A+ A-
قراءة في الحرب بين إسرائيل وحزب الله... وتداعياتها على المشهد الإسرائيلي
2006-08-12
في الوقت الذي تدخل فيه الحرب المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله شهرها الثاني منذ بدئها في 12 تموز 2006 وذلك دون أي بوادر حل "جدية" في الأسابيع القليلة القادمة، سيما بعد إقرار المجلس الوزاري المصغر في الحكومة الإسرائيلية يوم الإربعاء 9 آب 2006 توسيع الإجتياح في الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني وفي بعض المناطق إلى ما بعد النهر...وفي الوقت الذي تبدو فيه معادلة هذه الحرب متوازنة إلى حدٍ ما في مقاييس "توازن الرعب" و"الردع المتبادل" رغم عدم تكافؤ القوة العسكرية بين الطرفين ؛تنشغل وسائل الإعلام الإسرائيلية بمتابعة مجريات الحرب بأدق تفاصيلها وتطوراتها،و يظهر ذلك جلياً من خلال الأسئلة والتساؤلات العديدة التي تمحورت حول مجريات الحرب ونتائجها المتوقعة،وتداعياتها على الوضع الإسرائيلي الداخلي خاصة المشهدين السياسي والحزبي؟ فالمحللون السياسيون والعسكريون في إسرائيل، يرون أن المواجهة الدائرة رحاها بين حزب الله وإسرائيل ستلقي بظلال ثقيلة وتداعيات سلبية على مستقبل حكومة أيهود أولمرت وخططه الأحاديه، وعلى الحياة السياسية والحزبية في إسرائيل وكذلك على مجمل المنطقة.وبعد أن تخبو أصوات المدافع والطائرات ويتوقف إطلاق النار ،وإذا لم تحقق إسرائيل أهدافها من هذه المعركة،سيتسائل المراقبون بلسان الشارع الإسرائيلي : من أجل ماذا شنت هذه الحرب؟وما هي الأهداف التي تمخضت عنها؟وماذا جنته إسرائيل من هذا الموضوع كله؟وما هي الإسقاطات التي ستترتب على المشهد الداخلي لإسرائيل و على المنطقة بشكل عام؟
الحرب بعيون الصحافة الإسرائيلية
في قراءة متأنية لكتابات ومقالات الكتاب والباحثين ومحرري الصحف الإسرائيلية وبعد إنطلاق الهجوم العسكري الإسرائيلي على لبنان بفترة وجيزة؛ يجد المراقب أن لسان حال هذه الصحف يقول بأن إسرائيل لم تتوقع هذه الحرب في أسوأ أحلامها،وبدت تعليقات الصحافة وإفتتاحياتها في قراءتها للمشهد تدور حول ما أنجزته حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت وما لم تنجزه.وبدت الصورة التي رسمتها مقالات الكتاب متشائمة إلى حدٍ ما، تبين عمق أزمة الثقة،فيما تحاول إسرائيل تحقيقه على أرض المعركة.
عاموس هرئيل المراسل العسكري لصحيفة هآرتس وآفي سخاروف، مراسل الشؤون العربية لنفس الصحيفة 2/8/2006،رأوا " أن أقوال رئيس الحكومة إيهود أولمرت في الخطاب الشفوي الذي ألقاه في الأول من آب 2006، في الحفل السنوي لكلية الأمن القومي، كانت أحيانًا منفصلة قليلاً عما يحدث في الحدود الشمالية،وأنه عندما أعلن إيهود أولمرت أنه في هذه الحرب "حققنا إنجازات غير مسبوقة غيرت وجه الشرق الأوسط"، تساءل ضباط كبار من بين الحضور: "هل يجوز أنه لا يرى نفس الحرب التي نراها نحن؟!.

أما اسحق بن يسرائيل مراسل صحيفة يديعوت أحرنوت فقد عنون مقالته يوم 7/8/2006 بـ" حرب بدون نصر واضح وسيطرة تامة حتي نهر الليطاني تعتبر هزيمة".وكما يقال المكتوب يقرأ من عنوانه.

أما المعلق السياسي عوزي بنزيمان في "هآرتس" 2/8/2006 أكد في تعليق له جاء تحت عنوان "تقصير- محدال- 2006 "أن الخطأ المصيري الذي إرتكبه إيهود أولمرت يكمن في "أنه حرك زر الحرب الشاملة دون أن يعرف حقًا قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق الغاية". وأضاف: " لقد إقتحم أولمرت بوابة إمتنع إيهود باراك وأريئيل شارون عن فتحها. وها هو ذا الآن مجرور وراء الجيش، الذي يسعى للقيام ببعض التحسينات بواسطة تفعيل قوات برية أكبر. وحتى لو كان ميزان هذا الجهد إيجابيًا، فسيتعين على الحكومة وهيئة أركان الجيش في اليوم التالي للحرب الاستعداد، وهذه المرة بجدية، لتهديدات الإرهاب (والسلاح النووي) التي تلوح في الأفق".

لاشك أن هذه بعض الإقتطافات لتحليلات أهم رموز الإعلام والصحافة في إسرائيل والتي تتقاطع مع مقالات أغلب الصحافيين والمحللين هناك الذين وصفوا ما يجري على الحدود الشمالية لإسرائيل بأنه أزمة حقيقية تواجهها دولتهم سيكون لها تداعيات سلبية على مجمل المشهد الإسرائيلي الداخلي والخارجي ،مشيرين إلى أن الجيش الإسرائيلي يتواجد أمام خسائر جسيمة لم يحقق من خلالها الإنجازات التي وعد فيها والمتوقعة منه في هذه المعركة .أضف إلى ذلك فإن عناوين وسائل الإعلام الإسرائيلية قد ركزت فقط على أحداث الحرب التي تشنها إسرائيل على الجبهة الشمالية وهذا ما طغى من حيث إهتمام الشارع الإسرائيلي بها على الأخطار الاستراتيجية الأخرى التي تعاملت مها إسرائيل بمنطق التهديد الوجودي لكيانها، خاصة في الآونة الأخيرة، مثل الملف النووي الإيراني والقدرة العسكرية لدمشق،وصواريخ القسام وغيرها من الملفات التي كانت تقف على رأس الأولويات وقد حجبتها العملية العسكرية التي تشنها إسرائيل على حزب الله ولبنان عن الظهور.
أداء حزب الله يفاجئ الجيش الإسرائيليوليس من الصعوبة بمكان أن يجد المتابع لإفتتاحيات الصحف الإسرائيلية الخشية التي تنتاب صفوف القيادات الاسرائيلية وتحديداً الأمنية والعسكرية، وكذلك الشارع الإسرائيلي من إمتداد الحرب إلى ما أبعد من المدة التي حددتها إسرائيل ، وأكثر من البقعة الجغرافية التي تمثل ميدان المعركة؛في ظل الإمكانيات والقدرة العسكرية التي يمتلكها حزب الله والتي فاجئت الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية سيما بعد إبداء مقاتلوا حزب الله الحرفية والجاهزية العالية في القتال والصمود.وقد كشفت أحداث الحرب عن أن ثمة توازن رعب بين إسرائيل وحزب الله ظهر منذ اللحظات التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت بقوله "إننا نعلنها حرباً مفتوحة" ليرد عليه أمين عام لحزب الله حسن نصر الله ، "أردتموها حرباً مفتوحة، فليكن" ،هذا التحدي الذي أظهره حزب الله أثار حفيظة العديد من المراقبين والمحلليين الذين تسائلوا عن المستفيد أو بمعنى آخر، من هو الرابح أوالخاسر من إنفتاحية المعركة إلى هذا الحد؟

فمنذ إندلاع شرارة المعركة الأولى توالت المفاجآت على الجيش الإسرائيلي، بدءاً من تدمير حزب الله لدبابات "الميركافاه" في الجنوب اللبناني، مروراً بتدمير البارجة الإسرائيلية من طراز (ساعر -5) وهي واحدة من ثلاث بارجات تعتبر الاحدث في سلاح البحرية الاسرائيلي ، وصولاً إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي ووصول صواريخ حزب الله ذات المديات المتفاوتة إلى العمق الإسرائيلي في صفد وحيفا وعكا وبيسان والخضيرة .كبرى الصحف الإسرائيلية "يديعوت أحرونوت" تعلق على ذلك في إحدى إفتتاحياتها وتقول " أن حزب الله نجح في إقامة مظلة دفاع تستند إلى الرعب في مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية".أما صناع القرار العسكري في إسرائيل فقد إعترفوا بإتقان مقاتلي حزب الله لغة الحرب وأنهم لم يكونوا يتوقعوا ذلك. ترسانة حزب الله العسكرية حسب الإعتقاد الإسرائيلي، تضم بها ما بين 13 ألفًا إلى 15 ألف صاروخ مختلفة الأبعاد والمديات، من بينها الكاتيوشا العادية وجراد و(رعد- 1) الأبعد مدى وصاروخ زلزال وخيبر، إلى جانب إعتماد حزب الله على تقنية تطوير الأسلحة والصواريخ محلياً.وقد نجح حزب الله في حشد مفاجأةٍ أخرى من المفاجآت التي تحدث عنها حسن نصر الله في بداية الحرب، وهي الطائرات بدون طيار من طراز "مرصاد- 1" المثيلة للبريداتور الأمريكية، وبها حقق الحزب مفاجأة تكتيكية كبيرة لخلق حالة توازن رعب جديدة ،وكان قد أعلن ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي ، أن الجيش الإسرائيلي أسقط يوم الإثنين 7/8/2006- طائرة إستطلاع بدون طيار تابعة لـ حزب الله فوق البحر. وحسب المصادر الصحفية الإسرائيلية ذكرت يوم 11/8/2006 أن إيران زودت حزب الله بثمانية طائرات دون طيار وتحمل 40 كيلو غرام من المتفجرات وتستخدم لضرب أهداف عسكرية ومدينة في العمق الإسرائيلي. وحسبما قالت المصادر الإسرائيلية فإن من هذه الطائرات، طائرات إنتحارية صغيرة دون طيار تحمل عبوة ناسفة تحلق فوق أحد الأهداف ثم تنفجر. وحسب سلاح الجو الإسرائيلي الذي أسقط مؤخراً إحدى هذه الطائرات "فإن الخطر الذي تشكله هذه الطائرة كبير جداً كونها موجهة عن طريق الأقمار الصناعية، وبإمكانها الوصول إلى الهدف، كما أن إصابتها قد تكون قاتلة جداً.وتناقلت الخبر أيضاً القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي الذي جاء فيه "ليس واضحاً بعد الهدف الأساسي من إرسال حزب الله لهذه الطائرة، أو كون هذا الهدف هدفاً عسكرياً أم مدنياً، لكن مدى تحليق هذه الطائرة هو 150 كم، مما يعني أن بإمكانها الوصول إلى المناطق الوسطى من إسرائيل، كما أنها تحمل 40-50 كغم من المتفجرات، أي أن قوتها تصل إلى قوة قذائف الكاتيوشا، كالتي سقطت على منطقة حيفا، عدا عن أن إصابتها دقيقة جداً.

هذا ويذكر أنه في 12 أبريل 2005 نجحت طائرة بدون طيار تسمى مرصاد 1 تابعة لـ (حزب الله) في التحليق فوق شمال إسرائيل دون أن يتم إسقاطها،الأمر الذي أدى إلى إحراج الأوساط الأمنية والسياسية جراء هذه الطائرة وما صحب ذلك من ضجة في وسائل الاعلام الاسرائيلية التي راحت تطرح سؤالاً عن مدى نجاعة أجهزة الانذار المبكر التي تمتلكها إسرائيل و التي بإمكانها إعطاء تحذير مسبق لسلاح الجو الإسرائيلي لكي يقوم بإسقاط أي طائرة معادية حتى قبل أن تدخل المجال الجوي الاسرائيلي.وعلى الرغم من وصف بعض المراقبين هذه الحادثة بأنها فرصة نادرة لحدوث هذا الأمر؛ فإن رئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست يوفال شطاينيتس علق على ذلك قائلاً "إن ما تم هو في الحقيقة فشل كبير وإختراق يصعب تبريره"،ومنذ ذلك الوقت كان لسان الشارع الاسرائيلي عقب إطلاق طائرة مرصاد 1 يقول ،أن حزب الله قادر على الوصول إلى العمق الإسرائيلي عبر وسيلتين: إما الصواريخ والطائرات. وتسائلوا عن الوسائل التي سيصل من خلالها حزب الله إليهم في الفترة القادمة.

روح التشاؤم هو الذي يطغى على معظم المقالات والتحليلات وإفتتاحيات الصحف الإسرائيلية اليومية وكان لسان حالها يقول "لقد ابتعدنا عن النصر". وليس أدل على ذلك من مقال للصحافي آري شفيط في صحيفة هآرتس الذي إستبدل بعد مرور شهر على الحرب سؤال :من سينتصر؟ بسؤال آخر وهو : من علّم الآخر درساً؟ ويقول " تفاجأنا، تفاجأنا كثيراً، تفاجأنا بصواريخ الكاتيوشا، وفاجأونا بصواريخ فجر وزلزال، فاجأونا بالصواريخ المضادة والمخابئ، بالقيادة والسيطرة والإستراتيجية وقدرة القتال والإرادة، تفاجأنا من القوة الرهيبة لجيش - موت صغير مع تكنولوجيا متدنية وإرادة إيمانية قوية ".
الحرب في ميزان الربح والخسارة
بينما يكون من السابق لأوانه تلخيص نتائج هذه الحرب التي لم تضع أوزارها بعد، بحيث يكون قياس نتائج الربح والخسارة لها غير دقيق،إلا أن المعطيات المتوفرة حول نتائج الحرب التي تعيش أسبوعها الخامس ،ترجح كفة الميزان لصالح إسرائيل وذلك من حيث عدد القتلى من كلا الجانبين ،حيث بلغ عدد القتلى الإسرائيليين أكثر من مائة وثلاثين قتيل وأكثر من حوالي ألف وخمسائة جريح على مدى أسابيع الحرب الماضية .وقد أقرت المصادر الاسرائيلية يوم الأحد 13/8/2006 بمقتل 24 جنديًا إسرائيليًا بينهم إثنان قتلا نتيجة دهسما بدباية إسرائيلية يوم السبت 12/8/2006، كما جرح 84 إسرائيليًا في مناطق مختلفة من الجنوب اللبناني. وكان الاسرائيليون إعترفوا يوم التاسع من آب 2006 بمقتل 11 جندياً اسرائيلياً بعد إشتباكات ضارية بين المقاومة اللبنانية والجيش الاسرائيلي.

بالمقابل بلغ عدد القتلى اللبنانيين أكثر من عشرة أضعاف القتلى الإسرائيليين، أي حوالي 1200 قتيل لغاية الآن . فلبنانياً تشير الهيئة العليا للإغاثة يوم الجمعة 11/8/2006 مقتل حوالي 1014 مدنياً لبنانياً و30 من عناصر الجيش اللبناني. وشملت هذه الحصيلة جثثاً تم التعرف إلى هوية أصحابها ولم تأخذ في الإعتبار القتلى الذين لا يزالون تحت الأنقاض.
من جهته إعترف حزب الله بأنه فقد 58 من مقاتليه في حين فقدت حركة أمل الشيعية سبعة ناشطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة عنصراً واحداً. كما قتل أربعة مراقبين تابعين للأمم المتحدة في قصف جوي إسرائيلي على مركزهم ببلدة الخيام في جنوب لبنان. وأصيب أكثر من 3600 شخص بجروح. وحسب الهيئة العامة للإغاثة أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 915792 شخصاً بينهم 220 ألفا غادروا لبنان. ويشمل هذا الرقم حوالي 100 ألف أجنبي أو لبناني يحملون جنسية أخرى.
وفي العاشر من الشهر الجاري، قدرت الهيئة العليا للإغاثة بعض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للبنان كالأتي:
- 30 من المنشآت الحيوية: مطار بيروت وموانئ وخزانات مياه ضخمة ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية.
- 630 كيلومتراً من الطرقات.
- 23 محطة بنزين.
- 145 جسراً وجسرا فرعياً.
- سبعة آلاف مسكن.
- تسعة ألاف مصنع ومحل تجاري ومزرعة وسوق.
كما أصيبت محطات إرسال تلفزيوني وإذاعي وهوائيات للهاتف الخلوي وأماكن عبادة ومقار تابعة لحزب الله ومكاتب ومنازل كوادر في حزب الله وقواعد ومعدات عسكرية.

هذا ورغم تصريحات المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين عن توجيه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضربات قاضية ومؤلمة ضد أهداف لحزب الله، ،ورغم تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت الذي إدعى أن العملية الإسرائيلية في لبنان دمرت البنية التحتية لحزب الله بالكامل أي أنها دمرت أكثر من 700 من مواقع القيادة للحركة الشيعية اللبنانية؛إلا أن المعطيات تظهر أن القدرة العسكرية لحزب الله لا زالت تثير أجواء رعب وذعر في المدن والبلدات الإسرائيلية، فهناك أكثر من مليون ونصف إسرائيلي يعيشون في الملاجئ إحتماءً من صواريخ حزب الله التي طالت العمق الإسرائيلي لا بل أن هناك حوالي 330 ألف اسرائيلي - حسب تقديرات إسرائيلية- نزحوا إلى وسط وجنوب إسرائيل ليستقر معظمهم في منطقة بئر السبع.