A+ A-
تفهم التوجه الاسلامي
2006-05-01
تفاعلا مع الاحداث المثيرة التي جرت في الحادي عشر من ايلول 2001، اتجه العديد من المراقبين وصناع السياسة الغربيين الى تجميع كافة المذاهب والحركات الاسلامية معا كوحدة واحدة من دون تمييز فيما بينها او تصنيفها، والتعامل معها باعتبارها توجهات عدائية.
ان هذه المقارنة بين مختلف التيارات الاسلامية تنطوي على مفهوم خاطئ، فالتيارات الاسلامية مختلفة جدا، والتقليل منها يتسم بالعنف،كما ان اكثر الاسلاميين رغم معارضتهم العميقة للسياسات الامريكية الحالية الا انهم راغبون بالتفاوض من جديد حول علاقاتهم مع الغرب.
ومن خلال اسلوبها المعتمد على البحث الميداني واستقصاء المعلومات والتقييمات الواردة من الميدان، فقد صدر مؤخرا عن مجموعة الازمات الدولية "انترناشونال كرايسز كروب" تقرير تحليل بعنوان "تفهم التوجه الاسلامي"احتوى على ملاحظات وتوصيات عملية موجهة الى صناع القرار الدوليين الرئيسيين واعتبرت التقرير ان نقطة البداية تتميز بين المسارات المختلفة للنشاط الاسلامية يكمن في التمييز بين الاسلامية الشيعية والاسلامية السنية، وان تركيز الغرب في العقدين السابقين كان منصبا على الاسلامية الشيعية باعتبارها الظاهرة الاكثر تهديدا وازعاجا. اما في الوقت الحاضر فان التركيز الغربي منصب على النشاط السني، حيث تدور معظم المخاوف حوله ويتم النظر الى الاسلامية السنية بشكل واسع على انها اصولية متزمتة.
ونبه التقرير الغرب بوجه عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص الى اهمية ان يكونا متواضعين حول قدرتهما في تشكيل الحوار مع المسلمين، وان يكون العالم الغربي عموما حذرا في كيفية تاثير سياساتهما على العالم الاسلامي، مع ضرورة التفريق بين انواع الاسلاميين المتحررين فكريا والاصوليين، ومن دون ذلك فان مخاطر غير مرغوبة ستواجه الغرب عموما مثل التسبب في نهوض الجهاديين بالتفوق على التيار الاسلامي الحداثي.
1-الاسلام ، التوجه الاسلامي والاسلام السياسيسيتم هنا تعريف ومساواة اصطلاح التوجه الاسلامي كما في تقارير Crisis Group اللاحقة كمرادف "للنشاط او الحراك الاسلامي السياسي" أي العمل الدؤوب والترويج للمعتقدات والفرضيات والقوانين والسياسات ذات الطابع الاسلامي المحض، وفي هذا الاطار هناك عدة تيارات من التوجه الاسلامي او المد الاسلامي،وما يجمع بين هذه التيارات هو انها بنت نشاطاتها على تقاليد وتعاليم الاسلام كما وردت في النصوص المقدسة والتفسيرات الموثوقة.
دأبت الطروحات الغربية على تقديم النشاط الاسلامي المسيس عامة على انه ظاهرة موحدة وجامعة سواء سميت "التوجه الاسلامي او "الاسلام السياسي" او "الاسلام الاصولي"مقارنة هذه الظاهرة بممارسة الاسلام كمعتقد ديني من قبل المسلمين العاديين". ولوحظ ترسخ هذا الاتجاه في سياق ما يسمى "بالحرب على الارهاب" التي اعلنتها الولايات المتحدة كرد فعل على هجمات 11 ايلول 2001، وهو امر يمكن فهمه الى حد كبير، اذ اعتبر الكثيرون غداة تلك الهجمات وغيرها من الهجمات العديدة التي شنت في افريقيا واسيا خلال السنوات الثلاث الماضية، ان ظاهرة الاسلام السياسي قد نمت وتحولت بشكل مرعب الى حركات اسلامية ارهابية ترتكب اعمال عنف ملفتة للنظر ضد اهداف غربية وغير غربية. ولكن هذا المفهوم الاحادي للاسلام خاطئ في افتراضاته ومضلل في وصفاته السياسية.
وابلغ مثال على هذا الاتجاه هو تصنيف كل ما يقع تحت عنوان الاسلام السياسي ضمن نظرية "صراع الحضارات" التي تنظر للعالم الاسلامي برمته، أي الحضارة الاسلامية كجزء واحد ومشكلة واحدة، وهدف واحد ولكن الاتجاه ذاته واضح ايضا في طروحات اخرى، اكثر ارباكا من ناحية فكرية تعكسها التصريحات المتكررة لبعض الزعماء الغربيين . وهنالك تناقض ملفت للنظر ويتم التعامل معه كامر مسلم به لا يحتاج للنقاش، من وجهة نظر بعض المسؤولين الغربيين وهو من جهة الخلط بين الاسلام كدين وبين اتباعه أي "المسلمين العاديين المسالمين" والذي يشكل "الاسلام" بالنسبة لهم مسالة تقوي شخصية وليس التزاما سياسيا و"التوجه الاسلامي" او "الاسلام السياسي" ما يعنيه ذلك ضمنا من كونه مسالة تهم اقلية من النشطاء "المحرضين" الذين يسعون الى استغلال عقيدة اخوانهم المسلمين لتحقيق مارب سياسية وتحريك مشاعر الاحتجاج وخلق مشكلة ضد المصالح الغربية والدول الاسلامية "الصديقة" سواء بسواء من جهة اخرى، وهو خلط واختلاف مضلل لعدة اسباب:
اولا:ان هذا الاختلاف او التناقض مبني على وجهة نظر خاطئة بالاساس للاسلام والقائلة بان الاسلام ليس دين سلام، وانما دين تشريع وقانون. ومن هذه الزاوية فهو اقرب الى اليهودية واكثر بعدا عن المسيحية، ولتقديم الاسلام اساسا كعقيدة سلام غير سياسية "نبي مختلف لنفس الرسالة" هو بمثابة اضفاء صفة جوهرها، ولكنها لا تنتمي بالضرورة لاديان اخرى ولا للاسلام كذلك. فالاسلام بصفته دين قانون يهتم فعلا بالحكم وهو بذلك سياسي الاتجاه.
ثانيا: يضفي هذا الاسلام على المسلمين العاديين او عامة المسلمين صفة ونموذجا من الاعتقاد الديني هو في جوهره مسالة شخصية وهي وجهة نظر غير واقعية لانه من الاصح ان نقول ان الاسلام بالنسبة لغالبية المسلمين هو شان عام اساسا من حيث انه لا يطالب فقط بمجتمع من المؤمنين "الامة" بل ويشمل ويقدم مجموعة من التعاليم القانونية والاحكام الاخلاقية وهو بذلك اشبه "بمسودة نظام اجتماعي" وعليه اتجاه قوي وان كان غير معلن احيانا بالنسبة لعدد كبير من المسلمين العاديين وان يتجاوبوا مع افكار الاقليات الناشطة القائلة بان تعاليم دينهم يجب ان تنعكس في القيم الاجتماعية والقوانين وشكل الحكومة في الدولة التي يعيشون فيها، وهكذا فان الادعاء فريق بين المسلمين العاديين والنشطاء الاسلاميين هو ادعاء ضعيف، ويمكن ان ينهار تحت الضغط، ويمكن القول ايضا ان معظم المسلمين –اذا لم نقل جميعهم- يعيشون اليوم تحت ضغوط كبيرة.
ثالثا: ان مفهوم الاسلام السياسي المترتب على هذا التباين لا جذور تاريخية له وهو يستخدم الان لخدمة اغراض معينة فمصطلح الاسلام السياسي هو امريكي المنشأ واصبح متداولا بعد الثورة الايرانية. وهو يعني او يفترض انه كان هناك اسلام ولكن غير سياسي حتى جاء الخميني وقلب الاشياء. وفي الحقيقة ان الاسلام كان وعلى مدى اجيال دينا ذا توجهات سياسية حتى قبل عام 1979 ويبدو انه ابتعد عن السياسة فقط في الفترة التاريخية المحددة التي ظهرت فيها القومية العربية العلمانية ما بين عامي 1945 و 1970 حتى اثناء تلك الفترة يصعب الحديث عن اسلام سياسي اذ لم تكتفي الحكومات العربية الوطنية بالسيطرة على الساحة الدينية فقط والترويج لاتجاهات عصرية ووطنية في الاسلام ، بل ان عنصرا اساسيا في السياسة الغربية وخاصة "الامريكية" وكرد على تيار القومية العربية منذ مطلع الخمسينات سعى بكل جهده الى دعم وتشجيع قيام تحالف بين الدول الاسلامية المحافظة بقيادة المملكة العربية السعودية والباكستان لترجيح كفة اسلام شمولي موحد وموال للغرب لمواجهة مد القومية العربية بقيادة مصر جمال عبد الناصر وتلك الدول المتحالفة معه مثل الجزائر والعراق وليبيا وسورية واليمن الجنوبي.
وبرز مفهوم الاسلام السياسي وتعريفه كمشكلة فقط عندما بدات السياسات الاسلامية باطلاق تصريحات مناهضة للغرب وخاصة للولايات المتحدة، ونتج عن ذلك التباس وخلط بين الفكرة الضمنية القائلة بان الاسلام السياسي يمثل خروجا عن الصيغة غير السياسية للاسلام، وهي فكرة غير دقيقة بالمنظار التاريخي ، ولكنها ضمنيا مفهومه ومبطنة على انها خروج من السياسة الموالية للغرب. والحقيقة ان النظرة الى الاسلام اصبحت سياسية فقط عندما بدأ الاسلام يشكل خطرا.
واخيرا وضمن هذا السياق من الاجتهادات ولاعتبارات عملية يعتبر "الاسلام السياسي" و "التوجه الاسلامي" و"الاصولية الاسلامية" ظواهر متجانسة من ناحية المضمون. وعليه فان هذا الاختلاف يتجاهل تعدد وجهات النظر والاهداف والوسائل وهي الموجودة فعليا ضمن الاسلام السياسي. وبدل ذلك فهذا الاسلام السياسي يدعي وجود اختلاف بسيط بين المتشددين والمعتدلين . مثل هذا الطرح لا يميز بين الرؤى والسياسات البديلة كما لا يميز بين القوة التي تتميز بها وجهات النظر المختلفة. وعلى المستوى العلمي هذا يعني التمييز بين اولئك الذي تشعر الحكومات الغربية انها تستطيع التعامل معهم او لا ترغب في التعامل معهم. وقد يصل الامر الى درجة التمييز بين اولئك المؤهلين للتعاون واولئك الذي يتمسكون بمبادئهم او يصعب شراؤهم على اساس الافتراض غير القابل للفحص بانه لا يمكن مداهمتهم وعليه يجب مواجهتهم.
نقطة الضعف الرئيسية في هذا التمييز التحليلي هي انه قادر على ملاحظة ان اهم عامل يميز بين الفروقات في الاسلام السياسي ليس التشدد النسبي او الاعتدال الذي يعبر الاتباع من خلاله عن قناعاتهم، بل هي طبيعة تلك القناعات، والتي تشمل تشخيصات مختلفة للمشاكل التي تواجهها المجتمعات الاسلامية ووجهات النظر المختلفة حول التشريع الاسلامي والمفاهيم المختلفة للمواضيع المطروحة "السياسية والدينية والعسكرية" والتي تتطلب العمل والتفاعل، وتتضمن ايضا تحديد نوع العمل الذي يجب ان يكون مشروعا وملائما أي الذي يحمل عنصر الخلاف وفي احيان كثيرة تكون اهدافه متناقضة . وهذا فرق جوهري عن ذذلك الفرق المعروف تقليديا بين الشيعة والسنة في الاسلام. وهو اختلاف بين اشكال النشاط الاسلامي المعاصر اكثر من كونه اختلافا بين التقاليد الاسلامية التاريخية، ووجود هذا الاختلاف خاصة بين صفوف الاسلام السني السياسي وهو تطور جديد نسبيا لم يكتمل بعد بل يبدو وكانه عملية مستمرة.
2-التيارات الرئيسية في النشاط السياسي السني
كانت الاتجاهات والتيارات المختلفة للعمل السياسي السني، التي يمكن بل ويجب الفصل والتمييز بينها اليوم، كانت عادة متداخلة ومتشابكة حتى العقد الماضي، وقد حققت الفروق التي كانت تتوحد تحت مظلة تعاليم وغايات مشتركة اليوم نقطة بداية جديدة وتحولت الانشقاقات الى خيارات استراتيجية كان لا مناص عنها تحت ضغوط الاحداث وفي ضوء التجارب، ولا بد لتصنيفاتنا ان تتطور وتتاقلم مع ما يستجد من احداث اذا كان لنا ان نفهم الاسلام فهما دقيقا وبالتالي تحليل ابعاد سياسته بشكل جيد. وعلى ضوء تعقيدات الظروف المحلية والملابسات الناتجة عنها يمكن تمييز ثلاثة تيارات رئيسية للاسلام السني المعاصر.