A+ A-
روسيا والشرق الأوسط
2007-01-01
أين تقف موسكو في المعركةِ ضدّ ظاهرة "الأسلمة" والحربِ العالميةِ المناهضة للإرهابِ؟ ففي ظل مُوَاجَهَة التهديدِ الشيشانيِ في الداخل الروسي، يمكن ان تكون الحكومة الروسية متعاطفةَ إلى حد ما مع الولايات المتّحدةِ وحتى مع المخاوفِ الإسرائيليةِ. ولكنها ليست كذلك، فعلى الرغم من الخطاب الامريكي المعلن الذي يتحدث حول " الوحدة المتنامية للقيم المشتركة " وان روسيا " شريكة في الحرب على الارهاب " ولكن عند التدقيق في سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الاوسط يتبين ان موسكو أصبحت تمثل عائقا أمام الحرب على الارهاب الاسلامي ورغبة واشنطن في تعزيز الديمقراطية في الشرق الاوسط. وفي الاستراتيجية الامنية القومية الامريكية لعام 2006 يرى صناع السياسة في الولايات المتحدة بضرورة عدم الاكتفاء " بتشجيع روسيا على احترام القيم الديمقراطية والحرية بداخل روسيا فقط " ولكن يجب ايضا التوقف عن " إعاقة قضية الحرية والديمقراطية " في المناطق الحيوية والضرورية للحرب على الارهاب. في الوقت الذي يستنكر فيه المسؤولين الروس الانتقادات الامريكية، يقوم الكريملين بتدليل التيار الايراني المتشدد، هذا بالإضافة الى طبيعة رده على الرسوم الكرتونية، ودعوته لحركة حماس الى زيارة موسكو، وسياسته الشيشانية الخاطئة، كل هذا كان من شأنه ان يبث المزيد من الشكوك وعناصر الريبة حول دوافع وغايات موسكو.
بينما ركّزَ الرّئيسَ بيل كلينتون في سياسته الشرق الأوسطية على محادثاتِ السلام الإسرائيليةِ الفلسطينيّةِ، فان إستراتيجيته نحو الشرق الأوسطِ الكبير كَانتْ تبدو اكثر استقلالية ، حيث كان راضيا بمتابعة سياسة الاحتواء المزدوج تجاه ايران والعراق، ومتابعة سياسة الوضع الراهن تجاه شمال افريقيا وشبه الجزيرة العربية. الا ان الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 جعلت السياسة الخارجية الامريكية تركز على الشرق الاوسط، وفي هذا السياق صرح الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بان المنطقة " يجب ان تكون بؤرة التركيز للسياسة الامريكية لعقود قادمة " واعلن عن " التعجيل في تقديم استراتيجية الحرية في الشرق الاوسط ". كما ان الرئيس بوتين جعل من منطقة الشرق الاوسط مكانا للتركيز المتزايد، ولكن بالمقارنة مع خطاباته المرتبطة بالتعاون فقد كان الرئيس بوتين الزعيم الأجنبي الاول الذي اتصل بالرئيس بوش اثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه في نفس الوقت تابع استراتيجية متناقضة لتعزيز النفوذ الروسي على حساب الولايات المتحدة.المنظار الشيشاني :
لا شيء يُشكّلُ تفكير الرئيس بوتين بشأن الإرهابِ والشرق الأوسطِ أكثر مِنْ قضية الشّيشان. فبينما يُهدّدُ الارهاب الاسلامي أمن الولايات المتحدة، فان النزاع في الشيشان يهدد كلا من الأمن الروسي وسلامة أراضيه الإقليمية. لقد أودى النزاع في محافظةِ الشّيشان الروسية حتى الان بحياة الآلاف منذ ان أمر الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين القوات العسكرية الروسية بالدخول الى الشيشان في 1994. وبعد وقف إطلاق النار في 1996 تحولت الشيشان الى الفوضى لتصبح نموذجا " للصومال في القوقاز ". حيث تمكن المجاهدون الأجانب من اختراق القيادة الشيشانية، وفي 1999 أمر رئيس الوزراء الروسي المعين حديثا فلاديمير بوتين القوات الروسية بإعادة النظام في منطقة الشيشان، لقد كان لموقفه المتشدد في هذا السياق أثرا في تحقيق شهرته السياسية والتي أوصلته في النهاية الى سدة الرئاسة.
لقد برز التَعاون الأولي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وجورج بوش من خلال الحربِ ضدّ حركة الطالبان الأفغانية والذي تمثل بقبول الزعيم الروسي للمطالب الأمريكيةِ لبِناء القواعدِ العسكرية في أوزبكستان وقرغيزستان لاستخدامها في الحربِ ضدّ الإسلاميين الأفغانِ. وفي نيسانِ 2002 تعاونت الجيوش الامريكية والروسية لإزاحة وطرد المجموعات الإرهابية من " بانكيسي جورج " في جورجيا، وفي الشهر التالي أعلن زعيما البلدين " نحن شركاء وسوف نتعاون على صعيد تعزيز الاستقرار، والأمن، والتكامل الاقتصادي، ومواجهة التحديات العالمية معا، والمساهمة في حل النزاعات الاقليمية".
وتجدر الإشارة بان حرب بوتين الداخلية على الإرهابِ قد حققت نجاحا محدودا، حيث استطاعت قوّات الأمن الروسية فرض بَعْض النظام في الشّيشان، لكن الكريملين لم يكن قادرا على استئصال الإرهابِ الشيشانيِ والإسلامي على الاراضي الروسيةِ. ففي 2002، مات 120 شخصا أثناء محاولة إنقاذِ بَعْدَ أَنْ احتجزَ الثوّار الشيشانيين 800 شخصا كرهائن في احد مسارح موسكو. وبعد سنتين من هذا الحادث مات عدة مئات من الاطفال بعد ان استولى الإرهابيون على إحدى المدارس في بيسلان. وحتى بعد حالة القمع اللاحقة لم تكن القوات الروسية قادرة على إيقاف الهجمات الإسلامية الشيشانية على المحافظات المجاورة والذين يريدون بناء" جمهورية إسلامية شمال القوقاز ". كما واصل الإرهابيون استغلال الفساد الروسي المستفحل، وفي هذا الإطار أشارت إحدى الصحف اليومية الروسية المستقلة الى " مقتل شرطي او جندي في القوقاز يوميا "، واقر أحد كبار مسؤولي الجيش بان الوضع في الشيشان " بعيد عن الأوضاع المثالية ".وفي مواجهة المكاسب الهامشية في الداخل قام بوتين بتغيير المسار، وبدلا من الاستمرار في توسيع أطر التعاون مع الولايات المتحدة في الحرب على الارهاب، فقد ارتأى التخفيف من هذا التعاون، وفي 2003 طلب الانضمام الى منظمة المؤتمر الاسلامي، على الرغم من وجود 20 مليون مسلم فقط والتي تشكل حوالي 15 % من نسبة السكان وهي بذلك تفتقر الى المعيار المطلوب الذي يحدد النسبة المطلوبة وهي 50% من السكان يجب ان يكونوا مسلمين كحد أدنى، وهكذا لم تمنح منظمة المؤتمر الاسلامي عضويتها الكاملة لروسيا وأعطتها صفة المراقب فقط. واتسمت العلاقة بين الطرفين بالتعايش: حيث رَأتْ منظمة المؤتمر الإسلامي في موسكو كأحد الرعاة الذين يُمْكِنُ أَنْ يُعادلوا الضغط الامريكي بينما تتلقى موسكو مناعةً واقعيةً مِنْ نقدِ السياسةِ الروسيةِ في الشّيشان كنتيجة لتردّدِ منظمة المؤتمر الإسلامي للتَدَخُّل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، حتى العضوية الفخرية منها. ولخص الرئيس بوتين رؤيته بصورة اكثر عمقا للتحالف مع العالم الاسلامي حين خاطب البرلمان الشيشاني الجديد الذي انتخب في كانون الاول 2005، حيث وصف الرئيس بوتين روسيا بالدولة " المخلصة، والموثوقة والمكرسة لتعزيز مصالح العالم الاسلامي" كما أنها " الشريك والصديق الأفضل والأكثر اعتمادا وثقة".
تسليح إيران:
ان الرغبة في تقليل وإعاقة دور واشنطن توضح ايضا السياسة الروسية تجاه طهران، فالمصالح الروسية والإيرانية متباعدة من الناحية التاريخية، وقد شهد البلدان قتالا متقطعا على امتداد القرن التاسع عشر، ودعم الزعماء السوفييت الحركات الانفصالية الايرانية في القرن العشرين، كما ان دوائر نفوذ البلدين متداخلة في منطقة القوقاز وبحر قزوين، ولربما تكون ثورة 1979 الايرانية قد مزقت التحالف بين ايران والولايات المتحدة ولكنها في نفس الوقت لم تكن احد عوامل التقريب بين موسكو وطهران، حيث اعتبر اية الله روح الله الخميني الاتحاد السوفيتي بمثابة " الكفار " وقام بتطهير التحالف الثوري من اليساريين.
لكن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوفيتي السابق إدوارد شيفاردنادزة في شباط1989 والزيارة المقابلة الى موسكو التي قام بها المتحدث باسم المجلس آنذاك علي اكبر هاشمي رفسنجاني بعد أربعة اشهر من زيارة وزير الخارجية السوفيتي قد دعمت سبل تخفيض مستوى التوتر بين البلدين، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي اتسعت العلاقات الايرانية مع موسكو، ففي الخامس والعشرين من آب 1992 وقع البلدان صفقة بقيمة 800 مليون دولار تقوم على اثرها الشركات الروسية ببناء مفاعلين نوويين في مدينة بوشهر. وفي الوقت الذي سبق فيه توقيع هذا العقد الفترة الرئاسية للرئيس بوتين الا ان الزعيم الروسي غض النظر عن الإشارات المتعلقة بالبرنامج النووي الايراني وانه لا يقتصر تماما على الأهداف المدنية. وبعد خمس سنوات من تهديد رفسنجاني باستخدام الأسلحة النووية ضد اسرائيل، وعلى الرغم من ايجاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بان ايران لم تكن ملتزمة باتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية، الا ان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يصر على ان البرنامج النووي الايراني " يجري بشكل كامل طبقا للمعايير الدولية".
وهكذا فما الذي يمكنه ان يُوضّحُ مثل هذا السلوك الروسي؟ ان المحافظة على التجارة النووية مع ايران مكنت الرئيس بوتين من تدعيم اتفاقية ضمنية ترفض ايران من خلالها التدخل في الشؤون الشيشانية ومجموعة من القضايا الإسلامية الأخرى التي تهدد روسيا. كما ان تحقيق المكسب من خلال القبول او الخضوع الايراني يكتسب أهمية خاصة للجنوب الروسي الذي يموج بالاضطرابات. وفي المقابل يقوم الكريملين بحماية الحكومة الايرانية من الضغوط الغربية، وتمثل ذلك من خلال الإحجام الروسي عن قبول العقوبات ضد ايران لعدم تنفيذ التزاماتها النووية الامر الذي أغاظ واشنطن، وفي أيار 2005 رفضت موسكو الضغط على ايران لقبول مجموعة الحوافز التي طرحها الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.
ان أيّ حكومة شرق أوسطية تسعى للحصول على الدعم الروسي يجب ان تدرك جيدا ان عليها إما ان تأخذ الجانب الروسي ضد الانفصاليين الشيشانيين او في الحد الادنى ان توافق على عدم التدخل في آليات الصراع هناك. وبعد ان وضعت الحرب الباردة أوزارها سعت الحكومة الاسرائيلية الى تحسين علاقاتها مع موسكو، فمنذ 1999 تقوم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالمشاركة بالمعلومات الاستخبارية مع نظرائهم بالأجهزة الروسية كما أنها ساعدت ايضا القوات الروسية في مجالي التدريب وأمن الحدود، ويشبه المسؤولون الإسرائيليون الانفصاليين الشيشانيين بالإرهابيين الفلسطينيين. كما قامت دمشق ايضا بمساعدة موسكو دبلوماسيا، ففي أيلول 2005 رحب الرئيس السوري بشار الأسد بالرئيس الشيشاني " آلو الخانوف " الموالي لروسيا أثناء زيارته لدمشق وذلك لمنح الزعيم الشيشاني بعض الشرعية الدولية.ان العامل التجاري يشكل ايضا احد عوامل المكافأة او الإكرامية، حيث ضمنت الحكومة الروسية عدة عقود مربحة مع العديد من الدول المنبوذة في نظر واشنطن، ففي كانون الاول 2005 وقعت الحكومة الايرانية صفقة للأسلحة بقيمة بليون دولار والتي تشمل الحصول على تسعة وعشرين صاروخا دفاعيا من طراز " Tor M1 " لحماية منشاة بوشهر النووية. كما قامت الحكومة الروسية ببيع صواريخ " Strelets " الى سوريا، وتجدر الإشارة الى قيام الرئيس الروسي بوتين بإيقاف بيع الأسلحة الأكثر تطورا بعد الاحتجاج الامريكي الاسرائيلي. وكون ايران إحدى الدول النفطية فهذا بحد ذاته من الحوافز المهمة، فروسيا تستثمر 750 مليون دولار في مشاريع الطاقة، حيث تسعى شركة النفط الروسية " لوكويل " ان تحرك الانتاج في الشرق الاوسط الى 23% بحلول 2015.
الرسوم الكرتونية وروسيا:لقد وصف الرئيس بوش معركة الولايات المتحدة " بالحرب مع الفاشية الإسلامية ". لقد قام الرئيس بوتين ايضا بإجراءات صارمة ضد الارهاب الاسلامي في روسيا، لكن ما قد ينطبق على الداخل الروسي ليس بالضرورة ما يتبناه بوتين على الصعيد الخارجي، ففي الرابع من شباط 2006 انفجرت اعمال الاحتجاج في العديد مِنْ البلدانِ الإسلاميةِ ضدّ الصور المتحركةِ التي تُصوّرُ النبي محمد والتي نشرت قبل ذلك بعدة شهور في الصحيفة اليومية الدنمركية " جيلاندس بوستن "، ففي لبنان وسوريا هاجمت حشود المحتجين السفارة الدنمركية وفي ليبيا هاجموا مبنى القنصلية الإيطالية، ولكن بدلا من الوقوف مع حرية التعبير كما فعلت العديد من الدول خارج الشرق الاوسط قامت الحكومة الروسية بتأييد الموقف الاسلامي.
لقد قام رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي قسطنطين كوساتشيف بتوبيخ الحكومة الدنمركية لسماحها بنشر مثل هذه الرسوم الكرتونية والذي قال " لقد تنصل رئيس الوزراء الدنمركي من المسؤولية كاملة عبر التعليقات المعتادة حول حرية التعبير" وقال ايضا قبل توبيخ الدنمركيين حول ترديد شعار حرية التعبير واستخدام ذلك كسبب لعدم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الهستيريا المعادية للروس في الدنمرك بسبب القضية الشيشانية قبل عدة سنوات، وبعد 3 أيام من انفجار موجة الاحتجاجات الجماعية المناهضة للرسوم الكرتونية قال بوتين " على الانسان ان يفكر مليا 100 مرة قبل ان ينشر او يرسم مثل هذه الرسومات ... وإذا كانت الدولة لا تستطيع ان تمنع نشر مثل هذه المواضيع يجب على الأقل ان تسأل الغفران ".
وعلى الصعيد الداخلي وفي السابع عشر من شباط قام " اندري دورنين " رئيس البلدية بالوكالة لمدينة " فولوغراد " في الجنوب الروسي بإغلاق الصحيفة المحلية " جوردسكي فستي " بعد نشرها لرسوم كرتونية تصور النبي محمد سوية مع عيسى وموسى وبوذا، واتهمت الحكومة ايضا " آنا سمرنوفا " محررة صحيفة " ناش ريجن " في " فولجودا " بالتحريض على الكراهية العنصرية وهي تهمة قد تصل عقوبتها الى خمس سنوات بالسجن حسب المادة 282 من قانون العقوبات الروسي، وذلك بعد ان قامت صحيفتها بإعادة نشر الرسوم الكرتونية التي نشرتها الصحيفة الدنمركية " جيلاندز بوستن " وقد غرمت الصحيفة 100 الف روبل اي ما يقارب " 3700$ " وتجدر الإشارة الى قيام مالكي الصحيفة على اثر ذلك بإغلاقها آخذين بعين الاعتبار المخاوف التي قد تتهدد " سلامة الصحفيين ".
وما يجعل الإجراءات الحكومية الروسية محل إثارة للفضول وعلامات الاستفهام أنها بدأت بهذه الإجراءات الصارمة في غياب وجود اية ضجة شعبية هامة على الرسوم، وناهيك عن الاضطرابات المناهضة للرسوم، فطبقا للاستطلاع الوطني الذي أجراه مركز " ليفادا " كان هناك 14% من الذين شملهم الاستطلاع " غاضبين " للرسوم الكرتونية التي مست شخص النبي محمد، وهذا ببساطة شديدة يشير الى ان الاغلبية في المجتمع الروسي لم تكن معنية وغير مهتمة في موضوع الرسوم، وعلى نفس النمط تم إسكات ردود أفعال القادة الدينيين الروس، وأشار "تلجات تاج الدين" رئيس المديرية الروحية الإسلامية المركزية قائلا" من الضرورة في المجتمع المثقف ان يكون هناك أناس مثقفين".
في الوقت الذي لعبت فيه السياسات المحلية دورا في عمليات القمع الا ان رد الفعل العام للكريملين اظهر ان المعركة ضد " الاسلمة " كانت نسبية، وبينما لم يظهر الرئيس بوتين اي شكل من اشكال التسامح مع الارهاب الداخلي او مع الفكر الأيدلوجي الذي يقف وراءه، الا انه كان أحيانا يبرر التطرف الاسلامي في الخارج وخاصة اذا كان ذلك من شأنه ان يفيد موقف موسكو في العالم الاسلامي، ويعزز من أمد الاتفاق الضمني ضد التدخل الاسلامي في الشيشان، ويقلل من قيمة النفوذ الدبلوماسي الامريكي والاوروبي العام في الشرق الاوسط. وأوضح الخبير في صندوق تطوير سياسة المعلومات أندريه سيرينكو " لإثبات أطروحة فلاديمير بوتين ان روسيا القوية هي المدافعة عن المسلمين، يمكن حينئذ للكريملين ان يضحي بصحيفة إقليمية".

زيارة حماس الى موسكو:
ربما لا شيء اكثر وضوحا على تأكيد نسبية معركة موسكو ضد الارهاب بقدر دعوة الكريملين التي وجهها الى وفد من حماس لزيارة موسكو في2006. ففي شباط 2006 أعلن الرئيس بوتين قائلا " نحن نرغب في المستقبل القريب بدعوة حكومة حماس الى موسكو لإجراء المحادثات"، وجاء الرد الحذر لوزارة الخارجية الامريكية على لسان الناطق الرسمي باسمها شين ماكروميك الذي قال محذرا " كعضو في اللجنة الرباعية، فنحن بالتأكيد نود ان تقوم روسيا بتسليم نفس الرسالة " لحركة حماس القائمة على التخلي عن العنف، والاعتراف بإسرائيل، واحترام الاتفاقيات الفلسطينية والدولية السابقة.
بينما دَعمتْ موسكو منظمة التحرير الفلسطينيّة لمدة طويلة وعَملتْ من أجل تحقيق وجود الدولة الفلسطينيّةِ، الا ان توجه الرئيس بوتين نحو حماس قد خرج عن التقاليد المألوفة. وعندما قامت اسرائيل باغتيال القائد الروحي لحركة حماس احمد ياسين، قام رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس الاتحادي الروسي ومجلس اللوردات الروسي بامتداح هذا الاغتيال وأثنى عليه، وعندما أودت العملية الانتحارية لحركة حماس بحياة 17 شخصا في بئر السبع في آب 2004 أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا أدانت فيه هذه " الغزوة البربرية من قبل المتطرفين " وأعلنت " نحن مقتنعين انه لا يمكن تحقيق القضايا السياسية او اية قضايا اخرى عن طريق العنف او الارهاب".
اغتنم زعماءُ حماس الفرصة المعروضة مِن قِبل الرئيس بوتين. حيث أعلن الناطق بلسان حماس سامي أبو زهري الذي قال "نُحيّي الموقف الروسي ونقبله بهدفِ تَقْوِية علاقاتِنا بالغربِ وخصوصاً بالحكومةِ الروسيةِ " واجتمع وفدُ حماس مع لافروف، واجتمعوا مع قادة الجالية الإسلامية الروسية، وقابلوا رئيس الكنيسة الأرثوذكسية. يمكن القول ان هذا الارتباط للحكومة الروسية مع حركة حماس لم يجعل الاخيرة تتخلى عن الارهاب. وكما استنتج احد الصحفيين الروس الذي قال " ان موسكو دعت الفلسطينيين فقط لمجرد الدعوة، وجاءت حماس لمجرد المجيء فقط".
لقد كانت الصحافة الروسية أقل تسامحا مِنْ الكريملين. ففي المؤتمر الصحفي سَأل مراسل إزفيستيا زعيم وفدِ حماس خالد مشعل للتَعليق على التصريحِ الذي صدر له في حزيران 2000 حول تدريب الاطفال ليقوموا بعمليات انتحارية، ودافع قائد حماس عن تعليقه الصحافة المجتمعة قائلا " لدينا رموزنا الخاصة، ونماذجنا التي نسير على خطاها، ونحن فخورين بهذا ". وهكذا ماذا أنجز بوتين من خلال توجهه نحو حماس؟ ومرة اخرى تعود الشيشان لتحتل المركز الأمامي والأساسي في استراتيجية الرئيس بوتين: حيث وعدت حركة حماس ان لا تتدخل في شمال القوقاز.
ما هي الرسالة التي حملتها زيارة حماس للعلاقات الروسية الاسرائيلية؟ يمكن القول ان عهد الرئيس بوتين شهد الازدهار الأولي للروابط بين موسكو والقدس. ولقد قدر الرئيس الروسي نظرة القدس الجادة للإرهاب، بالإضافة الى المساعدة التقنية المتعلقة بموضوعة الشيشان. كما ان هناك مليون إسرائيلي يتحدثون الروسية والذين يسهلون مجال الأعمال التجارية والاقتصادية، لقد شهدت العلاقات التجارية بين موسكو والقدس ازدهارا ملحوظا، فهناك المئات من الأعمال التجارية الاسرائيلية تعمل في روسيا، ويتطلع كبار رجال الأعمال الروس لتلبية احتياجات اسرائيل المتزايدة على الطاقة، واليوم هناك تجارة مباشرة بين البلدين تقدر بحوالي 1.5 مليار دولار، وفي نيسان 2006 أطلقت الحكومة الروسية قمرا صناعيا إسرائيليا قادر على التجسس على البرنامج النووي الايراني. ولكن وفي الوقت الذي احتفل فيه بعض الكتاب في وقت سابق بنظرة الرئيس بوتين الجديدة، فان تقوية البرنامج النووي الايراني والدعوة لحركة حماس كان مدعاة للقول بان التفاؤل في سياسة بوتين الجديدة كان سابقا لأوانه. وبينما الحكومة الروسية راغبة في انتقاد الإيرانيين والعرب لاسترضاء الغرب، كان من النادر ترجمة الكلمات القاسية الى أفعال. لقد بدت بيانات وزارة الخارجية الروسية المتناقضة التي تلت الهجوم الإسرائيلي في الثاني عشر من تموز 2006 على الجنوب اللبناني مصممة على التشويش بدلا من الإعلان الواضح عن موقفها من الارهاب، وقد تقدر الحكومة الروسية ثمار العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل، ولكن عندما تصل الأمور لاتخاذ موقف ضد مبدأ الارهاب فان الرئيس بوتين يرسم خطا، فروسيا لا تعتبر حركة حماس او حزب الله من الجماعات الإرهابية، ان الوقوف كثيرا مع اسرائيل ضد الارهاب قد يعني إضعاف بوتين المتعلقة بالمساومة مع الاسلاميين حول الشيشان.

الاستنتاجات:
ان شهر العسل الروسي الامريكي الذي تلا أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يدم. وبينما برز هناك بعض التوتر الناجم عن الاستبدادية المتنامية للرئيس بوتين فان المسؤولية الاكبر عن هذا التوتر تقع على عاتق قرار الرئيس بوتين في وضع روسيا في خانة المعارضة لرغبة واشنطن في احتواء الطموحات النووية الايرانية وتحريم الارهاب وتعزيز الديمقراطية.

ان التباعد بين واشنطن وموسكو حول الشرق الاوسط يجب ان لا يكون مفاجئا لأحد. ففي الورقة الصادرة عام 2000 لتحديد مفاهيم وزارة الخارجية الروسية والتي صادق عليها الرئيس بوتين كان هناك تعريف لأولويات موسكو في الشرق الاوسط حول" إعادة وتقوية موقعها، وتحديدا على الصعيد الاقتصادي ". وقد تابع بوتين هذه الاستراتيجية الواقعية فعندما تكون في موقف تعمل فيه على تسليح ايران وسوريا هي في نفس الوقت تعزز علاقاتها الاقتصادية مع اسرائيل.

الى اي مدى من الحكمة هي سياسة بوتين؟ لَيسَ كُلّ المُحلّلين الروس مقتنعين بان الرئيس سيهتم بما هو ابعد من موسكو، ويوضح ديمتري سوسلوف وهو احد الخبراء في سياسة موسكو الخارجية والدفاعية ان" هناك مخاطر كبيرة تكمن في منح المزيد من الشرعية للإسلاميين، وروسيا بذلك قد تأتي بالمزيد من عدم الاستقرار في الشرق الاوسط وفي الداخل الروسي". كما ناقشت إحدى الصحفيات الروسيات البارزات " يوليا لاتينيا" في قضية " ان إجراء روسيا للمحادثات مع الدول المارقة قد يأتي عليها بخطورة بالغة على روسيا نفسها من جهة النظر إليها كدولة مارقة".

لا يوجد هناك نجاح مضمون للمقامرة التي يقوم بها بوتين من ناحية استرضاء الاسلاميين خارج روسيا وذلك لتحقيق المزيد من المساحة للأعمال الروسية في الشيشان. ففي حزيران 2006 قام الإسلاميون في العراق باختطاف وقتل أربعة من الدبلوماسيين الروس وكان أحدهم من المسلمين، وقد اصدروا شريطا مصورا يعلنون فيه " تنفيذ إرادة الله في الدبلوماسيين الروس وذلك انتقاما لتعذيب وقتل وطرد إخواننا وأخواتنا على يد الحكومة الروسية الكافرة". والوضع ببساطة يمكن وصفه بقدرة الرئيس بوتين على المشاركة في الواقع السياسي لكن المتطرفين الاسلاميين ليسوا على درجة جيدة من الثقافة في تعقيدات هذا الواقع السياسي.