A+ A-
كلمة الدكتور ابراهيم بدران في مؤتمر نحو شبكة الاصلاح والتغير في العالم العربي
2005-10-08
الدكتور ابراهيم بدران
مساعد رئيس جامعة فيلادلفيا/عميد كلية الهندسة
1-مدخـــــل
درج الباحثون على الـتأريخ لحركة النهضة العربية المعاصرة وما أنبثق عنها من تجارب ومحاولات بعمليات التحديث التي قادها محمد على باشا في منتصف القرن التاسع عشر وكتابات ورؤى الإصلاحيين الأوائل من أمثال الكواكبي في سوريا والافغاني ومحمد عبده في مصر وابن ابي الضياف في تونس وغيرهم . وخلال ما يزيد عن مئة وخمسين عاماً لم تستطع الاقطار العربية مجتمعة أو منفردة أن تتحول من مجتمعات زراعية الى دول صناعية بالمفهوم الحضاري الشامل. واذا اسْتثنينا الدول النفطية فان اداء المجتمعات العربية كان ولا يزال اقل بكثير من المتوسط العالمي في القطاع الاقتصادي وغيره من القطاعات باعتبار الاقتصاد هو العمود الفقري للتقدم حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي العالمي 8500 دولار سنوياً في حين يصل متوسطه الى ( 2250) دولار في الاقطار العربية قبل ارتفاع اسعار النفط الأخيرة. واذا اخذنا مؤشرات التقدم الأساسية أي المؤشرات التي تقوم عليها المجتمعات الصناعية التكنولوجية المتقدمة أو مجتمعات المعرفة فان القيمة الرقمية لهذه المؤشرات متدنية لدى معظم المجتمعات العربية. وربما تأتي الاقطار العربية بعد أفريقيا جنوب الصحراء من حيث بطء النمو وتعثر عمليات التحديث. يشمل ذلك وقبل كل شيء حالة الضعف والوهن والتبعية السياسية المباشرة أو غير المباشرة التي تعاني منها غالبية الاقطار العربية الى الدرجة التي أصبحت المنطقة العربية ساحة مفتوحة لكل أصناف التدخل. كما يشمل ذلك نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي ، نسبة البطالة، حجم القوى العاملة، الانفاق على البحث والتطوير التكنولوجي، الانفاق على الثقافة ،الانفاق على شراء الكتب، عدد الكتب والمجلات المطبوعة سنوياً، عدد براءات الاختراع، حجم الانكشاف الغذائي والدوائي والعسكري والتكنولوجي، حجم الإنتاج الصناعي، وحجم الإنتاج الزراعي، انكشاف المياه ، انكشاف الطاقة، القدرة التنافسية، حالة الحكم، الديمقراطية، سيادة القانون، الشفافية، حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، نسبة الفقر، أعمار الاراضي، حالة البيئة، التصحر.. الخ الخ.
وفي عين الوقت فان المدقق في خريطة العالم الحضارية يلاحظ وجود مجتمعات ودول اخرى كانت في القرن التاسع على مستوى حضاري قريب من مستوى المجتمعات العربية أو أدنى قليلاً أو أعلى قليلا ولكنها استطاعت خلال القرن العشرين أو نصفه الثاني أو حتى العقود الثلاثة الأخيرة منه ان تتحول من مجتمعات زراعية متخلفة الى دول ناهضة وسريعة التصنيع وقادرة على منافسة الدول الصناعية العريقة في أوروبا وأمريكا. نذكر هنا اليابان وكوريا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند وقبرص وتايوان ومالطا والارجنتين وتشيلي وغيرها، إضافة إلى عدد من دول أوروبا الشرقية واسبانيا والبرتغال. وحديثاً أصبح يشار دائماً وبقوة الى الصين والهند والتي تتحرك كل منهما نحو مجتمع التصنيع والتكنولوجيا بخطا سريعة جدا،ً وتنمو اقتصاداتها رغم حجومها السكانية الهائلة بمعدلات عاليه تصل الى 11% في الصين و8% في الهند في حين يصل معدل نمو القطاع الصناعي في الصين الى (20%) سنوياً وفي الهند (12%) سنويا.ً كل هذا رغم ما لدى هذه الدول من إشكالات اجتماعية وثقافية وعرقية ودينية وبيئية معقدة تعود الى مئات او آلاف السنين.

والسؤال هو:
لماذا أخفقت المجتمعات العربية في نهضتها على مدى مئة وخمسين عاماً وهي في ملتقى آسيا وأوروبا الى الدرجة التي أصبح المستقبل العربي مرهونا ًًومهدداً وخاضعاً لكل الاحتمالات في حين نجحت مجتمعات أخرى مماثلة في تجاوز عتبة التخلف وبدء مسيرة النهوض المتصاعدة؟

2-الاساسيات
ان الاجابة على السؤال السابق ليست مجرد جملة أو عبارة واحدة. اذ أن عوامل النجاح والاخفاق ليست ضئيلة وليست واضحة لكل عين ولا هي سطحية ومتناثرة وانما هي منظومة مركبة بالغة التعقيد ينبغي التعامل معها بمجملها وبجميع عناصرها ومفرداتها في ذات المكان والزمان. أن تجارب الامم ودراسات الباحثين في مسألة التقدم والنهوض تشير الى ركائز أو فصول أساسية ينبغي الدخول فيها دون تردد أو تأويل وفصول اخرى فرعية تتغير بتغير الظروف والأحوال. أن الفصول الاساسية التي لا مناص منها للارتقاء والتقدم والانتقال الى مجتمع الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة نكاد نلحظها في جميع المجتمعات التي اجتازت مرحلة التخلف وهي في جوهرها على النحو التالي:
• الفصل السياسي
• الفصل الاقتصادي والاجتماعي
• الفصل القانوني
• الفصل المؤسسي
• فصل الحاكمية
• الفصل التعليمي
• فصل التعليم والتأهيل
• فصل الفكر والثقافة
• فصل المرأة
• فصل الخطاب الديني

ولان النهوض الحضاري بالمفهوم المعاصر ليس مجرد حالة ذهنية أو رؤية ثقافية أو صورة افتراضية أو مساحة انتقائية أو حركة نخبوية وانما هو واقع مادي على الارض يشارك فيه المجتمع بأسره وتقوده الطليعة الفكرية والعلمية والسياسية والمهنية والثقافية وتمثل وجوده المفردات الحضارية القائمة على الارض والتي ينجزها المجتمع بأفراده ومؤسساته ومبدعيه ومهنييه وريادييه . ولهذا فان النهوض هو سيرورة عالية الديناميكية متداخلة الحقول متواصلة التنامي وتقع في سياق استراتيجي واضح. وهي من المتوقع أن تكون مبرمجة بشكل أكثر احاطة وشمولاً عندما يراد اجتياز التخلف خلال فترة قصيرة. لقد كانت فترة التحول الصناعي الاول في حدود الـ (150) عاماً في الانقلاب الصناعي في بريطانيا في القرن التاسع عشر وأصبحت الآن في حدود (30) سنة لدى كل من كوريا وسنغافورة. ولكل هذا فانه من المتوقع والضروري للمجتمع الذي يسعى للنهوض ان ينبثق عن هذه الفصول استراتيجيات وسياسات وتبنى عليها برامج يتم تنفيذها وتصحيحها وتطويرها على ضوء مؤشرات الاداء وعلى ضوء التقدم الذي يتم تحقيقه في اطار البيئة الاجتماعية الثقافية الطبيعية للمجتمع.

ان الاشكالية المعقدة التي احاقت في المنطقة العربية ازاء رؤية المفكرين والعلماء وممارسات السياسيين والاصلاحين والمثقفين لهذه النهضة تتمثل في ثلاثة مفاصل رئيسية

الأول: الرؤية التجزيئيةالثاني: الحالة الثقافيةالثالث: دعوى الخصوصية
على أن أخطر هذه المفاصل واشدها لزوجة وهلامية هو دعوى الخصوصية.

فالرؤية التجزيئية لم تساعد المفكرين والسياسيين والمصلحين على حد سواء أن يتعرّفوا على العلاقة الجدلية بين الفصول العشرة، وخاصة عندما يتحرك قطار النهضة قليلا ويتجاوز نقطة البداية. سواء كان هذا التجاوز بفعل تأثيرات خارجية مثل التجارة أو السوق الدولية أو التدخل الاستعماري أو العلاقات الدولية أو بفعل ديناميكا داخلية للمجتمع تتصاعد في ظروف موائمة مثل اكتشاف الثروات الطبيعية أو الحكم المستنير لفترة معينة أو النهضة التعليمية المرتبطة باحتياجات المجتمع.
اذ انه كلما أمعن المجتمع في التحرّك على سلم الارتقاء والنهوض كلما أصبحت حساسيته لمفردات فصول التقدم المختلفة أكثر واعمق وتأثره بنتائجها أكبر وأشد الأمر الذي
• يجعل الاستمرار في ذات الموقف السائد غير مجد
• ويجعل الإبداع والتجديد هما الثابت الوحيد في معادلة التقدم

فالتخلص من الأميه في بداية النهضة امر عظيم الشأن وشرط من شروطها. الاّ انه غير كاف للانتقال الى مجتمع المعرفة اذا لم ترافقه برامج مجتمعية واسعة تهدف الى التخلص من الامية العلمية والامية الثقافية والامية الحاسوبية وأمية المهارات. والتحرر من الاستعمار شرط من شروط النهوض الاّ انه غير كاف بحد ذاته اذا لم ترافقه قيام دولة وطنية مؤسسية تقوم على القانون وتحترم الحريات وتدرك الفوارق بين ادارة الفصيل وادارة الدولة وتنهج الديمقراطية والشفافية والحاكمية الجيدة.

وكلما تقدم المجتمع كلما أصبحت السقوف التي يتحرك تحتها أعلى وأعلى سواء كان ذلك في الحريات أو الشفافية أو الحاكمية أو سيادة القانون أو مكانة المرأة ومشاركتها أو الانفاق على الثقافة أو الاستثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي وهكذا وهكذا.

لم يدرك العديد من المثقفين والإصلاحيين هذه التداخلات كما لم يدركها العقائديون والثوريون والانقلابيون والايديولوجيون سواء كانوا في ثورات وايديولوجيا اليمين الديني أو في ايديولوجيا وثورات وانقلابات اليسار الماركسي. وكانوا يتصورون ان للثورة خصوصيتها تسمح بالدكتاتورية والشمولية وعبادة الفرد. وكانوا يجبرون الناس على الاعتقاد بأن للمرحلة خصوصيتها بحيث يمكن أن يلتقي فيها الاستبداد بالإبداع والظلم بالانطلاق والبيروقراطية بالتقدم الى غير ذلك من التناقضات. وكانت تجربة الاتحاد السوفياتي نموذجاً صارخاً على الاخفاق في التجاوب مع متطلبات التغير والتغيير ازاء ديناميكية الجدل الداخلي والخارجي المجتمعي بين فصول النهضة والتقدم. ولولا ان أدركت القيادة الصينية على سبيل المثال هذا الأمر منذ مطلع الثمانينات وعقدت عزمها على تغيير مواقفها وعقائدها وتقاربها من الاشتراكية والماركسية في انقلاب غير معلن حين أعلن زعيمها الاصلاحي جن تاو

" أن تملك الثروة أمر جيد تماماً"

لولا أن ادركت الصين ذلك في وقت نسبياً مبكر لحاق فيها ما حاق بالاتحاد السوفياتي من التفكك والانهيار،ولما وصلت الى حالة النهوض الهائلة التي نراها تجتاح مدن الصين وقراها بمشاركة قوى المجتمع المختلفة وبقيادة نخبة من رجال الاعمال تتزايد يوماً بعد يوم.

3-الحالة الثقافية
ركزّ العديد من المفكرين والاصلاحين على موضوع التقدم والنهوض من حيث انه حالة ثقافية. تكتب أو تقال. توصف في اطار فردي أو رؤية طوباوية مثالية. تتطلب الحاكم الحازم الصالح. أو القائد الملهم الذي يقود الامة ويخرجها من عثرتها. أو تتطلب المواطن الصالح الذي يقوم بواجبه. أو الرجوع إلى الماضي واعادة انتاجه بقيمه ومثله وعلاقاته وفكره وفلسفته وأحياناً في سلعه وخدماته بل وفي علومه ومعاملاته. ولأن كل ذلك موجود في الكتب ويزخر به التراث وتعج به المخطوطات فما على الأمة إلاّ الرجوع إلى هذه المناهل والمصادر فتبحث عن النظير والشبيه والمثيل لدى الغرب وتقول ها نحن لدينا البديل. وهكذا ومن هذا المنظور يمكن تحقيق النهضة والتقدم.
لقد أدت هذه النظرة التي تفتقر الى استيعاب طبيعة تقدم الامم ومكوّنات حضارة الشعوب وقوانين الطبيعة التي تحكم الوجود أدت الى إغفال الدور الاساسي للمجتمع في الإنتاج وفي تعظيم مدخلات العلم والتكنولوجيا وفي تحريض قوى المجتمع على الإبداع والتجديد والانتاج الجديد والمنافسة مع الأمم الأخرى في سوق العالم المفتوح في كل ما تتنافس فيه الأمم ابتداء من الفنون وانتهاء بتكنولوجيا الفضاء. وانطلاقاً من المنافسة مع الحاضر واستعداداً وتخفزاً للتنافس مع المستقبل.
4- دعوى الخصوصية
ظهرت دعوى الخصوصية بالمفهوم السلبي أو ما نسميه الخصوصية السلبية لدى العديد من المثقفين والمفكرين بتأثير الفكر الماضوي المحافظ، أو الايديولوجيا الجامدة أو الترويج للأنظمة الشمولية أو التبرير للجمود وعدم الاستعداد للتنازل أو الرؤية الدوغماتيكية وغياب الإدراك للتغيرات العميقة التي تحدثها النقلات الحضارية في المجتمعات . وأهم من كل ذلك غياب الفهم للمفردات والخصائص المشتركة بين الشعوب والتي لا تتغير من شعب الى آخر كالاقتصاد والحكم والتعليم والقانون...الخ تلقف دعوى الخصوصية السلبية الكثيرون من السياسيين وخاصة أصحاب الأنظمة التي سيطرت على الحكم والسلطة في الاقطار العربية وتشبثت بكل ما وصلت اليه لقد تبنت دعوى الخصوصية لكي تجعل منها مدخلاً للتهرب من استحقاقات التطور والتغيير ولكي تحافظ على مكتسباتها كما هي ولكي تكون الخصوصية بمثابة شهادة بعد نضوج المجتمع للديموقراطية والحكم.

ان مؤدى هذه الدعوى على النحو التالي:

" ان المجتمعات العربية ( والاسلامية) بمجملها وبمفرداتها وهي تمتد على (22) دولة عربية و(54) دولة اسلامية و(1100) مليون نسمة ومئات اللغات والاجناس والثقافات تمثل حالة خاصة بذاتها أي تتمتع بخصوصية قائمة لها لا ينطبق عليها بالضرورة ما ينطبق على المجتمعات الأخرى. ولا على ثقافاتها ما ينطبق على الثقافات الأخرى. وبالتالي فان أساليب الحكم والادارة والتمثيل والمشاركة والتنظيم المدني ودور الاقتصاد وشكله وبنيته وعلاقاته ودور العلم والتكنولوجيا في صنع القرار وفي صياغة المستقبل وكذلك المؤسسية والقانون وتداول السلطة ودور المرأة ودور الدين وبالتالي العلاقات الاجتماعية الاقتصادية الخ هذه الاساليب التي استخدمتها الامم المتقدمة والمجتمعات الناهضة سواء كانت في اوروبا أو امريكا أو استراليا أو آسيا وسواء كانت في دولة صغيرة مثل قبرص أو دولة ضخمة مثل الهندهذه الأساليب لا تناسب الامة العربية ولا تتلائم مع المجتمعات العربية والاسلامية (لمن هو معني في المسألة الاسلامية). وبناء عليه فليس بالضرورة ان تتجاوب مجتمعاتنا ومؤسساتنا ولا أن تتوافق مع دعوات المجتمع الدولي في التغيير وانتهاج ما استقر عليه المجتمع المتقدم من ديمقراطية وحرية ومشاركة ومنظمات مجتمع مدني. وانما لنا خصوصيتنا التي تسمح لنا بل وتدعونا ان ننشئ نماذجناً الخاصة والمستمدة بالدرجة الأولى من " خصوصيتنا" ومن تراثنا ومن تاريخنا.

ولقد وقع في إغراء هذه الدعوى الكثير من المحافظين والسلفيين والماضويين وبعض المثقفين وخاصة مثقفي التخصصات الجامعية. والذين وجدوا في دعوى الخصوصية السلبية مادة مريحة وسهلة للكتابة والتأليف وتحضير الرسائل الجامعية. ومن ثم الانطلاق الى فضاء الثقافة المكتوبة والمسموعة والمرئية. هذا في حين ان تناول الخصوصية من منطلق ايجابي يتطلب الكثير من الجهد والعلم والخيال والجرأة. والعمل والخصوصية السلبية التي يشار اليها هي خصوصية الاختلاف عن الآخر وعدم توافق تجارب الأمم ودروسها لكي تطبق في المجتمعات الغربية وتشمل هذه الخصوصية عدداً كبيراً من المفردات تأتي في مقدمتها الخصوصيات الفرعية وعلى النحو التالي

1. خصوصية الثقافة2. خصوصية الدين
3. خصوصية التركيب الاجتماعي
4. خصوصية العادات والتقاليد
5. خصوصية البيئة
6. خصوصية التاريخ
7. خصوصية التراث
8. خصوصية المفاهيم
9. خصوصية العلاقات الاسرية
10. خصوصية الموقف من الآخر
11. خصوصية الاصآلة

اما الخصوصية الايجابية بمفهوم التنوّع الذي قد يغني ويتراكب ويتمازج مع الآخرين فهي ليست بالحسبان عند اهل الخصوصية السلبية.

وازاء هذه الخصوصيات الفرعية ينبغي حسب دعواهم ان تكون للأمة العربية نماذج خاصة في كل شيء تقريباً. ان الملفت للنظر أن اياً من هذه الخصوصيات لم ينبثق عنها نماذج خاصة متقدمة ساعدت المجتمعات العربية ( أو الاسلامية) على التحرك على سلم الارتقاء والتقدم. بل أن ما لا نلاحظه من مظاهر خارجية للتقدم كالتعليم والصحة والصناعة والبيئة والبنية التحتية لم يأت الا نتيجة لاقتباس النماذج الأجنبية من الدول المتقدمة.

5-تهافت المفهوم
اذا كان يراد بالخصوصية بشكل عام

"ان الخصوصية هي الاختلاف عن الآخر وعدم التماثل أو التشابه أو التطابق في الحالة أو الشكل أو الظرف أو المزاج أو العلاقات" فان الخصوصية بهذا المفهوم هي سمة عامة الى الدرجة التي تصبح غير ذات اشكالية. وانما هي جزء من تنويعات وتشكيلات الامم والشعوب وهذا امر لا غبار عليه.

أي مجتمع في العالم يتطابق ويتماثل مع المجتمع الآخر؟وأي قبيلة تتطابق وتتماثل مع القبيلة الأخرى؟ وأي مدينة تتطابق وتتماثل مع المدينة الأخرى؟ ونكاد نقول وأي إنسان يتماثل ويتطابق مع الانسان الآخر؟ ومن قال ان التماثل والتطابق والتشابه مطلوب وصحي؟ بل العكس هو الصحيح. كل شيء له خصوصيته في هذا المجال بالمفهوم الايجابي أو الخصوصية الايجابية. ولكنها بطبيعة الحال ليست خصوصية تفردية لها دور في انشاء قوانين ذاتية لها وآليات عمل ووظيفية خاصة بها.

اليس المجتمع الالماني له خصوصية ( بهذا المعنى) عن الشعب الفرنسي وعن البريطاني؟ وللشعب الهولندي خصوصية ازاء الشعب الأمريكي؟ وكيف نقارن خصوصية الشعب الياباني بالشعب الايطالي؟ وغير ذلك من الأمثلة التي لا حدود لها؟ مما تجعل الموضوع مجرد تكرار لسؤال واحد وجواب ليس له علاقة بالتقدم. ويمكن الاستغراق في تفصيل الخصوصية افقياً وعمودياً حتى الوصول الى الافراد. ومع هذا فان مثل هذه الخصوصية ليست لها أي قيمة حضارية تذكر الاّ اذا تم استثمار التنوع في اخصاب واغناء التقدم أو تم استيعاب الخصوصية لتلافي مشكلات معينة بمعنى آخر ان مثل هذه الخصوصية ليس لها أي قيمة وظيفية يمكن الإشارة إليها أو الاطمئنان إلى إنها لن تتغير مع الزمن ومع التطور.انها خصوصية العوامل المساعدة في قطار الحضارة. ليست خصوصية المحّركات الرئيسية لقطار الحضارة. ذلك ان أساسيات التقدم لا تخضع من قريب أو بعيد للخصوصية المتعلق بكل مجتمع وانما تنسحب على جميع الامم والشعوب لانا جزء من منظومة قوانين وعلاقات الطبيعة في اطارها البيولوجي والانساني ومع هذا فانه

يمكن استعمال خصوصية المجتمعات لتحفيز عوامل التقدم من خلال الضغط على المفاصل المحّركة للابداع والمشاركة والعمل والريادية.

كما يمكن في الوقت نفسه استغلال ما يطلق عليه حالة الخصوصية لاعاقة عملية التقدم وتأخير الانطلاق من خلال الادعاء بان الخصوصية المجتمعية لا تسمح بمتطلبات الارتقاء والنهوض.

وهنا يتسائل المرء هل يمكن افتراض خصوصية مستقرة تقف امام دولة القانون؟

أو خصوصية تتعارض مع العلم والتكنولوجيا
أو خصوصية لا تتواءم مع الخطاب الديني المستنير
أو خصوصية متواصلة لا تتلائم مع الديمقراطية
أو خصوصية لا تقوم على بنيان اقتصادي اجتماعي قوى
أو خصوصية لا تسمح باحترام المرأة ومشاركتها في الحياة العامة
أو خصوصية ترفض الحاكمية الجيدة؟

ان تهافت دعوى الخصوصية يتمثل في ان تعارض الخصوصية مع متطلبات التقدم بفصوله المحددة يعني في الجوهر اما استمرار الوضع على حاله أي حالة التخّلف، واما الدخول في التجربة والخطأ والافتراض، ليكتشف المجتمع انه كان يضيع وقته وجهد وراءوهم زائف وسراب يغذيه الانفصال عن الواقع. تماماً كما اكتشفت العديد من مجتمعات أوروبا الشرقية بعد عام 1990. إضافة الى ما تقدم فان تهافت دعوى الخصوصية بمفهومها السلبي يتجلى في الإشكالية التالية:-

من يحدد الخصوصية؟ ومن يؤطرها في الزمان والمكان؟ ومن يقيس شدتها وعمقها وانتشارها؟ ومن يقيس رضا الناس عنها ورغبتهم الاحتفاظ بها.

الاجابة ان ما يجرى حالياً هو افتراضات ثقافية وحالات ذهنية ومناداة دعاوية إن تحديد خصوصيات المجتمع من منظور عملي وعلمي يتم من خلال الأبحاث والدراسات الميدانية ومن قبل علماء الاجتماع التطبيقين. ويرافق هذه الأبحاث الوصول إلى الأسباب والعوامل المؤثرة وكيفية التغلب على الجوانب السلبية في الحياة العملية.

إضافة إلى أن العديد من الخصوصيات الثقافية او الاجتماعية مثل تفضيل الذكور على الإناث والمحسوبية والقرباوية والتواكلية هي سمات موجودة ولكنها ليست مكان تمسّك المجتمع بل على العكس هي موضوع رفض وعدم رضا. فهل وجود مثل هذه الخصوصيات تجعل دولة القانون غير ضرورية والمؤسسية غير مناسبة لان المجتمع يقوم على عكس ذلك؟ من هو القيمّ على خصوصية المجتمع؟

ان المتتبع للتاريخ السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي للعديد من "المجتمعات العربية خلال الخمسين سنة الماضية يلاحظ تغيّرات كثيرة في هذه الخصوصيات". إذ أن هناك خصوصيات طارئة فرضتها السنين المتعاقبة من الأنظمة التسلطية واضطهاد الأحزاب وقمع الحريات. وهناك خصوصيات فرضتها الأحوال الاقتصادية واخرى فرضها الخطاب الديني غير المستنير. فهل يبنى على مثل هذه الخصوصيات مواقف تحدد مستقبل الأمة من النهضة والتقدم ؟
6- نحو الخصوصية الإيجابية

ليس هناك من شك أن هناك خصوصيات أفقية وعمودية دائمة وعابرة في الأفراد والمجتمعات أصيلة وطارئة نافعة وضارة فهذه من بديهيات الأشياء.

غير ان الاقتراب العلمي من النهضة والتقدم يقضي بان يصار إلى تطوير هذه الخصوصيات وتوظيفها لتعمل باتجاه التقدم بدلاً من أن تستخدم من منطلق سلبي لتكون عائقاً أمامه. واذاك فقط لا تصبح الخصوصية مدخلاً إلى استمرار التخلّف. أن الخصوصية الإيجابية تتحول في هذا الإطار إلى التنوع الطبيعي الذي يساعد على إغناء الحركة المجتمعية. ولكن الخصوصية الإيجابية تتطلب الكثير من الجهد والتنظيم والعلم والعمل لأنها تسعى لان تستخرج التقدم من ثنايا المعوّقات. وتسنهض الأمة من خلال القفز على ما اعتادت عليه أو فرض عليها.

وأخيراً فان تجارب الامم فيها من التنوع وفيها من الخبرة ما تجعل دعوى الخصوصية في مفهومها السلبي دعوى باطلة. فالعبرة والعبقرية في استخدام الظروف المتاحة والامكانات الواقعية لتحريك المجتمع نحو الارتقاء والتقدم وهذا لا يختلف من مجتمع الى آخر الا في حدود شكلية وفي اطر خارجية.