A+ A-
خلافة الرئيس حسني مبارك
2004-06-29

جدد مرض الرئيس المصري حسني مبارك البالغ من العمر 76 عاما، والذي يتلقى حاليا العلاج في مستشفى خاص بأمراض العظام في ميونيخ- ألمانيا، الجدل حول مستقبل تداول السلطة في البلاد، ويرشح المراقبون أن لا تسمح الحالة الصحية للرئيس بالتقدم لترشيح نفسه للرئاسة لمرة خامسة في نهاية العام الحالي والمزمع إجرائها في 2005، الأمر الذي يفضي إلى القول أن الأشهر القليلة القادمة ستكون حاسمة بشأن الخلافة في مصر. ويعتقد بأن مؤتمر الحزب الحاكم في أيلول (سبتمبر) سوف يضع اللمسات الأخيرة على صورة الخليفة القادم . ورغم تكرار مزاعم المسؤولين المصريين بأن مبارك لا يشكو سوى من انزلاق غضروفي، تقول مصادر مصرية في المعارضة الإسلامية في لندن، إنه يعاني من سرطان البروستات وآلام حادة في أذنه مع تكرار حالات الغيبوبة والإغماء التي تزايدت خاصة ‏في الآونة الأخيرة.
وبغض النظر عن صحة التقارير الرسمية التي تقلص من المخاوف بشأن حالة الرئيس الصحية، إلا أن بعض المصادر المصرية زعمت أن السي أي ايه، سبق وحددت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، العمر الافتراضي له بنهاية شهر يونيو( حزيران ) الجاري، وتزعم أيضا انه سيصبح غير قادر بشكل شبه تام على ممارسة مهام منصبه لوصول الأمراض المصاب بها إلى مراحل متأخرة، وتقول ذات المصادر إن المتتبع لحالة الرئيس الصحية تشير إلى استمرار تدهور وضعه الصحي، منذ أن خر على الأرض من فوق منصة مجلس الشعب في رمضان الماضي.
وتعتقد ذات المصادر أن تمسكه بالسلطة منذ إصابته بالمرض، وتظاهره بالصحة واستمرار نشاطه، إنما للبقاء أطول فترة ممكنة على أمل تهيئة المناخات المناسبة لتوريث السلطة لنجله جمال، بالمقابل يستبعد بعض المحللين أن يجري توريث السلطة في مصر لمدني، وهي التي لم تعهد غير العسكر حكاما في عصر الجمهورية.
وعلى أية حال فقد فرض اختيار رئيس مجلس جديد للشورى نفسه في المشهد السياسي المصري بعد ثبات استمر نحو 15 عاما، الأمر الذي فتح التوقعات بمزيد من التغييرات في مواقع قيادية سياسية وحزبية بعضها سيكون خلال انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني الحاكم في أيلول (سبتمبر) والأغلبية منها ستتم خلال شهر ( يوليو) المقبل.
ويستبعد المحللون أن يصار في المنظور إلى إجراء انتخابات مفتوحة في مصر تسمح بالترشح لرئاسة الجمهورية، وهو ما تطالب به قوى في المعارضة. والواضح أن عملية انتقال الخلافة تجري في واقع يغترب عنها الشارع المصري فهو مغيب عنها منذ الأزل، ولم يمر عليه زمن قال فيه كلمته بشأن الخلافة في بلده الذي تعاقب عليها ملوك وسلاطين وولاة.
ويبدو أن عملية انتقال السلطة تجري في مخاض صعب في الصالونات وبسرية وتقاس بالحفاظ على المصالح، ويعتقد البعض أن الأيام القادمة تنذر باندلاع الصراع على الخلافة بصورة علنية سواء بين جمال وفريقه أو بين الفرقاء الآخرين، ولكن أغلب التقديرات تشير إلى أن جمال يبقى صاحب الحظوة الأولى لتسلم الولاية بتراضي مصالح المراكز النافذة في البلاد، وترضية للتيار العالمي والمحلي المتجه نحو التغيير وعلى الأقل إن لم يكن في السياسات بل في الوجوه الأكثر حيوية. وفي سياق متصل تقول المصادر الإسرائيلية إنه من المفترض بعد شهرين في اجتماع حزب السلطة في القاهرة أن يعين جمال، في منصب أكبر، مما يقلص المسافة نحو قصر الرئاسة.
بورصة المرشحين تختزل لتقتصر على جمال وعمر يزعم البعض أن الرئيس عاش أسيرا لنبوءة عرافة، منذ أن التقى بها في مطلع الستينات، حيث أنبأته بالمرتبة العالية التي يصل إليها، وحذرته في نفس الوقت من الثقة في أحد، ونبهته إلى أن مجده المتوقع يزول إذا ما قرّب أحدا وولاه المنصب الذي يليه في المرتبة، فهذا الذي يزيحه ويحل محله. ويعتقدون أن نبوءة هذه العرافة كانت سببا في إلغاء منصب نائب الرئيس، رغم النص الدستوري عليه، ويضيفون إ هذا سر التردد في شغله حتى لو كان المرشح هو أحد الأبناء.
ولكن ما يستوقف المتابعين للجدل حول قائمة المرشحين على الخلافة خلال الأعوام الأخيرة، هو سهولة اكتشاف أنها أخذت بالتناقص، وباتت حظوظ العديد من المدرجين فيها قليلة إن لم تكن مستبعدة، هذا في الوقت الذي تتنامى فيه حظوظ نجله جمال.
وأغلب التقديرات باتت تقصر التنافس ما بين جمال مبارك وعمر سليمان رئيس الاستخبارات، بينما قللت التكهنات والمعلومات المتوفرة من حظوظ آخرين، وهم وزير الدفاع حسين طنطاوي، واللواء حمدي وهيبة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقائد سلاح الجو أحمد شفيق، وتهاوت فرص صفوت الشريف، الأمين العام الحالي للحزب الوطني الحاكم ووزير الإعلام السابق، وأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى الذي خرج من الحلبة مبكرا، وهو الذي بالرغم من أنه ليس عسكريا، إلا أنه في اعتقاد الكثيرين كانت ستمكنه شعبيته في الشارع المصري، من الفوز بالمنصب بأريحية فيما لو ترك الأمر للشارع ليقرر، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين للاعتقاد بأن شعبيته كانت وراء قرار إعفائه من منصبه كوزير للخارجية وترشيحه لمنصب أمين عام الجامعة العربية، في فترة تراجعها، الأمر الذي قلص من حظوظه وأقصاه عن دائرة المنافسة.
وبصورة تقليدية يعمد العديد من المحللين المصريين، لتناول ما يجري في سياق التطورات داخل مصر على أنها صراع بين قطبين: الأول ، حرس جديد يتزعمه جمال مبارك المدعوم بتشكيلات شبابية تدعو للإصلاح في الحياة السياسية استجابة للضغوط الغربية ولضغوط الشارع وضغوط الزمن، وبما يتفق مع الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط الواسع، والثاني، حرس قديم مترهل، يحتفظ بالمواقع الرئيسية، ولا زال يعتقد بأن من الضرورة الحفاظ على دور العسكر، بما فيه خدمة أمن مصر القومي، ويرى دائما انه ليس في الإمكان احسن مما كان، ويتذرع بأن التغيير الغير مدروس يحمل معه مخاطر وثوب التيار الإسلامي على السلطة.
والواضح أن كلا الخطين لا يذهبان بعيدا بما يؤدي الى إثارة القلق الأمريكي من التغيرات في مصر التي تبدو متفهمة للمخاوف من قدوم الحرس الجديد واستبعاد الحرس القديم فكلاهما وإن اختلفا فلن يذهبا بعيدا في سياق انبعاث القلق من التغيير في السياسة الخارجية المصرية.
ولا يغفل في سياق الحديث عن مشروع الشرق الأوسط أن أغلب القوى السياسية وبضمنها الغربية تعتقد أن التغيير يجب أن يبدأ أولا في مصر التي تعد عنوانا للمنطقة.
ويبدو للمراقبين أن جمال مبارك يحلم أن يكون سببا في انتشار الديمقراطية في العالم العربي كما كان جمال عبد الناصر سببا في انتشار التحرر والقومية في المنطقة.
ويرجح محللون أن يكون الأمريكيون بوارد استغلال نهاية عهد مبارك الآن، لكي يتدخلوا بقوة بالشؤون المصرية، ويسعون لفرض أجندة إصلاحات الشرق الأوسط الكبير مع قادة مصريين جدد يعرفهم الأمريكيون. الأمر الذي يجعل من فرص مزاوجة التيارين الذي ولد أحدهما من باطن الآخر خيارا رئيسيا واردا خلال مرحلة انتقال السلطة للتيار الشاب.
الأسس التي يعتمدها المحللون في فرضية تولي جمال الخلافة لا يمكن الأخذ في الواقع بنفي الرئيس مبارك في أكثر من مناسبة نيته تولية نجله الذي أطلق عليه اسم جمال تيمنا بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والقول بأن "الحكم في مصر جمهوري ولا يوجد عندنا حكم بالتوارث"، في إشارة إلى ما حدث في سوريا، التي تولى فيها بشار الأسد الحكم بعد والده حافظ الأسد عام 2000م.
وتدلل الوقائع على أن تنامي فرص ابنه لتسلم كرسي الخلافة، لم تتوقف بل ازدادت المؤشرات على نية خوضه بقوة هذا السباق مستفيدا من ترهل الحرس القديم الذي عاش في كنفه، و فيما يلي من مؤشرات تدلل على أنه لا يزال يمضي بقوة الى المنصب:
1- تولي رئاسة لجنة السياسات في الحزب الحاكم.ما زال الصعود الإعلامي لجمال مبارك مستمرا، سواء من خلال وسائل الإعلام الحكومية أو من داخل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، حيث أصدر والده قرارا في 17ايلول (سبتمبر) 2002 بتعيينه مسؤولا عن التوجيه السياسي الداخلي للحزب الحاكم، ثم أصبح بعدها رئيسا للجنة السياسات بالحزب، وهو منصب أنشئ حديثا ليصبح، حسب تقدير المراقبين، الرئيس الفعلي للحزب تمهيدا لتقديمه بشكل آخر.
ويعتبر خبراء سياسيون أن تولي جمال مبارك أمانة السياسات يعني أن "مراكز النفوذ والقوة في الحزب انتقلت إلى جيل جديد".
وهو من الناحية النظرية يحتل الرقم 3 في الهرم الحزبي في حزب السلطة بعد الرئيس والأمين العام للحزب.
2- التسويق الإعلامي لجماليذكر أن جمال نفى في حوار جرى في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، أن تكون لديه النيه في السعي للرئاسة بعد والده، مشيرا إلى أنه في دولة مؤسسات كمصر، لا ينبغي أن يسرح البعض في الأوهام أو الخيالات. ولكن ما يجري يشير إلى أن نية تسنم الكرسي الهادئة مستمرة، وليس من الصعب أن يلحظ رجل الشارع المصري، ارتفاع أسهم جمال وظهوره المتكرر على الساحة السياسية، من خلال لقاءاته بقطاع شباب الجامعات الذي يحرص على الحديث إليهم كل عام في المعسكرات والمؤتمرات التي يقيمها الحزب بالتنسيق مع الجامعات.
وتعتبر أحدث محاولات تقديم جمال للرأي العام، ما قام به الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني، من خلال كتابه الجديد الذي جعل عنوانه " جمال مبارك وتجديد الليبرالية الوطنية". واللافت في الأمر أيضا غلافه الذي وضع عليه صورة لجمال بجوار يتقدم كافة رموز العمل الوطني المصري على مر التاريخ، بدءا من محمد علي باشا وانتهاء بالرئيس مبارك نفسه، مرورا بجمال عبد الناصر، وسعد زغلول، ومصطفى كامل وغيرهم.
ويلفت مراقبون النظر إلى قول جمال بمقر الحزب الحاكم يوم الأربعاء 9 / 6، استعدادا للمؤتمر الثاني للحزب الحاكم في سبتمبر/ أيلول القادم، لإعلان ما جرى في اجتماع المجلس الأعلى للسياسات، ضمن سلسلة اجتماعات لاعداد الأوراق والدراسات التي ستعرض على المؤتمر : إن إنشاء هيئة الاعتماد وضمان الجودة في التعليم ستخرج إلي حيز التنفيذ بأسرع وقت ممكن، في نفس الوقت الذي قلل فيه من أهمية صحيفة مايو الناطقة باسم الحزب الحاكم، ومع أنها الناطقة بلسان حال والده وتدافع عن سياسته.
واللافت أيضا أنه يشدد على أن أمانة السياسات هي المعنية بقضايا السياسات العامة (وليس رئيس الدولة). وقوله" إن المواطن سيحكم على مدى قدرة الحزب والحكومة على تنفيذ هذه السياسات والتحدي أمامنا في المؤتمر (مؤتمر الحزب) القادم يتوقف علي مدى قدرتنا أن نقول إننا التزمنا بمبادئ بعينها".
ويعتقد أنه بهذه الرسالة أثار قلق أوساط عديدة، فقد يكون مثل هذا الكلام تعبيرا عن نوايا لإلغاء الصحف الحزبية، بما فيها صحيفة مايو، التي لا تحوز رضاه. والعبارة التي وردت على لسانه وأثارت كل هذا القلق هي: أنه "ليس هناك حزب يقوم على جريدة تحاول نشر أفكاره، فهذا ليس أسلوبنا".
وقد يكون هذا التكهن صحيحا بعد تأسيس صحف عملاقة تعبر عن خط جمال وتدافع عن خطه، وأهمها نهضة مصر، يومية، لصاحبها ورئيس تحريرها عماد الدين أديب، و المستقبل الجديد أسبوعية، وصاحبها د. أحمد رشوان ورئيس تحريرها محمد أبو الحديد.
3- ازاحته للعديد من رجالات الحرس القديميلحظ المراقبون، أن جمال قاد ثورة صامتة للتغيير داخل أروقة الحزب، أزاح خلالها بعض أركان الحرس القديم في الحزب (الدكتور يوسف والي، نائب رئيس الوزراء والأمين العام للحزب منذ زمن طويل)، وهي ثورة "أرهبت الآخرين" على حد تعبير خبراء ومحللين مصريين، كما فتح الباب أمام جيل الشباب في محاولة لتجديد دماء الحزب الذي كان قد أوشك على الوفاة السياسية في الشارع المصري، حيث اختار 200 من الشباب ورجال الأعمال والمتخصصين في السياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام، وشكل منهم ما عرف بـ "مجلس السياسات" بالحزب الحاكم.
4- عدم تحديد الرئيس مبارك نائبا له ولا خليفة منذ أن تولى الحكم بعد اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981يعتقد محللون سياسيون أنه لو كانت لدى الرئيس النية في تعيين نائب له لفعل ذلك طوال الفترة الماضية، ويشيرون إلى أن عدم إلزام الدستور للرئيس بتعيين نائب له، يعفيه من الالتزام لأي طرف آخر، وهو ما يتيح للزعماء أن يسنموا أبنائهم حكاما بعدهم.
وبحسب الدستور المصري، فإنه إذا مات الرئيس دون أن يحدد نائبا له، فإن المادة 76 تنص على أن يتولى رئيس مجلس الشعب مسؤولية الرئاسة لمدة 60 يوماً، حتى يختار البرلمان رئيسا جديدا يطرح على المواطنين للاستفتاء، وفي هذه الحالة وبينما لم تتضح صورة الرجل القوي في مصر، فيعتقد محللون أن ذلك قد يدفع إلى بروز صراعات قوية في البلاد.
وبينما لم يعد يخفى أن الرئيس في حالة مرضية، فإن المنطق يقول إن عليه أن يعلن عن نائب له يسير أمور البلاد، ويعتقد أن عدم تحديده لنائب حتى الآن بالرغم من حالته، إنما يعني أنه لم يصل إلى المرحلة التي يحدد فيها خياره من بعده، من خلال أن ثمة صراعات على الخلافة، ولم يستطع حسمها، أو أنه يراهن على فرصة نجله البقاء في دائرة التنافس.
وفي تقديرات الذين يميلون إلى فرضية أن الرئيس سيعين ابنه، فإن مرضه الحالي اسهم في عرقلة تولي الابن لعدم تجاوزه السن القانونية المحددة للرئيس المنتخب وفقا للدستور، وهي أربعين سنة على الأقل، بالنظر إلى أن عمر جمال الآن لا يتجاوز 39 سنة.
5- توقف الحديث مرة واحدة في مصر عن خلفاء الرئيس المحتملين الذين تردد ذكرهم، مع اتساع ظاهرة الترويج لجمال، واقتصار الحديث مرة واحدة حول جمال كمرشح وحيد للرئاسة.وتعتقد المصادر السياسية في إسرائيل أنه بعد سنة ونصف، أي في نهاية الولاية الرابعة لحسني مبارك، سيقرر الرئيس ما إذا كان سيطلب تمديد ولايته لفترة خامسة. وإذا لم يفعل ذلك، سيعلن اسم جمال، كرئيس قادم لمصر، حيث تعتقد أن الأب سيستجيب للطلب الذي سيصدر عن مؤسسات الحزب ومنظمات الشبيبة في مصر وسيتنازل عن السلطة لابنه.
6- الترويج عن رغبة عقيلة الرئيس ونجله جمال بأنهما يقفان وراء تشكيل وزارة على هواهما من رجال جمال.وتلفت مصادر مصرية النظر إلى أن لجنة السياسات بدأت مؤخرا بلعب دور غير عادي من خلال صياغة التعديل الوزاري الجديد وتمارس نشاطها في مقر الحكومة بينما كانت اجتماعاتها تعقد في السابق في مقر الحزب.
وزعمت المصادر أن اجتماعا قادته عقيلة الرئيس وحضره قادة أجهزة ووزارات سيادية إلى جانب صفوت الشريف وكمال الشاذلي وأسامة الباز وزكريا عزمي، وقرروا خلاله ترشيح جمال للرئاسة من خلال نظام الاستفتاء المعمول به في مصر، والذي يتيح لمجلس الشعب أن يرشحه أو غيره للموقع الشاغر بحيث يتم الاستفتاء عليه, كما اتفق على أن يحل محل مبارك فور رحيله فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وفقا لما ينص عليه الدستور, وهو الذي يناط إليه تسويق جمال للرئاسة.
7- يلبي الرغبة الأمريكية بالتغيير يعتقد المراقبون أن جمال بات وفقا لمعطيات العالم الجديد أكثر الرجال حظوة لتسلم منصب الرئاسة فهو إضافة الى تمكنه من الإنجليزية، يتحدث في موضوعات تلقى رغبة في الغرب بدءا من الحديث عن أهمية الديمقراطية، مرورا بمصطلحات الإصلاحات الاجتماعية والشفافية الاقتصادية، وانتهاء بالدور الذي تلعبه مصر في الحفاظ على السلام في المنطقة.
ومما يكسبه ايضا هذا الترشيح أنه سبق له وأن التقى بكل كبار الإدارة الأمريكية ـ نائب الرئيس تشيني، وزير الدفاع رامسفيلد، وزير الخارجية باول، المستشارة كونداليزا رايس ورجال اعمال كبار. وتكشف المصادر الاسرائيلية أنه دعي في شيكاغو للظهور امام القيادة اليهودية المحلية وترك انطباعا كبيرا.
ويتساءل مراقبون عن السر الذي دفع بجورج تينيت لزيارة القاهرة في زيارة غير معلنة, وهو المدير المستقيل حديثا من المخابرات الأمريكية, وترافق ذلك بالحديث عن تغيير وزاري شامل أواخر الشهر الجاري، بعد ما تحدثت المصادر الإعلامية الأمريكية عن ضرورة التغيير. وهو ما يدفع للتساؤل عمن يقود التغيير بينما الرئيس مريض
وتلفت المصادر الاسرائيلية النظر إلى أن جمال عاد مؤخرا من واشنطن برفقة د. أسامة الباز تصفه المصادر بـ" الرجل الغامض الذي علّم مبارك الأب قبل 28سنة حين عين نائبا للرئيس".
وتقول المصادر الاسرائيلية أنه أجاب في محاضرة ألقاها في معهد الدراسات الاستراتيجية في واشنطن على سؤال يتعلق فيما اذا كان هو حقا الوريث، و لم ينف ذلك، واضاف انا راض جدا عما افعله الآن . وفي إشارة لافتة وبعد عودته الي القاهرة قالت المصادر ،ن الباز بعث بتلميح الي مجلة محلية، يقول انه إذا حل جمال مكان والده لن يكون الأمر ممنوعا، لأن هذا حصل في عدة دول عربية.. الأهم هو أن يكون بذلك فائدة وان يخدم الأمر مصلحة الدولة.
8- إقصاء صفوت الشريف من قائمة المرشحين لمنصب نائب الرئيس الى منصب فخرييعتبر البعض أن إقصاء الرئيس المصري للرجل القوي صفوت الشريف، أمين عام الحزب الوطني الحاكم من منصبه كوزير للإعلام المصري، وتعيينه في منصب فخري هو منصب رئاسة مجلس الشورى، خطوة هامة في طريق إقصاءه عن منصب نائب الرئيس، والتمهيد لتصعيد جمال الى منصب الأمين العام في الحزب خلال مؤتمره العام في شهر أيلول (سبتمبر) القادم.
واللافت في الأمر أن إبعاد الشريف من الحكومة إلى الشورى جاء في وقت تحدثت فيه مصادر إعلامية غربية، عن خلافات بين أقطاب الحرس القديم، الذين يعتبر الشريف من أبرزهم، وجناح جمال مبارك نجل الرئيس المصري الذي يريد إدخال إصلاحات.
وكانت تكهنات متزايدة في الشارع المصري رشحت الشريف لشغل منصب نائب الرئيس، بعد أن أصبح أمينا عاما للحزب الوطني الحاكم، وكذلك تكليف مبارك له بالعديد من المهام خارج البلاد.
و تذهب بعض المصادر السياسية إلى القول إن مرض مبارك بعد صعود أسهم الشريف في بورصة الخلافة، هو ما عجل بقرار إبعاده عن إمبراطورية الإعلام التي تعتبر أحد الركائز الرئيسية لضمان انتقال سلس للسلطة في مصر.
واعتبر مراقبون أن القرار الذي أصدره مبارك من في ألمانيا بإبعاد صفوت الشريف قد يمثل أول غيث إعادة ترتيب قمة السلطة في مصر، دون استبعاد أن يكون معسكر التحديث الذي يقوده جمال، والمتمثل في لجنة السياسات العليا بالحزب الوطني، وراء اتخاذ القرار، ما يعني أن عملية ترتيب الخلافة بدأت بالفعل.
وقال مصدر مقرب من وزارة الإعلام إن الرئيس أجرى من ألمانيا اتصالا هاتفيا بالشريف ليبلغه بنفسه بقرار إبعاده من الوزارة، في بادرة تكريم للوزير الذي عمل مع الرئيس لاكثر من عشرين عاما. الا ان محللين اعتبروا أن مبارك أراد أن يبعث برسالة واضحة بأنه ما زال يدير دفة الحكم في البلاد رغم قراره بتفويض سلطات رئيس
الجمهورية مؤقتا إلى رئيس الوزراء عاطف عبيد، كما انه أراد أن يؤكد للشريف أن قرار إبعاده صادر منه شخصيا، وليس من معسكر التحديث الذي يقوده نجله جمال
وأعرب نائب في البرلمان المصري، عن اعتقاده أن سيناريو تعيين الشريف رئيسا لمجلس الشورى هو بروفة لتعيين جمال رئيسا للجمهورية في حال خلو المنصب فجأة.
واضاف إن ترشيح الحزب الوطني الحاكم لصفوت الشريف قد ضمن المنصب للشريف، ما يوحي بأن ترشيح الحزب لجمال لخلافة والده قد يكفي أيضا لفوزه بالمنصب اعتمادا على الأغلبية الكبيرة التي يتمتع بها الحزب الحاكم في مجلس الشعب.
وينص الدستور المصري على إن المرشح لمنصب رئيس الجمهورية يجب أن يحصل على أصوات ثلثي أعضاء مجلس الشعب، ليطرح اسمه في استفتاء عام علي الشعب لتأكيد اختياره رئيسا للبلاد.
وفي سياق متصل بتنحية الشريف فقد لفتت بعض المصادر إلى العودة القوية لجمال بعد غياب امتد لأسابيع ترافق مع المؤشرات، طوال الأسبوعين الماضيين اللذين سبقا الاعلان عن مرض الرئيس، أنه لا يمسك بزمام الأمور، وأن الأمر بيد السيدة الأولى ونجلها، وأن مستوى الصراع حوله يقترب من الانفجار.
وقالت المصادر إن عودة جمال قوبلت بتصريحات من الشريف، والمرشح من قبل بقايا الحرس القديم رئيسا للوزارة، بدت التصريحات محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الإبن: فقد قال بأن قرار التغيير هو قرار الرئيس مبارك، ولا يستطيع أحد أن يتكهن في هذه المرحلة برؤية الرئيس، لأنها واسعة وشاملة، وهو القادر على اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، وهو، أي صفوت الشريف، وإن كان قد حصر مهمة التغيير في شخص رئيس الجمهورية ولا أحد غيره، الأمر الذي يوحي بأنه يقصد جمال، باعتباره لا شأن له بالتغيير.
ويؤكد محللون ان إبعاد صفوت الشريف سيفسح المجال لتصعيد أعضاء معسكر الإصلاحات الذي يقوده جمال نحو المناصب الوزارية الأساسية في الحكومة الجديدة، الذي سيجعل نجل الرئيس عمليا في موقع قوي على رأس السلطة حتى اذا لم يتول منصبا تنفيذيا في المستقبل القريب. ويضيفون ان مرض الرئيس المفاجئ، قد أزعج عملية وضع اللمسات الاخيرة على التعديل الحكومي الذي يتوقع ان يكون شاملا وجذريا، بقصد التأكيد على الجدية في اجراء الاصلاحات المطلوبة أمريكيا وداخليا.
وأكدت مصادر مطلعة أن صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى الجديد سوف يتفرغ لموقعه الجديد دون إسناد اختصاصات سياسية أخرى إليه، وهو ما يشير إلى أن الشريف سوف يترك موقعه كأمين عام للحزب الوطني في موعد أقصاه شهر سبتمبر المقبل وهو توقيت انعقاد المؤتمر المقبل للحزب مشيرة إلى أن المرشح الأول لشغل هذا المنصب هو جمال.
ويذكر أن الأمين العام للحزب الوطني الحاكم لا يختار بالانتخاب بل يعينه رئيس الحزب، أي مبارك.
وأشارت المصادر إلى أن التوجه نحو تقلد جمال لموقع الأمين العام للحزب خلفا للشريف لن يكون من باب المجاملة ولكن استنادا وبالدرجة الأولى إلى قاعدة التوجه نحو تقلد الشباب مواقع قيادية داخل الحزب وهو ما أجمع عليه أعضاء الحزب خاصة بعد أثبتت التجربة نجاح جمال في قيادة لجنة السياسات. موضحة أن تقلد جمال هذا الموقع سيدخل في إطار الاستعدادات النشطة داخل الحزب لخوض انتخابات برلمانية جديدة قبل نهاية العام المقبل لتشكيل البرلمان الجديد في ظل وجود تحفز واضح من أحزاب المعارضة.
وقالت مصادر إن الشريف تقدم بالترشيح لرئاسة المجلس وحصل على 241 صوتا من إجمالي عدد أصوات المجلس الصحيحة وعددها244 ، و بينما تقدم منافس له هو الدكتور أسامة شلتوت رئيس حزب التكافل الاجتماعي والذي حصل على 3 أصوات من مجموع الأصوات.
ويعتبر مجلس الشورى الذي أوجده السادات مؤسسة لا تتمتع بصلاحيات تشريعية، ولكنه يبقى بوصفه المهيمن على المجلس الأعلى للصحافة ولجنة شؤون الأحزاب، وهو المالك القانوني لكل المؤسسات الصحافية القومية (الحكومية) في البلاد، فضلاً عن ملكيته أيضاً للهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون. ويشار الى أن كثيرون يطالبون بإلغاء المجلس نظرا لعدم وجود أي دور اشتراعي حقيقي له، فضلا عن أن نصف أعضائه يعينهم رئيس الجمهورية.
ويعرف عن الشريف أنه من مواليد‏ 19 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1933 في مدينة زفتى بمحافظة الغربية بدلتا مصر,‏ وكان ضابطاً في القوات المسلحة قبل أن يلتحق بجهاز المخابرات العامة في عهد رئيسه الأسبق الشهير صلاح نصر، وفي تلك الأثناء اتهم الشريف مع آخرين في القضية الشهيرة التي عرفت حينئذ باسم "انحراف جهاز المخابرات"، غير أنه وبعد سنوات عمل خلالها خارج الجهاز الحكومي المصري، عُين مجدداً في هيئة الاستعلامات، كمسؤول عن الإعلام الداخلي عام 1975، وتدرج في مناصب الهيئة التي تعد مسؤولة عن التوجيه والرقابة الإعلامية في البلاد حتى عُين رئيسا لها عام 1980 ثم وزيرا للدولة، وبعد أقل من عامين تولى حقيبة الإعلام في كانون الثاني (يناير)‏1982، وهو حاصل على بكالوريوس العلوم العسكرية وتلقى دراسات ودورات متخصصة في مجال الإعلام والاتصال والرأي العام والأمن القومي.
ويذكر أنه إلى جانب احتفاظه بموقعه الحالي كأمين عام للحزب الوطني الحاكم‏, ورئاسة مجلس الشورى, فهو يشغل عضوية عدد من المجالس فهو عضو بمجلس الشورى منذ عام 1980, وعضو بالمجلس الأعلى لرعاية الطفولة, وعضو بالمجلس القومي للسكان, وعضو مجلس إدارة الهلال الأحمر المصري, ورئيس الجمعية المصرية للإعلام في خدمة التنمية، وغيرها من المواقع الرسمية وغير الحكومية.
ورغم الانتقادات الحادة للمستوى المهني للتلفزيون والفضائيات المصرية، فقد أقيم في عهد ولايته لوزارة الإعلام، الذي استمر زهاء ربع قرن أكبر مركز للإنتاج التليفزيوني المتكامل بمدينة السادس من أكتوبر على مساحة مليوني متر مربع، والمعروفة باسم مدينة الإنتاج الإعلامي، كما حصل الشريف على عدد من الأوسمة والأنواط والنياشين المصرية والأجنبية منها وسام الجمهورية من الطبقة الأولى وأنواط التحرير والتعبئة.
9- تروج بعض المصادر عن أن عملة انتقال السلطة طبخت بشكل جيد, وإن عدم إزاحة حكومة عاطف عبيد، وتركها لتسيير الأمور المحلية التنفيذية، إنما يأتي في سياق تهيئة جمال بالإبقاء على وضع يسهل من صعوده، وتقول المصادر إن عملية التغيير الوزاري الشامل لن تتم إلا بعد تمرير انتخاب جمال.ويشاع كثيرا عن إحباط الشارع المصري من بقاء حكومة عبيد، بل ومنحه صلاحيات أوسع في تغيير الوزراء خاصة مع هؤلاء الذين اختلف معهم خلال السنوات الخمس الماضية، بل يذهب البعض إلى حد الزعم بأن عبيد بدأ بالفعل إجراء مشاوراته مع المقربين منه في سرية وتكتم تامين، وأنه يحيط الرئيس حسني مبارك بكل ما يستجد في هذا الشأن من تطورات واتصالات.
وفسرت مصادر أسباب الإبقاء على عبيد بأنها ترجع في المقام الأول إلى الرغبة في تحقيق الاستقرار داخل الحكومة، إضافة إلى الرغبة لدى القيادة السياسية في البلاد في أن تتفرغ الحكومة بتشكيلها الجديد للإعداد للمؤتمر العام للحزب الوطني الحاكم الذي سيعقد في أيلول (سبتمبر) المقبل، حين يجري خلالها إسناد منصب الأمانة العامة إلى جمال مبارك، بدلاً من صفوت الشريف، في حال صحت التكهنات الخاصة بهذا السيناريو المفترض، ولم تطرأ عليه متغيرات خلال الشهور القليلة المقبلة.
وتوقعت مصادر سياسية أن ينضم إلى حكومة عبيد الجديدة عدد من المحسوبين على تيار الإصلاح في الحزب الحاكم، الذي يقوده جمال مبارك ومنهم د. محمود محيي الدين رئيس اللجنة الاقتصادية، وهو الذي قاد تنفيذ سياسة تحرير سعر الصرف رغم معارضة وزير التجارة د. يوسف بطرس غالي، وكذا حسام بدراوي الذي يقود الاتجاه إلى إنهاء مركزية الدولة في السياسة التعليمية، وكذا د. أسامة الغزالي حرب، رئيس تحرير دورية "السياسة الدولية" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام الصحافية، المتوقع أن تشهد بدورها حراكاً كبيراً، قبل حلول الشتاء المقبل، وفق تقديرات متطابقة، حكومية وصحافية.
وتسود توقعات أن يعقد مجلس الوزراء جلسة خلال أيام لتقديم استقالة الحكومة إلى الرئيس مبارك فور عودته من الخارج, ورجحت مصادر مطلعة, إجراء تغييرات تشمل نحو 12 وزارة من بينها وزارتان سياديتان، عرف منهما وزارة الخارجية التي طلب وزيرها أحمد ماهر إعفاءه لأسباب صحية على خلفية إصابته بعدة أزمات قلبية سابقة.
كما رجحت ذات المصادر أيضاً تعيين نائب جديد لرئيس الوزراء، وترشيح سفير لمنصب وزاري مهم، في تلميح إلى وزارة الخارجية التي رشح لها سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، أو سفيرها لدى واشنطن، بالإضافة إلى تغيير ثلاثة من وزراء المجموعة الاقتصادية، وفي مقدمتهم التخطيط والتموين، فضلاً عن دمج أربع وزارات على الأقل، وكذا رئاسة الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون، ورئاسة مجالس إدارات وتحرير عدد من كبريات المؤسسات الصحافية، ورئاسة بعض الأجهزة والهيئات الكبرى في البلاد، ما يشي بأن التغييرات لن تكون وزارية فقط، بل ستمتد لتطال جانباً كبيراً من خارطة المناصب في البلاد، وهو ما يعني ـ بحسب بعض المراقبين ـ تمهيداً لمرحلة جديدة ذات صلة بخلافة الرئيس المصري حسني مبارك، بصورة أو أخرى.
الأسس التي يعتمدها المحللون في فرضية ضعف فرص جمال لتولي الرئاسة
1-الخشية الأمريكية من تبعات ضعف جمال كخليفة على الاستقرار في مصريعتقد محللون أن الرغبة الأمريكية بتولي جمال لا تعني الأخذ بالرغبة، وإغفال عنصر ضعفه، وتتخوف الإدارة الأمريكية من أن لا يتمتع الوريث بالدعم في مصر لما قد يقود الى اندلاع الصراعات بين مختلف القوى، وتعزز دور الحركات السرية الإسلامية.
ومؤخرا أفردت إحدى كبريات المجلات الأمريكية غلافها لصورة جمال مبارك، وتناولت مصر في أربع صفحات، قالت فيها إن التغيير يجب أن يبدأْ من القاهرة، لأنها هي مفتاح التغيير بالمنطقة, وليس العراق, بعد أن أوضحت بأنه على الرغم من ولاء جمال مبارك لأمريكا، فانه مرفوض على كافة المستويات في مصر، وهو ما يجعل فرصته معدومة.
ويبدو أن الموقف الأمريكي مضطرب بشأن تعيين جمال في إطار ما يوصف بالوعود بالديمقراطية، فقد ادعى موظف كبير في وزارة الخارجية انه لا يفهم كيف تستوي عملية إعداد الوريث مع الوعد بالديمقراطية في مصر.
كما يقول السفير الأمريكي السابق لدي مصر إدوارد ووكر، أن جمال يفتقر إلى دعم أجهزة الجيش والأمن.
2- مؤشرات ضعف الرئيس تصب في مصلحة خصوم جمالعلى خلاف التقديرات السابقة والتي تشير الى قوة نفوذ التيار الإصلاحي الذي يقوده جمال يقدر بعض المحللين المصريين أن قرار الرئيس مبارك بتفويض الدكتور عاطف عبيد سلطات رئيس الجمهورية خلال فترة سفرة إنما يشكل سابقة دستورية خطيرة وشاذة، وتدل أيضا على أن الرئيس لم قادرا على إرضاء كل الأطراف التي كانت تتطلع لتولى منصب رئيس الجمهورية, أو ربما أن الرئيس وجد معارضة شديدة من أقطاب النظام عندما عرض اسم جمال لتولي منصب نائب الرئيس, لذا فوض الدكتور عاطف عبيد الذي كانت منتظرا منه أن يقدم استقالة حكومته خلال أيام.
وكانت مصادر إعلامية عربية ذكرت قبل سفر الرئيس للعلاج أن الرئيس أجرى مشاورات مع بعض الشخصيات للإعلان عن نائبه، ثم ما لبثت المصادر أن نفت الخبر من خلال الإعلان عن قيام الرئيس بتفويض أحد الأشخاص بإدارة البلاد لحين عودته من ألمانيا.
وقالت مصادر إن الرئيس قبيل سفره كان يعتزم تشكيل حكومة اختار لها وزير المالية رئيسا وأطاح بمعظم الوزراء وعين جمال وزيرا للشباب, إلا أن مرضه لم يمكنه من الإعلان عن القرار.
3- إشاعات عن إقرار مبارك بأن خليفته موجود وهو من العسكر تشيع بعض المصادر المصرية أن هناك مرشحا أقره الرئيس مبارك، ولا يعرفه إلا أناس محدودون جداً على مستويات عالية في الدولة، مضيفة أنه "أصبح من شبه المؤكد أن رئيس مصر القادم هو شخصية عسكرية، حيث أصبح الجيش أحد أهم عناصر الحياة السياسية في مصر بعد ثورة يوليو".
وتعتقد هذه المصادر أن تعيين جمال يؤدي الى فقدان المصداقية لدى الشعب المصري، وخصوصا الجيش، وانطلاقا من أهمية مصر الكبيرة كقوة توازن في المنطقة، وحذرها في مجال أمنها القومي هو ما يقلص من فرص جمال لعوز الخبرة في هذا المجال.
وتستبعد المصادر أن يتولى المشير حسين طنطاوي المنصب بسبب حالته الصحية التي يقال أنها " غير جيدة" إضافة الى فقدانه للخبرة الدبلوماسية.
واللافت لبعض المحللين المصريين في أمر طنطاوي، أن الرئيس اجتمع اليه قبل رحيله للعلاج فيما وصف بمحاولة شبيهة للراحل الملك حسين بن طلال في إطار ترتيب البيت الحاكم، ويقولون انه لربما يأتي بجمال رئيسا بقوة الجيش، مقابل ضمان استمرار طنطاوي قائدا له، أو تعيينه نائبا للرئيس.
الى ذلك تعتقد بعض المصادر أن عمر سليمان رئيس الاستخبارات المصرية هو المرشح، وهو الذي كان يعمل لعقود من الزمن خلف الأضواء، حتى بدأ مبارك مؤخراً يوكل إليه مهام سياسية مباشرة ومكثفة، ما ساهم في لمعان صورته في الحقل الدبلوماسي. الأمر الذي يعني أنه محط ثقة مبارك للدرجة التي اشتهر بها وبات يوصف بأنه "رجل المهام الصعبة". فهو المسؤول عن متابعة ملف العلاقة مع الولايات المتحدة وليس أحمد ماهر، وزير الخارجية، كما عُرف بأنه "مهندس الملف الفلسطيني"، حيث يُعتبر سليمان المسؤول الأول عن الملف الفلسطيني الأكثر أهمية منذ نقل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من الخارجية المصرية.
وتقول مصادر مصرية إن تصعيد جمال لخلافة والده يأتي لرغبة لدى والدته، ويعتقدون أن الرئيس لديه ثقة أكبر برئيس المخابرات المصرية عمر سليمان لخلافته في منصبه أكثر من ثقته بولده جمال. ولوحظ أن مبارك لم يوعز في الآونة الأخيرة لوزير الخارجية أحمد ماهر أو ابنه جمال بالسفر إلى واشنطن في مهمات خاصة، وإنما إلى رئيس المخابرات عمر سليمان.
كما لاحظ دبلوماسيون أجانب في القاهرة ظهور سليمان في الآونة الأخيرة باستمرار إلى جانب الرئيس في حفلات الاستقبال، إضافة إلى طول مدة الثقة بين الرجلين، فكلاهما خريج المؤسسة العسكرية. كما يُعتقد أن سليمان هو أول من استخدم تعبير (مصر أولا) الذي يحلو كثيرا للرئيس استخدامه في أحاديثه وخطبه.
وبينما يرى بعض المحللين أن سليمان موضع ثقة مبارك والعسكر، إلا أن مما يقلص من فرص تعيينه أنه أجرى أكثر من جراحة في القلب، ولا يستبعدون أن يكون دوره كمراقب وأمين لكرسي الرئاسة الذي يتوقع أن يحتله جمال مبارك على حد زعمهم. فإن آخرين يؤكدون على أن الجيش والبرلمان سوف يتفقان على مرشح للرئاسة في حال خلو المنصب.
عمر سليمان
من مواليد عام 1935 في قنا وانضم للجيش في عام 1954. أرسله عبد الناصر إلى موسكو لتلقى التعاليم العسكرية في أكاديمية فرونزة، ثم سرعان ما برز داخل الجيش المصري من خلال دوره كضابط شاب في المواجهة مع إسرائيل، وكان بين أبرز القادة الاستراتيجيين.
وفي منتصف الثمانينات انتسب إلى الاستخبارات العسكرية حيث اعتنى بالعلاقات مع واشنطن وفي عام 1993 عينه مبارك رئيسا على المخابرات المصرية، وبعد عامين قامت ثقة متبادلة قوية بينه وبين الرئيس مبارك سببها أنه أوصى مبارك عكس جميع المستشارين، أن يصحب في رحلته إلى أديس أبابا سيارة مصفحة يستخدمها في تنقلاته خلال مشاركته مؤتمر إفريقي ولولا تواجده داخل هذه السيارة لأمكن للجماعة الإسلامية القضاء عليه بتاريخ 26 حزيران/يونيو عام 1995. وكان عمر سليمان جالسا بجانب مبارك داخل السيارة حين وقعت محاولة الاغتيال.
عهد إليه الرئيس بملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، وبدأ يقوم بدور رجل الإطفاء لإخماد نار النزاع وتجنب التصعيد، هذا الدور الذي أكسبه ثقة أكبر عند الرئيس الذي يسمع النصائح منه أكثر من الآخرين.
4- الترويج عن نية جمال إحداث إصلاحات اقتصادية تزيد من ثراء الأثرياء وفقر الفقراءيتهم البعض جمال بأنه وصل إلى الحد الذي يتحدى به قرارات والده، بشأن زيادة دعم السلع الضروية للفقراء ومحدودي الدخل ورفع مستوي المرتبات. ويقولون انه قال بملء الفم أن هذه الإجراءات محل مراجعة وتقييم. ويزعمون أن الابن كرجل مال وأعمال، يلتزم بفكرة أمريكية متخلفة، يتبناها على مستوى السياسة والمال أحمد عز وفؤاد بدراوي، وعلى مستوى الثقافة والصحافة والإعلام عبد المنعم سعيد وهالة مصطفي وعماد الدين أديب وعلي سالم وآخرون.
ويقولون إن قوام الفكرة محاربة الفقراء لا الفقر، ويعتقدون أن أساس البناء الجديد للمجتمع الذي يسعي إليه جمال كمجتمع تديره نخبة ثرية وانعزالية شوفينية مستعلية متكبرة. توكل أعمال الفقراء إلى شركات أجنبية، وتستأجر الفنيين والخبراء والخدم من الخارج، مما يضيق الأمر على الفقراء. ويضيفون انه بعد أن كان الحراك الاجتماعي في مصر يعتمد علي التعليم والعمل والانتاج يسعي جمال لجعل المال والثروة والاستكبار مصادر هذا الحراك، وهذا هو أساس الأزمة الحقيقية.
ويحذرون من أن جمال غير مبال بالوضع الذي يتحسب له والده وصفوت الشريف وكما الشاذلي وباقي أركان النظام، وهو رد الفعل الشعبي على الارتفاع الجنوني للأسعار وتفاقم أزمة الخبز.
5- تضارب التحليلات حول مراكز القوى في مصر
يعتقد بعض المحللين أن اجتماع السيدة الأولى مع مسؤولين في القوات المسلحة والداخلية والخارجية والأمن القومي، بالاضافة الى صفوت الشريف وكمال الشاذلي وزكريا عزمي وأسامة الباز، لا يدلل على قوة الأسرة الحاكمة بقدر ما يعكس مقدمات وهنها، بعد أن كانت تتصرف كما تشاء على حد قولهم. ويقولون إن التغيير الراهن يتم إضطرارا وخوفا، ولهذا يجري سريعا ومضطربا، ويضيفون أن الحكم دخل مرحلة ترضية وقبول القسمة مع الغير، قد تكون مؤقتة، فما كان يحسم بقوة القرار الرئاسي ونفوذ الأسرة الطاغي، أصبح غير ممكن، وعندما يضعف القرار الرئاسي ويتراجع نفوذ الأسرة، يصبح لا مفر من الترضية والاعتراف بالمشاركة. وهو الأمر الذي يفسر التوترات التي بدأت تصيب عصب المؤسسة الحاكمة، وركائزها السياسية والإعلامية.
ويعتقدون أن قرار تعيين عاطف عبيد، يعكس الانطباع بأن ضعف الرئيس فرض عليه التراجع عن خطوات قد تكون ذات انعكاسات لا يتحملها نظامه، وبالتالي اضطر لطمأنه كل من استعد للرحيل.
وعلى خلاف أغلب التحليلات، فيعتقد هؤلاء أن نصيب الشريف من التركة جاء بحجم طموحه، باعتبار أن المجلس التشريعي يشرف على المجلس الأعلى للصحافة، ومسؤول منح الشرعية للأحزاب، وسيلحقون به قريبا المجلس الأعلى للإعلام، الذي من المقرر أن يحل محل وزارة الإعلام بعد إلغائها، وبعد أن كان صفوت الشريف متحكما في أجهزة الإعلام الحكومية (المرئية والمسموعة ومدينة الإنتاج الإعلامي)، فإن هذه الأجهزة ستستمر تابعه له، ومعها الصحافة والأحزاب، أي أن دائرة تحكمه وتأثيره زادت، وقبوله بهذا النصيب الضخم يعني إقراره ضمنا بنصيب الآخرين، بما فيهم جمال مبارك.
ويعتقدون أيضا انه ليس من السهل على الشريف أن يتخلى عن الأمانة العامة للحزب لجمال، وبالتالي فالمنصب سيبقى لأحد أهم عناصر الحرس القديم، التي كان يعتمد عليها الرئيس قبل مرضه، حتى توزع باقي الأنصبة ، ويتم مواجهة مشكلة مراكز القوى الأخرى مثل كمال الشاذلي وزكريا عزمي. فالشاذلي، اتباعا لقاعدة الأقدمية التي يأخذ بها الرئيس مبارك منذ أن حكم البلاد ، يبقي ضمن هذا التقليد هو الأحق، ومعروف أن عينه علي رئاسة مجلس الشعب، وينافسه عليها زكريا عزمي، وإذا ما نال أحدهما رئاسة مجلس الشعب والآخر أمانة الحزب فهذا يعني أن مشكلة جمال ستبقى قائمة.
وفي السياق تتوقع مصادر حزب الوفد أن يتولى منصب الامانة العامة للحزب الحاكم زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية.
وأما يوسف والي، فلا تعتقد المصادر أنه فاقد للقوة ، ويعتقدون أنه لا زال مؤثرا ومحصنا من العزل، وهو ما يدفع للتساؤل كيف لجمال أن يتمكن من المساس به في حين أن والده قبل المرض لم يستطع ذلك.
ويقال إنه ضمن توزيع التركة هناك اتجاه لإحياء منصب مساعد رئيس الجمهورية الذي كان قد اختفى مع اختفاء المشير عبد الحليم أبو غزالة ليكون من نصيب والي.
وينبه هؤلاء المحللين الى أن خطر الصراع قائم، بسبب ضعف أو ضياع الحماية التي كانت توفرها القرارات الرئاسية ويفرضها نفوذ الأسرة، وقد يصبح صراعا سافرا ومكشوفا، وتبدأ حالة استقطاب لأطراف ما زالت خارج دائرة هذا الصراع.
ويعتقد بعض المتابعين أن جماعة الإخوان المسلمين هي جزء من الصراع بين التيارين فكل تيار يخاطب ودها ويهددها في نفس الوقت لكي تنحاز إليه أو تقف موقف الحياد على الأقل والاعتقالات الأخيرة في صفوف الصف الثاني هي جزء من هذا الصراع.
الرئيس صاحب الكلمة الفصل
ويبقى القول بأن الخامس عشر من تموز (يوليو ) القادم حاسما، حيث يشير صفوت الشريف إلى أن الرئيس "سوف يعلن خطوات إصلاحية جديدة في إطار خطة الإصلاح التي تنتهجها مصر منذ سنوات في كافة مجالات العمل الوطني، وذلك خلال المؤتمر السنوي الثاني للحزب المقرر عقده في شهر أيلول (سبتمبر) القادم"، وسيجري بعد أسبوعين استعراض أوراق العمل التي ستعرض على المؤتمر.
وأوضح الشريف أنه يتم حاليا دراسة تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية وتطوير مؤسسات العمل الديمقراطي وتفعيل المجالس التشريعية واعطاء حرية أكبر للإعلام المسموع والمرئي إلى جانب حرية الصحافة. لافتاً إلي أن "ورقة المواطنة وحقوق الديمقراطية من الأوراق الهامة التي طرحها المؤتمر السنوي للحزب عن الإصلاح السياسي".
ويعتقد البعض أن الرئيس هو صاحب القرار الأول والأخير، فهو راعي الحرس القديم، ويبدو أنه رغم انحيازه إلى التيار الإصلاحي أو الجيل الجديد داخل الحزب الوطني والمؤسسة الحاكمة في مصر فإن انحيازه ليس كاملا أو تاما، الأمر الذي يحدد حجم التغيير القادم، الأمر الذي يوحي أن مصر تتجه الى مرحلة انتقالية يحتفظ بها رجالات الحرس القديم بمراكز نافذه، يتولون فيها الإشراف على سياسات نجله الذي يبدو أنه يتجه بقوة إلى الرئاسة، ولكن بوصاية الحرس القديم، وبالتالي فإن توليه للرئاسة لن تتيح له إقصاء الحرس القديم بالصورة التي يعتقدها البعض، ويبدو أن مصر مقبلة على تغيير طرابيش وتقديم جوائز ترضية أكثر منه تغييرا حقيقيا، وهو ما يمكن قراءته من تعيين صفوت الشريف رئيسا للمجلس التشريعي، بدلا من إقصاءه إن كانت هناك نية جادة وجريئة للتغيير.