A+ A-
خيارات السياسة الأمريكية في ألازمةِ العراقية*
2007-07-17

ترجمة مركز القدس للدراسات السياسية

شهادة مقدمة من قبل مايكل روبن للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي
السّيد الرئيس، الأعضاء الكرام، في البداية أود أن أعرب لكم عن شكري لمنحي هذه الفرصة بالإدلاء بشهادتي من معسكر " بندلتون " في كاليفورنيا حيث يتجهز الفوج البحري الحادي عشر للانتشار في العراق. إن الخطر الذي يواجهونه ورغبتهم للقيام بهذه المهمة الشجاعة تضيف أهمية أخرى للنقاش المطروح هنا اليوم.
إن المعيار الوارد في تقرير التقييمِ الأوليِ الصادر في 12 يوليو/تموز 2007، يرسم صورة مختلطة: ففي الوقت الذي عملت فيه زيادة عدد القوات الأمريكية على خلق المزيد من المجال أمام تدريب قوات الأمن العراقيةِ وتقليص نشاطِ فرق الموت التي تقوم بالقتل على أساس التَطهير العرقيِ والطائفيِ، إلا أن ذلك وعلى أية حال لم يوقف الإرهاب، ولم يتمكن قادة العراق أيضا من الارتقاء وتلبية معاييرنا السياسية. ولا يزال هناك ما يدعو للتفاؤل الحذر، وبعد إعلان الرئيس بوش برفع عدد القوات في العراق كانت المدة التي استغرقتها القوات الأمريكية لنشر خمسة ألوية عسكرية إضافية وقوات من عناصر البحرية للالتحاق بمسرح العمليات هي خمسة أشهر. وفي 15 يونيو/حزيران 2007 ومع البدء بعملية شبح الرعد أعلن الجنرالان بتراوس و ادويرنو بإدخال إستراتيجية رفع عدد القوات حيز التنفيذ الفعلي، وبعد شهر واحد من تنفيذ هذه الإستراتيجية كانت النتائج رائعة.

وعلى الرغم من هذا، فإن صناع السياسة سواء من كان منهم داخل هذه الغرفة أو خارجها يناقشون اليوم بتقليص عدد القوات وتبديل الأدوار، فبينما البعض يفضل الإنسحاب الفوري إلا أن هناك نقاشا مفتوحا حول الخيارات الأخرى والمتمثلة بما يلي:

  • تقليص عدد القوات وحصر دورها بالمهام التدريبية.
  • إعادة الإنتشار إلى الدول المجاورة.
  • الإنتشار في كردستان العراق.
  • ما يسمى التقسيم السهل.
  • زيادة مستوى المشاركة الدبلوماسية مع الدول المجاورة.

لا شيء من هذه الإستراتيجيات ستحل المشاكل التي حددها الكونجرسِ. فهي لن تحسن الوضع في العراق ولا هي حتى ستجعل الولايات المتحدة أكثر أمنا. فهي في الواقع قد تجعل الأوضاع أسوأ مما هي عليه. وهي قد تعني أن كل خيار من الخيارات المذكورة أعلاه يتضمن ترك المجال على الأرض للإرهابيين والتأثير الإيراني، كما أن كل خيار من الخيارات المطروحة يرسل أيضا رسالة ستلحق الضرر بجهود مكافحة الإرهاب لأن تلك الرسالة ستفيد أن الولايات المتحدة تفر من العراق.
وفي هذا السياق فإن الإنسحاب المتسارع من العراق لا يعتبر تصرفا حكيما، ففي إنسحاباتنا السريعة من الصومال ولبنان قد شجعت الإرهاب. وقد إستشهد بن لادن بكلا المثلين عندما قام بتعبئة أتباعه للقيام بالمزيد من الأعمال الإرهابية. ليس هناك من طريق لتَسْريع الهزيمةِ، ولا من الحكمة أيضا الإعتقاد بأنّنا يُمْكِنُ أَنْ نسيطر على العنف في العراق من خلال الإنسحاب من هناك. إن مثل هذه الإستراتيجيةِ وقفت عاجزة عن العمل عندما كانت طالبان تحكم أفغانستان، ولذلك فمن الخطورة بمكان الاعتقاد وفي عصر العولمة أن مثل هذه الإستراتيجية ستكون فاعلة في العراق.

وبدلاً مِنْ تحقيق الإستقرار أَو النصر، فان الإنسحاب الجزئي سَيَضْمنُ حدوث الفوضى والهزيمةَ. ومن المفارقات بان الكثيرين من الذين في يوم من الأيام قد وجهوا أصابع الإنتقاد لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد لأنه نشر القليل من القوات لتحقيق الإستقرار في العراق يشيرون اليوم إلى تكرار نفس التجربة لوزير الدفاع. إن الفائدة الرئيسية الناجمة عن زيادة عدد القوات في العراق تكمن في فسح المجال أمام المزيد من تدريب وتطوير قوات الأمن العراقية. ومع وجود عدد أقل من القوات الأمريكية فليس من الممكن الإستمرار بنفس المستوى من التدريب وبنفس القوة والصرامة. إن القدرة على تأمين التدريب الكافي للعراقيين لضمان إستقرار العراق ستكون المحدد الرئيسي لمدى نجاح الولايات المتحدة.
وفي رؤية لما وراء الانتشار فان ذلك سيضع قدرة الجيش الأمريكي على القيام بمهماته رهينة للدول التي سيتمركز بها ويترافق ذلك مع إرتفاع الكلفة الدبلوماسية لمثل هذه المنهجية، بالإضافة إلى محدودية فعاليتها. وعندما تشارك قواتنا مع القوى الحليفة لنا بالقتال وعند الحاجة للرد الفوري، حينها يجب ألا نعتمد على طلب عبور الحدود نقدمه لوزراء خارجية الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية والكويت والأردن أو السماح لنا باستخدام مجالاتهم الجوية، علما أن عمليات عبور الحدود نادرا ما تتم بصورة سريعة.

ولا يمكن النظر إلى خطوة إعادة إنتشار القوات الأمريكية في منطقة كردستان العراقية على أنها إجراء حكيم أيضا. إن لهجة الخطاب الكردي حول كون الأكراد أفضل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة لا يتعدى مجرد الكلام أكثر منه موقف حقيقي. ففي حين يستضيف الأكراد الوفود الأمريكية على وجبات عشاء فاخرة إلا أنهم يتيحون المجال لمحطة تلفزيون الزوراء وهي الأكثر عداء للولايات المتحدة والأكثر ولاء لعناصر التمرد أن تبث من المناطق الكردية. كما أن مسعود برازاني رئيس كردستان العراق قد ساعد على تمكين الحرس الثوري الإيراني من زيادة تواجده في المنطقة بالإضافة أيضا إلى تدخله في محاولات الولايات المتحدة باعتراض الذين يخططون للقيام بهجمات ضد الأمريكيين. وكما يقوم مسعود برزاني بتأمين الملجأ الآمن والأسلحة لعناصر حزب العمال الكردي المناهض لتركيا والمسئول عن وفاة أكثر من مئة شخص منذ شهر كانون الأول لهذا العام.

و من المحزن أن العلاقات التركية - الأمريكية قد شهدت منذ عام 2003 الكثير من التقلبات. و يمكن القول أن ذلك جاء نتيجة لفشل وتخبط الدبلوماسية الأمريكية، وخطاب وسياسات رئيس الوزراء التركي والذي قد تنتهي سيطرته مع الانتخابات يوم الأحد القادم. بغض النظر عن خلافاتنا مع أنقرة، فان واشنطن يجب ألا تغض الطرف حيال أعمال الإرهاب ضد هذا الحليف مهم و لا ينبغي أن تضفي الحماية لأولئك الذين يؤيدون هذا الإرهاب. إن إعادة نشر القوات في كردستان العراق بلا نهاية محدودة ومع وجود حزب العمال الكردستاني من المرجح أن يثير ذلك المزيد من الصراع ويمكن تصور أن يؤدي إلى انسحاب تركيا من حلف شمال الأطلسي. وعلى المدى القصير على الكونجرس ووزارة الخارجية الطلب من مسعود برزاني بطرد عناصر حزب العمال الكردستاني الإرهابيين، وإسقاط أي اهتمام يتجاوز حدود العراق ووقف عمليات تهريب السلاح من كردستان العراق إلى تركيا.

إن التقسيم سواء كان صعبا أو سهلا لا يمكن وصفه بالتصرف الحكيم أو العقلاني. حيث تجدر الإشارة إلى أن التقسيم يتطلب نقل أعداد كبيرة من السكان من مناطقهم، ويفضل بدلا ذلك السعي لحل النزاع الذي يزداد حدة مع تشريد الناس من مناطقهم. إن نموذج البوسنة لا يتطابق هنا بصورة جيدة، كما أن ثلاث سَنَواتِ مِنْ التَطهير العرقيِ وحسب النسبة والتناسب فإنها كانت أكثر حدة وبصورة كبيرة مما يحصل حاليا في العراق، إذ تسببت حرب البوسنة الأهلية بمقتل 200,000 شخصُ وأدّتْ إلى تشريد نصف سكان تلك البلاد.
وهذه النسبة ستكون مساوية إلى أكثر مِنْ 1.5 مليون قتيل عراقي واثنا عشرَ مليون لاجئ عراقي. وفي الواقع فان الدعوة لتقسيمِ العراق، يَتضمّنُ تَعجيل الحرب الأهلية والتسبب في وجود ملايين اللاجئين. ولكن الإنقسام على الأسس العرقية أو القبلية لن يحقق الإستقرار. والإنقسامات داخل الائتلاف العراقي الموحد تعرض طبيعة القيادة الشيعية الممزقة، والتجمعات السنية لا زالت تعاني من فراغ القيادة، كما أن الوحدة الكردية لا زالت موجودة على المستوى النظري أكثر منها على المستوى الفعلي، حيث تعاني حكومةُ كردستان الإقليمية من التوتر الداخلي، فالفساد، وتقسيم الموارد، ومشاركة الدخل هي نفسها القضايا الخلافية التي كانت سببا في إثارة النزاعات الكردية الداخلية في 1994 – 1997.

إن التقسيم سيجعل من العراق لقم سائغة للهضم من جيران العراق. وهذا ليس لإنتقاد الفدرالية في العراق ولكن عصر الرجل القوي قد انتهى، وقد يدعو بعض العراقيون إلى وجود القائد القوي ولكن فقط عندما يصادف أن يكون ذلك أخاهم أو ابن عمهم. ويمكن للفدرالية العراقية أن تضمن استقرار العراق طالما هي فدرالية إدارية وتعتمد على تقسيم الموارد وتبعا لعدد السكان في كل محافظة. إن عملية سفك الدماء التي أشعلتها الفدرالية العرقية والطائفية سوف لن يتحملها العراق.
إن الدبلوماسيةُ الإقليميةُ وخصوصاً توجهها نحو إيران وسوريا قَدْ تَبْدو جذّابة، لكن الإفتراض القائم على أن جيران العراق يريدون السلام و إستقرار للعراق هي افتراض خاطئ، فالقيادة الإيرانية تخشى من بروز القيادة الشيعية العراقية والتي يمكن أن تشكل تحديا لادعاءات القيادة الإيرانية الدينية والسياسية. وفي ظل عدم وجود الهيمنة السياسية يعتقد الإستراتيجيون العراقيون أن عدم الإستقرار المحدود وحرية عمل المليشيات الموالية لإيران من شانه أن يصب في المصلحة الإيرانية الكبرى. و على صعيد مشاركة الدبلوماسيين حيث لا يوجد للدبلوماسيين الإيرانيين من سيطرة على عمليات الإيرانيين داخل العراق. ومن داخل السفارة الأمريكية السابقة في طهران نشرت وحدة الحرس الثوري مجلة " العمليات النفسية " وهي مكرسة لمناقشة الإستراتيجيات التي يمكن أن تعيق وتحبط جهود الولايات المتحدة في العراق.
وفي الجمعة الماضية 13 تموز 2007 ألقى الرئيس الإيراني السابق والذي تصفه الولايات المتحدة بالقائد الواقعي خطابا أعلن فيه " أية قوة عظمى هي الولايات المتحدة والتي يمكن أن تحاصر وبسهولة في بلد صغير مثل العراق؟" واستمر في قوله ومتنبئا بأن الولايات المتحدة سوف تستمر معاناتها من نفس الدرس في أفغانستان.

يستخدم الكثير القضية العراقية بالدعوة إلى العودة إلى الواقعية، ومن السخرية بمكان أن واقعيتهم تستند هي نفسها على فكرة طوباوية لنوايا الخصم الحسنة. وبعد أربعة أيام من عرض وزيرة الخارجية كونداليزا رايس لغصن الزيتون لجمهورية الإسلامية، سخر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية وزعيمها الروحي علي خامنئي من عرض رايس قائلا " لماذا لا تعترفون بأنكم ضعفاء وان سكينتكم لم تعد حادة " وطلب من الحرس الثوري المضي قدما بتسريع شحنات الأسلحة للعراق.

عند تقييم السياسة الأميركية حيال العراق اليوم، فمن السهل إنتقاد الخطة أي فهي قفزة للمنطق، ومع إفتراض أن الخطط بي،جيم أو دال، هي أفضل البدائل. في حين أن الحكومة العراقية لم تقم حتى الآن بتقدم مُرض تجاه جميع المقاييس، والتهديدات العامة لخفض أو التخلي عن الإلتزام الأمريكي بالعراق والتي يمكن أن تأتي بنتائج عكسية. ولإقناع ساسة العراق بتقديم التنازلات الصعبة التي ستغضب جماهير هذه القيادات فلا بد أن تدرك هذه القيادات الإلتزام الثابت بدعمها من قبل الولايات المتحدة، وإذا هددت واشنطن بالمغادرة أو تقليص الدعم المقدم للقيادة العراقية، فنحن بذلك بإجبار السياسيين حتى أكثرهم ولاء للولايات المتحدة بالتوجه نحو التسوية مع خصوم الولايات المتحدة. إن الموضوع الثابت في قضية النفوذ الإيراني يتمثل بافتقار الولايات المتحدة إلى ميزة البقاء التي تتمتع بها إيران. وان الرغبة بالتخلي عن الحلفاء سيلعب فقط لمصلحة إيران وسيتردد صدى الخطوة الأمريكية إلى ما ابعد من الحدود العراقية.
إن النجاح في العراق أمر ممكن. ومن المحتم على العراقيين أخذ زمام المبادرة في تقرير مستقبلهم. ويتوجب على البعثة الأمريكية أن تسعى لتمكين العراقيين من تأمين بلادهم، وهذا يتطلب الإستمرار في رفع عدد القوات الأمريكية المتوجهة للعراق، وإذا كان العراقيون لن يجدوا الفرصة لتطوير قدراتهم الأمنية وقواتهم العسكرية المتعددة الطوائف والأعراق في بلدهم فان الفوضى والحرب ستعم المنطقة. و لا بد من الإقرار أن هذا الموضوع يتطلب عملا شاقا ولا ينبغي لنا أن نسحب البساط من تحت أرجلهم.

*المصدر: The Middle East Forum www.meforum.org
شهادة مقدمة من قبل مايكل روبن للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي