A+ A-
عوائق العمل المجتمعي في سورية
2007-03-25
إذا تجازنا الخلاف الفكري والسياسي المحيط بعبارة "المجتمع المدني"؛ وهل تقتصر على المنظمات غير الحكومية (NGOs) أم تتسع لتشمل القطاع الخاص ذي الربح باعتباره أحد مكونات المجتمع المدني، أوربما يتسع المفهوم ليشمل الأحزاب السياسية والبرلمان بوصفها "أطر مدنية" .فالجدل حول المفهوم جزء منه ومن طبيعته.
فإنه يمكننا اختيار تعريف إجرائي يتعلق بالمجتمع المدني-مستخدم بكثرة في أدبيات الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي- على اعتبار أنه نشاط المواطنين في مجال تشكيل الجمعيات (خارج نطاق عائلاتهم وأصدقائهم وأماكن عملهم) الذي ينخرطون فيه طوعاً دعما لمصالحهم وآرائهم وأيديولوجياتهم. وهو لا يشمل النشاط المشترك الذي يقوم به الأشخاص لتحقيق الربح (القطاع الخاص) أو للوصول إلى الحكم في الدولة . وتشمل مكونات المجتمع المدني المهتمة في سورية ما يلي:
خارطة مؤسسات المجتمع المدني في سورية: 1- المنظمات الحرفية أو النقابات: وهي المنظمات التي تضم أعضاء يمثلون مصالح فئات معينة من السكان أو الأشخاص ذوي المهنة الواحدة أو المتشابهة.

وقد جرى تحويل هذه المنظمات من دورها كمدافع حقوقي عن الفئة التي تمثلها إلى دور رعائي و رقابي معطل وفُقدت الممارسات الديمقراطية والشفافية داخلها مما جعلها تمارس دور سلبي ومقاوم للتغيير ،وهنا يبدو مطروحاً بقوة ضرورة تبديل دورها باتجاه دور تشاركي حقيقي في العملية التنموية .وقد لعبت "المنظمات الشعبية" دوراً رئيسياً في ضمان نمظ الاستقرار السياسي والاجتماعي للنظام السياسي القائم بخياراته السياسية والاقتصادية.

ورغم أن هذه المنظمات تعد الأكثر تنظيماً وتأثيراً وحجماً من حيث عدد الأعضاء المنتسبين إليها ،مما يبرز دور هذه النقابات باتجاه إدماجها نحو تشكيل قوى ضغظ أو لوبي يخدم المصالح القريبة والبعيدة للمنضوين تحتها ،دون أن تفقد استقلاليتها ،وبنفس الوقت تطوير دور إنمائي لهذه النقابات عبر تفعيل مفاهيم الشراكة المتبادلة مع المجتمع.
2- المنظمات الدينية أو الجمعيات ذات النشاط الدعوي والخيري: وغالبا ما تكون منظمات دينية تكون مكرسة إما للعبادة أو لغايات دعوية ،وهي تلعب الجمعيات الدعوية دوراً مركزياً في بناء الوعي الديني ،ولذلك يبدو من الضروري استيعابها معرفياً للمحاولة في تطوير خطاب ديني منفتح ومعتدل .سيما مع حجم تأثيرها الطاغي على الوعي الشعبي العام.
3- المنظمات غير الحكومية: وهي المنظمات التي تُشكّل لتقديم منافع إلى عامة الناس ، إما من خلال تقديم خدمات معينة أو من خلال أنشطتا المختلفة. وينضوي في عضويتها الأشخاص الذين تكون لهم مصالح مشتركة، ومعظمها يُعتبر منظمات خيرية أو منظمات تقدم خدمات عامة لأن برامجها تتجاوز نطاق أعضائها. ومن بين الأمثلة على ذلك منظمات البيئة والتنمية والمنظمات غير الحكومية التطوعية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات المعنية بالحقوق الإنجابية ومجموعات المستهلكين والتعاونيات ومنظمات المراقبة لمكافحة الفساد وما إلى ذلك .والشبكات الدولية من المنظمات الشبيهة بالمنظمات غير الحكومية.
وتلعب هذه الجمعيات الخيرية دوراً محورياً في تأمين شبكات الحماية والرعاية الاجتماعية (أو ما يطلق عليه شبكة الأمان الاجتماعية ) خاصة في ظل تحول نمط الاقتصاد من اقتصاد موجه إلى شكل من أشكال اقتصاد السوق الاجتماعي ،وهنا تطرح على هذه الجمعيات مسؤولية تطوير جيلها الجمعياتي الأول إلى الجيل التنموي الثاني في إطار سيناريوهات ومسارات التنمية المتعددة والاحتمالية.
و يجب التركيز على ضرورة تطوير هذه الجمعيات حتى تخرج من إطارها السياسي الحزبي إلى الإطار المهني والحرفي كي تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها وغاياتها .وبنفس الوقت بحث إشكالاتها القانونية وعدم حصولها على الترخيص المناسب مما يعيق تطوير بناها المؤسسية وأطرها القيادية .واللافت توسع نشاط هذه المنظمات الحقوقية خارج إطار القانون مما سيكون له علاقة سلبية في تعامل المواطن مع القانون.
4- الحركات الاجتماعية وشبكات الحملات: هي الرابطات الشعبية والحرة التي تضم أناساً تجمعهم تجارب مشتركة أو "أطر" و يقررون العمل معا لتدارك الأخطاء التي يحددونها. وتشمل الأمثلة على ذلك الحركة المناهضة للعولمة، والحركة النسائية. وثمة تداخل بين هذه الفئة والمنظمات الشعبية والمنظمات غير الحكومية.

لقد لعب المجتمع المدني خلال فترة "ربيع دمشق" دوراً في تنشيط الحراك السياسي والاجتماعي عبر ما يسمى المنتديات السياسية بما يمكن وصفه من جهة تحايل على القانون بتحويل المنازل إلى فعاليات سياسية وثقافية لعدم الحصول على الترخيص المناسب، ومن جهة أخرى دخول قطاعات جديدة إلى السياسة من غير طبقتها أو نخبها التقليدية. وقد طرحت هذه المنتديات نفسها بوصفها أحد تعبيرات "المجتمع المدني" في سورية.
لقد ساد جدل كبير حول مفهوم "المجتمع المدني" في المشهد السياسي السوري منذ بداية طرحه عام 2000، وتحديداً بعد عملية انتقال السلطة، و لم تكن البيانات المتعاقبة التي وقّعها المثقفون السوريون بعد استلام الرئيس بشار الأسد السلطة في 17 تموز/يوليو 2000 إلا تعبيراً عميقاً وترسيخاً لدور المثقفين الغائب والمفقود في الاهتمام بالشأن العام، و بدى أن المطلوب هو استرجاع هذا الدور واستعادته، ولذلك بدؤوا يتوجهون إلى المجتمع عبر بناء "المجتمع المدني" من أجل استرداد دوره ووظيفته، لقد خطَّأ المثقفون السوريون ـ في مجملهم ـ تاريخهم العقائدي اليساري والقومي والإسلامي وبدؤوا يتوجهون لعقدٍ اجتماعي جديد قائمٍ على الشرعية الدستورية بعد أن كان هذا العقد قائماً على الشرعية الثورية بحسب تعبير "بيان الألف"( ). وإذا كانت رؤية المثقفين السوريين حديثةً في اكتشافهم للمجتمع المدني، بحكم الأصول القومية واليسارية لمعظمهم ولكون مفهوم "المجتمع المدني" إنما نشأ وتطور في السياق التاريخي الليبرالي، فإن نظرة هؤلاء المثقفين المتوجسة إلى المجتمع والتي كانت نابعةً من النظر إليه وفقاً لعصبياته وطوائفه وتخلّفه والنظر إلى الدولة وفقاً لدورها التنموي والتغيري والتوجيهي ( )، فإن التجربة التاريخية سواءً أكانت في المجتمعات الغربية وخاصة مجتمعات دول المنظومة الاشتراكية أو المجتمعات العربية نفسها التي قطعت شوطاً مميزاً على طريق تفعيل المجتمع المدني أقنعتهم بمدى التغييب التاريخي الذي أسهموا فيه بحق المجتمع، ومن هنا أتت العودة إليه بوصفه نقطة البدء، ويُضاف إلى ذلك فإن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي التي تشكل المبرر الشرعي لفرض استمرار قانون الطوارئ إلى درجة تخليده .
مهما يكن فإن سياق النشاط السياسي للمثقفين وتوجههم نحو مخاطبة المجتمع أولاً وأخيراً يُعدُّ بمثابة تحول فكري واجتماعي ومفاهيمي بارز بعد أن كانت صراعات النخب السورية تتمحور حول السلطة.

يبدو إذاً أن تشخيص الواقع السياسي والاجتماعي هو الذي استدعى تبني مقولة المجتمع المدني واستدعائها من حقلها الأكاديمي إلى المجال السياسي، ويبدو أن المثقفين قد أعادوا توظيف مفهوم المجتمع المدني ، إذ رأوا أنه يتطابق تاريخياً مع رهانا تهم المستقبلية.
ودارت نقاشات وأسئلة عميقة حول تبئية المصطلح وتوطينه في التربة الثقافية السورية حاضراً وماثلاً، وما يستدعي السؤال ويثيره هو الاضطراب المفاهيمي الذي نلحظه في توظيف المفهوم وإدراجه ضمن نصوص المثقفين، وتحميله الكثير من الشحنات والحمولات الأيديولوجية المرافقة والملصقة به.

فالبعض لا يرى تحقق المجتمع المدني من دون أن تنجز الدولة الوطنية مشروعها، ذلك أنه من الصعب الكلام عن مجتمع مدني في الوطن العربي دون مقدمات تاريخية التي تتجلى في مأسسة مشروع الدولة، والدولة نفسها في الوطن العربي مازالت مشروعاً أولياً يبحث عن إمكانات تبلوره وتحوله إلى موقع السيادة الدستورية والقانونية في المجتمع ( )، وهو ما يبدو استنساخاً حرفياً للمفهوم الهيغلي عن المجتمع المدني عندما يعتبر أن تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة.
لكن آخرين يرون أننا لا نشهد في الدول العربية مجتمعاً مدنياً وإنما هناك مجتمع أهلي، إذ المجتمع المدني تنحصر الخصائص والعلاقات الحاسمة فيه حول علاقات المواطنة وتتركز فيها، وهي تميل وفقاً لذلك لأن تكون مدنية، طوعية، تعاقدية، حقوقية، أفقية ومساواتية في حين أن المجتمع الأهلي تعود العلاقات الارتباطية فيه إلى علاقات دينية أو مذهبية أو عشائرية، وهي وفقاً لذلك ليست علاقات طوعية مدنية وإنما هي علاقات وراثية ( )، ولذلك فالمجتمع المدني في بلادنا هو إلى حد كبير من صنع الدولة الحديثة والتحديثية تحديداً ( )، وبناءً على نظرية افترض غياب المجتمع المدني لدينا وحضور المجتمع الأهلي، ووجود أنوية للمجتمع المدني التي لم تكن نتيجة حراكه الداخلي وإنما هي من صنع الدولة التحديثية.
فالدولة في الحضور الماركسي تتشخص كذات كلية تبتلع المجتمع وتحوله بإرادة فوقية، تنقله من الجحيم إلى النعيم ومن التخلف إلى النماء، إلا أن الدولة لن تستكمل مشروعها في بناء المجتمع المدني إلا إذا اقترنت بأيديولوجيتها القائمة على العلمانية، فمشروع الدولة الوطنية في بناء المجتمع المدني عليه يقترن بالعلمانية.

كان من الطبيعي بعد ذلك أن يشهد توطين مفهوم المجتمع المدني في النخبة المثقفة السورية هذا الاضطراب النظري والالتباس المفاهيمي، ذلك أن ربط المجتمع المدني بمشروع أيديولوجي قائم على إنجاز تحققات الدولة والعلمانية يرهنه ويأسره في سياق النضال الأيديولوجي ويمنعه من تحقق إمكاناته النظرية والعملية القائمة على الحراك السياسي والاجتماعي بكل صيغه وأشكاله، فالعلمانية ليست مشروعاً أيديولوجياً أو ديناً جديداً نطلب من الدولة وفقه أن تحول جميع مواطنيها إلى علمانيين حتى ننقلهم بعدها إلى المجتمع المدني، فآلاف الجمعيات والنوادي الخيرية والدينية التبشيرية القائمة في الدول الغربية لم يمنع من تحقق المجتمع المدني بل بالعكس ساعد وساهم إن لم نقل كان بمثابة النقطة البدء في تحقيق مشروع المجتمع المدني والدولة معاً.
فالعلمانية هي نظام سياسي وليس اجتماعي يُطلب منه تحقيق المعجزات، بل إن شرطها التاريخي هو الكفيل الوحيد بنجاحها .فالمجتمع المدني لا يمكن له أن ينمو ويتبلور إلا في ضوء النظام الليبرالي الديمقراطي، إذ تمثل الفلسفة الليبرالية الحاضنة المعرفية له والمولدة لسياقاته التاريخية والعملية، فعلينا أن ندرك بداية أن المجتمع المدني ليس غاية في ذاته وإنما يمثل الشرط التاريخي لتحقيق التحول نحو الديمقراطية( ).

وبذلك تنتفي عنه قوالبه الجاهزة في انه يمثل الرد على سلطة الحزب الواحد وأنه يعمل على إيجاد مرجعية اجتماعية خارج الدولة، وهو الرد على بيروقراطية وتمركز عملية اتخاذ القرار في الدولة، إن ذلك على صحته يُسقط بعداً خلاصياً استيهامياً على مفهوم تاريخي، وإضفاء طابع تبجيلي دون إدراك ميكانيزمه السياسي والاجتماعي الذي بدونه يبقى تحقق المجتمع المدني ممتنعاً. ويبقى إدراك الشحنات الليبرالية بالمفهوم جزء من صياغته النظرية ومشروعه العملي ووضعه في النهاية في إطاره التاريخي.
دور مؤسسات المجتمع المدني:

تُظهر الخارطة التفصيلية لمؤسسات المجتمع المدني وعلاقتها مع مؤسسات الدولة المختلفة في سورية ،أن هناك فقراً كبيراً على المستوى الكمي فيما يتعلق بعدد الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. ويعود السبب الرئيسي إلى قلة عدد هذه المنظمات إذاً إلى عوائق قانونية أو بالأحرى سياسية –أمنية ،وهي التي تمنع تأسيس جمعيات ومنظمات مدنية ذات غايات مختلفة، وإذا كانت سورية من أوائل الدول المبادرة عربياً في تأسيس الجمعيات والمنظمات الأهلية فإنها اليوم تكاد تكون الأفقر في عدد هذه المنظمات ،إذ لا يتجاوز عدد الجمعيات والمنظمات غير الحكومية 700 منظمة وجمعية فقط ،في حين يفوق عددها في مصر 17 ألف منظمة وجمعية ،أما المغرب فيتجاوز عددها 25 ألف منظمة وجمعية .وحتى عام 1990 كان مجموع الجمعيات القانونية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتعليمية والدينية والخيرية لا يتجاوز 504
في القطر كله ،أي أقل ب 150 جمعية قبل عشر سنوات .وحتى عام 2001 ارتفع عدد الجمعيات الأهلية المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى 540 جمعية منها 217 مسجلة في مدينة دمشق بنسبة تصل إلى 40% من الجمعيات ،وحتى الآن ما زال قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958 معمولاً به ،ولم تدخل عليه أية تعديلات جذرية ،رغم إجحاف بعض مواده وعدم مسايرتها للتطور الحديث في مفهوم وتعبير المنظمات غير الحكومية ودورها في التنمية، فقانون الجمعيات أتبع الجمعيات إلى الجهة الإدارية (وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل) بشكل وصائي مع حق الإدارة في رفض قرارات الهيئة العامة والحلول محلها.
وهذه التبعية تلغي الإرادة الحقيقية للأعضاء مما يجعل ترتب كامل المسؤولية على الجهة الإدارية في تعثر هذا القطاع المهم على الصعيدين الوطني والعالمي.

كما نص في المادة /7/ من اللائحة التنفيذية على أن ترفع الدائرة الاجتماعية والعمل طلب الشهر مع مطالعتها حول نتيجة التحقيق عن المؤسسين.. واللافت هنا أن التحقيق عن الأعضاء المؤسسين والذي تقوم به الجهة الإدارية وإعطاءه أهمية كبرى يخرج الجمعيات عن أهدافها وبالتالي يعبر بشكل طبيعي عن خسارة المجتمع لجمعيات كان يمكن لها أن تقدم عملا اجتماعيا مفيدا أما الجهة الإدارية فإنها تقيم الأعضاء من خلال التحقيق الذي تقوم به أجهزتها وقد يخالطه الكثير من المغالطات وبناء على هذه التحقيقات تقوم بإجراءات خطيرة تودي بالجمعية وترفض نشرها وتقيدها أكثر من خلال المراقبة الشديدة والصلاحيات الكبيرة التي منحتها للجهة الإدارية (وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل) على حساب إرادةالأعضاء.ومن الملاحظ على هذا القانون أنه في حال حياة الجمعيات, جعل اليد الفاعلة فيها للجهة الإدارية, أما عند حلها وفي حال وفاتها أحال أمورها وتصفيتها إلى محكمة البداية المدنية في منطقة الجمعية (المواد 34- 40- 74) مالقانون ذاته.فالقانون المبحوث فيه عكس الأمور وأخرج الجمعيات عن بيئتها وشروطها الطبيعية دون مسوغ قانوني فلا يصلح لتوفير الإطار المناسب لقيام جمعيات تؤدي أهدافها في المصلحة العامة أو الخاصة ولابد من اشتراع قانون آخر بديل منه لإطلاق كافة القوى الحية للمشاركة في بناء مجتمعاتها بصدق ومشروعية, ولاسيما أن الأنظمة الحديثة تسعى إلى توسيع مشاركة الناس.
إن المجتمع المدني في سورية –وخاصةً- الاتحادات المهنية والمنظمات الشعبية و النقابات مخترق اختراقاً عميقاً من قبل السلطة،وقد جرى تحويلها خاصة بعد أزمة النقابات عام 1980 إلى منظمات تابعة للدولة ، وهدفت الدولة من خلالها إلى تحويلها إلى أدوات لإقامة رقابة على القطاعات المجتمعية التي تمثلها واحتوائها سياسياً .وهو ما جعلها بأشبه بالمنظمات شبه الحكومية التي تعمل إلى تنفيذ وتحقيق سياسات النظام بدل أن تعبر عن التطلعات المشروعة للقطاعات والفئات التي تمثلها والدفاع عنها قانونياً وسياسياً واقتصادياً.

أما فيما يتعلق بالجمعيات الأهلية والخيرية فإنها -على قلتها- لعبت دوراً محورياً العبء المعيشي عن الفئات الاجتماعية المهمشة أو تلك التي وجدت نفسها تحت خط الفقر ،وقد أظهرت تجربة سنوات الثمانينيات المريرة ذلك ،فعندما اعتمدت الحكومة منذ عام 1980 سياسة التقشف الاقتصادي تحت مسميات "الاعتماد على الذات" و "ترشيد الاستهلاك" وترافق ذلك مع انخفاض حاد في القوة الشرائية لدى المواطن فضلاً عن أن علاوات الأجور في القطاع العام بقيت دون التضخم، ثم صدر عام 1985 مرسوم بتجميد التوظيف لدى الدولة، ولم يستثنى منه إلا التربية والتعليم العالي والمتخرجون من كليات الهندسة والتمريض ممن تكلفت الحكومة بتوظيفهم ،وترافق ذلك كله بتقليص الإنفاق الحكومي إلى حده الأدنى ،ذلك كله أدى إلى هبوط قسط كبير من السكان تحت خط الفقر، ولا سيما أولئك الذين يعيشون على رواتب القطاع العام ،وهنا لعبت الجمعيات الخيرية دوراً كبيراً في امتصاص القطاعات الفقيرة الوافدة خاصة تلك الآتية إلى مركز المدينة من الريف ،لقد خلقت هذه الجمعيات شبكة أمان حقيقية سيما في فترة تحول السياسة الاقتصادية التي غالباً ما ترافقها اهتزازات اقتصادية تكون لها انعكاسات اجتماعية حادة. فنلحظ مثلاً أن اتحاد الجمعيات الخيرية في دمشق وحده يبلغ ميزانيته ما يعادل خمسة ملايين ليرة سورية قادرة على إعالة أكثر من عشرة آلاف أسرة.
ولذلك يبدو مهما اليوم دور هذه الجمعيات الأهلية في امتصاص الهزات الاقتصادية الاجتماعية الناجمة عن التحول من نمط الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاجتماعي ،لكن شرط تطوير نمط هذه الجمعيات إلى الجيل التنموي بدل الخيري، والقائم على أساس التمكين للأفراد ،عبر تحفيز هذه الجمعيات على بناء القدرات والتعليم والتدريب والتأهيل بدل العطاء والتبرع باستمرار ،وذلك يتم عن طريق تشغيل القروض الدوارة والمشروعات الصغيرة ،وهذه الرؤية الجديدة للعمل الأهلي التي يطلق عليها "القطاع الثالث" إلى جانب الحكومة والقطاع الخاص تلعب دوراً محورياً في التنمية عبر تحمل مسؤولياتها في التعليم والصحة والبيئة والتنمية المحلية والتعليم وغيرها. وهذا لا يتم إلا عبر مجهودات مشتركة من قبل الدولة والقطاع الخاص في دعم هذا التحول في آلية عمل الجمعيات الخيرية والأهلية.
كلمة د.رضوان زيادة في ورشة عمل الاصلاحيون العرب وبناء شبكات والتحالفات