A+ A-
دور
2008-01-27
المقدمة:
شهد العراق خلال العقود الستة الماضية, معدلات عالية من التحضر أو التمدين Urbanization بالمقارنة مع بلدان اخرى من العالم[1]. وتركت الهجرة الكثيفة من الريف الى المدن أثاراً وظواهر بليغة ومركبة: كمشكلة السكن وإكتظاظ المدن والازدحام وزيادة معدلات الجريمة وتردي الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم وغيرها. كما كان لهذه الظاهرة اثراُ مميزاً على المستوى الثقافي حيث تراجع مضمون الحياة الحضرية الحديثة[2] لصالح قيم ومعايير الريف التقليدية والمتخلفة, او بكلام اخر تراجع ثقافات الطبقات الوسطى المدينية لصالح ثقافة فئات فقراء المدن ذات الاصول الريفية. وسياسياً, ادت هذه الظاهرة الى تهميش دور المواطن تجاه الدولة, حيث فقد امامها الكثير من حقوقه السياسية, وتحول الى "نفر" بين جموع غاضبة لا تفهم لغة اخرى غير العنف, وفرض عليه الانتماء الى جماعات تدعو الى تحقيق اهدافها بالقوة, مما اثر كل ذلك سلباً على العملية السياسية والديمقراطية الجارية في العراق.
ستهتم هذه الورقة بجانب واحد من العملية الديمقراطية الجارية في العراق منذ نيسان 2003 والمتعلق بدور الفئات الفقيرة في العملية السياسية وسلوكها الانتخابي, تلك الفئات التي هاجرت خلال العقود الست الماضية من الريف الى المدن الكبرى وخاصة بغداد. فتكدس المهاجرين الريفيين في أحياء فقيرة تفتقد الى الخدمات الأساسية تحيط بالمدن الكبرى أو بالقرب من مركزها, جعلتهم يكونون ثقافة فرعية متميزة تختلف عن كلا الثقافتين المدينية والريفية إن صح التعبير. واجتماعياً, لا تنتمي هذه الفئات الى احدى الطبقات الاساسية المتواجدة في المدن, بل تبقى مستقلة عنها, ذلك ان من اهم خصائص هذه الفئات هي طبيعتها الانتقالية, الغير مستقرة. وستنظر الورقة ايضاً في كيفية تحول هذه الفئات الاجتماعية الى قوة سياسية وإنتخابية مؤثرة في سير العملية السياسية الجارية في العراق.
شهد العراق خلال هذه الفترة عمليتين إنتخابيتين علاوة على استفتاء دستوري, جرت الإنتخابات الاولى في 31 يناير/ كانون الثاني 2005 وذلك لإنتخاب الجمعية الوطنية التي كانت مهمتها الأساسية وضع دستور دائم للبلاد وكذلك جرت إنتخابات مجالس المحافظات العراقية الثمانية عشر, اما الاستفتاء على الدستور فقد جرى في 15 أكتوبر من نفس العام, واخيراً جرت انتخابات البرلمان العراقي الحالي في 15 ديسمبر 2005. وفي جميع هذه النشاطات الانتخابية كان دور الفئات الفقيرة في المدن حاسماً من حيث حجم مشاركتها وتصويتها لقائمة واحدة وهي قائمة "الائتلاف" الشيعية.
1- الجوانب التاريخية والنظرية لمفهوم التحضر:
أرتبط التحضر والحضرية بعملية التصنيع الاوروبية التي ابتدأت في انكلترا في منتصف القرن الثامن عشر. إذ حفز التصنيع الهجرة الريفية الى المدن لحاجته للأيدي العاملة, وفرض في نفس الوقت نمطاً جديداً للعلاقات الاجتماعية ملائمة للمجتمع الصناعي الحديث, لخصها عالم الاجتماع الامريكي لويس ويرث بتضمنها: "إستبدال العلاقات الأولية بعلاقات ثانوية وإضعاف روابط القرابة وتدهور الأهمية الأجتماعية للأسرة وإضمحلال الجيرة وتقوض الأسس التقليدية للتضامن الإجتماعي"[3]. وقد وضح عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل الى ان الزيادة الكمية في حجم السكان تؤدي الى تغيير نوعي في علاقاتهم الاجتماعية, "حسب تجارب الحياة اليومية, فمن المسلم به بأن الجماعة التي تحقق حجماً معيناً عليها تطوير اشكال ووسائل ليس للجماعات الصغيرة حاجة لمثيلها. وعلى صعيد آخر, فمن المعترف به ايضاً, بأن للجماعات الأصغر خواصاً تتضمن اشكالاً من التفاعل بين افرادها يتحتم إختفائها إذا ما كبرت هذه الجماعات"[4].
لقد اهتم علم الاجتماع في بداياته الأولى في التعبير عن هذه الثنائية بين نوعين من المجتمعات: صغيرة و كبيرة الحجم, ريفية وحضرية, ماقبل الصناعة والصناعية. وتمثلت هذه الثنائية عند عالم الاجتماع الالماني فردينالد تونيز بالجماعة المحلية والمجتمع وعند اميل دوركايم بالتضامن الألي والعضوي, وعند جارلس كولي بالجماعة الاولية والثانوية.
وأدى التطور اللاحق للمجتمع الصناعي واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة وتركز السكان في المدن وتقلص عدد العاملين في الزراعة الى سيطرة الحضرية على علاقات المجتمع الحديث وانتهت الثنائية التي كانت قائمة بين الريف والحضر لصالح العلاقات والقيم الحضرية. ولم يبق ريف بالمعنى التقليدي, بل تحول الى ريف حضري إن صح التعبير. فعدد سكانه قله بالمقارنة مع سكان المدينة, وساكنيه اغلبهم من سكان المدن الذين جاءوا هنا للراحة والاستجمام, واصبحت نسبة من يعمل بالزراعة لا يتجاوز اكثر من 3-5% من مجموع السكان.
واخذ التحضر منحى اخر في بلدان العالم الثالث, إذ ان تطور المدن اختلف "بشكل حيوي عن تطور المدن في البلدان الصناعية"[5], حيث لم يرافق زيادة سكان المدن سيطرة الحضرية كأسلوب للمعيشة, بل جرى العكس تقريباُ, فتراجعت الحضرية لصالح قيم وثقافة الريف, وبتعبير اخر جرى ترييف المدن. فالهجرة الريفية الكثيفة للمدن, وفشل القطاع الزراعي وغياب الصناعة جعلت المهاجرين الريفيين يحتفظون بثقافتهم واغانيهم وقيمهم وينشرونها في جميع دروب مجتمعات المدن.
واصبح من الصعب وصف عملية التحضر الجارية في مدن بلدان العالم الثالث بالمفاهيم السائدة, مما حدا ببعض الباحثين الى استخلاص مفاهيم جديدة, ربما ابرزها مفهوم التحضر المفرط hyperurbanization أو overurbanization. ويشير هذا المفهوم الى الزيادة السريعة لنمو السكان الحضريين من دون ان يرافقها تطور الاقتصاد الصناعي, فتؤدي الى إنحطاط الخدمات الحضرية, وتفشي البطالة والفقر وتدهور مستويات المعيشة والانحراف الاجتماعي والإضطرابات والتوترات السياسية والثقافية ومشاكل السكن والازدحام[6]. وقد لخص تقرير لجنة "إدارة شؤون المجتمع العالمي" مشكلة التحضر في بلدان العالم الثالث بإعتبار ان معدلات التحضر لا تتناسب ومعدلات التصنيع "فالمدن تجتذب السكان في مرحلة تسبق قدرتها الاقتصادية على توفير فرص العمل, والمساكن والصرف الصحي, والخدمات الاساسية الاخرى. وهذا هو السبيل نحو التدهور الحضري, ومايعقبه من توترات اجتماعية وجرائم, وغيرها من المشكلات"[7].
2- حجم ظاهرة التحضر في العراق:
يعتبر العراق من البلدان التي شهدت مستويات عالية من التحضر, فقد جاوزت معدلاتها في العراق معدلات البلدان النامية[8]. لم تتجاوز نسبة السكان الحضريين 25% في عام 1930, لكنها وصلت الى 75% تقريباً في عام 1995.
وحسب تقديرات السكان لعام 2003, فقد بلغ تقدير السكان الحضريين 17723693 في عام 2003 من مجموع السكان 26340227 اي بنسبة 67.3%[10].
وعاش العراقيون في ثلاث بيئات إجتماعية مختلفة هي: البيئة البدوية والريفية والحضرية, إلا ان استقرار البدو في الزراعة ومغريات جذبهم من قبل بلدان الخليج الحدودية من خلال المال والمركز الاجتماعي وفرص العمل كانت قد عملت في عملية تلاشي البدو وشبه إنعدامهم في العراق, فقد شكل البدو 5% من مجموع السكان في عام 1930, لكن نسبتهم لم تعد تذكر خلال العقود التالية.
وأخذت ظاهرة التحضر ابعاداً مؤثرة منذ منتصف القرن الماضي, فقد ذكر المستر فينيلون, كبير إحصائي الدولة العراقية في عام 1957 مايلي: "ظهر الآن نوع جديد من عدم الإستقرار الذي ب