A+ A-
تقدير للموقف... فلسطين وعملية السلام
2006-12-26
ثمة ما ينبئ بأن تحولا تكتيكيا قد طرأ على مواقف الأطراف الدولية والإقليمية، الفلسطينية والإسرائيلية حيال عملية السلام والمواجهة الفلسطينية الإسرائيلية المستمرة منذ ست سنوات، ونقول تكتيكيا وليس استراتيجيا، لأن معظم التقديرات تجمع على صعوبة إيجاد حل جذري، شامل ونهائي للقضية الفلسطينية في المدى المنظور لأسباب عدة أهمها:– غياب الرغبة والقدرة عند الطبقة السياسية الحاكمة في إسرائيل على صنع السلام والوفاء بمختلف مقتضيات وموجباته، فليس من بين قادة إسرائيل الحاليين من يمتلك مواصفات تاريخية تؤهله لتوحيد الطيف السياسي الإسرائيلي خلف مبادرة جذرية، وليس في إسرائيل حكومة أو ائتلاف بمقدورها أن تصل حتى نهاية الشوط، ومعظم أركان النخبة السياسية تطاردهم قضايا الفساد المالي والجنسي من رئيس الدولة إلى معظم الطاقم الوزاري ورئيس الأركان.
– ليس في واشنطن قيادة يمكن أن تمارس ضغطا على إسرائيل يبلغ ضفاف الحل النهائي، فالإدارة مشغولة بملف المستنقع العراقي، وأولوية المواجهة مع إيران وحلفائها ما زالت تتصدر الأجندة الأمريكية، والروابط بين الرئيس بوش وإسرائيل أكبر من أن تتأثر بالتعنت الإسرائيلي، ولا تسمح على الاعتقاد بأن بوش سيدخل في صدام مع تل أبيب من أجل إنجاز حل شامل، وإن كانت ترغب وتضغط من أجل "إحراز تقدم ما".
– ليس في فلسطين قيادة تاريخية – كاريزمية أيضا بمقدورها أن تقود الشعب الفلسطيني إلى التسوية النهائية، فالخلاف الفلسطيني بالغ حد الانقسام وضفاف المواجهة الأهلية، والصدام بين برنامجي فتح وحماس يهدد الأمن والاستقرار الفلسطينيين، وعباس يقود سلطة منهارة وحركة (فتح) منقسمة على ذاتها، وليس ثمة في الأفق المنظور ما يدفع على الاعتقاد ببروز قطب فلسطيني ثالث بين القطبين.
– الضغوط العربية على تل أبيب وواشنطن، خصوصا تلك التي تمارسها "الرباعية العربية" تأتي في سياق الاستعداد والتفرغ لمواجهة الزحف الإيراني – الفارسي الشيعي، والأولوية عند هذا المحور – واقعيا – معطاة لمواجهة الخطر الإيراني، وليس ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن هذه الضغوط ستبلغ حدا حاسما يدفع واشنطن على الاختيار بين الأخذ بمواقف حلفائها العرب وممارسة الضغط على إسرائيل أو مواجهة إيران مجردة من الحلفاء العرب، فالعلاقات الأمريكية – العربية لم تبلغ من قبل مثل هذا المنعطف، وهي ليست مرشحة لبلوغه في المدى المنظور.
ما الذي يجري، وعن أية تحولات نتحدث؟– تعقد في واشنطن سلسلة من الاجتماعات المكثفة لدوائر صنع القرار في الخارجية والبيت الأبيض، بمشاركة سفراء الولايات المتحدة في دول المنطقة والجنرال كيث دايتون الذي يعمل بتكليف من وزارة الخارجية في المنطقة، ومستشارين وخبراء ومسئولين مختصين، بهدف بلورة خطة تحرك أمريكية جديدة، من المتوقع أن تحملها رايس إلى المنطقة في جولتها القادمة الشهر المقبل، وقد جرى تشاور عميق بين تل أبيب وواشنطن حول هذه الخطة، كما استأنست واشنطن بآراء عدد من أصدقائها العرب في عمان والقاهرة والرياض، وهناك قناة اتصال بين طوني بلير والبيت الأبيض لتحديد طبيعة الخطوة الأمريكية التالية.
– الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض ليسا سعيدين بنتائج أعمال وتوصيات لجنة بيكر – هاميلتون، ولذلك يجري العمل على إعداد إستراتيجية بديلة للتحرك في المنطقة، تأخذ بعين الاعتبار بعض التوصيات (تسريع العمل لحل القضية الفلسطينية)، وترفض أهمها: الحوار مع طهران ودمشق، وفي هذا السياق يأتي الاهتمام الأمريكي المفاجئ بالقضية الفلسطينية بعد سنوات من الغياب والتغييب.
– وفقا لما توفر لنا من معلومات، فإن واشنطن قررت "تحريك المسار الفلسطيني" باعتبار ذلك شرطا لإضعاف إيران وحلفائها وسحب الذرائع من بين أيديهم والبساط من تحت أقدامهم، وقد طلبت رايس من تل أبيب تقديم تسهيلات لمحمود عباس وتخفيف القبضة الحديدة عن الفلسطينيين.
– واشنطن مقتنعة بأن فرص عباس وخياراته صعبة للغاية، فلا حكومة الوحدة الوطنية ممكنة، ولا الانتخابات المبكرة يمكن ضمان إجرائها أو التأكد من نتائجها في حال جرت بحرية ونزاهة، ولا عباس قادر على حسم الموقف ميدانيا وضبط فوضى السياسة وفلتان الأمن.
– قرار واشنطن، ومعها محور الاعتدال العربي، تدعيم سلطة أبو مازن، وقد تابعنا من قبل التقارير التي تحدثت عن إعادة بناء الحرس الرئاسي ومعسكر أريحا وإرسال قوات بدر للضفة والقطاع، وهناك قرار بتسييل بعض الأموال للرئاسة وليس إلى الحكومة، وهناك مماطلة إسرائيلية مقصودة في إتمام صفقة شاليط، ومحاولة لاستبقاها بإطلاق سراح أسرى كبادرة حسن نية لأبي مازن، حتى لا تقطف حماس ثمار تحرير ألف أسير اتفق على الإفراج عنهم مقابل الجندي الإسرائيلي الأسير.
الهدف النهائي للخطة الأمريكي: إقامة دولة فلسطينية مؤقتة في غضون العامين على المناطق (أ + ب) وفقا لتقسيمات أوسلو، ويمكن توسيعها قليلا هنا أو هناك وترك بقية ملفات الوضع النهائي لتفاوض لاحق بين الدولة الفلسطينية المؤقتة والدولة العبرية.
– إضعاف نفوذ حماس حركة وحكومة، هدف رئيس للخطة الأمريكية، لكن الجديد هذه المرة هو اقتناع الإدارة الأمريكية بضرورة إتباع وسائل أخرى لتحقيق هذا الغرض، أهمها تقوية السلطة والرئاسة ماليا وأمنيا وسياسيا، بعد أن فشل الحصار في إسقاط الحكومة وأخفقت فتح من تلقاء ذاتها في استيعاب دروس هزيمتها الانتخابية وعجزها عن ترتيب وتوحيد بيتها الداخلي، الإدارة الأمريكية قررت التعامل المباشر مع رجالات "الصف الثاني" في حركة فتح، واشنطن مصممة وفقا لمختلف المصادر على إخراج حماس من الحكم والحكومة وقطع الطريق على إمكانية نجاحها في أية انتخابات مقبلة، خصوصا بعد أن تأكد لواشنطن بأن الحركة تنوي منافسة فتح على رئاسة السلطة كذلك في حال جرت انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة أو في موعدها.
مراحل التحرك الأمريكي وفقا للخطة الجديدة التي ستحملها رايس:–بادر إسرائيل في اتخاذ سلسلة من المبادرات الصغيرة والجزئية في سياق تعزيز سلطة محمود عباس وبعث الأمل في إمكانية إحياء مسار السلام: تجميد الاستيطان، تخفيف الحواجز، السماح لأعداد من العمال الفلسطينيين بالعمل داخل إسرائيل، إطلاق سراح عدد من الأسرى والمعتقلين، إزالة بعض البؤر الاستيطانية، تثبيت التهدئة والتحلي بضبط النفس حيال خروقات بعض الفصائل المعارضة لاتفاق التهدئة، على أن تشرع إسرائيل وفورا في إجراء مفاوضات رفيعة المستوى مع الرئاسة الفلسطينية، وفي هذا السياق يأتي لقاء عباس – أولمرت الأخير، والحفاوة التي استقبل بها الرئيس الفلسطيني في القدس، ورفع العلم الفلسطيني لأول مرة على مبنى حكومي فيها.
– اتخاذ سلسلة من الخطوات لتعزيز فتح، وهنا يندرج الحديث عن استعداد إسرائيلي لإطلاق سراح مروان البرغوثي بوصفه أحد أبرز قيادات فتح المؤهلة للقيام بهذا الدور، كما سيتم الاعتماد على دول عربية (الأردن ومصر) من أجل المساهمة في لملمة صفوف حركة فتح والمساعدة في توفير التسهيلات اللوجستية لانعقاد اجتماعاتها ومؤتمراتها، وفي هذا السياق سيلعب الأردن دورا نشطا، وهناك تقديرات بأن تعزيز قوة فتح بات ضروريا كلما زادت احتمالات اندلاع مواجهة فلسطينية داخلية، بما في ذلك إمكانية حدوث صدام مسلح ينتهي كما ترى الخطة إلى تشكيل حكومة فلسطينية تعترف بإسرائيل وتنخرط في عملية السلام.
– الدخول في مفاوضات حول الوضع النهائي يتخللها الإعلان عن دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، تتابع التفاوض مع إسرائيل حول مختلف مواضيع الحل النهائي للقضية الفلسطينية.
قمة عباس – أولمرت:
– فضلا عن الحفاوة البالغة التي قوبل بها عباس والوفد المرافق له في القدس، كانت القمة الأولى من نوعها التي تدخل في بحث مسائل عملية ملحة، بعد أن اقتصرت قمة "البتراء" في الأردن على تبادل عبارات المجاملة فقط.– تقرر استئناف عمل اللجنة الأمنية المشتركة بين إسرائيل وأجهزة الأمن المتماثلة في فتح والسلطة، وهذه اللجنة مجمد عملها فعليا منذ سنوات.
ستبحث اللجنة في عدة مواضيع أهمها:
– ترتيب وضع للملاحقين والمطاردين، بوقف استهدافهم من قبل الجيش الإسرائيلي مقابل تخليهم عن أعمال المقاومة ودمجهم في أجهزة الأمن الفلسطينية.
– تحديد معايير وفئات المعتقلين والأسرى الذين سيفرج عنهم تباعا والذين لن تفرج عنهم إسرائيل في الأجل المنظور.
– ترتيبات أمنية في المعابر والنقاط الحدودية.
– رفع تدريجي للحواجز والسواتر الترابية.
– سماح إسرائيل بدخول المزيد من العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل والمناطق الصناعية في المستوطنات، زيادة عدد التصاريح لعبور البضائع ورجال الأعمال، وتسهيلات في حركة موظفي المنظمات الدولية والفرق الطبية الفلسطينية.
– دخول الحرس الرئاسي التابع لعباس إلى معابر الحدود في الضفة، في كارني وفي رفح، بشكل يسمح بفتح أوسع للمعابر حسب الخطة الأمريكية للجنرال دايتون.
– الإفراج عن 100 مليون دولار لصالح الرئاسة، على أن يسدد منها كامل رصيد الدين الإسرائيلي على الفلسطينيين نظير تزويدهم بالماء والطاقة والاتصالات والغاز والمحروقات.
ردود الفعل:
حماس باتتمتأكدة بأن ما يجري هو "مؤامرة" لعزلها وإضعافها، ولهذا قابلت القمة بالتشكيكوالتحذير والتقليل من قيمة النتائج التي أسفرت عنها.حماس طوت مؤقتا ملف حكومة الوحدة الوطنية، بعد أننجحت في إسقاط مبادرة الانتخابات المبكرة، وهي تعتقد بأنها قادرة على الاستمرار فيوضعها الراهن وأن الحصار آخذ في التفكك.
حماس تحث الخطى على طريق التسلح والتدريبوالتجييش، لمواجهة محاولات بناء حرس رئاسي من عشرة آلاف عنصر مسلح ومدرب، ومرفقتقرير عن تسريع التدريب في إيران لكوادر من حماس.
الأردن مرتاح لقمة أولمرت عباس، ومعه محور "الرباعية العربية" بل أن الدبلوماسيين الأردنيين يعتقدون أن التحول في الموقفالأمريكي والقمة الفلسطينية
الإسرائيلية والتغير في الموقف الإسرائيلي هو ثمرةلتحرك الأردن مدعوم عربيا، وأن مبادرات أردنية غير معلنة تقف وراء كل هذه التحولاتوالتطورات.
واشنطن تعتبرالقمة تمهيد مناسب لجولة رايس القادمة، وهي تريد أن تبني على النتائج المتواضعةالتي انتهت إليها القمة.
دمشق وطهران ترقبان بحذر محاولات سحب البساط منتحت أقدام حماس، وسوريا بالذات باتت مقتنعة بأن أحدا لا يريد إحراز تقدم على مسارهاالتفاوضي حول الجولان، وأن الهدف الرئيس للتحرك السياسي الراهن هو احتواء دورهاوأدوار حلفائها، وكذا هو الحال بالنسبة للفصائل الفلسطينية في دمشق.
توازن القوى:
– يبدو ميزان القوى دقيق وحساس للغاية بين حركتي فتح وحماس، الاستطلاعات المبدئية تشير إلى سير الحركتين كفتا بكتف في ميزان الشعبية والنفوذ... لكن هناك تقديرات أمريكية وإسرائيلية مشتركة تقول بأن الانتخابات إن جرت، فستؤدي إلى فوز حماس في الرئاسات الثلاث: السلطة والحكومة والتشريعي، يوفال ديسكن، رئيس جهاز الأمن العام – الشاباك، أبلغ محافل صنع القرار في إسرائيل بأن حظوظ فتح في أية انتخابات مبكرة تكاد تكون صفرا.– يعتقد أن هذا هو السبب الرئيس الذي دفع أصدقاء السلطة وأبو مازن إلى التراجع عن مبادرة الانتخابات المبكرة بعد أن حضوا أبو مازن على إطلاقها (واشنطن، عمان والقاهرة)، وهو ذاته السبب الذي جعل مصر تتقرب من حماس حكومة وحركة، فالقاهرة ليست على ثقة من عودة فتح إلى سدة الحكم، وهي تريد أن تحتفظ بعلاقات مع مختلف الأفرقاء واللاعبين الرئيسين، وبشكل خاص حماس، وربما هذا هو سبب المبادرة الأردنية، المتأخرة والمترددة حتى الآن في دعوة إسماعيل هنيّة لزيارة الأردن.
– تدعيم السلطة وأبو مازن، غذي ميل التيار الانقلابي داخل فتح للعمل على إسقاط حكومة حماس وعدم توفير مظلة لحكومتها، والضغط باتجاه تعطيل حوارات حكومة الوحدة الوطنية وإثقال المبادرة الأردنية بكثير من الشروط والاشتراطات على حماس لقبولها.
– كما أن الدعم الإيراني – السوري الكثيف لحماس، وإحساس الحركة بأن محور طهران – دمشق صاعد، كما أشارت توصيات بيكر – هاميلتون ولجنتهما، قد دفع الحركة بدورها أيضا إلى عدم استعجال مسألة تشكيل حكومة الوحدة، وهناك اتصالات بين الحركة (الدكتور أحمد يوسف) وعدد من العواصم الغربية بحثا عن صيغة تبقي حماس في الحكم بأقل قدر من التنازلات مقابل رفع الحصار وتثبيت التهدئة لخمس سنوات قادمات.
– لهذا يجد كل فريق في دعم حلفائه سببا للاستقواء على الفريق الآخر، وهذا ما جعل التراجع عن الاتفاقات أمرا سهلا لكليهما، وجعل حكومة الوحدة مؤجلة حتى إشعار آخر.
– عسكريا وميدانيا، السلطة تحشد وتدرب وتستدعي قوات بدر، وحماس تسرع عمليات التدريب في إيران، غزة تكاد تكون "حماس لاند" والضفة الغربية ملاذ قوي لفتح.
مصائر المبادرة الأردنية والمواقف حيالها:
– ما زالت المبادرة الأردنية متوقفة عند حدود إبداء الاستعداد لاستضافة لقاء يجمع عباس مع هنيّة إذا ما نضجت الشروط لذلك، ولم توجه حتى الآن دعوة رسمية لإتمام زيارة هنيّة لعمان.
– السلطة ممثلة بفتح وبعض أوساط الرئيس عباس، ليست متحمسة للمبادرة وتعتقد أنها توفر متنفسا لحماس للإفلات من قبضة الحصار المضروب حولها وحول حكومتها.
– لأردن لا يريد أن يغضب السلطة، ويريد لعلاقته مع حماس أن تتأسس من ضمن قناة محمود عباس، ولهذا جاء البيان الأردني ليقول أن عمان مستعدة لاستقبال عباس مصطحبا معه رئيس الوزراء إسماعيل هنيّة.
– حماس رحبت بالمبادرة لحاجتها لكسر الجليد مع الأردن، وعدم إبقاء عمان ساحة تحرك لفتح وحدها، لكن حماس في دواخلها تدرك أن المبادرة الأردنية ستكون ضاغطة سياسيا عليها، ومع ذلك فهي تراهن على المناورة وكسب الوقت ونسج صلات وبعث رسائل طمأنة للجانب الأردني.
– المبادرة الأردنية منسقة مع الرباعية العربية، بيد أنها أثارت حفيظة دمشق وشكوكها وقد أبلغت القيادة السورية الفصائل المقيمة على أرضها، بأن المبادرة الأردنية هي حصان طروادة للاختراق الأمريكي الإسرائيلي للداخل الفلسطيني وللالتفاف على فوز حماس وحكومتها.
– الأردن لم يحسم خياراته بعد، وقد أبقى الباب مفتوحا أمام مختلف البدائل على أن يشرع في التفكير بها بعد عطلة الأعياد المسيحية والإسلامية الطويلة.