطلاقية تأثيراتها خاصة وان الأخوان المسلمين لم يقبلوا مجمل الأفكار التي جاءت بها الحقبة الناصرية، وفي سنة 1965 كانت افكاره هي المحرك الذي دفع بعض قيادات الاخوان المسلمين الى التخطيط لعمليات انقلابية وكانت هناك محاكمات ادت الى اعدام سيد قطب نفسه.
وفي السبعينيات عندما جاء الرئيس السادات الى الحكم كان هناك جيل جديد من الجماعات الدينية ممن صقلتهم تجربة السجون، ولم يكن ملهمهم " حسن البنا " الذي ظهر بالنسبة لهم كتاريخ مضت ايامه، وانما جيل اصبح ابو الاعلى المودودي بمثابة الامام له، وسيد قطب اصبح بالنسبة لهم شهيدا . ولقد دخل هذا الجيل الى اطار الفكر المطلق بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث لا مساومة ومجال للتعايش بين مفاهيمهم وما هو قائم، فاما الجاهلية او الاسلام، واما حاكمية البشر واما حاكمية الله. وقد شكلت هذه الافكار المناخ الفكري والاب الشرعي للمولود الجديد: الجماعات الاصولية المصرية في فترة السبعينيات.
ودعونا ندقق في مغزى السبب الاول الذي طرحه خالد الاسلامبولي ردا على سؤال لماذا قررت اغتيال الرئيس السادات حيث قال " ان القوانين التي يجري بها الحكم في البلاد لا تتفق مع تعاليم الاسلام وشرائعه وبالتالي فان المسلمين كانوا يعانون كافة صنوف المشقات " .
ثانيا : العوامل والاعتبارات السياسية :
فأولا كان هناك الصلح مع اسرائيل ومعاهدة كامب ديفيد، ولقد كان السبب الثاني الذي اورده خالد الاسلامبولي لقرار اغتيال الرئيس السادات هو ان " السادات اجرى صلحا مع اسرائيل ".
ومما لا شك فيه ان الصراع العربي الاسرائيلي قد ترك اثارا كبيرة ليس على المستوى الفردي في مصر بل على السلوك الشعبي برمته، حيث بدأت تدخله نزعة عنف صنعتها الظروف التاريخية التاريخية في تلك المرحلة.
ففي الفترة ما بين 67 - 73 دخل في صفوف القوات المسلحة المصرية حوالي مليوني شاب تربوا على ان ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ودربوا على استعمال السلاح والقتال الذي مارسوه فعليا. وقد اثر ذلك على حياة مئات الالوف الذين تركوا الجيش في المدن والقرى وتسربت الاسلحة والذخائر بشكل ملفت للانتباه الى صفوف المجتمع، وقد ظهر ذلك جليا في معارك الانتخابات لاحقا.
وعلى سبيل المثال قامت الحكومة في انتخابات دائرة البداري سنة 1980 بمحاولة استعراض للقوة للتأثير على المرشحين وخاصة المرشح المستقل ممتاز نصار، فحشدت قوة لواء كامل من الامن المركزي في الدائرة. وبينما هو يتحاور مع قائد القوة اخذ انصاره يستعدون لمواجهة القوة بالقوة مما دفعه الى القول " انني ارى امامي عواقب وخيمة لهذا الذي تفعلونه". اذا كان معكم هنا خمسة الاف قطعة سلاح فان الناس قد احتشدوا هناك بسبعة الاف قطعة سلاح وسوف تكون المواجهة دامية وانا احملكم النتائج ".
واضافة الى ما سبق فمن الضروري التأكيد على ان القوى الدينية قد وجدت تشجيعا كاملا من النظام الحاكم بل انه عقد التحالفات معها في مواجهة معارضيه من الناصرين واليساريين وكان بذلك كمن اخرج الجن من القمم، ذلك ان الاستخدام السياسي للدين ومحاولة توظيفه من قبل أي نظام غير ديني سيؤدي الى خروج بعض التيارات من اطار القوى الدينية