A+ A-
خطة "الإنطواء/التجميع" الإسرائيلية
2006-06-13
تأتي خطة الإنطواء أو ما تسمى بإعادة التجميع التي ينوي رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت تنفيذها في الضفة الغربية إستكمالاً لما بدأه سلفه أرييل شارون رئيس الوزراء السابق عند تنفيذه خطة فك الإرتباط والإنفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية الصيف الماضي 2005. ومن المعروف أن أولمرت الذي فاز حزبه "كاديما" في إنتخابات الكنيست الأخيرة بـ 29 مقعداً من أصل 120 بالكنيست، كان قد أنتخب لرئاسة الحكومة الإسرائيلية على أساس برنامجه السياسي الذي يشتمل على إقتراح "خطة التجميع" التي تستهدف إنسحابات أحادية الجانب من الضفة الغربية ، يرافقها ضم كتل إستيطانية كبيرة في هذه المنطقة.وقد كان قد تعهد أيهود أولمرت أثناء الحملة الإنتخابية لحزبه بتفكيك غالبية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إذ أوضح آنذاك أن خطته من المحتمل أن تتضمن نقل 60.000 مستوطن على الأقل من معظم أجزاء الضفة الغربية لإعادة توطينهم في تكتلات استيطانية قائمة بالضفة الغربية على حدود "الخط الأخضر" الذي كان قائمًا قبل عام 1967.وقد إستند أولمرت وأعضاء حزبه? على أن خطة الانطواء هي النموذج الأفضل لتنفيذ إستراتيجية الفصل الديموغرافي الهادفة إلى حصول إسرائيل على أكبر مساحة من أراضي الضفة الغربية مع أقل عدد من المواطنين الفلسطينيين.وبحسب تصريحات أولمرت فإن معاهد الدراسات والأبحاث الإسرائيلية التي قدمت معطيات وتقارير إستشرفت بها التوقعات المستقبلية لدولة إسرائيل والخطر الديموغرافي الذي يداهمها كانت السبب الذي حفزه على إجتراح وإيجاد حلول عملية تأخذ بعين الإعتبار المعطيات الديموغرافية وما يمكن أن تحدثه من آثار سلبية على مستقبل الهوية اليهودية؛وهذا ما دعا أولمرت لوضع خطة التجميع في صُلب الخطوط العامة الأساسية لحكومته من خلال ضم المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية المنخفضة، مثل منطقة غور الأردن، والمناطق المحيطة بالخط الأخضر الذي يفصل بين الضفة وإسرائيل.إلا أن هناك من يرى بأن خطة الإنطواء هذه هي حلقة متسلسلة من الخطط التي طرحتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كتصور لترسيم الحدود النهائية للدولة العبرية بدءًا من خطة آلون عام 1967 مرورا بخطة جاليلي عام 1974 ثم وثيقة إيتان - بيلين عام 1996.ففي كل هذه الخطط كان هناك اتفاق كامل بين كافة القوى السياسية وخبراء الأمن والإستراتيجية الإسرائيليين على إستحالة العودة إلى حدود 4 يونيو حزيران عام 1967 وإعتبار غور الأردن حزاماً أمنياً لإسرائيل لا تتواجد فيه أية قوات أجنبية حتى في حالة قيام دولة فلسطينية.
وضمن الخطوات أحادية الجانب التي درجت إسرائيل على إتباعها في الفترة الأخير تلتقي خطة أيهود أولمرت الأنطواء/التجميع وتتشابه مع خطة فك الإرتباط التي نفذها رئيس الوزراء السابق شارون، إلا أن خطة أولمرت تتميز ببعض النقاط عن سابقتها كونها تنصب أولاً وأخيراً على الضفة الغربية بمعنى أن خطة شارون نقلت المستوطنين من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل بينما خطة التجميع تنوي دمج المستوطنين في الضفة الغربية في تكتلات إستيطانية يأمل أولمرت مستقبلاً أن يضمها إلى داخل حدود إسرائيل الدائمة.وثمة إختلاف يكمن في التسمية ،هذا وإن كانت خطة أولمرت "التجميع" وخطة شارون "فك الارتباط" تأتي في سياق سياسة الفصل الأحادي التي تسير عليها إسرائيل حالياً ،إلا أن خطة شارون إندرجت تسمتيها تحت "خطة الإنسحاب" وهذا ما تنبه له أيهود أولمرت الذي أطلق على خطته إسم "التجميع أو الإنطواء" متحاشياً إستخدام خطة الإنسحاب كون هذا المصطلح حسب محللين يؤكد الإعتراف بالإحتلال العسكري لأرض فلسطينية. إضافة إلى أن عدد المستوطنين الذين سيتم إجلائهم وفق خطة أولمرت يقدربنحو 60.000 مستوطن على الأقل، في الوقت الذي بلغ فيه عدد المستوطنين الذين تم إجلائهم عن غزة وشمال الضفة الغربية في خطة شارون لا يزيد على 9.000 مستوطن.وقد تشكل هذه إحدى التحديات الداخلية الرئيسية فيما يتعلق بسعي أولمرت نحو كسب التأييد لخطته و هو تحدي يفوق ما كان يواجهه شارون لدى طرحه لخطة الانسحاب من غزة.
أهم ملامح خطة التجميع:
"سوف ننفصل عن السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة... مما يتطلب منا التخلي عن مناطق توجد فيها إسرائيل اليوم،وتوجهنا واضح: إننا سوف ننفصل عن الفلسطينيين من أجل تثبيت الحدود الدائمة لإسرائيل".. "نحن سننسحب إلى ما وراء خط الجدار ،سيتغير مساره ليشمل جميع الكتل الاستيطانية الكبيرة. القدس تبقى موحدة. الكتل الاستيطانية المركزية تبقى في أيدينا وتتوسع تحتها جميع أحواض المياه في الضفة الغربية. في آخر العملية سنصل إلى فصل تام عن الغالبية العظمى من الفلسطينيين".هذه التصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت يصف فيها ملامح خطته التي قال عنها في حديث نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" مؤخراً بأنها الخطوة الأخيرة لسلسلة خطوات تاريخية دشنها ديفيد بن غوريون في عام 1948،ثم تبنتها بعده زعامات عسكرية وسياسية، كان آخرها أرئيل شارون الذي دشن المرحلة الأولى من سياسة الإنطواء التي سميت بفك الإرتباط من قطاع غزة".وإزاء ذلك يمكن ملاحظة أهم معالم وأطر خطة التجميع الأولمرتية والتي يمكن إجمالها كالآتي:
* حسب هذه الخطة ستبقى معظم المستوطنات اليهودية الواقعة على المناطق الحدودية وفي جيوب واسعة أخرى كأرض محتلة يريد أولمرت ضمها إلى تخوم إسرائيل بشكل رسمي ومن خلال حشد دعم دولي لها. ويجري الحديث عن كتل "أرييل" و"قدوميم" شمال، و"معاليه ادوميم" شرق القدس و"غوش عتصيون" جنوباً، عدا مستعمرات القدس التي يرفض أولمرت تقسيمها ،وستشمل تلك الخطوة 60.000 مستوطن على الأقل. وقد وعد أولمرت بأن تكون أول مرحلة من مراحل هذه الخطة بناء 3500 وحدة سكنية في المنطقة التي تفصل القدس المحتلة عن معاليه أدوميم التي تعتبر أكبر مستوطنة في الضفة الغربية.* وستقوم إسرائيل وفق هذه الخطة بضم المناطق التي تحتوي على مصادر المياه العذبة، سيما في جنوب الضفة الغربية.* ضم غور الأردن التي تمثل 25% تقريبا من مساحة الضفة الغربية .* سعي حكومة أولمرت للإبقاء على التكتلات الإستيطانية المتاخمة "للخط الأخضر" الخاص بفترة ما قبل عام 1967. * بذل الجهود لحشد التأييد للخطة سيما من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وليس فقط للإنسحاب وإنما للإعتراف بأن المناطق التي ستحتفظ بها إسرائيل تشكل "حدودها المعترف بها" أو على الأقل تمثل خطوطاً قريبة من الحدود الفعلية.* إخلاء المستوطنات سيتم بحلول عام 2010.نتائج محتملة للخطة
بناء على الخطوط الأساسية لخطة التجميع يتوقع المحللون بأن هناك نتائج محتملة قد تفضي إليها الخطة في حال تطبيقها ومن هذه النتائج :
* بقاء قطاع بعرض (16-20 كم) في غور الأردن من النهر وحتى شارع ألون تحت السيطرة الإسرائيلية.* بقاء السيطرة الإسرائيلية أيضاًعلى قطاع بعرض حوالي 10 كم، الطريق الذي يربط القدس بأريحا عبر غور الأردن.* بقاء السيطرة الإسرائيلية على قطاع أضيق على طول الخط الأخضر من الغرب بطول ما بين عدة مئات من الأمتار وحتى 7.5 كم.ومجل ذلك سيؤدي إلى إحاطة المناطق الفلسطينية بحاجزين الأول شرقي ويضم غور الأردن، والثاني حاجز غربي وهو الجدار الجاري إقامته الآن على الناحية الغربية للضفة الغربية.* ستسيطر (إسرائيل) في إطار ذلك على المخزون الإستراتيجي للمياه في الضفة الغربية ولاسيما الأحواض الشرقية حيث تقع على أراضي الضفة الغربية مرتفعات معظمها خزانات مائية جوفية تأخذ منها إسرائيل نصف حاجتها.* سيؤدي ذلك إلى إقامة أربع كتل فلسطينية (كتلة الوسط والشمال) و(كتلة الجنوب) و(كتلة قطاع غزة) (كتلة الخليل).* إبقاء مناطق واسعة من (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية .* سيؤدي ذلك إلى شمول حوالي 53000 مستوطن يعيشون في 14 مستوطنة في غربي الجدار وبالتالي ستكون مضمونة عملياً لدولة إسرائيل.* ستقع 19 بلدة وقرية فلسطينية غربي هذا الجدار أو ما يسمى بـ(جدار العمق) ، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 100 ألف نسمة، وبذلك ستصبح أكثر من 150 قرية وبلدة وتجمع سكاني يقطنها حوالي 697 ألف نسمة معزولة غربي الجدران "الغربي" و"جدار العمق" بينما ستصبح 36 قرية واقعة شرقي هذين الجدارين في الوقت الذي تعزل فيه أراضيها غربي الجدارين وتعداد سكان هذه التجمعات 72 ألف نسمة.وبذلك تصل المساحة المستهدفة بجداري العزل (الغربي وجدار العمق) إلى ما يزيد على 1248 كم2أي ما يعادل 21.3% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.* أما مساحة العزل الشرقي على طول الأغوار فتبلغ حوالي 1242 كم، أي ما نسبته 21.2% من مساحة الضفة الغربية، وتضم 20 تجمعاً سكانياً فلسطينياً يعيش فيها حوالي 17 ألف نسمة، إضافة إلى 41 مستوطنة وبؤرة استيطانية يعيش فيها حوالي 8000 مستوطن.* وهذا يعني عملياً ضم ما نسبته 42% من مساحة الضفة الغربية وحوالي 2490 كم، وفصل 714 ألف فلسطيني و170 تجمعاً فلسطينياً عن ترابطهم السكاني المدني، وتأكيد وجود 96 مستوطنة في عمق وبجانب الضفة الغربية.الأسباب التي يستند إليها أولمرت في تنفيذ خطته- يدرك أولمرت الذي عرف بتشدده أن الإنسحاب ورسم حدود دائمة لدولة إسرائيل هما الضمانان الأساسيان لبقائها على الخارطة الدولية. مصراً على أن تنفيذ هذه الخطة التي جعلها في صلب برنامجه الإنتخابي تأتي بتقديره من قبيل أن الطرف الفلسطيني ليس معنياً بالسلام الآن، وبتقديره أكبر دليل على ﺫلك هو فوز حركة حماس في الإنتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الثاني/يناير الماضي.
- يرى أولمرت بأن إقدامه على تنفيذ خطة التجميع بإعتبارها أنموذجاً أفضل لتنفيذ الفصل الديموغرافي عن الفلسطينيين ،فحسب متخصص في الديموغرافيا الإسرائيلي البروفيسور أرنون سوفير هو أستاذ الجغرافيا في جامعة حيفا ويعتبر أهم خبير في موضوع التوزيعة السكانية أو الديموغرافيا كان له دور أساسي ومحوري في وضع خطة فك الإرتباط من قطاع غزة والإنسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب، يقول في هذا الصدد "إن الحديث عن فك الإرتباط جارٍ منذ نحو 100 عام، بأشكال مختلفة. وحقيقة هي أنني نجحت بالتأثير على رئيس الوزراء (السابق) أرييل شارون لتنفيذ فك الإرتباط من غزة وأنه مرغم على تنفيذها لأسباب ديموغرافية. إذ أن 90% من الإعتبارات كانت ديموغرافية. فإذا أردنا أن تكون إسرائيل دولة يهودية، لا مناص سوى أن ننفصل عن الفلسطينيين. وكان هذا الأمر صعباً بالنسبة لشارون. لكن بعد 18 عاما من المحادثات بيني وبينه أدرك أخيراً بأني على حق، والأمر ذاته ينطبق على رئيس الوزراء الحالي أيهود أولمرت".
- وعلى ما يبدو يريد أيهود أولمرت من وراء تنفيذ خطته هذه رمي الكرة في الملعب الفلسطيني المتأزم أصلاً إذ يرى أولمرت بأن الفرصة لتنفيذ خطته أصبحت سانحة أكثر من أي وقت مضى لأن السلطة الفلسطينية وحكومتها منقسمتان منذ الإنتخابات الفلسطينية في كانون الثاني/ يناير ولا وجود لشريك يتم التفاوض معه على خطة (الإنطواء). إلا أنه بالمقابل يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد فهو يريد أن يوظف هذه الخطة وفق سياقات تقوم بموجبها إسرائيل بالتنازل عن أراضي فلسطينية وبالتالي يعكس صورة للعالم بأنه رجل سلام وبأن إسرائيل تقدم تنازلات "مؤلمة" للجانب الفلسطيني من أجل الضغط على الأخير من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وبنفس الوقت إعطاء شرعية لأي خطوات إسرائيلية قادمة.
- رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت يعد من المقتنعين بالخطوات الأحادية كوسيلة أفضل تستطيع من خلالها إسرائيل تحقيق مكتسبات والحفاظ على أمنها وضمان مصالحها بدون القيام بتسويات ثنائية؛ لإعتقاده بأنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن أن يوافق على تسوية سلمية تضمن الحفاظ على المصالح الإستراتيجية والحيوية لدولة إسرائيل في الضفة الغربية.وكما يرى أحد الصحفيين الإسرائيليين بأن رئيس الوزراء أولمرت يرى في خطة الانطواء حبل خلاص "للصهيونية"، هو أنتخب وفي فمه إلتزام بأن لا يبقى مواطن إسرائيلي شرقي الجدار.
- يطمح أولمرت لتحسين صورة بلاده في العالمين العربي والإسلامي جراء إقدامه على مثل هذه الخطوة فأولمرت مثل سلفه شارون يهتم ويعنى كثيراً بالمواقف الدولية، وعلى وجه الخصوص الموقف الأمريكي. وهو يرى أن تنفيذ هذه الخطة قد يؤدي إلى مبادرة معظم دول العالم، سيما في العالمين العربي والإسلامي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل وسيكون من نتائج ذلك تحسين الوضع الإقتصادي الإسرائيلي جراء ذلك الإنفتاح وجذب مزيداً من الإستثمارات للدولة العبرية.
- وحسب مراقبين فإن من الأسباب التي تدفع أولمرت لتنفيذ خطة التجميع هو إعتبار الأخيرة إحدى صور خطة فك الإرتباط التي دشنها سلفه شارون وحظى بدعم أمريكي لتنفيذها وبالتالي فإن أولمرت يستند إلى رسالة الضمانات التي أودعها الرئيس الأمريكي جورج بوش لشارون وجاء فيها الموافقة الأمريكية للخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب من خلال ضم التجمعات الإستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وإقرار الإدارة الأمريكية بحق إسرائيل في عدم الإنسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو للعام 67.
طاقم لبلورة خطة التجميعحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ونقلاً عن مصادر حكومية إسرائيلية فإن طاقمًا مهنيًا مؤلفًا من المسؤولين في الوزرات المختلفة يسعى إلى بلورة خطة التجميع التي يقودها أيهود أولمرت. ويعمل الطاقم على تقدير المصروفات، وإيجاد الطرق القانونية لتطبيق الخطة والسعي إلى نيل إعتراف دولي بالحدود التي ستنسحب إليه إسرائيل. وحسب الصحيفة فإن هذا الطاقم عين على يد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أرييل شارون قبل نصف عام وعمل حتى الآن بشكل سري ويضم مدير وزارة القضاء، أهرون ابراموفيتش، مديرعام وزارة المالية يوسي باخر والقائم بأعمال المستشار القضائي للحكومة للشؤون الدولية شبيط متياسوتشير.وتشير المصادر أن أبراموفيتش وباخر أشغلا وظيفة مركزية أثناء تنفيذ خطة الإنسحاب عن قطاع غزة ومستوطنات شمال الضفة الغربية الصيف الماضي.ويذكر أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أعلنت في الأيام القليلة الماضية عن تعيين أبراموفيتش مديرًا عاماً لوزارة الخارجية الإسرائيلية. ويتوقع مراقبون أن تلقي ليفني على عاتقه ملف خطة "التجميع" كمهمة أساسية لفترة عمله.
التكلفة الاقتصادية لخطة أولمرت
تشير المعطيات المتوفرة أن التكلفة الإقتصادية لخطة التجميع ستتراوح ما بين 10 و25 مليار دولار، بينما أشارت مصادر أن تكلفة الإنسحاب من غزة بلغت ما بين 2 و3 مليارات دولار. ويرى مراقبون أنه و بالنظر إلى تأييد المجتمع الدولي المستمر لخطوات الإنسحاب من الضفة الغربية، فإنه ربما يتوصل إلى وسيلة للمساعدة في تحقيق خطة أولمرت من خلال تقديم منح أو قروض أو ضمانات قروض.
من يدعم الخطة؟
في الوقت الذي يسعى فيه أولمرت لإقناع الدول الغربية والعربية بجدوى خطته الجديدة من خلال حملة ترويجية لكسب المزيد من الدعم لخطة ترسيم الحدود بقرار أحادي الجانب،تتزايد الإشارت الى أن هذه الحملة لا تحقق نجاحاً محلياً أو دولياً على السواء.
- محلياً :تفيد إستطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً في إسرائيل حول موقف الرأي العام الإسرائيلي من الخطة بأن غالبية الإسرائيليين يعارضون قيام أولمرت بإنسحابات من الضفة الغربية ،فقد أشار إستطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة هآرتس" في الفترة الأخيرة بأن غالبية الإسرائيليين يعارضون خطة الإنسحاب الجزئي من الضفة الغربية وقال الإستطلاع أن 56% من الجمهور في إسرائيل يعارض خطة التجميع، وكما أعرب 37% ممن شملهم الإستطلاع عن تأييدهم للخطة، ورد 7% أنهم لا يعرفون. ولم تكن مفاجأة أن معظم مؤيدى الخطة هم ناخبو حزبا كاديما والعمل - أكبر أحزاب الائتلاف. في مقابل ذلك، رفض السواد الأعظم 83% من ناخبي حزب شاس الإنسحاب من الضفة الغربية كما يعتزم رئيس الوزراء إيهود أولمرت. ورغم ذلك، أعرب 51% من الجمهور عن إعتقادهم بأنه سيتم تنفيذ خطة التجميع، في حين رد32% بأنه لن يتم تنفيذها، وأجاب 17% بأنهم لا يعرفون، ورداً على السؤال عما إذا كان سيتم تنفيذ خطة التجميع أم لا، يعتقد أيضاً أشد المعارضين للخطة أنه سيتم تنفيذها.
الإستطلاع أعلاه يتقارب كثيراً مع مجمل الإستطلاعات التي تناولت "خطة أولمرت" وردود الفعل حولها وأظهرت وجود نسبة كبيرة من المستطلعة آراؤهم يعارضون الخطة؛ الأمر الذي جعل المراقبون يتسائلون عن سبب رفض هؤلاء لمثل هذه الخطة في الوقت الذي أبدوا تأييدهم لخطة الإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وأربع مستوطنات من الضفة الغربية قبل ذلك؟ وهل أن الشعب الإسرائيلي يرفض الخطة من قبيل أنها لا تساهم في تحقيق الأمن له أم أنه يتطلع إلى السلام وإعطاء فرصة للفلسطينيين.فما الذي تغير؟

يرى العديد من المحلليين بأن تأييد أو عدم تأييد الرأي العام الإسرائيلي لخطة "أولمرت" يعتمد على عدد من العوامل التي يأتي في مقدمتها "الأمن الإسرائيلي" بمعنى تأثير خطة التجميع على أمن إسرائيل، وهل تستطيع هذه الخطة أن تحافظ عليه أم لا؟إذ يرى مراقبون بأن مهمة أولمرت في إقناع الجمهور الإسرائيلي بخطته مهمة ليست بالسهلة سيما بعد الإعتقاد العام السائد داخل إسرائيل بأن خطة الإنسحاب التي نفذها شارون الصيف الماضي من قطاع غزة أفضت إلى نتائج لم تكن بحسبان الجمهور الإسرائيلي الذي رسمت له صورة مخالفة عما آلت إليه الأمور فيما بعد كالفوضى وعدم إستتباب الأمن، ويرى هؤلاء بأن إحدى العومل التي ساعدت حركة حماس بالوصول لسدة الحكم في السلطة هو الإنسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف الهجمات بصواريخ القسام ضد إسرائيل حيث أطلق ما يزيد عن 500 صاروخاً منذ الإنسحاب، بل أصبحت إسرائيل في خطر أكبر الآن.وإزاء ذلك يعتقد المحللون بأن موقف غالبية الرأي العام الإسرائيلي ترفض خطة التجميع من قبيل أنها لا يمكن أن تحافظ على أمنهم وإستقرارهم آخذين بعين الإعتبار بأن الإنسحاب من غزة لم يجعل إسرائيل أكثر أمناً، وإنما على العكس زاد من التهديدات الأمنية التي تواجهها.
أضف إلى ذلك أن مستوى تأييد المجتمع الإسرائيلي لخطة التجميع يعتمد على ما إذا كان سينجح أولمرت في كسب تأييد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أم لا؟وبالتالي المؤشرات لغاية الآن تشير إلى أن ثمة رفض دولي تقابل به خطة أولمرت . ويضاف إلى تلك العوامل ما إذا كانت ستظهر معارضة قوية من قبل المستوطنين وتنجح في كسب الرأي العام لصفها أم لا؟ إذ تشير تحليلات الصحف الإسرائيلية بأن معارضة المستوطنين لم تشكل عاملاً حاسماً في صياغة الرأي العام الإسرائيلي إزاء خطة شارون للإنسحاب من قطاع غزة، وأن الأمر قد يختلف تماماً مع الضفة الغربية نظراً للمناطق التي تحمل أهمية "توراتية" بها والعدد الكبير للمستوطنين الذين من المقرر إجلاؤهم.من جانبهم، يدرك المستوطنون تماماً أنهم في مواجهة قرار صعب، وربما يشعرون أنهم أبدوا ضعفاً جعل من اليسير للغاية ترحيلهم عن غزة ومن ناحية أخرى فإن الحكومة الإسرائيلية سبق أن تعرضت لإنتقادات شديدة بسبب سوء تعاملها عند الانسحاب من غزة، وهو ما يستغله المستوطنون في التأكيد على أنه من غير العملي الإنسحاب من المزيد من المناطق. ومن بين العوامل أيضاً التي يرى فيها محللون بأنها شكلت عاملاً مهماً في عدم تأييد الجمهور الإسرائيلي خطة التجميع هي قدرة أولمرت على ملئ الفراغ الذي سببه غياب سلفه شارون والتي لازالت محل شكوك قطاعات واسعة لدى الجمهور الإسرائيلي.
* ولكن ماذا عن موقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي تتكون من الجيش والشاباك والموساد والشرطة؟المعطيات تشير إلى أن هناك تبايناً واضحاً في مواقف هذه المؤسسات من خطة التجميع. وعلى ما يبدو فإنه بإستثناء بعض القيادات في المؤسسة الأمنية فإن قيادة الجيش، وقيادة الموساد تؤيد تنفيذ هذه الخطة لإعتقادهم بأن تنفيذها يعني تحسين قدرة إسرائيل على إدارة الصراع في مواجهة الشعب الفلسطيني، وذلك لأن الخطة تؤدي إلى تقليص الاحتكاك بين قوات الجيش الإسرائيلي والمدنيين الفلسطينيين، وبالتالي تخليص الجيش من المهام التي تقوم بها الشرطة في كل أرجاء العالم. وبتقدير هؤلاء فإن الخطة ستقلل من الأعباء والمهام التي تقع على الجيش كحراسة المستوطنين والمستوطنات التي ستُضم بفعل الخطة لإسرائيل، وهذا يعني إعطاء وقت أكبر للوحدات المقاتلة للتدرب والإستعداد لمواجهات مستقبلية. وينطلق المؤيدون للخطة من الإعتبار الإقتصادي إذ أن تنفيذ هذه الخطة يعني توجيه الكثير من الموازنات الخاصة بالجيش لتمويل منظومات هجومية ودفاعية.بالمقابل هناك من لا يبدى تحمساً لتأييد خطة أولمرت.فمقابل الجيش والموساد هناك جهاز الشاباك الذي يتردد لتنفيذ الخطة، حيث أن هذا الجهاز يرى أنه سيكون هو الأكثر تضرراً من تطبيق الخطة على إعتبار أنه سيجد صعوبة في تجنيد المزيد من المصادر الإستخبارية من بين الفلسطينيين بعد الخروج من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية،و بشكل عام يرى الشاباك أن تنفيذ الخطوات أحادية الجانب يعمل على تعزيز الشعور بالنصر في الوعي الجمعي للفلسطينيين، كما حدث بعد تنفيذ خطة فك الإرتباط، الأمر الذي يعني بالنسبة لقيادة الشاباك أنه سيغري الفلسطينيين لمواصلة عمليات المقاومة وتكثيفها بعد تنفيذ الخطة. أما الشرطة الإسرائيلية فتتحفظ على الخطة بسبب تخوفها من ردة فعل المستوطنين. وتنطلق قيادة الشرطة من إفتراض مفاده أن المستوطنين ينظرون للإستيطان في الضفة الغربية كأمر مقدس يتوجب التشبث به ومحاولة إحباط الإخلاء بكل السبل. من هنا فإن قيادة الشرطة وإلى حد ما قيادة الشاباك تتخوفان من ردات فعل قاسية للمستوطنين.

من جهته يرى غيورا آيلاند رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الشابق أن خطة التجميع تثير عدة معضلات أمنية وسياسية وفي حال إنسحبت إسرائيل من غور الأردن فإن ذلك سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في الأردن ولن تؤدي إلى إستقرار العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين لأنها لن تحل الصراع.وأضاف أن "خطة التجميع تهدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن ومصر والأردن وعدد من الدول العربية وفي المقابل تعطي الأوكسجين لحركة حماس وهي الجهة الوحيدة التي لا تخشى خطة التجميع وهذا يعني أن ثمة إلتقاء مصالح بين حكومة إسرائيل وحماس".

أما الجنرال المتقاعد إيلان باز، الرئيس السابق للإدارة المدنية بالضفة الغربية، صرح مؤخراً أنه لا يرى إمكانية حقيقية لتنفيذ خطة التجميع حتى بعد عشرين عاماً. ففي مقابلة لصحيفة هآرتس الإسرائيلية في 13/5/2006 قال "أنه لا يمكن نقل المسؤولية عن المناطق التي تخليها إسرائيل، إلى قوة معادية دون أن يؤدي ذلك لمزيد من القتال والفوضى، إذا لم ننقل المناطق إلى قوة سياسية لها مصلحة مشتركة في الوصول لإتفاق على أساس إقامة دولتين حسب حدود 67، فستخرج الأمور عن السيطرة، من يستطيع أن يضمن لنا ألا تسقط صواريخ القسام على مدينة كفار سابا؟ ليس هناك جدار قادر على نقل الفلسطنيين في الضفة، وحتى في غزة، للطرف الثاني من الكرة الأرضية. حتى جدار على إرتفاع 80 متراً، لن يمنع وصول الصواريخ وقذائف الهاون". وبصورة مغايرة لهذا الطرح يرى آفي ديختر، أحد جنرالات الإستخبارات الكبار في حزب كاديما، بإن ما سيجري هو "فك ارتباط مدني" وليس عسكري، والسبب في رأيه هو عدم وجود "شريك يكافح الإرهاب".
* أمريكياً: قام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارته الأولى للولايات المتحدة في الفترة من 24 إلى 27 مايو 2006، لأجل حشد الدعم الأمريكي لخطته الجديدة،وعلى ما يبدو فإن الموقف الأمريكي كان مرحباً ومباركاً للخطة بعيد الإعلان عنها. إذ صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بأن عدم رغبة حماس في التفاوض مع الإسرائيليين يجبر الولايات المتحدة على تأييد الخطة الإسرائيلية.وكانت قد كشفت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية مؤخراً بأن الادارة الامريكية أبلغت الحكومة الإسرائيلية بأنها تؤيد خطة التجميع أو الإنطواء التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، والقاضية بتنفيذ إسرائيل إنسحابات أحادية الجانب من الضفة الغربية وترسيم حدود إسرائيل النهائية، مع ذلك قال مسؤولون أمريكيون وصفتهم الصحيفة بأنهم رفيعو المستوي في جلسات مغلقة أمام إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، لن تعترف بأن هذه الحدود هي الحدود الدائمة لدولة إسرائيل.إلا أن الرسائل التي تصل تل أبيب من الإدارة الأمريكية حالياً تفيد بأن الإدارة تدفع بإتجاه إجراء مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعدة شهور قبل أن تتوجه إسرائيل لتنفيذ خطوات أحادية الجانب.وعليه فإن مجمل الموقف الأمريكي من خطة أولمرت غير محدد ويتخبط بين داعم و حذر و في النهايه فان الإمريكان عندهم ملفات أهم على طاولة البحث و هي الملف النوي الإيراني و الملف العراقي.* أوروبياً : تشير المصادر الصحفية الإسرائيلية إلى أن أوروبا ليست متحمسة لخطة أولمرت، بل تدعوه إلى إطلاق مفاوضات جدية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس لغرض تدعيم مكانته في مواجهة حكومة حماس. وقد صرح سفير الإتحاد الأوروبي في تل أبيب رميرو سيبريان اوزل في مقابلة مع صحيفة معاريف الإسرائيلية أنه من الصعب على المجتمع الدولي الموافقة على ترسيم الحدود الدائمة بشكل أحادي الجانب.ويرى بعض المراقبين أن الموقف الأوروبي المتحفظ كان وراء عدم إعلان الرئيس جورج بوش بشكل واضح تبنيه الخطة لرغبته في عدم إثارة دول الإتحاد الأوروبي التي يريد أن تدعم سياسته من إيران.*أردنياً ومصرياً: ما إن بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت الترويج لخطته حتى نشطت الدبلوماسية الأردنية والمصرية لقطع الطريق عليه، إذ بدأ الأردن ومصر تحركاً على الصعيدين الإقليمي والدولي لإطلاق مبادرة تقطع الطريق على خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي التي تتضمن حلاً أحادي الجانب من خلال الفصل بين اسرائيل والفلسطينيين يتيح لإسرائيل الإستمرار في برنامجها الإستيطاني ومواصلة بناء الجدار العازل. وحسب المصادر السياسية الأردنية فإن الملك الأردني عبد الله الثاني كان قد أطلع الرئيس الأميركي جورج بوش خلال لقائه به في واشنطن مؤخراً على المبادرة التي تقوم على رفض خطة أولمرت وإستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين على أساس خريطة الطريق التي أقرها المجتمع الدولي من خلال اللجنة الرباعية (الإتحاد الإوروبي وروسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة) ومبادرة السلام العربية التي إقترحتها المملكة العربية السعودية وتبنتها مؤتمرات القمة العربية منذ قمة بيروت عام 2002. وبين الأردن للأميركين مخاطر الحل أحادي الجانب الذي تعتزم إسرائيل تنفيذه، خاصة في ما يتعلق ببناء الجدار العازل الذي سيلتهم مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية ويفرغها من سكانها الذين قد لا يجدون ملجأ إلا الأردن. وأشارت المصادر إلى أن العاهل الأردني أطلع الرئيس المصري حسني مبارك على نتائج زيارته للولايات المتحدة ومباحثاته مع الرئيس بوش خلال لقائهما في منتجع شرم الشيخ أخيراً. وتنطلق المبادرة من رفض الشعار الذي تطرحه إسرائيل بعدم وجود شريك فلسطيني في عملية السلام.و ذكرت مصادر سياسية إسرائيلية وصفت بإنها رفيعة المستوى أن المملكة الأردنية الهاشمية، تعارض تنفيذ خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، لأن من شأن تنفيذها تقوية حركة المقاومة الإسلامية (حماس).وحسب صحيفة معاريف الإسرائيلية 9/6/2006 ذكرت أن لقاء أولمرت مع العاهل الأردني الملك عبدالله في عمان يوم 8/6، لم يسفر عن ردم الهوة بين موقفيهما من الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب، وهو ما إضطر أولمرت إلى عدم ذكر خطة تجميع المستوطنات في البيان الذي ألقاه أمام الصحافيين منعاً للدخول في نقاش علني مع ضيفه.وأضافت الصحيفة أن إستقبال الأردن لرئيس الحكومة الإسرائيلية عكس غضب المملكة من خطة أولمرت لتجميع المستوطنات، وذكرت أن العاهل الأردني لم يكن في إستقبال أولمرت لدى وصوله، واكتفى بإيفاد رئيس حكومته معروف البخيت.*فلسطينياً :حذرت الرئاسة والحكومة الفلسطينية من عواقب تحول خطة أولمرت إلى ترجمة ملموسة على الإرض معتبرين أن هذه الخطة تنطوي على مخاطر كبيرة على حياة الفلسطينيين وقضيتهم وتقويض أي فرص لإقامة الدولة الفلسطينية وينبغى مجابهتها . الموقف الرسمي والشعبي الفلسطيني يرفض هذه الخطة معتبراً إياها لا تهدف فقط إلى الاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية وتهويد القدس وإلتهام منطقة الأغوار برمتها بل تهدف أيضاً إلى الاستيلاء على مستقبل الشعب الفلسطيني وتدمير حقه في تقرير مصيره وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. *موقف باحثيين إستراتيجيين من الخطة : أثار العديد من الباحثين والمحللين السياسيين والإستراتيجيين العديد من الأسئلة والتساؤلات حول النجاحات والإخفاقات التي قد تواجه خطة أولمرت وتباينت الآراء حول ضرورتها من عدمه للحفاظ على أمن إسرائيل ،فهذا "دافيد ماكوفسكي"، زميل ومدير مشروع عملية السلام بالشرق الأوسط بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يضع رؤية أولية وتقييما مبكراً لخطة الإنسحاب الإسرائيلي من أجزاء في الضفة الغربية، في دراسة له جاءت بعنوان "خيار أولمرت الأحادي.. تقييم أولي" مطلع شهر مايو 2006 وقد خلص فيها الباحث إلى أن خطة "أولمرت" لفك الإرتباط بالضفة الغربية تعد تاريخية لأنها ستنهي تواجد المستوطنين الإسرائيليين في غالبية مناطق الضفة الغربية، وتعد تطبيقا آخر للتغيير الجوهري الذي طرأ على السياسة الإسرائيلية منذ الفترة اللاحقة لحرب عام 1967.إلا أنه يرى بالمقابل بأن هذا الإخلاء والإنسحاب من جانب واحد، لن يضع في حد ذاته نهاية الصراع بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، لكنه سيحد منه بصورة تزيد من احتمالات التوصل إلى تسوية تدريجية في المستقبل، ويقلل بدرجة كبيرة من نطاق الصراع بحيث ترسي على الأقل الأساس اللازم لإقرار تسوية قائمة على وجود دولتين بالمنطقة، رغم أنه من غير المؤكد على الإطلاق ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي سيتبعه على الفور قيام دولة فلسطينية، وذلك مشروط فقط بأن يتم التعامل مع الخطة بصورة صحيحة. أما في حالة التعامل معها بأسلوب خاطئ، فقد تسفر الخطوات الأحادية عن مزيد من زعزعة الإستقرار.أما ديفيد ماكوفسكي، وروبرت ماللي، وستيفن شبيغل الباحثون في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى رأوا بأن الإنسحاب الإسرائيلي يأتي نتيجة فشل محاولات (إسرائيل) جر السلطة لمحاربة الفصائل الفلسطينية المسلحة، إضافة إلى عاملي الإقتصاد والديموغرافيا. فيما يرى مارتن إنديك، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل والباحث في معهد بروكينغز للدراسات، أن خطة أولمرت تعود بشكل أساسي إلى فشل إتفاقيات أوسلو وإلى عدم رغبة إسرائيل في الانسحاب من القدس الشرقية وعودة اللاجئين الفلسطينيين.من جهته يرى أرييل كوهين الباحث في مؤسسة كارينغي لأبحاث السلام أن "التخلي عن أرض الميعاد التاريخية سيؤدي إلى إنسحاب إسرائيل من مرتفعات الضفة الغربية ومن ثم إلى وقوعها بأيدي حماس مما يعرض الساحل الإسرائيلي والتجمعات السكنية الكبرى ومطار بن غوريون الدولي للخطر الدائم. وأشار الباحث إلى أن الإنسحاب من غزة لم يؤدِ إلى وقف إطلاق النار من جانب الفلسطينيين".

ونتيجة المعارضة المحلية والإقليمية والدولية التي قوبلت بها خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت ،أفادت التقارير الصحفية الواردة من تل أبيب بأن أولمرت قرر مراجعة خطته بعد الإنتقادات التي صدرت عن الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والأردن ومصر للخطة الأحادية،وحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية الصادرة في 13/6/2006 والتي كشفت النقاب عن أن أولمرت بدأ إدخال تعديلات على خطته عبر إشراك الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تنفيذها وذلك كما أشار الصحافي الإسرائيلي عكيفا الدار.وتشير المعطيات بأن التعديلات التي أدخلت على الخطة تقتضي إقتراح إسرائيل على أبو مازن التوصل إلى إتفاق يقضي بقيام دولة فلسطينية في حدود مؤقتة تلامس الجدار الفاصل التي تقوم إسرائيل بتتفيذه ،إذ تبقي الخطة المعدلة بأيدي الفلسطينيين ما يقارب 90% من مساحة الضفة الغربية وبضمن ذلك غور الأردن إلا أن إسرائيل قد تبقي الأخير تحت سيطرتها الأمنية أو من خلال تواجد قوات حفظ سلام دولية في هذا الشريط لفترة محدودة.وحسب الصحافي إلدار فإن أولمرت سيقوم بعرض خطته الجديدة والمعدلة على أبو مازن بعد إجراء الإستفتاء العام الفلسطيني على وثيقة الأسرى في السادس والعشرين من شهر تموز القادم.
خلاصة
ثمة ما يشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت ماضي قدماً في تنفيذ خطته المسماه "الإنطواء أو التجميع" إلا أن الحملة الترويجية التي يقوم بها لتسويق خطته لا تتعدى حالياً كونها"بالونات إختبار" يريد بثها من حوله لمعرفة ردود الأفعال في داخل حكومته والرأي العام الإسرائيلي أولاً، و لدى الإداره الأمريكيه والمجتمع الدولي ثانياً.ولغاية الآن لم يجد أولمرت من يصفق له ولخطته بالشكل الجدي الذي يريده ويطمح إليه؛لذا قام بإجراء تعديل على بعض بنودها بحيث يحول الخطة من أحادية الجانب إلى ثنائية الجانب من خلال إشراك الرئيس الفلسطيني أبو مازن بتنفيذها معه وذلك لكسب التأييد المحلي والإقليمي والدولي بحيث يتمكن أولمرت من المضي قدماً في تنفيذ خطته التي أحدثت إنقسامات داخل الشارع الإسرائيلي وداخل النخب الحاكمة أيضاً.فعلى الرغم من أن هناك من أثنى على الخطة وحث على المزيد من الخطوات الإحادية إلا أن الأغلبية إعتبر بأنها تضر بإسرائيل وأمنها ومستقبلها سيما تلك الدوائر المرتبطة بصنع القرار السياسي في إسرائيل مشيرين إلى أن الخطوات أحادية الجانب تعني أن مستقبل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيظل مفتوحاً على كل الإحتمالات،وإلى جانب هذا الإتجاه السائد في إسرائيل يبقى الموقف الأمريكي الذي يراهن عليه أولمرت في إخراج خطته إلى الواقع موقفاً متردداً في إعطاء الحكومة الإسرائيلية الضوء الإخضر للبدء بتنفيذ الخطة. إلا أنه لا يمكن لأحد الجزم خاصة بعد التقارير التي تشير إلى قيام ألمرت بإجراء تعديلات على خطته، من أن تحظى خطة أولمرت بصيغتها الجديدة بدعم ومباركة أمريكية، سيما إذا ما إستمرت إسرائيل بما تدعيه من عدم وجود شريك فلسطيني ووجود حماس على رأس الحكومة التي ترفض الإعتراف بإسرائيل والتي ستسغلها الأخيرة لتمرير خططها الأحادية .وما يجدر ذكره أيضاً هو أنه إذا صحت تسريبات ديوان رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الإسرائيلية من أن حكومة أولمرت ستعرض خطة الإنطواء المعدلة على أبو مازن بعد إجراء الإستفتاء العام الفلسطيني على وثيقة الأسرى في 26 تموز القادم وما ستؤول إليه نتائج ذلك الإستطلاع فإنه يتوجب على السلطة الفلسطينية شعباً ورئاسة وحكومة العمل بشكل جدي للتصدي للمخطط الإسرائيلي الأحادي الجانب الذي يتربص لتصفية المشروع الفلسطيني مع الأخذ بعين الإعتبار بأن عملية التصدي لخطة أولمرت لا يمكن أن تؤتي أوكلها و ثمارها وتنجح بدون توحيد وترتيب المشهد الفلسطيني الداخلي بكل عناصره ومكوناته والذي يعد الأخير حالياً تربة خصبة لتمرير وتبرير والبدء بتنفيذ الخطط الإسرائيلية أحادية الجانب وأحد أشكالها ما يعرف بخطة الإنطواء.
باحث في مركز القدس للدراسات السياسية