A+ A-
مرشد إيران وسياسة التوازن بين المتشددين والإصلاحيين
2007-09-15

فيما يتسارع العد العكسي لحسم الملف النووي الإيراني، وترتفع وتيرة التلويح بالخيار العسكري على حساب المفاوضات لوضع حد للتخصيب الإيراني، شهد الوضع الداخلي الإيراني حدثين بارزين لهما دلالتهما في هذا التوقيت الحرج: أحدهما تنحية الجنرال يحيى رحيم صفوي القائد الاعلى للحرس الثوري"الباسدران" في 31/8/2007، وتولية قائد جديد للحرس محله من الجيل الثالث للثورة الإسلامية، وثانيهما إنتخاب الرئيس السابق والسياسي البراغماتي المخضرم هاشمي رفسنجاني(73عاما) رئيسا لمجلس الخبراء. وتكمن اهمية الحدثين في أن التغيير جاء في قمة هرمي المؤسستين الأكثر نفوذا في توطيد دعائم الجمهورية الاسلامية، فالحرس الثوري بما يضمن من باسدران وباسيج، يمثل جيش النظام العقائدي وذراعه الرئيسي الضارب، وأما مجلس الخبراء، فهو المجلس المكون من 86 عضوا اغلبهم من رجال الدين، والذي يقوم بإنتخاب المرشد الأعلى للثورة، وخلعه. وكذلك يتحكم بالتعديلات الدستورية حيث لا يجوز التصويت في البرلمان على أي نوع من التعديلات قبل أن تصدر توصية منه، وتلزم توصياته وقراراته سائر أجهزة الدولة.
ويعتقد متابعون أن الحدثين لا يخرجان عن طوع وإرادة المرشد الاعلى للثورة الإسلامية في ايران علي خامنئي، الذي اقدم على على الخطوتين لضرب أكثر من عصفور في آن واحد وبما يحافظ على جمهورية ولاية الفقيه في هذا الوقت العصيب والمفصلي الذي تمر به إيران.
الجيل الثالث للثورة يقوم مسار الجيل الثاني للحرس لما كانت ايران بحكم تجربتها الكبيرة، ليست تلك الدولة الرعناء حتى تقوم بخطوات مضطربة أمام استحقاق الملفات المصيرية، وخصوصا مع انتحاء المواجهة بين أمريكا وإيران بخصوص الملف النووي الى عنق المواجهة العسكرية، فإن من المستبعد أن تكون تنحية الجنرال صفوي دليلا على التخبط والإضطراب، و إنما دليل على نوايا تقوية الجهاز وتحسين سمعته ونفوذه في اطار تعزيز نفوذ المحافظين، هذا اذا عرف أن ذلك يعني إجراء تغييرات هامة وغير معهودة على الجهاز من شأنها تحسين سمعته الداخلية حيث يتغلغل اتباعه في معظم مجالات الحياة السياسية و الإقتصادية الإيرانية، ما رفع موجة الانتقادات التي استغلها المعتدلون والاصلاحيون في مواجهتهم للمحافظين.
وفي قراءته لتعيين جعفري يقول موقع انتلجنس أون لاين، إن ميزان القوى في إيران قد استعاد الآن ميَلاناً واضحاً، وربما قويّاً، لمصلحة المحافظين، بما يعنيه ذلك من إنعكاسات على اتجاه سياسة إيران الداخلية والإقليمية، وتوجهاتها بصدد المواجهة على خلفية برنامجها النووي الذي تزداد فيه تمسكا بحقها في التخصيب.
ويوصف محمد علي الجعفري الذي تبوأ المنصب خلفا لصفوي بأنه اكثر المنافسين التقليديين على المنصب الذي شغله صفوي لاكثر من عشر سنوات خلفا للجنرال محسن رضائي الذي كان أول قائد لحرس الثورة منذ أن اصدر الزعيم الروحي للثورة الاسلامية الخميني في 5/5/1979 مرسوما بتشكيل جيش ايران العقائدي (الباسدران).
وبينما لم تشب صفوي شائبة في مسيرته بما يتعلق به شخصيا كمعطاء ونظيف الكف، إلا أن تزايد الإنتقادات لمساوئ تغلغل الحرس في الحياة الداخلية بات مردودا على قائد الحرس ما يستدعي تبديله بآخر يتمتع بمواصفات لا تقل عنه، بل يبزه ثقة لدى المرشد، وشبابا بما يلقى رواجا لدى قواعد الحرس، ويمكن الجيل الثالث للثورة من تولي مسؤولياته امام التحديات القادمة، مع الاشارة الى أن القيادات الشابة عادة ما تكون اكثر شجاعة في المواجهة في القضايا المصيرية.
يعرف عن جعفري الذي ذاع صيته كصقر من صقور الحرس، قربه من المرشد، وقدرته الفريدة على الدخول اليه في اي وقت يشاء بدون مواعيد أو اذن من أحد. وقد جاء في كتاب التعيين الذي وجهه المرشد الى جعفري بعد أن رفع رتبته إلى لواء "نظرا لخبرتك القيمة وماضيك المشرق في مختلف الأوقات ومسؤولياتك العديدة في الحرس، فقد عينتك قائدا أعلى لهذه المنظمة الثورية".
وبحسب مسؤول إيراني فقد كان جعفري من بين أوائل الإيرانيين الذين إحتلوا السفارة الأميركية في طهران أيام الثورة، وكان قائدا للعمليات في الحرس خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن الماضي، ويوصف بأنه المسؤول عن عمليات الحرس السرية في الخارج، وفي السياق وجهت إليه تهمة في النمسا في قضية إغتيال زعيم الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو عام 1990.
وقد تولى جعفري رئاسة القوات البرية للحرس الثوري عام 1992 قبل أن يعين عام 2005 رئيسا لمركز الأبحاث الإستراتيجية التابع لهذه القوة.
وهو ينحدر من نفس المنطقة التي انحدر منها سلفه صفوي على ساحل بحر قزوين، ومن الناحية الاكاديمية فهو حاصل على شهادتي الماجستير في الهندسة المعمارية، والدكتوراه في العلوم العسكرية.
وهو مفاوض رسمي سابق في وفد بلاده مع وكالة الطاقة الذرّيّة الدولية، بمعنى إلمامه أو سيطرته الفعلية على الملف. وهو على إطلاع بالشأن العراقي واللبناني والفلسطيني، وبحسب مسؤول ايراني فقد تولّى لسنوات منصب قائد فيلق القدس في الحرس الذي تدخُل في صلاحياته و إهتماماته شؤون فلسطين والعراق ولبنان وسوريا وغيرها، وهو على إطّلاع واسع في هذا الصدد على شؤون العراق وما يدور حوله من مفاوضات إيرانية - أميركية.
وقد سلطت مصادر اعلامية امريكية الضوء على تشدده، بأنه كان وجّه رسالة للرئيس خاتمي في العام 1999 ينذره فيها بأن صبر الباسداران قد نفذ إزاء التحركات الطلابية الإصلاحية وأنه قد يتدخّل لقمعها إذا لم يفعل خاتمي شيئاً.
وبحسب مسؤول إيراني فقد كان قبل تعيينه يشغل منصب قائد العمليات الميدانية في الحرس منذ 13 عاماً، ويقول عنه إنه "يتمتع بتأييد القواعد إنطلاقاً من عمله الميداني معها، وهذا ما سيمكّنه من النهوض بهذه المؤسسة التي تمثّل العمود الفقري للنظام، بحيث يعزز صفوفها ويوحّد ولاءها الموزّع حالياً بين المحافظين والإصلاحيين والمعتدلين، بما يمكّنها من مواجهة كل الإحتمالات المستقبلية". ويضيف إنه قادر على أن "ينهض بهذه المؤسسة ويعدّها لإحتمال المواجهة وحماية الداخل الإيراني من أي محاولة إختراق يمكن أن تحصل في حال توجيه أي ضربة عسكرية أميركية لإيران، كذلك يستطيع انطلاقاً من علاقته المباشرة مع كل قادة الحرس وعناصره، التي راكمها على مدى 13 عاماً من العمل الميداني معهم، أن يعيد إلى هذه المؤسسة بريقها وحيويتها، ويؤهّلها لمواجهة كل الإحتمالات، سواء في العراق أو غيره في حالتي الحرب والسلام".
وتقرأ تقارير دولية توليه المنصب على انه دعم مضاعف لسلطة الرئيس المتشدد نجاد الذي احل أصدقاء ومقرّبين له في منصبي النفط والمالية والبنك المركزي ومواقع اخرى حساسة في الدولة. وتقول التقارير إن نجاد يتهم بجملة محافظين وغلاة محافظين الحرس بأنه بات يدور على غير هدى وهناك خشية من سقوط ايران في حافة الهاوية، في ظل سياسات المهادنة والحوار والتجاذب مع دعوات الاستجابة لمطالب امريكا ووكالة الطاقة الدولية.
ويعتقد محللون أن شمل امريكا للحرس ضمن قائمة الارهاب، فتح ملف الحرس للمتصيدين لقيادته داخليا، فجاءت إقالة صفوي وتعيينه مستشارا عسكريا خاصا لخامنئي على خلفية إرتكابه أخطاء متعددة ومتراكمة، إستغلها الرئيس نجاد الذي كان يتربص بقادة الحرس لدى تقييمه الموقف في البلاد، والعواقب الناجمة من أخطاء تقديم تنازلات للغرب في مقابل الاحتفاظ بالملف النووي، ورأى في جلسات استمع خلالها الى الكثير من ملاحظات ضباط الحرس الثوري، أن انتكاسات وإخفاقات سابقة وقع فيها صفوي في جهازي الأمن والمخابرات، يمكن أن تدفع بإيران إلى وضع لا تستطيع فيه النهوض.
ويعتقد مراقبون أن ثمة رابط بين القرار الأمريكي بإدراج الحرس ضمن قائمة المنظّمات الارهابية في العالم واقالة صفوي التي جاءت بعد أسبوعين من القرار الأمريكي، ومن الملاحظ أن نجاد استغل الامر ليستل سيفه تشهيرا بقيادة الحرس، فعندما التقى في 23/8 بصفوي، في جامعة الإمام الحسين، لم يتورّع عن انتقاد السياسات المتطرّفة التي قادها صفوي، وتسبّبت في مواجهة حادّة مع الولايات المتحدة قادت إلى انسحاب الشركات الغربية العاملة في إيران، والتي كان لها دور قوي وواضح في السابق في تحدّي قرار المقاطعة المفروض من واشنطن، الى جانب دورها في إكساب الاقتصاد الإيراني ثقة دولية، فضلاً عن أعداد الإيرانيين العاملين في هذه الشركات والبنوك.
ويلفت متابعون النظر إلى أنه عقب انتقادات نجاد العلنية مباشرة، ارتفعت وتيرة انتقاد صفوي ووصلت حد الاتهام له بأنه تاجر لا قائد ثوري، وأنه ارتكب سلسلة أخطاء لا يجب أن تمرّ مرور الكرام. ووقتها جرى الترويج للمنصب لنواب صفوي الرسميين وعلى رأسهم رضا مرتضى، وهو نائب صفوي في القيادة العليا للحرس، ولكن نجاد نجح في تمرير مرشحه جعفري.
ويجدر الذكر أنه منذ اواخر العام الماضي سقط الحرس الثوري في مطبات هامة منها:
أ- اعتقال خمسة من مسؤولي الحرس في أربيل على يد الجيش الأمريكي الذي تمكن من الوصول لعشرات الوثائق الأمنيّة السرّيّة الإيرانية التي تتحدّث عن انغماس الحرس في أنشطة ضد الأمريكيين داخل العراق.
ومن المفارقة أن جعفري مطلوب للأمريكيين الذين كانوا على وشك القبض عليه في أربيل- شمال العراق التي كان فيها أثناء القبض على مسؤولي الحرس الخمسة، لولا مساعدة ما تقول تقارير إنه تلقّاها من جهات على علاقة بالرئيس العراقي الحالي جلال طالباني، ويعتقد أنها من البيشمركة التي سهلت له العودة لبلاده في 11/1/2007، ليبدأ صدامه المفتوح مع رفيق دربه في الحرس صفوي متهما اياه، بالتورّط في الابلاغ عنه أو الوشاية به، أو الايحاء للأميركان بوجوده والآخرين في أربيل.
ب- القاء المخابرات الامريكية القبض أو استدراج الجنرال علي رضا عسكري إلى تركيا حيث اقتيد إلى أمريكا أوائل العام الجاري، وتكمن أهميته في أنه كان مساعدا لوزير الدفاع السابق علي شمخاني، والذي مثل لسنوات طويلة جسرا بين القيادة الايرانية، وحزب الله، حيث كان مسؤولا بارزا في الحرس الثوري وانتدب لفترة 3 سنوات إلى لبنان في تسعينات القرن الماضي لتأهيل حزب الله، ويعتقد بأنه مطلع على بعض تفاصيل المشروع النووي الإيراني، وهو على صلة لوجستية بتطوير صواريخ شهاب، ويعتقد بأنه قدم خلال استجوابه اعترافات تفصيلية عن أسرار وموضوعات وملفّات يمكن أن تدين طهران، ويعتقد أن أوّلها قرار المحكمة الأميركية تحميل إيران مسؤولية تمويل وتوجيه العملية الانتحارية في بيروت صيف 1983، والتي راح ضحيتها أكثر من مئتي جندي من المارينز.
تصدير لوحة الاعتدال
يدخل في الاعتبار أن تعيين جعفري جاء عشية انتخاب رفسنجاني رئيسا لمجلس الخبراء، بما يؤكد أن التعيين (جعفري ومسار الانتخاب (رفسنجاني) لا يخرجان عن إرادة المرشد وتوجيهاته، وأن ما جرى هو نتيجة طبيعية للتغييرات الداخلية المنتظرة، وبما يتوازن مع عودة رفسنجاني الى الساحة السياسية بقوة بعد هزيمته المدوية في الانتخابات الرئاسية أمام نجاد.ويعتقد مراقبون أن عودة رفسنجاني الذي يمثل تيار الاعتدال في ايران بقوة للمسرح السياسي متصلة بطريقة إدارة رفيق دربه المرشد للتوازنات السياسية في البلاد، ورؤيته ضرورة فرملة تشدد نجاد باعتدال الخاسر رفسنجاني، لقاء تحييد حلفاء رفسنجاني من الاصلاحيين وعلى رأسهم الرئيس الاصلاحي السابق محمد خاتمي.
ومنذ كانون اول/ ديسمبر الماضي بدأ رفسنجاني صعوده اللافت عندما تفوق على منافسيه في انتخاب اعضاء مجلس الخبراء، والتي تُوجت بانتخابه رئيسا لمجلس الخبراء في 4/9/2007 خلفاً لآية الله علي مشكيني (86عاما) الذي توفي في تموز/يوليو الماضي بعد معاناة من مرض عضال، وهو المجلس صاحب السلطات الواسعة وبضمنها تنحية وانتخاب المرشد، إذ ان رفسنجاني بات قاب قوسين أو أدنى من الحلول في الموقع الأول برحيل المرشد العليل، وهو على تحالف مع تيار الاصلاحيين الذي يقوده الرئيس السابق محمد خاتمي في مواجهة المحافظين المتشددين، وبذلك فإن التغيير يهدف لكفل التوازن بين المعتدلين وحلفائهم الاصلاحيين من جهة الذين يتصدرهم رفسنجاني والمحافظين المتشددين من جهة اخرى في الانتخابات القادمة في مارس/آذار القادم نظرا لعمق تأثير الحرس في الانتخابات ودورهم البارز في السيطرة على صيرورة العملية الانتخابية.
وتدلل انتخابات مجلس الخبراء على مدى الندية في الصراع بين الطرفين، ويؤكد عليها أن فوز تيار الاعتدال ممثلا برفسنجاني لم يكن باغلبية مريحة من الاصوات، حيث حصل على 41 صوتا من اصل 75 شاركوا في التصويت لرئاسة المجلس الذي يضم 86 عضوا، في حين حصل غريمه ممثل تيار المحافظين المتشددين اية الله احمد جنتي على 34 صوتا من بين أعضاء المجلس، ويشغل جنتي رئاسة مجلس صيانة الدستور، وهو مقرب من نجاد ومرشده الروحي اية الله مصباح يزدي.
وبالرغم من فوز رفسنجاني بالرئاسة في المجلس الخبراء الا ان عدد الاصوات التي حصل عليها منافسه جنتي تؤكد بانه لايمكن الاستهانة بثقل المتشددين الذين استحوذوا على المناصب الاخرى التي تحيط به، وهي نواب الرئيس وسكرتيري المجلس. للتوضيح فقد سقط آية الله هاشمي شاهرودي الذي يشغل منصب رئيس السلطة القضائية، وهو حليف معتدل لرفسنجاني، أمام مندوب محافظة قم آية الله مؤمن الذي حصل علی 37 صوتا وأصبح النائب الأول لرئيس المجلس وخلفا له. وفاز آية لله محمد يزدي بمنصب النائب الثاني للرئاسة، في حين تولی منصبي السكرتير في المجلس آية لله سيد أحمد خاتمي وحجة الإسلام قربانعلي دري نجف آبادي.
واللافت ان رفسنجاني اطلق قبيل انتخابه شعارات اعلن فيها عن نيته تفعيل دور المجلس، وزيادة الشفافية في عمله، وقال منتقدا سياسة المجلس الدارجة "لا يعرض مجلس الخبراء حالياً على المجتمع آراءه حول المسائل الكبرى، لكن قد تنقل قراراته يوماً إلى الشعب". وهو يردد بقوة أنه "في حال أراد مجلس الخبراء أن يلعب دوراً أكبر في قضايا الأمة، فهو يمتلك السلطة الشرعية والدينية للقيام بذلك". وهذا يعني مشاركة المجلس في قيادة الجمهورية مع المرشد. ويجدر الذكر أن رفسنجاني من انصار تقييد الفقية وتحديد الولاية بفترة زمنية، بل وربما الغائها، وسبق له ان ادعى في مذكرات اثارت سخط المحافظين قال فيها ان الخميني كان سيسقط شعار" الموت لامريكا" قبيل وفاته.
التوازن بين التشدد والاعتدال مرهون بمسار المواجهة مع امريكا وعلى أية حال فإن انتخاب رفسنجاني، لم يغير كثيرا في توازن القوى القائم حاليا في السلطة الإيرانية، ولا يستبعد أن وجوده في هذا المنصب إنما يأتي لامتصاص نقمة الأوساط المعتدلة والاصلاحية وإبقاءها في دائرة السياسة العامة للجمهورية الإسلامية مع تنامي التحديات الداخلية والخارجية لها.
ويستبعد مراقبون أن تكون التغيرات في إيران تجري لصالح المعتدلين، فتعزيز موقع رفسنجاني ليس نتيجة جهوده الشخصية وهو الذي يأخذ عليه المتشددون كيفية صنعه ثروة كبيرة. وفي التقديرات أنها لا تخرج عن اطار امتصاص التشنجات الداخلية والغضب من سيطرة المتشددين على كافة المؤسسات المفصلية في البلاد. ومن المستبعد أن تكون بداية العد العكسي لعودة المعتدلين للصدارة فعلا، وهي الصدارة التي قد تكون شكلا في الانتخابات المقبلة، خصوصا إن التوتر مع الغرب على خلفية الملف النووي لم يحسم بعد.
استمرار الاتهامات المتبادلة بين المحافظين والمعتدلين
وفي تأكيد على استمرار الصراعات بين الرئيس الحالي ورفسنجاني، فقد شن نجاد هجوما قصد به المعتدلين حيث قال امام طلاب إسلاميين "هناك شخص اعطى معلومات إلى الأجانب وشجعهم على تبني قرارات أشد قسوة" ضد بلاده، وبينما لم يحدد هويته الا انه اكتفى بالقول انه "عضو في مؤسسة تابعة للدولة تهين الحكومة في صحفها". ومضى قائلا "ان هذا الشخص عقد سابقا لقاءات دورية مع أجانب وأبلغهم حتى بالخلافات (في ايران حول النووي) واعتبر إن القرارات (الصادرة عن مجلس الامن) ضعيفة جدا". ورجح محللون أن يكون قصده المفاوض النووي حسين موساويان المقرب من رفسنجاني، وهو نائب مدير مركز دراسات تابع لمجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يرئسه رفسنجاني، وقد تم ايقافه في مايو/ايار الماضي لمدة 10 ايام قبل ان يفرج عنه بكفالة على خلفية اتصالاته في الخارج ونقله معلومات سرية و هو لا يزال موضع تحقيق. ومن ناحية اخرى انتقد نجاد شخصا لم يكشف عن هويته "يزور دول الخليج لتشجيعها على عدم التعاون مع الحكومة".
ويعرف عن رفسنجاني إنه حذر مرارا من اتباع سياسات "غير عاقلة" في إشارة لساسة الرئيس نجاد فيما يتعلق بالكثير من الملفات، وتحديدا الملف النووي. وعقب انتخابه رئيسا لمجلس الخبراء لفت نظر الجميع بحديثه عن "خطر أمريكي وشيك" يهدد ايران، في اشارة الى سياسات المحافظين التي تقود البلاد الى المواجهة العسكرية، فيما يسعى هو لإبراز أهميته كلاعب يسعى لإمتصاص التهديدات الأمريكية بمرونة واعتدال.
توقعات
بتولي جعفري قيادة الحرس، وتولي رفسنجاني رئاسة مجلس الخبراء يتوقع متابعون أن يستمر الصراع بين تياري التشدد والاعتدال، واثناؤه يسعى كل طرف لاستغلال نقاط ضعف الآخر وكبواته.
ومن المتوقع أن يستغل نجاد أخطاء قيادة الحرس السابقة لإعادة ترتيب وضع الحرس مجددا بوجوه اكثر تشددا وشفافية، بما يدعم طموحه في احداث تغيّرات استراتيجية في العمل الحكومي والسياسي والديني وفي سلطة رجال الدين على خلفية تنقية الحرس ممن أساؤوا لسمعته داخليا، بحكم أن الحرس هو صاحب اليد الطولى في مفاصل الحياة السياسية والادارية، بما في ذلك الوزراء الرئيسيين. هذا مع الإشارة إلى أن ملف المستمسكات زاخر بتجاوزات الجهاز في مجال التجارة وإنشاء مؤسّسات المصالح الخاصة، وفرض سطوة على الكثير من الأجهزة الحساسة في الدولة والتصرّف بأموال طائلة.
هذا مع الاشارة إلى أن إيرادات مشاريع الحرس السنوية بحسب دراسة لجامعة طهران تبلغ نحو 12 مليار دولار، وقد تمكن وعلى مدى سنوات طويلة من إختراق مختلف قطاعات الحياة السياسية والاقتصادية الايرانية، فهو يملك القطاعات الحيوية في الإقتصاد الإيراني، كما أن ضباطه متغلغلون في قطاعات الدولة الحيوية، وقد أوجد شبكات نفوذ ومصالح تجارية ليس من السهل تحجيمها رغم كونها في قائمة اخطاء صفوي، وأثارت عليه أطراف متعددة من القيادات. ولذلك فإن طموحات نجاد ستصطدم بصعوبات جوهرية، خصوصا أن عملية التطهير والتخلص من طبقة المنتفعين تحت عباءة الحرس تبقى أمرا مرهونا بتعاون الافرقاء الإيرانيين، وهو مستصعب في ظل تصيد الافرقاء للاخطاء المتبادلة، وهو ما يتيح للمستهدَفين بالتطهير تغيير ولاءآتهم، والتلحف بعباءآت التيارات المختلفة.