A+ A-
ساحل العاج ...وبوادر الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل
2005-02-14

لقد شغلت القارة الأفريقية حيزا كبيرا في اهتمامات تجار السلاح القادم من إسرائيل إذ أنها أصبحت سوقا رائجا لهذه التجارة التي تختلط فيها المصالح والأرباح والغايات الإستراتيجية فالمعطيات تشير الى أن شركات الأسلحة الإسرائيلية وجدت في القارة السوداء بيئة خصبة في حركة وانتقال تجارة الأسلحة والصفقات المعقودة من خلال شبكات تهريب السلاح ،هذه المنطقة التي أنهكتها الأزمات والتوترات والحروب...وكانت "ساحل العاج" فريسة لا يمكن إضاعتها من قبل تجار الأسلحة الإسرائيليين.ساحل العاج وتجارة الأسلحة القادمة من إسرائيل:
كغيرها من الدول الأفريقية ،أضحت "ساحل العاج" محط أنظار شركات تجارة السلاح "الإسرائيلية" ،فمنذ السنوات المبكرة لعقد الخمسينات , انعكس الاهتمام بالقارة السوداء على الدبلوماسية الإسرائيلية التي أخذت تضع القارة في إطار نشاطها وتحركها وتعد "ساحل العاج" من أهم زبائن تجار الأسلحة في اسرائيل حيث تشير التقارير الصحفية أن الصراع والأزمات والحروب الأهلية الدائرة رحاها في ساحل العاج لا يمكن استبعاد إسرائيل عنها ؛وذلك بسبب وقوفها وراء حركات التمرد من خلال تغذيته بانتقال تجارة الأسلحة والصفقات المعقودة والتي تديرها شبكات تهريب السلاح الإسرائيلية، وتقديم المستشارين العسكريين للمساعدة على استخدام تلك الأسلحة، وتقديم المشورة في مجال التدريب والتنظيم وتمكنت إسرائيل عبر هذه القنوات من التغلغل في جيوش بعض الدول الأفريقية وأجهزة الأمن ومنها ساحل العاج .فثمة أحداث عديدة تلقي بظلالها على مدى التغلغل و الوجود الإسرائيلي في ساحل العاج، فقد أشارت التقارير أن ستة وأربعين خبيراً من الخبراء الاسرائيليين في السلاح كانوا يديرون مركز تصنت استخباراتي في العاصمة العاجية "أبيد جان"، في الوقت الذي ساعد فيه بعض تجار السلاح الذين يحملون جوازات سفر إسرائيلية قوات ساحل العاج في غاراتها الجوية على القاعدة الفرنسية بمدينة "بواكيه" شمالي البلاد .
وحسب تقارير صحفية إسرائيلية فإن صفقات أسلحة عقدتها شركة "أنظمة الدفاع الجوي" مع ساحل العاج، والتي باعت النظام العاجي معدات عسكرية بينها طائرات استطلاع، و صفقات ذخيرة وقنابل مضيئة مصنوعة في أوروبا الشرقية التي أتمها تاجر سلاح إسرائيلي يدعى " موشيه روتشيلد".
وحسب التقارير الفرنسية فقد قامت الإستخبارات الفرنسية بمداهمة فندق "إيفوار" في ساحل العاج ؛لتلقي القبض على هذه المجموعة من خبراء الأسلحة الإسرائيليين الذين يديرون مركز التنصت الهاتفي،وحسب تلك المصادر فإن الحكومة الإسرائيلية اضطرت فيما بعد إلى ترحيلهم في رحلة إيطالية، وبعد رحيلهم لم يبق إلا أربعة مستشارين منهم.
فرنسا كان لها دور أساسي في الكشف عن ألغاز متعددة عن الوجود الإسرائيلي في ساحل العاج وصفقات الأسلحة المعقودة هناك، إذ بددت التحقيقات الفرنسية في شرائط التسجيل التابعة لطائرتي استطلاع إسرائيليتين تعودان إلى الجيش العاجي واستولت عليهما.إضافة إلى عثور القوات الفرنسية في مطار أبيدجان على طائرتي استطلاع "من دون طيار" إسرائيليتين" والتي ذكرت مصادر إسرائيلية أنهما بيعتا بشكل قانوني من قبل شركة خاصة إسرائيلية لا ترتبط بالصناعات العسكرية .
مؤشرات أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل:
ثمة بوادر أزمة دبلوماسية تطفوا على السطح في العلاقات الفرنسية الإسرائيلية على إثر تورط محتمل لشركات إسرائيلية تبيع الأسلحة لساحل العاج، يأتي ذلك بعد تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1584 الذي يهدف إلى تعزيز فعالية الحظر الذي فرضه في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي على شحن الأسلحة الى ساحل العاج لدعم عملية السلام وعدم خرق حقوق الانسان في هذا البلد، وتضمن القرار الذي صاغته فرنسا وتبناه المجلس بإجماع أعضائه الـ15 سلسلة من الإجراءات تهدف الى التأكد من حظر شحن الأسلحة الى ساحل العاج والى تحسين وسائل المراقبة. ويجيز القرار لعملية الأمم المتحدة والقوات الفرنسية التي تدعمها مراقبة تطبيق هذا الحظر من خلال عمليات تفتيش مفاجئة للمطارات والمرافئ والقواعد العسكرية والمراكز الحدودية في ساحل العاج.
جاءت مؤشرات الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل بعد أن طلبت الحكومة الفرنسية إيضاحات من إسرائيل بشأن شركات إسرائيلية تبيع الأسلحة لساحل العاج في مقتل 9 جنود فرنسيين تابعين لقوات حفظ السلام في هذا البلد، خلال نوفمبر 2004. الامر الذي سيؤدي إلى تأزم جديد في العلاقات بين البلدين خاصة بعد الأزمة الدبلوماسية التي أحدثتها تصريحات آرئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الصيف الماضي حين طالب كل يهود فرنسا بالهجرة إلى إسرائيل.
وحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية يوم 11-2-2005 ذكرت أن الحكومة الفرنسية طلبت من نظيرتها الإسرائيلية تزويدها بمعلومات حول قيام شركات إسرائيلية ببيع الأسلحة لساحل العاج.
وحسب المصدر فإن أسماء الشركات الإسرائيلية المتورطة في مبيعات الأسلحة لساحل العاج، تتضمن شركة "أيرونوتكس دفنس سيستمز" التي باعت طائرات بدون طيار لساحل العاج، ورجل الأعمال الإسرائيلي "موشي روتشلد" -أحد كبار تجار السلاح في العالم- الذي مول ساحل العاج بذخائر حية وقطع غيار للأسلحة المستخدمة في المعارك، وشركة "فيرينت سيستمز" التي قامت ببيع أجهزة رصد ورادارات.
حيث يعزو مسؤولون فرنسيون قولهم: أن حادث مقتل الجنود الفرنسيين التسعة التابعين لقوات حفظ السلام في ساحل العاج خلال نوفمبر 2004 كان نتيجة مساهمات تلك الطائرات الإسرائيلية بدون طيار، وأجهزة رصد الهجوم الذي استهدف قاعدة للجنود الفرنسيين"، وقد أبدت حكومة ساحل العاج اعتذارها عن الحدث، وقالت: "الهجوم كان يهدف لضرب قاعدة للمتمردين". وتعتبر هذه الحادثة الأخطر من نوعها التي تتعرض لها القوة الفرنسية العاملة في ساحل العاج منذ سبتمبر 2002، وتضم هذه القوة 4000 جندي، تقتصر مهمتهم على تأمين الحماية لعناصر الأمم المتحدة في ساحل العاج.وقد قام الجيش الفرنسي بالرد على هذا الهجوم؛ بأن قامت قواته الجوية بتدمير الطائرات المملوكة للجيش العاجي المبتاعة من إسرائيل.
من جانبها الشركات الإسرائيلية المتورطة في بيع الأسلحة لساحل العاج رفضت إلقاء الجانب الفرنسي مسؤولية مقتل جنوده عليها، مؤكدة أنها باعت هذا العتاد العسكري لساحل العاج قبل وقوع الهجوم على القاعدة الفرنسية.
المراقبون يرون أنه إذا ثبت التورط الإسرائيلي في مقتل الجنود الفرنسيين التسعة فإن ذلك سيزيد من أزمة الثقة بين الفرنسيين والإسرائيليين،سيما أن العلاقات الإسرائيلية الفرنسية بصفة خاصة حساسة جدا، بسبب خلفية تاريخية مبنية بسبب "الهولوكوست" والممارسات الأوربية ضد اليهود في التاريخ الوسيط والحديث، ومن ثم فإن أوروبا تميل إلى التحفظ والتخفيف من أي انتقادات سياسية لإسرائيل، خاصة أنه لم تمر سوى فترة قليلة على إحياء ذكرى المحرقة النازية.