A+ A-
الصراعات الإقليمية وتحديات الإصلاح في الشرق الأوسط*
2004-10-02

عريب الرنتاوي
مدير مركز القدس للدراسات السياسية

خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي أعقبت أحدث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما تلاها من حرب كونية على الإرهاب واحتلال أمريكي بريطاني للعراق، شهدت المنطقة العربية جدلا محموما حول قضايا الإصلاح والتغيير، انخرطت فيها بنشاط، مختلف قوى المجتمع المدنية والسياسية من حكومات وأحزاب ومثقفين وأكاديميين ونشطاء في مختلف حقول العمل العام.ولأول مرة منذ إنشائها قبل ستة عقود، أقرت الجامعة العربية في اجتماعها الأخير في تونس على مستوى القمة، خطة للاصلاح في الدول والمجتمعات العربية، أبرزت فيها الحاجة للحكم الرشيد وتوسيع المشاركة وتمكين المرأة وسيادة القانون، فيما شهدت هذه الفترة انعقاد مؤتمر الاسكندرية وصنعاء والدوحة التي بحثت جميعها، وبمشاركة واسعة من ممثلي المجتمع الأهلي، في مسألة الإصلاح والتحديث في العالم العربي.
واللافت للانتباه، أن ثمة إجماع عربي على أهمية الإصلاح، فلا أحد في العالم العربي يجادل في ضرورته، بل في مضامينه ووسائله والمستويات التي ينبغي أن يصل إليها.
لكن هذا الإجماع الشكلي حول ضرورة الإصلاح، يخفي وراءه انقساما عميقا في تفسير معنى الإصلاح والخطوات الواجب اتخاذها لإنجازه، والوجهة التي يتعين على الدول والمجتمعات العربية أن تسلكها من أجل اللحاق بركب الدول والمجتمعات الحديثة.
لقد قرعت التقارير الدولية حول المعدلات المنخفضة للتنمية البشرية ناقوس الخطر في العالم العربي، وباتت المقارانات بين المجموعة العربية ودول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، مثيرة للفزع والقلق، فهاتان المنطقتان تتنافسان على الموقع الأخير في سلم التنمية البشرية، ومؤشرات التنمية في المنطقة العربية على وجه الخصوص، تشهد حالة من التراجع، ولم تفلح هذه المجموعة في اللحاق بركب الموجة الديمقراطية الثالثة التي ضربت دول أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا اللاتينية في ثمانينييات وتسعينييات القرن الفائت.

الصراع العربي الإسرائيلي وعملية الإصلاح والدمقرطة

لا يكاد يختلف اثنان في العالم العربي، أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي لأكثر من نصف قرن، قد ألحق ضررا فادحا لجهود بعملية الانتقال بالمجتمعات والدول العربية من حالة التخلف والركود إلى ضفاف الحداثة والعصرنة، فالظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، وإخفاق المجتمع الدولي في توفير حل عادل ومنصف للقضية الفلسطينية، كان عاملا محركا لكثير من الانقلابات السياسية والعسكرية في العالم، مثلما كان سببا في نشؤ الكثير من الحركات القومية واليسارية والإسلامية المتشددة في العالم العربي.لكن الأمر الذي لا يجدال فيه الديمقراطيون والليبراليون العرب، هو أن الصراع العربي الإسرائيلي قد استخدم طوال سنوات وعقود من قبل الأنظمة والحكومات العربية، كذريعة لتعطيل الحياة الدستورية، وفرض قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، ومصادرة الحريات وقمع المعارضات وتبرير الإخفاق التنموي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية...فهذا الصراع ذاته، لم يمنع أحد فريقيه، إسرائيل، من أن يبني نظاما سياسيا ديمقراطيا لمواطنيها، وأن تكسب في الوقت ذاته، معظم، إن لم نقل جميع حروبها مع الحرب..كما أن سياسات القمع والإلغاء والإقصاء التي اعتمدتها الأنظمة العربية، لم تفلح، وما كان لها أن تفلح في تمكين العرب والفلسطينيين من حسم هذا الصراع لصالحهم، فكانت النتيجة أن أهدرت خمسة عقود في تاريخ المنطقةالمعاصر، من دون أن تسجل أية نجاحات تذكر لا في حسم هذه الصراعات أو حلها، ولا في تحقيق التنمية المستدامة ولا في بناء حكم رشيد ينهض على قواعد التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
والغريب حقا أن معظم الأنظمة العربية ما زالت تتذرع بهذا الصراع لتعطيل مشاريع الإصلاح والتغيير في دولها ومجتمعاتها، برغم اتفاقها جميعا على اختيار طريق السلام كخيار استراتيجي لحل هذا الصراع، وبرغم إقرارها جميعا على أن الحرب لم تعد خيارا واقعيا، بل وبرغم أن معظم هذه الدول، البعيدة نسبيا عن ميدان الصراع، لم تعد تولي المسألة الفلسطينية مكانة الأولوية على أجندتها.
نعم، الصراع العربي الإسرائيلي ما زال وسيبقى عاملا مؤثرا في تعطيل وتهديد مسيرة التحول الديمقراطي في العالم العربي، ولكن ليس من البوابة التي تقترحها الأنظمة العربية، بل من بوابات أخرى، أهمها ما يشيعه الإخفاق في حل هذا الصراع من مشاعر يأس وإحباط في أوساط الرأي العام العربي، وما تفضي إليه السياسات الأمريكية المنحازة لإسرائيل وعدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني من مشاعر كراهية للسياسات والإدارات الأمريكية، مع كل ما يترتب على ذلك، من إضعاف للديمقراطيين والليبراليين العرب الذين بات ينظر ليهم كمنشقين سياسيين في أحسن الأحوال وكعملاء للغرب ومتخاذلين ومهزومين أمام العدو في غالب الأحيان.
والمؤسف حقا أن محاولات الأنظمة العربية التذرع بالصراع العربي الإسرائيلي لتعطيل التحولات الديمقراطية تقابل بمحاولات لا تقل خطورة، تصدر عن بعض الأوساط الأمريكية، سيما المنحازة منها كليا لإسرائيل والتي تسعى في تعطيل السلام وحل الصراع العربي الإسرائيلي بانتظار قيام أنظمة ديمقراطية في العالم العربي، فيصبح السلام معلقا على شرط الدمقرطة المرهونة بدورها بتحقيق السلام، ما يعني في نهاية المطاف، بقاء السلام مفقودا، والديمقراطية معلقة على شتى المشاجب.
ولا تقل محاولات بعض الأوساط الأمريكية الفصل ما بين الصراعات الإقليمية والتحولات الديمقراطية خطورة عن المقاربة السابقة، فالمسودة الأولى لمشروع الشرق الأوسط الكبير، تجاهلت الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية قبل أن تدخل قمة الدول الثمانية الكبار التعديلات المعروفة عليها، ومبادرة الشراكة الأمريكية الأوسطية التي أعلنها الوزير كولن باول، لم تمنح هذا الصراع الأولوية التي يستحقها، ومجمل السياسات الأمريكية حيال هذا الصراع، تولد إحساسا عميقا بالشك، في أوساط الرأي العام العربي، بأن واشنطن ليست جادة أبدا في القيام بدورها كوسيط نزيه بين العرب والإسرائيليين، وأن جل اهتمامها ينصب على رعاية أمن إسرائيل وتفوقها ورفاهها وتطوير علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامين من دون أن تتخلى عن احتلالها للأراضي العربية الذي بدأ عام 1967.
وما لم يطرأ تغير حقيقي على مواقف واشنطن وسياساتها حيال هذا الصراع، فإن غالبية عظمى من الرأي العام العربي ستظل تنظر إلى أفكار الإصلاح الشرق الأوسط الكبير ومبادرة الشراكة من أجل التقدم، بوصفها تعبيرا عن التنكر للحقوق العربية والفلسطينية، ووسيلة لتمكين إسرائيل من تطبيع علاقاتها مع دول المنطقة دون مقابل.
ولا شك أن حل هذا الصراع على قاعدة قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة وخريطة الطريق، سوف يسهم في إعطاء دفعة قوية لعملية الإصلاح والتغيير في العالم العربي، وسيعزز مواقع القوى السياسية والاجتماعية التي تطالب بالتغيير، وسيجفف كثيرا من ينابيع التطرف والغلو في العالم العربي، التي طالما اتخذت من القضية الفلسطينية ستارا يخفي أجندات خاصة، من صدام حسين زمن غزوه للكويت، إلى أسامة بن لادن في كهوف تورا بورا وقندهار.

واشنطن، الحرب على الإرهاب، احتلال العراق ومشاريع الإصلاح

تعتقد أوساط أمريكية واسعة، أن الدرس الأساسي الذي يتوجب استخلاصه من الهجوم الإرهابي على واشنطن ونيويورك، يتمثل في ضرورة محاربة مصادر الإرهاب وجذوره الكامنة في الأنظمة الديكتاتورية والفاسدة من جهة، وفي الأنظمة والحركات والمؤسسات الدينية المتطرفة من جهة ثانية، والتي شجعت ثقافة العنف وقتل الآخر، وغذت التيارات "الإسلامية الأشد تطرفا" التي ترفع بدورها خطاب "صدام الحضارات معكوسا".لكن الحرب علىالإرهاب حملت في سياقاتها، جملة من السياسات والممارسات التي تذهب بخلاف هذه الخلاصة، فالولايات المتحدة أبقت على تحالفها مع أنظمة فاسدة، ديكتاتورية وثيوقراطية، بل ووثقت علاقاتها مع انظمة حكم انقلابية غير شرعية، لا لشيء إلا لأنها أظهرت تعاونا عسكريا واستخباريا في هذه الحرب، وفرت القواعد والتسهيلات اللوجستية، وأعانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية بما في حوزتها من أراشيف عن المنظمات الإرهابية والعنفية.
وبحجة الحرب على الإرهاب، شهدت المنطقة العربية انتكاسة حقيقية لجهة حرية الرأي والتعبير، وفرضت قيود على الأحزاب السياسية المعارضة، وزج بأعداد كبيرة من نشطائها في السجون، وجرى التضييق على الحركات الإسلامية دون تمييز بين تياراتها المعتدلة والمتطرفة، السلمية والعنفية.
وبين صمت الولايات المتحدة على هذه الممارسات وتواطئها مع الأنظمة التي تقترفها، ضاعت الخلاصة الرئيسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتكبدت قضية الحرية والديمقراطية في العالم العربي خسارة جسيمة صافية.

إلى أن جاءت الحرب الأمريكية/ البريطانية على العراق، المتجردة من غطاء الشرعية الدولية بشهادة الأمين العام للأمم المتحدة ذاته، لتوفر فرصتين، الأولى للولايات المتحدة، لاختبار مقارباتها الجديدة حيال ملفات الإصلاح والتحديث في العالم العربي، والثانية للعراقيين والعرب، للتعرف على جدية وجدوى الخطاب الإصلاحي الأمريكي...فكيف جاءت حصيلة هذا الاختبار؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تخرج عن حدود التقييمات التي وضعتها دوائر الاستخبارات الأمريكية مؤخرا على مائدة الرئيس الأمريكي جورج بوش، فبعد عام أو يزيد من احتلال العراق، تراوح سيناريوهات المستقبل بين حدين، أولهما، أو أقلهما وطأة، "الصوملة" بما هي استمرار لحالة الفوضى والفلتان، انعدام الأمن والأمان حتى إشعار آخر، وثانيهما، أو أشدها خطورة، انزلاق العراق في أتون حرب هلية تفتح الأبواب لاحتمالات "اللبننة" و"البلقنة".
وبدل اعتماد مقاربة "بناء الأمة" في التعامل مع "عراق ما بعد صدام حسين"، التي روجت لها واشنطن، قبل الحرب وأثنائها وبعدها، اكتفت قوات الاحتلال الأمريكي بتفكيك الدولة العراقية من دن نجاح جدي يذكر في إعادة بنائها، فعاد العراقيون إلى مكوناتهم ووحداتهم البشرية الأولى: القبيلة والطائفة.
وبدل أن يصبح العراق، بوابة التغيير الكبرى في المنطقة، أخذت القوى المحافظة في الدول والمجتمعات العربية تعود لنموذج عراق ما بعد الحرب بوصفه النموذج الأكثر بؤسا لسياسات "تغيير الأنظمة" التي انتهجها صقور الإدارة من محافظين جدد ويمينيين متطرفين.
بدل أن تحفز سياسة بناء الأمة في العراق تيارات التغيير والتحول الديمقراطي في العالم العربي، أنعشت القوى المحافظة والتقليدية والدينية، وعزت نفوذ الأنظمة العربية، وبات المواطن العربي المنتمي للأغلبية الصامتة، قانعا بنعمة الأمن والأمان، حتى وإن تحققت في ظل سلطان جائر.
وإذ بلغ التشابه بين الصور المبثوثة عن ممارسات الجيش الأمريكي في الفلوجة والرمادي والنجف وتلعفر وأبو غريب، حد التطابق مع ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في غزة وجنين ورفح ونابلس وبقية المعازل والسجون الجماعية في فلسطين، فقد تشبع الوعي الجمعي العربي بحقيقة أن ما يجري في العراق لا يختلف كثيرا عمّا يجري في فلسطين، الوجوه ذاتها والأسلحة ذاتها والممارسات ذاتها، والمستفيد الأول والأخير من كل ما يجري هنا وهناك، هي الأطراف ذاتها.
وما لم يجر التخلي عن السياسات التي تقود العراق والمنطقة إلى كارثة محققة، ما لم يجر التخلي عن الأحادية والنزوع إلى الحروب الاستباقية بخلاف القانون الدولي، ما لم يجر الانضواء جديا تحت راية الشرعية الدولية والأمم المتحدة، ما لم يجر التعاون والتنسيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة، ما لم يجر الانفتاح على مختلف مكونات الطيف السياسي والسكاني العراقي، ما لم تتسارع عمليات نقل السلطة للعراقيين بصورة جدية لا شكلية، ما لم يتحدد جدول زمني لرحيل الاحتلال الأنجلو – أمريكي، فإن العراق الذي أريد له أن يرفد أنهار التغيير في العواصم العربية بمياه جديدة، سيتحول إلى سد منيع يعترض طريق الإصلاح والتحولات الديمقراطية في المنطقة، وسيصبح، إن لم يكن قد أصبح بالفعل، مصدر تهديد للاستقرار والأمن الإقليميين، ومبعث قلق لدى مختلف دول المنطقة ومجتمعاتها.
إن الخلاصة المترتبة على حصاد عام ونصف العام على احتلال العراق، هي سقوط نظرية التغيير العنيف والدراماتيكي من الخارج، وإعادة الاعتبار لفرضيات التغيير المتدرج، النابع من الداخل، والمدعم بقوة الضغط والإسناد الدوليين، متعددة الأوجه بدءا بعزل الأنظمة الكثر فسادا وديكتاتورية، وانتهاء بدعم قوى التغيير في المجتمعات العربيةن مرورا بتشجيع أية خطوات جادة تخطوها الحكومات العربية على طريق الإصلاح الحقيقي الهادف تغيير الأوضاع في الداخل، لا كسب التفهم والتأييد من الخارج فحسب، كما تفعل معظم الحكومات والأنظمة العربية.

الشراكة الأوروبية المتوسطية...الإصلاح والصراعات الإقليمية

مستندة إلى أرثها الكولونيالي في المنطقة، تبدو دول الاتحاد الأوروبي أكثر قدرة على تفهم الخصائص الثقافية والاجتماعية والسياسية لدول المنطقة.ولأنها تشاطئ دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد تنبهت أوروبا مبكرا إلى مصادر التهديد الكامنة في هذه المنطقة، ولقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة، فيضا من الكتابات والمؤتمرات حول السياسة الخارجية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، التي لحظت جملة من مصادر التهديد الكامنة جنوب المتوسط، منها: نمو الحركات العنفية والإرهابية الإسلامية المتطرفة، التي تشكل تحديا أمنيا داخليا لدى كثير من الدول الأوروبية بجالياتها الإسلامية الكبرى...انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائط نقلها جنوب المتوسط....تنامي مظاهر الهجرة غير الشرعية الناجمة عن إخفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وانحباس عملية التحول الديمقراطي في دول الجنوب...استمرار الصراعات الإقليمية المشتعلة في المنطقة، وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي.
وللتعامل مع هذه التحديات ومصادر التهديد على نحو شمولي، أرست عملية برشلونة للشراكة الأوروبية المتوسطية في أواسط التسعينييات من القرن الفائت، قواعد للعلاقات بين دول حوض المتوسط، اشتملت على قيم المشاركة وحقوق الإنسان والتعددية وسيادة القانون وحقوق النساء ومشاركتهن.
بيد أن حصيلة عقد من الشراكة، تشير إلى تواضع النتائج المتحققة في ميادين الشراكة، فدول الاتحاد لم تلتزم في تعاملها مع أنظمة المنطقة وحكوماتها بقيم برشلونة، وظلت تحتفظ بصداقات وعلاقات تعاون مع أنظمة فاسدة وديكتاتورية وشمولية.
وظلت تعاملات دول الاتحاد مع مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته غير الحكومية في حدود متواضعة، قياسا بتعاملات هذه الدول مع الحكومات والأنظمة الحاكمة، بما فيها الدول المسماة "مارقة".
وبموازاة دورها الثانوي في التعامل مع ملفات المنطقة وصراعاتها الإقليمية الساخنة، قياسا بالدور الأمريكي المقرر، انتهجت أوروبا "مقاربة تدريجية" في التعامل مع ملفات الإصلاح والتغيير في المنطقة، فهي لم تكن على وفاق مع التيارات الصقرية في واشنطن صاحبة نظريات التغيير بالقوة، وسياسة تغيير الأنظمة، ودعمت اتجاهات الإدارة الأكثر اعتدالا، وكانت لها بصماتها في استخراج النسخة الأخيرة من مشروع الشراكة في التقدم الصادر عن مجموعة الثمانية الكبار.
شأنها شأن الولايات المتحدة، ظلت دول الاتحاد الأوروبي محكومة بعلاقاتها الأوسطية بمعادلة يصعب التوفيق بين طرفيها، فهي من جهة لا تستطيع المخاطرة بعلاقاتها مع الأنظمة والحكومات، لأسباب تتعلق بصون الاستقرار وحفظ الأمن الإقليمي والدولي على المديين المباشر والمتوسط، وهي من جهة ثانية، تدرك أن تدعيم هذه الحكومات، يتهدد استقرارها على المدى الطويل.
أما النتيجة التي ترتبت على "المقاربة التدريجية" الأوروبية المحافظة، والمحكومة أيضا باختلاف وتباين مواقف الدول الأعضاء في الاتحاد، فقد كانت تواضع النتائج المتحققة في ميادين الإصلاح والتغيير في العالم العربي، والتي ظلت في معظمها منحصرة إلى حد بعيد في قطاعات التدريب والتأهيل ونقل المهارات والخبرات للمنظمات الأهلية، وغالبا بصورة انتقائية، تستني قطاعات مؤثرة من الرأي العام العربي المحسوب على التيارات الإسلامية المعتدلة.
وأحسب، أن شعوب دول الجنوب ومجتمعاتها، تتطلع لدور أوروبي أكبر، ليس فقط في معالجة الصراعات الإقليمية المتفجرة، من العراق إلى فلسطين، بل وفي تحفيز عملية الإصلاح والتغيير في العالم العربي، وبصورة تراعي جديا معايير برشلونة.

الإصلاح الداخلي والتدخل الخارجي

هل التدخل الدولي ضروري لغايات تخقيق الإصلاح والتغيير في العالم العربي؟ لماذا، كيف وبأية أشكال وحدود؟إن الإجابة على هذه الأسئلة والتساؤلات، تحيلنا مباشرة إلى السؤال عن أسباب انحباس عملية التغيير والإصلاح في العالم العربي، وهي كما يقول علماء السياسة والاجتماع في العالم العربي، متعددة ومتشعبة، منها السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، على أن أهم هذه الأسباب يتلخص في غياب الإرادة السياسية عند الأنظمة والحكومات العربية، وانعدام الجدية لدى معظم الحكام العرب في تناولهم لقضايا التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة وتمكين المرأة والشباب.
صحيح أن تنوع التركيبات الإثنية والعرقية والطائفية والقومية في العالم العربي تملي بعض الحذر توخيا لانزلاق المنطقة إلى انقسامات وتشققات وحروب أهلية جديدة، لكن الصحيح كذلك أن الأنظمة العربية أخفقت في حل مشكلات الأقليات، فهي أما أنها ذاتها أنظمة "أقلوية" تتحكم بمصائر الأغلبية، وإما أنظمة تعبر شكلا عن مصالح الأكثرية، لكنها في واقع الحال، لا تكتفي بالتنكر لحقوق الأقليات، بل ولا تعبر عن المصالح الحقيقية للأكثرية التي تحدرت منها...ووحدها المعالجة الديمقراطية- التعددية الناهضة على احترام حقوق الإنسان والأقليات، يمكن أن تجعل من تنوع المجتمعات العربية وتعددها، مصدر قوة وثراء، بدل أن تكون سببا لتأزمات داخلية ملاحقة.
وصحيح أن في الموروث الثقافي العربي، الذي يعد الدين الإسلامي عاموده الفقري، ما يمكن أن يعد عائقا على طريق الدمقرطة والتعددية الحزبية وتمكين المرأة وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان والتسامح والاعتراف بالآخر، لكن الدين الإسلامي، واستتباعا الموروث الثقافي، مفتوحان على قراءات مختلفة، تبدأ بخطاب الحداثة ذي الخلفية الإسلامية في المغرب وتركيا والأردن، ولا تنتهي بخطاب "صدام الحضارات" الصادر عن كهوف أفغانستان، وقد برهنت تجربة تركيا وعدد من الدول الإسلامية، وإرهاصات التجربة الآخذة في التشكل ببطئ وحذر في المغرب والأردن، أن الإسلام والديمقراطية يمكن أن يتعايشا، وأن الإسلام بقراءاته الحديثة، القائمة والمقترحة، منفتح على هذه احتمالات التوافق والانسجام مع الديمقراطية لا التنافر والتضاد معها.
إن الذين يتحدثون عن "خصوصية" الحالة العربية و"استثنائية" الحالة الإسلامية، من العرب والمسلمين، ينتمون إلى فئتين، فهم إما مثقفي سلطة وسلطان، يجهدون في تأبيد حالة الركود والتراجع، وإما مستلبين لبعض مدارس استشراق الحديث، التي يجهد أصحابها لأغراض سياسية غير خافية لى أحد، في الترويج لنهاية التاريخ وصدام الحضارات.
إن المعضلة الرئيسية التي تعترض طريق الإصلاح والتغيير في العالم العربي، تتمثل في استمساك الأنظمة والحكومات بالأساليب التقليدية في ممارسة الحكم والسلطة، في رفضها توسيع هوامش المشاركة، وميلها الجانح لتجديد النخب الحاكمة من داخل العائلة المسيطرة، سيما في الأنظمة المتوارثة عن الانقلابات العسكرية، التي نجحت في اختصار الشعب بالطبقة الحاكمة، والطبقة بحزبها القائد، والحزب بالعشيرة والعشيرة بالعائلة، والعائلة بالأب وأبنائه.
لقد نجحت الأنظمة والحكومات العربية، في إعاقة نمو المجتمعات المدنية العربية، وإضعاف دور المعارضة بقواها وأحزابها المختلفة، وأمكن لها خلق ديناميكيات داخلية لا وظيفة لها سوى إعادة انتاج الأنماط القديمة والبالية للحكم والسلطة.
ويجادل بعض علماء الاجتماع العرب اليوم، بأن واحدا من الأسباب العميقة التي أسهمت في تخلف المنطقة العربية عن اللحاق بركب الدول الديمقراطية، إنما يعود للانقلابات العسكرية في خمسينييات وستينيات والنصف الأول من سبعينيات القرن الفائت، والتي شكلت حالة انقطاع في تطور المدينة العربية، وأحدثت ارتدادة في مسار النهضة والتنوير الذي كانت إرهاصاته الأولى قد أطلت برأسها في مختتم القرن التاسع عشر.حيث شهدت الحواضر العربية الكبرى، عملية "ترييف" واسعة، انتهت إلى ظهور نوعين من الأنظمة والحركات السياسية العربية: الطغاة والغلاة، الأنظمة المستبدة والديكتاتورية من جهة، وتيارات الغلو والتطرف من جهة ثانية.
وليس من قبيل الصدفة أبدا، أن الدول العربية التي تمتلك اليوم فرص تطور طبيعي تدريجي نحو الديمقراطية، بل واخذت تختبر مستوى معينا من الحريات والممارسات الديمقراطية، هي ذاتها الدول التي أفلتت من قبضة الانقلابات العسكرية وزحف الريف على المدينة والتحكم بمصائرها.
وجاءت الطفرة النفطية في أواسط السبعينيات، لتحمل في طياتها بذور النعمة والنقمة على حد سواء، فهي من جهة وفرت الموراد لشعوب ودول ومجتمعات كانت في أمس الحاجة إليها، بيد ان التوزيع غير العادل للثروة أسهم من جهة ثانية في خلق طبقات وشرائح محافظة، رجعية ونافذة، لم يتقصر تأثيرها على دول النفط بل تعداه إلى جوارها،، ولتضيف أعباء جديدة على كاهل قوى التحديث والتغيير في العالم العربي، فالنفط انبعث في أضعف حلقات السلسلة العربية من حيث التطور الاجتماعي والسياسي والثقافي، والقوة الهائلة التي وفرتها عائدات النفط لبعض الدول العربية، مكنتها من السيطرة على الثقافة والإعلام، وتحديد وجهة التطور الداخلي للدول الأقل غنى، وبات يتعين على الدول العربية الأكثر انفتاحا على روح العصر وقيمه، أن تضبط خطوات تطورها اللاحق وفقا للإيقاع البطيء لدول النفط والثروة، تارة بإغراء المساعدات، وتارة أخرى بقوة الضغط والإكراه المباشر وغير المباشر.
ومثلما عملت الانقلابات العسكرية على "ترييف" المدينة والحواضر العربية، فقد عملت الثروة النفطية على "بدونة" المجتمعات العربية، ووسمها بالطابع الخاص للدول المحافظة ومجتمعاتها التقليدية، فانعكس ذلك بأوخم العواقب على الثقافة العربية التنويرية في شتى صورها وأشكالها وميادنيها، وأرسى ذلك الأساس لنمو قاعدة اقتصادية – اجتماعية – ثقافية للقوى المحافظة والتقليدية في مجتمعاتنا، كان لها تأثيرها في إضعاف القوى الديمقراطية والليبرالية الحديثة.
لقد ترتب على هذه الديناميكيات، إن شهدت المنطقة العربية منذ مطلع السبعينيات حالة من الركود وانعدام التغيير، فالقادة العرب، في معظمهم، هم الأقدم في العالم، لا يتغيرون إلا في حالات الوفاة الطبيعية، وبعد عمليات تمهيد غير مكلفة ولا مضنية، لنقل السلطة لأبنائهم، وأخذت المنطقة العربية تنفرد بنموذج الجمهوريات الوراثية، والحكام الذين لا يقون على الحركة والحراك، فيما قوى المجتمع المدنية عاجزة عن الحراك المؤثر، باستثناءات قليلة، وتراجعت إلى أدنى الحدود والمستويات فرص التغيير من الداخل، وباتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى، للتدخل الخارجي بأشكاله المختلفة، من ضغوط سياسية وديبلوماسية واقتصادية، ليس من بينها خيار الحرب المدمر، كما ظهرت تجلياته واضحة في العراق.
إن للتدخل الخارجي، الأمريكي الأوروبي بوابات ثلاث واسعة، يمكن له من خلالها أن يحدث أثرا إيجابيا على مجمل عملية التغيير والإصلاح في العالم العربي: البوابة الأولى: معالجة الصراعات الإقليمية ووضع حلول لها على أساس الشرعية الدولية وقراراتها، وفي مقدمة هذه الصراعات النزاع العربي الإسرائيلي، البوابة الثانية: اعتماد معايير برشلونة وقيم حقوق الإنسان والمشاركة والحكم الرشيد في التعامل مع هذه الأنظمة والحكومات، والبوابة الثالثة: دعم قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية ونشطاء التغيير والإصلاح في العالم العربي، بدل الاكتفاء بعقد الصفقات مع الحكومات والأنظمة القائمة.

نماذج التغيير والإصلاح في العالم العربي

تاريخيا، عرفت البشرية نماذج أربعة رئيسة للتغيير:الأول: النموذج التاريخي – التقليدي، القائم على التدرج المصحوب بهبات وانتفاضات وثورات (التجربة الغربية)الثاني: التغيير القسري المفروض من الخارج بقوة الجيوش والاحتلالات.الثالث: التغيير الدراماتيكي الداخلي المتولد عن انتفاضات وثورات شعبية ( أوروبا الشرقية، إيران)الرابع:التغيير الناجم عن طفرات اقتصادية تسهم توليد قوى ضغط سياسي داخلي ( الطبقة الوسطى) كما في بعض تجارب نمور آسيا.والراهن أن ليس ثمة نموذج واحد يمكن القول أنه يصلح لجميع الدول العربية، فاتجاهات تطور هذه الدول منذ عصر الاستقلالات الوطنية، متبانية، ووفقا لذلك التباين، يمكننا التمييز بين مجموعات ثلاث تتوزع عليها الدول العربية:
المجموعة الأولى: يبدأ فيها التغيير لحظة تغيير الأنظمة المستبدة
المجموعة الثانية: سيفضي فيها تغيير السياسات لى تغيير الأنظمة.
المجموعة الثالثة: يمكن فيها للأنظمة أن تتعايش مع تغيير السياسات وأنماط الحكم.المجموعة الأولى، مثّل العراق نموذجا فاضحا عليها، بيد أن اتجاهات التغيير اللاحق لسقوط النظام، مكنت دولا عربية من الإفلات من قبضة هذه المجموعة، تحت ضغط الهواجس والمخاوف من الفوضى وانعدام الاستقرار.أما المجموعة الثانية، فهي تمثل دول الحزب القائد، وحكم الأقلية، والعائلة الممسكة بتلابيب الثروة والسلطة، حيث من المرجح أن يفضي فتح الأبواب لرياح الإصلاح فيها، إلى تبدلات جوهرية في شكل وهوية النظام، وربما إلى رحيله.أما المجموعة الثالثة، فهي تمثل غالبية الدول العربية التي التحقت على استحياء وتردد بموجة التحول الديمقراطي، وهذه المجموعة يمكن للأنظمة فيها أن تقود مسارا تطويريا وتحديثيا، إذا ما توفرت قوة الدفع الداخلية من قوى المجتمع المدني، وتظافرت جهودها مع ضغوط دولية دافعة في هذا الاتجاه.
وتتأثر نماذج التغيير في العالم العربي، وتتحدد مواقع الدول العربية ضمن المجموعات الثلاث السابقة، وفقا لسياقات تطور الأحداث على ساحات الإقليم وصراعاته المختلفة، ووفقا لدرجة ومنسوب التدخل الخارجي، واستنادا إلى درجة تبلور ونضج قوى التغير الديمقراطي في المجتمعات العربية.
على أننا نرقب بقليل من التفاؤل، هذا الحديث المتزايد عن الإصلاح، سيما حين يصدر عن الجهات الرسمية العربية، ونتابع بقلق أشد، حالة الضعف والتمزق التي تعيشها القوى والعناصر والمؤسسات المدنية، المحتسبة على تيار الديمقراطية والليبرالية العربية، ويسكننا اليقين بأن مسيرة الإصلاح والتغيير في عالمنا العربي ما زالت في بدايتها، وأن سنوات وربما عقود، ستنقضي قبل أن تلتحق معظم الدول العربية بآخر عربات قطار الديمقراطية الجارف.

* ورقة عمل قدمت في مؤتمر الحضارة والانسجام ... قيم وآليات النظام العالمي الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية في وزارة الخارجية التركية في الفترة من 2-3 أكتوبر 2004 – اسطنبول/ تركيا