A+ A-
إدماج الإسلاميين في السياسة العربية: الفرص، التحديات، العوائق
2006-05-28
استهلال
ترسّخت لدى تيار واسع من الخبراء والسياسيين الغربيين والأميركيين - على وجه الخصوص- قناعة فحواها أنّ إصلاح العالم العربي ضرورة ملحة لمواجهة جماعات الإسلام المسلّح التي باتت تلعب دورا عالميا وتخوض حربا واسعة مع الولايات المتحدة وحلفائها من الدول والحكومات الغربية.
ونظرا لأنّ التيار الليبرالي العربي لا يزال ضعيفا وغير قادر على المنافسة السياسية في الانتخابات، في حين تتصدر الأحزاب والحركات الإسلامية الساحة الشعبية والسياسية، فإن التعامل مع الحركات الإسلامية إما أن يتم على قاعدة الإلغاء والإقصاء، كما هو حال العديد من الدول العربية، من ثم سيكون الحديث عن الإصلاح مجرد حديث شكلي غير واقعي، وإما أن يتم القبول بالإسلاميين في اللعبة السياسية. الاحتمال الأول لا يعني تغيرا ملموسا على الأوضاع السياسية الحالية، لكن محصلته المنطقية تخلي العالم الغربي عن دعوته للإصلاح السياسي بكل معانيها، أما الاحتمال الثاني فمعناه كسر المعادلة التاريخية التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين النظم العربية ذلكم "تحالف المصالح" على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة..
للحظات استثنائية بدا وكأننا أمام معادلة جديدة بالفعل؛ الشراكة الشرق أوسطية، دعوات أميركية باتجاه الديمقراطية والإصلاح وتبني غربي لمطالب طيف واسع من المعارضة السياسية العربية..، وقد ترافق ذلك مع احتلال العراق، فتعزز حضور حركات معارضة عربية لم تكن لتكسب مساحة على الأرض لولا "التحول المؤقت" في العامل الخارجي.
لم توفر الحركات الإسلامية - بدورها- الفرصة فتنفست الصعداء، وقدمت مبادرات للإصلاح وشعرت أنّ بإمكانها الخروج من قمقم حالة "الطوارئ" التاريخية، لتجد دورها السياسي الذي قد يصل إلى مرحلة استلام الحكم في بعض الدول أو تشكيل الحكومات.
إلاّ أنّ "لحظة الانفراج" لم تدم طويلا، إذ يبدو أنّ هنالك مراجعات على صعيد مراكز الخبرة وصنع القرار في الولايات المتحدة حول جدوى الدعوة إلى الإصلاح والقبول بالحركات الإسلامية في ضوء العديد من المتغيرات الإقليمية وما يتعلق بها من تداعيات أمنية ذات أبعاد استراتيجية.
الغموض الحالي في الموقف الأميركي من دعوة الإصلاح ومن الحركات الإسلامية، لا يعني البتة العودة إلى ما كان عليه الأمر، وإرجاع الكرة إلى ملعب الحكومات العربية كي تحدد هي فيما إذا كانت ستسمح بمشاركة محدودة للحركات الإسلامية أم أنها ستفضل سلامة الرأس وتقمعها بلا رحمة. فلا يزال الموقف الأوروبي أكثر مرونة وحرصا على إدماج الإسلاميين، بما يلتقي مع ضرورة عربية داخلية صارت ملحة؛ تتمثل بتجاوز معضلة "البديل الإسلامي" الذي بات ذريعة الحكومات العربية لتأجيل استحقاق الإصلاح والتغيير، فالقبول بالإسلاميين في اللعبة أو قبول الإسلاميين باللعبة الديمقراطية سيساعد في إزالة حالة الجمود السياسي العربي وبتحريك المياه الراكدة لعلّ القادم يكون أفضل من السابق.
من زاوية أخرى لا تبدو حركات المعارضة العربية، على رغم هذه المرحلة العصيبة من استئساد الحكومات عليها في دمشق والقاهرة، وشد الحبل في عواصم أخرى، على استعداد للعودة إلى الوراء، فحركة كفاية لا تزال تقاوم وتناضل وتمثل حركة القضاة اليوم دليلا مؤثرا على دافعية الإصلاح السياسي، بينما قوى المجتمع المدني السوري تصر على خطابها وحقها في الوجود، وهكذا دواليك، ويبدو أن ما يحدث اليوم في الكويت من صعود حركة المعارضة البرلمانية التي تطالب بإصلاح حقيقي، ثم حل البرلمان مؤشر آخر على أنّ المعركة غير محسومة بعد.
إذن، إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية العربية يأتي في سياق إدراك داخلي وخارجي لأهمية الإصلاح السياسي وضرورته من ناحية وعدم القدرة على تجاوز نفوذ الإسلاميين وحضورهم في الشارع من ناحية أخرى.
يبقى هنالك سؤالان؛ الأول حول مواصفات وشروط الحركات الإسلامية التي يمكن أن تشارك في اللعبة السياسية وهو ما بات يطلق عليه في بعض الأدبيات الغربية "الشريك الإسلامي". والثاني حول صيغة الإدماج والمشاركة هل هي الإحلال "البديل الإسلامي" الذي يخلف النظام العربي (إسلاميو العراق) أم بقاء النظام مع السماح للإسلاميين بلعب دور مهمين ورئيس كتشكيل الحكومة (حماس والعدالة والتنمية التركي) أم مشاركة سياسية فاعلة دون الإمساك بمفاصل السلطة والحكم (الأردن، مصر، الكويت، المغرب ..).
سنحاول في هذه الورقة الاقتراب من هذا الموضوع الشائك سعيا إلى بناء مقاربة أولية تمثل "تقدير موقف" يسمح لنا بقراءة الحال الراهن من خلال دراسة مواقف الأطراف الرئيسة: الإسلاميين، الحكومات العربية، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. في حين تقوم الورقة على عدة فرضيات رئيسة:
- هنالك فرص متعددة لإدماج الإسلاميين في الحياة السياسية منها موقف دولي جديد فيه مظنة القبول بالإسلاميين بشروط وحالات معينة، مما يكسر الفيتو الخارجي- التاريخي على وصول الحركات الإسلامية للسلطة. يقترن ذلك بضعف النظام السياسي العربي راهناً وعدم قدرته على تجديد شرعيته ومؤسساته وآلياته.
- التحدي الرئيس يكمن في مدى قدرة الحركات الإسلامية على تطوير خطابها وممارساتها بما يسمح لها أن تكون قوة حقيقية دافعة باتجاه الإصلاح والديمقراطية، وهو ما يعني تجاوز المناطق الرمادية في مواقفها السابقة وحسم خياراتها الفكرية والسياسية.
- أبرز المعوقات تتمثل بطبيعة النظام العربي وضعف المؤشرات على قدرته على تحقيق الإصلاح المطلوب والتخلي عن سماته الحالية بفتح المجال أمام ديمقراطية حقيقية. ومن المعوقات أيضا إسرائيل التي تقف على حالة من العداء مع أغلب الحركات الإسلامية ما يجعل من القبول المتبادل بين الإسلاميين والولايات المتحدة مرتبطا بحل القضية الفلسطينية بما يرضي الأطراف المختلفة، وهو ما يمثل صعوبة بالغة.
تحولات الموقف الغربي
نفضل البدء بالموقف الغربي، إذ أنه بمثابة "المحفز" أو المتغير الذي تحرّك في الفترة الأخيرة دافعا إلى طرح قضية الإصلاح ومعها سؤال الإسلام السياسي على الساحة العربية. ومن المعروف أنّ الموقف الغربي خلال الحرب البادرة إلى أحداث أيلول اتسم بغلبة مقولات "المدرسة الواقعية" أي تفضيل المصالح الاستراتيجية على شواغل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وما يرتبط بها.
في المقابل كان هناك موقف سلبي من الحركات الإسلامية مبنيا على عوامل متعددة في مقدمتها "الصورة النمطية" التي تجعل من هذه الحركات معادلاً ثقافيا نقيضا للقيم والثقافة الغربية، مصحوبة بمنظور سياسي لا يرى في هذه الحركات إلا عدوا محتملاً، وقد تأثر هذا الموقف بأحداث تاريخية كبيرة كاغتيال السادات 1979 والثورة الإيرانية 1981.[1]
صحيح أنّ الولايات المتحدة عملت على توظيف الحركات الإسلامية في عهد الرئيس ريغان لاحتواء المد الشيوعي في أفغانستان وزودتهم بالدعم اللوجستي والمالي والإعلامي، إلاّ أنّها مرحلة وظيفية مؤقتة انتهت مع نهاية الحرب الباردة، بل يرى عدد من الباحثين والخبراء الأميركيين أنّ تيارا واسعا في الفكر الاستراتيجي الأميركي كان يرى إحلال الخطر الأخضر محل الخطر الأحمر، على فرضية أنّ الإسلاميين هم بمثابة "العدو" المرشح بأن يرث الشيوعية ويسد الفراغ – في مصادر التهديد- الذي خلفه انهيار الكتلة الشرقية[2].
لم تكن مصادر قوة الحركات الإسلامية تساعد كثيرا على القبول بفرضية "العدو البديل" تلك. ويرى الباحث الاستراتيجي روبرت ساتلوف أنّ الولايات المتحدة حددت سياستها تجاه الحركات الإسلامية - في السنوات السابقة- من خلال الاعتماد على "النظم العربية" تاركة الباب مفتوحا لهذه النظم كي تقرر الاستراتيجية الأنسب في التعامل مع الإسلاميين[3]. بيد أنّ ثمة مقاربات فكرية وسياسية كانت تعزز دوما مصادر العداء للحركات الإسلامية وتحرِّض باتجاه المواجهة المحتملة بين الغرب والعالم الإسلامي، ومن ذلك كتاب "صدام الحضارات" المعروف لصموئيل هانتنجتون.
النصف الثاني من التسعينات شهد صعود الإسلام المسلح عالميا، المرموز له بتنظيم القاعدة، وتمخضت جملة من السجالات الأمنية والعسكرية بين الولايات المتحدة والقاعدة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن هذه الأحداث دفعت بمسار مناقض للتيار المتشدد تجاه الحركات الإسلامية في السياسة الأميركية، إذ صعد إدراك سياسي أميركي، تغلغل في مراكز الدراسات وقبلت به الإدارة الأميركية وجعلته محور رؤيتها للشرق الأوسط, إذ صعد إدراك سياسي أميركي، تغلغل في مراكز الدراسات وقبلت به الإدارة الأميركية وجعلته محور رؤيتها للشرق الأوسط، يقوم هذا الإدراك على أن القاعدة هي نتاج الأزمات الداخلية العربية، بامتياز، وأنها، أي القاعدة، بمثابة "الكرة الملتهبة" التي ألقت بها الحكومات العربية في وجه العالم الغربي، وبالتحديد الولايات المتحدة، وأن السلاح الأنجع في مواجهة الإرهاب هو رمي الكرة مرة أخرى إلى الملعب العربي، والقيام بضغوطات حقيقية من أجل تغيير الأوضاع، من هنا برزت أفكار "مبادرة الشراكة الأوسطية" و"الشرق الأوسط الكبير" ومن ثم "الموسع"[4].يمكن أن يقال الكثير في مدى جدية قناعة الولايات المتحدة والعالم الغربي بأهمية وضرورة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، بل لقد قيل؛ أنّ الضغوط الأميركية تجاه الإصلاح ما هي إلاّ تجميل أيدولوجي لعملية ابتزاز وضغوطات لإجبار العالم العربي على الالتزام الكامل بالإرادة والهيمنة الأميركية، على قاعدة "من دخل بيت العم سام – الطاعة- فهو آمن"، أمّا من يكابر فلن يكون مصيره إلا كصدام حسين.
قبل مناقشة هذه الرؤية – عدم جدية الدعوة الأميركية للإصلاح- لا بد من الوقوف عند بعض "النصوص" الأميركية..
يقول مارتن أنديك: ".. إن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط هو دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها، إن هذه النظم فضّلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا"[5]. أما بيرنز فيرى في مقاله ":سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط في السنوات المقبلة" (الحياة 4 كانون الأول 2002) "إننا نشجع التغييرات البنيوية بعيدة المدى"، ويرى زيغنو بريجنسكي في دراسته "السياسة الخارجية الأمريكية: تحديات القيادة في القرن الحادي والعشرين" أن: "..الحكومات الفاشلة هي التربة الرئيسة التي تولد التطرف الإسلامي، والسياسات الخاطئة لهذه الحكومات هي التهديد الرئيسي لمصالحنا الاستراتيجية، وقد فشلت الحكومات والأحزاب العلمانية في توفير أنماط مستقرة للتنمية الاقتصادية والبنية الأساسية اللازمة لإجراء تغيير اجتماعي ضخم"[6].
ويتفق معهم وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولن باول: " ليس بمقدور الولايات المتحدة أن تكسب الحرب على الإرهاب، ما لم نواجه الجذور الاجتماعية والسياسية للفقر إننا نريد تقديم الأفراد للعدالة إذا ارتكبوا أعمالا إرهابية ولكننا أيضا نريد أن نوفر للناس العدالة، إننا نريد مساعدة الآخرين للحصول على حكم تمثيلي يوفر الفرصة والعدل. نريد تحرير الروح الإنسانية لكي تتمكن روح المشاريع الحرة والاستثمار والتجارة من الازدهار. إن هذا الهدف هو المتطلب الاجتماعي والسياسي الذي لا غنى عنه للتنمية المطردة، إنه الوسيلة التي نستطيع بها اجتثاث البنى التحتية الاجتماعية الداعمة للإرهاب"[7].
الهدف من حشد النصوص السابقة، لعدد من المنظرين البارزين في السياسة الخارجية الأميركية، أن نتفق معاً على أنّ هناك "مراجعة جذرية" حقيقية جرت للسياسة الأميركية الخارجية تجاه العالم العربي والإسلامي بعد أحداث أيلول. وإذا كان هناك ابتعاد أميركي عن مناقشة "السياسة تجاه إسرائيل"، فإنّ ما هو واضح أن الخطاب السياسي الأميركي تجاه الحكومات العربية أصبح ذا طابع ثوري انقلابي يدعو إلى "إصلاحات بنيوية"، وقد ظهر ذلك جليا في الوثائق الرسمية الأميركية، التي تحدثت صراحة عن ضرورة التغيير الشامل في الشرق الأوسط، فوثيقة الشراكة الشرق- أوسطية تؤكد على أنّ "أي معالجة للشرق الأوسط تتجاهل تخلفه السياسي والاقتصادي والتعليمي ستكون مبنية على رمال"[8].
إذن، بناء على النصوص والوثائق والخطابات، لم تكن قضية الضغوط الأميركية من أجل الديمقراطية مجرد حالة "ابتزاز" بل كانت حقيقة، وقد مرّت فترة عصيبة على النظم العربية خالت فيها أنّ نهايتها قد أوشكت، فلا مشروعية خارجية ولا إنجازات داخلية، مع ترافق صعود حركات المعارضة العربية النشيطة والعنيدة، كل هذه المؤشرات والظروف حملت في طياتها رياح الإصلاح والتغيير[9].
أمّا معضلة "البديل الإسلامي" التي طالما جعلتها النظم العربية ذريعة لعدم القيام بإصلاحات سياسية بنيوية، فرأى عدد من السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين أن السياسة الخارجية الأميركية قد تخطتها، وأنه لا مانع لديها من وصول إسلاميين إلى الحكم. ووفقا لهذه الرؤية فإن على الإسلاميين الذين يصلون إلى الحكم أن يختاروا بين طريقين، الأول الواقعية والتخلي عن شعاراتهم وهذا سيخلق مساحة واسعة مشتركة لتبادل المصالح بين الولايات المتحدة هذه القوى، والثاني الإصرار على الشعارات، وعند ذلك ستفشل هذه الحركات ويظهر للجماهير العربية أنّها صاحبة شعارات غير واقعية، فتنفض عنها الشعوب، وتكسر شوكة الإسلاميين في المجتمعات مما يمهد الطريق لقوى أخرى أكثر واقعية وليبرالية[10].
إلاّ أنّ هذه اللحظة التاريخية كانت بمثابة إشراقة "استثنائية" في تاريخ المنطقة، على الرغم من كل الأمال التي عقدت عليها، لم تدم طويلاً، وتوقف الحديث الغربي عن "الربيع الديمقراطي العربي القادم"، إذ بدأ المشهد العراقي يتدهور ويتحول إلى مأزق حقيقي للإدارة الأميركية، في المقابل ظهرت أزمة المشروع النووي الإيراني وتفكك التحالف الدولي المؤيد للولايات المتحدة، وبرز محور الصين- روسيا في مواجهة الأحادية الأميركية، هذه التطورات أدت بالإدارة الأميركية باتجاه إعادة ترميم تحالفاتها مع الدول العربية، ما دفع بقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى الوراء مرة أخرى مقابل حسابات المصالح الاستراتيجية والأمنية.
عادت السياسة الأميركية- الشرق أوسطية، في ضوء الاخفاقات الأخيرة، تقفز إلى واجهة المناظرات في واشنطن، وتلخص وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت طبيعة هذه المناظرة في التنافس بين فريقين؛ المثاليين والواقعيين. لتصل إلى القول أن المعركة لم تحسم بعد وأنّ " السجال بين المثالية والواقعية في السياسة الخارجية يتحرك ذهابا وإيابا مثل بندول الساعة لأنّ التطرف في المثالية ليس قابلا للاستمرار"[11]. هذا التردد في الموقف الأميركي خلق حالة من الجمود في الضغوط الأميركية، ويرى لافرانشي (محرر الشؤون الخارجية في صحيفة كريستيان سيانس مونيتور) أن "التغيير الذي ميّز الخطاب الأميركي مؤخرا مستترا وضمنيا".
ربما تراجعت الضغوط الأميركية في نشر الديمقراطية هذا صحيح، ومرشحة خلال الأعوام القادمة أن تتلاشى. إلاّ أن إشكالية "الشريك الإسلامي" لا تزال قائمة، فهنالك تياران رئيسان في السياسة الأميركية، التيار المتشدد الذي يتخذ موقفا حاسما ضد الحركات الإسلامية جميعها ولا يميز بين "معتدل" ومتطرف" ويرى أن الإسلاميين وإن اختلفوا في التكتيكات فإنهم يتفقون في الغايات، وأنّ إيمان الإسلاميين بالديمقراطية "هش" سرعان ما يزول وتستأثر بهم الرغبة في قيام دولة أصولية، بينما يرى الفريق الآخر "التراضيون" أنّ هنالك حركات إسلامية معتدلة وأخرى متطرفة، وعلى الولايات المتحدة منح الفرصة للمعتدلين للمشاركة السياسية، ويرفض هذا الاتجاه مقولة "ديمقراطية من دون إسلاميين"، بل يطالب التعامل مع الإسلاميين كتحد للسياسة الخارجية الأميركية. في الوقت الذي يؤكد فيه روبرت ساتلوف أنّ الإسلام المعتدل يمثل معضلة السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وأحد موضوعات المناظرات والسجال في واشنطن[12].
التيار المتشدد – في السياسة الأميركية- يتخذ موقفا حازما من الإسلام السياسي "الانتخابي" والإحرابي على السواء، ويرى أنّ السياسة الأميركية يجب أن تقوم على خلق تحالفات داخلية وأقليمية وعالمية ضد الإسلاميين بما في ذلك استخدام "الإسلام التقليدي" وتوظيفة ضد الإسلاميين المعارضين للولايات المتحدة[13]. بينما يقدم تيار "التراضي" رؤية مختلفة لمواصفات الشريك الإسلامي هي أقرب إلى صيغة الإسلام المدني- الديمقراطي.
في هذا السياق تقدم دراسة انجل راباسا "الإسلام المعتدل والراديكالي" مقاربة حول مفهوم "الإسلام المعتدل"، وترى الدراسة أنه لا يوجد معنى دقيق ومتوافق عليه لهذا المفهوم " ، أما مصطلح "الإسلام الراديكالي" عادة ما يقصد به الإسلاميون الذين يختارون طريق العنف ويدعمون الإرهاب، وهذا قريب من التعريف الصحيح، إلا أنّ هناك سلفيين لا يمارسون العنف بأنفسهم، لكنهم يقدمون الأيدولوجيا التي تخلق الظروف المناسبة للعنف. وتصل مقاربة راباسا إلى تحديد مؤشرات رئيسة تميز الإسلام المعتدل عن الإسلام المتطرف، أبرزها: القبول بالديمقراطية والتعددية، وعدم استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، احترام الحريات الدينية وحقوق المرأة وحقها في التعليم وحقوق الإنسان[14]. ويضيف عدد من الباحثين والخبراء على الشروط السابقة القبول بالتسوية والاعتراف بإسرائيل.
ولعل الشرط الأخير – الاعتراف بإسرائيل والتسوية- يمثل محورا مهما وحيويا من الاختلاف الشديد بين التيار الإسلامي العام وبين الولايات المتحدة. وهو السياق الذي يمكن من خلاله إدراك الموقف الأميركي – بل والغربي عموما- من حكومة حماس والضغوط التي تمارس عليها.
صحيح أن المواصفات السابقة للإسلام المعتدل تحدد معايير "قيمية" للمساحة الفكرية والسياسية المشتركة التي يمكن أن تشكل الأرضية للقاء أميركي- إسلامي يتجاوز الأزمة الحالية في العلاقة بين الطرفين، إلاّ أن "المعيار الواقعي" وفقا لساتلوف هو "مصالح" الولايات المتحدة؛ فأينما التقت مصلحة الولايات المتحدة مع حركات أو حكومات إسلامية سواء كانت معتدلة أم تقليدية حدث
والتوافق وربما التحالف وأينما تعارضت المصلحتان حدث الصراع[15].
وفي تقديري؛ إنّ معيار المصالح يمثل "المفتاح" لفهم السلوك الأميركي تجاه الإساميين، فالعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية (اتجاه ديني محافظ) والعدالة والتنمية التركي (إسلام ليبرالي) والأحزاب الإسلامية الشيعية في العراق (إسلام انتخابي) علاقة تحالف وثيق على الرغم ما بين هذه الاتجاهات من تباينات تصل إلى درجة التناقض الفكري والسياسي، بينما علاقة الولايات المتحدة بحماس وحزب الله هي علاقة صراع وعداء بسبب الموقف من إسرائيل، فيما تقوم علاقتها مع الإخوان في مصر والأردن وسورية مرتبطة بطبيعة اللحظة التاريخية بالنظم التي تنتمي لها هذه الجماعات.
لكن ماذا عن الموقف الأوروبي؟يبدو أنّ هنالك تبادل مواقف بين الأميركيين والأوروبيين تجاه حركات الإسلام السياسي، فبينما كان الأوروبيون قبل أحداث أيلول أكثر تشددا في التعامل مع هذه الحركات، وفي دعم النظم العربية الصديقة على قاعدة صراع القيم والثقافات بين الخبرة الأوروبية مع الدين وبين تبني الإسلاميين للمنظور الديني، فإن السنوات الأخيرة تقدم مؤشرات وعلامات على تحول في موقف دول الاتحاد الأوروبي يقوم على الاعتراف بحركات الإسلام السياسي في السياق السياسي العربي كلاعب لا يمكن تجاهله.
من خلال رسائل متعددة يمكن التقاطها ثمة عملية اختبار من قبل الأوروبيين لإدماج الإسلاميين في الحياة السياسية العربية من خلال اللعبة الديمقراطية، وذلك لاعتبارات متعددة أبرزها أن وجود حركات إسلامية معتدلة ذات صبغة ليبرالية - على شاكلة حزب العدالة والتنمية التركي- سيساعد على استقرار الأوضاع السياسية في العالم العربي وضبط المزاج الديني المتصاعد، بما سينعكس على حالة الاستقرار السياسي في المنطقة ويخدم التعامل مع الجاليات العربية الكبيرة في أوروبا، بحيث يدفعها إلى مزيد من الاعتدال في الفكر والممارسة بخاصة بعد العمليات المسلحة التي وقعت في لندن 2005 ومدريد 2004، في ظل الحديث عن ولادة قيادة جديدة للقاعدة في أوروبا من شباب الجاليات العربية المهجرة الذين يعيشون في بيئات من الحرمات والبطالة الفقر.
في الخلاصة، لم يعد "الفيتو" الغربي الحاد من الإسلاميين "المعتدلين" قائماً، كما كان في العقود السابقة، وثمة توجه غربي عام لاختبار إمكانية التعايش مع الإسلام السياسي، في ظل سيطرة الإسلاميين على الشارع من ناحية، وضعف التيار الليبرالي من ناحية ثانية، وهذا وذاك يتوازى مع حكمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي يمكن اختصارها بانتهاء صلاحية النظم العربية الحالية. صحيح أنّ هذه الحكمة تعرّضت في الأيام الأخيرة إلى هزات كبيرة إلاّ أنها على الأقل خلقت ثغرة في الجدار الذي كان يحول دوما دون وصول إسلاميين عن طريق صناديق الانتخاب إلى السلطة، وهذا يقودنا إلى مناقشة موقف النظام العربي من الحركات الإسلامية..
فوبيا البديل الإسلاميابتداء لا يمكن وضع علاقة النظم العربية بالحركات الإسلامية في نسق أو نموذج سياسي واحد، فثمة خبرات متعددة بل ومتناقضة يمكن تصنيفها من ناحية مبدئية إلى عدة نماذج: نموذج الحرمان والقمع (سورية، النظام العراقي السابق، تونس)، المشاركة السياسية المشروعة دون الإمساك بالسلطة (الأردن، المغرب، الكويت، البحرين، اليمن)، المشاركة السياسية غير الرسمية (مصر، السعودية)، نموذج الإمساك بالسلطة تحت الاحتلال (الأحزاب الإسلامية في العراق، والتجربة الجديدة لحماس) وعلى ضفاق هذه النماذج هنالك حالات مختلفة كالحالة الجزائرية (وصول الانقاذ عن طريق صناديق الاقتراع ثم الانقلاب عليها) السودان (تحالف الإسلاميين مع العسكر ثم انقلاب العسكر عليهم).
على الرغم من وجود نماذج من التعايش والمشاركة السياسية المختلفة، بمداها ومستوياتها، إلاّ أنّ هذه المشاركة تمتاز بحالة من المد والجزر تبعا لسياسات بعض النظم أو التحول في تحالفاتها الداخلية مع القوى السياسية المختلفة. وتبدو إشكالية موقف النظم العربية من المشاركة الإسلامية "مركبة" من شقين؛ الأول يتمثل بعدم رسوخ قواعد الديمقراطية من تعددية سياسية وحق في المعارضة والمشاركة السياسية، وغلبة "البعد الأمني" على المجال السياسي في مختلف الخبرات السياسية العربية، والثاني أنّ الإسلاميين أصبحوا بمثابة القوى السياسية الوحيدة القادرة على حشد الشارع وتعبئته في مواجهة النظم السياسية القائمة.
وقد تبدّت قوة الإسلاميين في الشارع في الشهور الأخيرة إذ سيطروا في مختلف العمليات الانتخابية التي جرت كما حدث في مصر وفلسطين، أو في لحظات الانهيار كما حدث في العراق، ومن المتوقع أن يحصل حزب العدالة والتنمية المغربي على نسبة كبيرة من المقاعد في الانتخابات النيابية القادمة. قوة الإسلاميين – هذه- خلقت بدورها "فوبيا" حقيقية - لدى النظم العربية- بأنّ الإسلاميين هم "البديل" المرشح لوراثتها. فسعت العديد من هذه النظم إلى التلويح بفزاعة الأصولية الإسلامية في وجه أية مطالب خارجية بالإصلاح السياسي.
لا شك أن النظم العربية قد شعرت بالارتياح لتراجع الضغوط الأميركية والغربية المطالبة بالإصلاح في الآونة الأخيرة، لكن هذا لا يعني - بحال من الأحوال- أن أزمتها انتهت، وأنّ بإمكانها استعادة شبابها وحيويتها، فعلامات الكبر والشيخوخة والعجز عن الاستجابة للتحديات المختلفة داخليا وخارجيا أصبحت الحالة التي تميز أغلب النظم العربية اليوم.
فلقد اكتسبت النظم العربية سماتها العامة خلال الحرب الباردة ولحظات الاستقطاب الدولي، وانقسمت بين دول مؤيدة للغرب وأخرى للشرق، وكان منطقيا أنّ نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي ستؤدي إلى تغيرات بنيوية في طبيعة النظم القائمة، إلاّ أنّ هذا لم يحدث وتمكنت الدول الحليفة سابقا للاتحاد السوفيتي من المناورة إلى أن جاءت أحداث أيلول التي كشفت بدورها عن أزمة النظم الحليفة للولايات المتحدة والغرب، بعد أن وجهت لها التهمة بالهشاشة وعدم القدرة على إدارة أزمتها الداخلية وتصدير مشكلاتها وأخطائها إلى الخارج[16].
بعد أيلول تكشفت الحالة العربية عن انهيارات خطيرة، فعلى صعيد "القضية المركزية" - التي رفع النظام العربي شعارها العقود السابقة كذريعة لعسكرة الحياة السياسية وتأجيل الإصلاح- فشلت النظم العربية عن تقديم أي مساندة حقيقية ولو سياسية فاعلة للشعب الفلسطيني الذي كان يخوض معركة خطيرة وكبيرة مع إسرائيل، وعلى صعيد الوضع التنموي فقد كشف تقريرا التنمية الإنسانية العربية الأول والثاني حول المعرفة والحرية عن أوضاع بائسة بمعني الكلمة، وترافق ذلك مع مؤشرات عجز وعدم قدرة على إدارة الموارد الاقتصادية.
وإذا كانت الدول العربية قد انفقت مليارات على التسلح فإن الانهيار السريع للجيش العراقي السابق صدم المجتمعات والشعوب العربية، وهز كثيرا من صورة النظم التي طالما حرمت الشعوب من تنفس الهواء النقي بقوة السلاح لتكتشف الشعوب أنّ هذه القوة وهمية ترتكز بالدرجة الرئيسة إلى ثقافة الرعب والخوف التي تسيطر على الناس جراء عهود طويلة من الاستبداد.
لم يبق مصدر من مصادر الشرعية الرمزية للنظم العربية إلا وسقط: القضية الفلسطينية، التنمية، مواجهة الإمبريالية، دولة الرفاه الاجتماعي. وعزز من أزمة النظم العربية "ثورة الانفوميديا" التي خلقت بدورها مساحة واسعة للحرية الإعلامية ولحرية تبادل المعلومات، وأصبحت شبكة الانترنت والفضائيات بمثابة المعاول التي تهدم هيبة السلطة الأمنية وتجريء الناس على انتهاك المحرمات السياسية السابقة[17].
ويترافق ذلك أيضا مع تقلص سلطة الدولة وهيمنتها على مناحي الحياة السياسية والاقتصادية، فقد ظهرت مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت تأخذ دورا يتسع مع مرور الوقت من "الحيز العام" وتكتسب سلطة مدنية "ناعمة" توازي سلطة الدولة وتسرق من صلاحياتها، في المقابل بدأت الدول العربية بالتخلي عن سيطرتها الاقتصادية لصالح القطاع الخاص بما يمثل نهاية لعصر "الدولة الريعية" التي تمسك الحرية برغيف الخبز. وفي الوقت الذي تتأثر فيه شرائح اجتماعية واسعة سلبا بتراجع رعاية الدولة والقطاع العام عن تقديم الخدمات والدعم لها إلا أنّ ذلك يفعّل ميكانزما التحرر الفردي والمجتمعي ويدفع إلى بناء شبكات من العلاقات والمصالح الاقتصادية التي لا بد أن تتبلور مع الوقت من خلال قوى سياسية تتبناها وتدافع عنها، ما يعني - في المحصلة- مرحلة سياسية جديدة، وإن لم تكن هذه المرحلة على الأبواب فهي قريبة.
في مقابل عوامل الضعف، لا تزال هنالك عوامل تحمي النظم العربية من الانهيار والتفكك يقع في مقدمتها "جدران الخوف" التي تصبغ ثقافة الناس وتحول بينهم وبين العمل الجماعي الإيجابي، وعصا الأمن التي تمسك بها النظم، وغياب البديل السياسي الديمقراطي الذي يمتلك المؤهلات ليسد الفراغ الناشيء عن احتمالات الانهيار والسقوط، يضاف إلى ذلك الخبرة العراقية واللبنانية غير المشجعتين على التغيير[18]، إذ أن المرحلة الراهنة ليست أفضل من الحالة السلطوية- الأمنية السابقة عليها، ويلتقط المعارض السوري أكرم البني الأثر النفسي للتجربة العراقية بقوله" "المشهد العراقي يحتل مساحة الرؤية كاملة لدى المواطن السوري".
قد يكون المشهد المصري مثالاً جيدا على الموازنات والتوترات في الحالة السياسية العربية وتحولاتها اليوم؛ فالمعارضة المصرية نشطت خلال السنوات الأخيرة واكتسبت زخما سياسيا كبيرا مع ولادة حركة كفاية والثورة الصحافية والإعلامية وساهم التحول في العامل الخارجي، في الحيلولة دون إطلاق يد النظام ضد المعارضين، إلاّ أنّ المتغيرات الإقليمية الجديدة – التي تحدثنا عنها- أعادت إنتاج مناخ الطواريء وتفجير الهواجس الأمنية وتراجع الضغوط الخارجية، فعمل النظام على استثمار هذا المناخ مباشرة للانقضاض على المعارضة وإشاعة حالة من الخوف، لكنه لم يستطع إرجاع عربة التاريخ إلى الوراء، فحركة المعارضة اكتسبت قوى مختلفة من قضاة ومحامين وطلاب وأحزاب غير مستعدة لخسارة الأرض التي استطاعت الحصول عليها خلال الشهور الأخيرة، وما زالت المدافعات شديدة بين السلطة التي ترفع سيف الأمن وبين المعارضة المستندة إلى الإحباط والتأييد الشعبي غير المعلن.
يبدو أمام النظم العربية خيارات محدودة إما التجديد والسماح لقوى ونخب جديدة بالدخول إلى اللعبة السياسية وهو ما قد يسمح بقيام احتمالات للإصلاح السياسي من ناحية، ويمثل فرصة للإسلاميين للاندماج في العمل السياسي، وإما الانهيار كما حدث في الحالة العراقية وقريب منها الحالة اللبنانية، ما يجعل الاحتمالات مفتوحة ومرتبطة بطبيعة كل مجتمع وتجربته التاريخية، وإن كان ضعف الثقافة المدنية- الديمقراطية وغياب تقاليد تداول السلطة والتعددية السياسية سيجعل من احتمال الفوضى أحد السيناريوهات الرئيسة.
في المقابل، يبدو أنّ رهان العديد من الدول العربية يتمثل بإعادة إنتاج التحالف مع الولايات المتحدة، في سياق مواجهة التحديات الجديدة، إلاّ أنّ هذا الرهان يتجاهل حقيقة أهم من موقف الولايات المتحدة وهي أنّ الداخل لم يعد مستعدا لاستمرار المرحلة السابقة تحت أي ذريعة وأنّ هناك تحولات مجتمعية وسياسية تدفع باتجاه التعجيل بعملية التغيير، ما لا تجدي معه لعبة النظم العربية في "شراء الوقت" وتأجيل استحقاقات التغيير والإصلاح.
الخلاصة؛ قد تكون الدول العربية استفادت كثيرا من تراجع الضغوط الأميركية ومن عودة المناخ الأمني إلى المنطقة، بما يشعرها أن الإدارة الأميركية ستستلم لحكمتها السياسية بأنها أفضل الموجود وأنها الحليف الوثيق. إلاّ أنّ ذلك لا ينفي تآكل مصادر شرعية هذه النظم وظهور علامات الكبر والشيخوخة، مع بقاء عدة روافع تحملها إلى مرحلة لن تطول. وهو ما يطرح بدوره السؤال فيما إذا كانت الحركات الإسلامية مؤهلة للاستفادة من هذه المرحلة "الضبابية" في تاريخ المنطقة، وفيما إذا كانت قادرة على إدراك شروط اللعبة السياسية والانخراط فيها بذكاء؟.. وما يعنينا أيضاً في هذا السياق فيما إذا كانت الحركات الإسلامية بمثابة قوى تدفع باتجاه الديمقراطية؟
الإسلاميون واللعبة السياسية
تتشعب خارطة الإسلاميين إلى اتجاهات فكرية وسياسية متباينة إلى أقصى الدرجات سواء في تصورها لطريق الإصلاح والتغيير ومستوياته أو طبيعة الدولة التي ينشدونها بين من يرون في نموذج طالبان مثالاً لما يريدون ومن يرون في الدول الأوروبية النموذج المطلوب.
إذن، لا بد من تعريف بالاتجاهات الإسلامية العامة ابتداءً لتحديد موقع الاتجاه الإسلامي المدني- الديمقراطي بينها وسماته العامة..
يختلف الإسلاميون حول سياسات الإصلاح والتغيير، فيذهب الاتجاه الأول "الجماعات الجهادية" إلى تبني طريق العمل المسلح ضد "العدو القريب" (النظم) أو "العدو البعيد" (الولايات المتحدة وحلفائها) تبعا لرؤيتهم لأسباب الضعف والاستضعاف. أما الاتجاه الثاني فهو الذي يرفض مبدأ العمل المسلح في المراحل الأولى، لكنه يرفض أيضا المشاركة في اللعبة السياسية ومخرجاتها (حزب التحرير نموذجا، العدالة والإحسان في المغرب الذي يرفض القواعد الحالية للعبة السياسية)، وهنالك الاتجاه اللا سياسي بشقه الاجتماعي (الصوفية، جماعة التبليغ والدعوة) العلمي (السلفية التقليدية) وإذا كان هذا الاتجاه لا يتبنى العمل السياسي مباشرة فإنّ لموقفه هذا أبعاد ودلالات سياسية أيضا، وأخيرا هنالك الاتجاه الذي يتبنى مبدأ المشاركة في اللعبة السياسية وتمثله بدرجة رئيسة جماعات الإخوان المسلمين في المشرق العربي والنهضة في تونس والعدل والتنمية في المغرب والسلفيون الإصلاحيون وأحزاب إسلامية شيعية في الخليج العربي)[19].
أما تصور الإسلاميين للدولة فيرى عبد الإله بلقزيز في كتابه "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر"[20] أنّ هنالك أربعة خطابات إسلامية تحدد هذا التصور؛ الخطاب الإصلاحي الأول (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، الطهطاوي، خير الدين التونسي، وابن أبي ضياف..)، الخطاب السلفي الشرعي (يمثله رشيد رضا في كتابه الإمامة العظمى)، الخطاب الأخواني (يمثله حسن البنا ويمتاز بشيء من الغموض والمنطقة الرمادية في المواقف الفكرية- السياسية من العديد من القضايا)، خطاب الحاكمية (سيد قطب، المودودي، عبد السلام فرج) ويرى بلقزيز أنّ فيه شبهة الثيوقراطية (أقرب إلى الشمولية).
أرى أن تصنيف بلقزيز يمكن الاستدراك عليه في عدة ملاحظات رئيسة:
- أنّ هنالك ستة خطابات وليست فقط أربعة؛ فسيد قطب والمودودي وإن كانت الجماعات الجهادية قد تأثرت بأفكارهم،ا بالتحديد في مفهوم الحاكمية وفي نقد الديمقراطية كمفهوم غربي، إلاّ أنّ تصور "الجهاديين" للدولة الإسلامية أخذ مسارا مستقلا ذا أبعاد مختلفة عن نظرية قطب- المودودي في "الحاكمية"، وهنالك اليوم العديد من الكتّاب الذين يصوغون الرؤية الفكرية- السياسية لهذه الجماعات (أبو قتادة الفلسطيني، أبو محمد المقدسي، عبد المنعم حليمة أبو بصير، الظواهري..).[21] ما يعني ضرورة الفصل بين خطاب المودودي- قطب وبين خطاب الجماعات الجهادية.
- كما أنّ مقالة علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" في نفي مفهوم الخلافة عن الأصول الإسلامية التشريعية تمثل خطابا إسلاميا آخر، بخاصة أنّ جيلا جديدا من الكتاب والباحثين الإسلاميين يستأنف اليوم مقالة عبد الرازق في التساؤل عن طبيعة الدولة الإسلامية المطلوبة مقتربين من مفهوم "العلمانية المؤمنة"، من خلال إعادة تعريف العلمانية والتمييز بين مستوياتها المختلفة، أي بين العلمانية الكلية والجزئية والعلمانية المحايدة و"اللائكية"[22]. وتمثل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في تحفيز بناء نموذج سياسي إسلامي يقبل بالديمقراطية بشروطها النهائية مع عدم الرجوع عنها لاحقا، وهو ما يضعنا أمام صيغة جديدة للأحزاب الإسلامية أقرب إلى "الأحزاب الأوروبية المحافظة" – كما وصف حزب العدالة والتنمية نفسه- أو بصيغة أدق إلى الأحزاب "المسيحية الديمقراطية" التي تتبنى أهمية وجود دور فاعل للقيم الدينية- الأخلاقية في المجتمع، لكن مع الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان والنظام الديمقراطي الراسخ، بما يقوم – بدوره- على إعادة تعريف الوظيفة السياسية والمدنية للدين في السياق الاجتماعي والسياسي العام.
- لم يلتفت كثيرا بلقزيز إلى مساهمات التيار الإصلاحي المتأخر في نظرية الدولة الإسلامية وبالتحديد (محمد سليم العوا، طارق البشري، أحمد كمال أبو المجد، فهمي هويدي ويمكن أن يضاف إليهم عبد الوهاب المسيري)، وهي مساهمات على درجة كبيرة من الأهمية والتواصل مع الفكر الإصلاحي الأول، وفي تعزيز وترسيخ مفهوم الديمقراطية عند الإسلاميين.
إذن؛ وبناء على الخطابات الإسلامية المتعددة، فإنّ الإسلاميين المرشحين للعب دور إيجابي، يساهم في بناء روافع للديمقراطية في العالم العربي، هم من يتبنون مبدأ التغيير والإصلاح من خلال اللعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع والعمل الشعبي المدني المنظم، ويدافعون النظم لبناء طريق معبد للإصلاح، وهم من يؤمنون بالدولة المدنية الديمقراطية بما تتضمنه من قبول بالتعددية السياسية وتداول السلطة سلميا وحقوق الإنسان والحريات العامة وحق التعبير...الخ.
المؤشرات السابقة تنطبق – واقعيا- بدرجة رئيسة على اتجاه "العلمانية المؤمنة" الذي قطع شوطا رئيسا في إعادة تعريف مفهوم الدولة الإسلامية، وبدرجة قريبة – مع نسبة ضعيفة من التحفظ- على التيار الإصلاحي الأول والثاني، وبدرجة أقل على تيار الإخوان المسلمين بدرجة أكبر من التحفظ ووجود مساحة رمادية في المواقف.
وفي رصد التطور العملي للخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة نجد أن هنالك خطا بيانيا صاعدا باتجاه القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية وإعادة تعريف الدولة الإسلامية، فقد كتب أحمد كمال أبو المجد "رؤية إسلامية معاصرة" (1981) ونشره بعد عشر سنوات، يتحدث فيه عن أصول وقواعد الرؤية الإسلامية في الإصلاح السياسي، ويرى أن الحاجة ماسة إلى بناء تيار إسلامي معتدل مستنير مؤكدا على قيمة الحرية في الرؤية الإسلامية.[23]
كما انخرطت الأحزاب الإسلامية في فترة التسعينات في تجارب المشاركة السياسية، ومع وجود العديد من الانتكاسات كالتجربة الجزائرية إلا أنّ الظاهرة الإسلامية تجاوزتها، وظهرت تجارب وأفكار إسلامية متقدمة تمثل مرحلة أخرى من التطور باتجاه الديمقراطية كتجربة حزب الوسط المصري التي لم يكتب لها الولادة السياسية القانونية إلا أنها مثلت خطابا إسلاميا أكثر اقترابا من الديمقراطية والتعددية.[24] وتجربة الإسلاميين التقدميين في تونس (15-21) الذين أكدوا على أهمية "المسألة الثقافية وأولويتها" وضرورة إصلاح المفاهيم الدينية لبناء مسار صحيح للإصلاح السياسي[25].
في السنوات الأخيرة جاءت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي لتمثل قفزة في طبيعة العمل الإسلامي، من خلال إعادة هيكلة بنية الخطاب الإسلامي ذاته وترحيله بالكلية إلى التوافق مع العلمانية والديمقراطية بعيدا عن شعار "الإسلام هو الحل"، وإن كان هنالك خصوصية للتجربة التركية، وعدم قدرة على تعميمها على الدول العربية، إلاّ أنّ ثمة انعكاسا كبيرا لهذه التجربة على الأحزاب الإسلامية العربية.[26] ويمثل حزب العدالة والتنمية المغربي[27] مرحلة متقدمة أيضا على الأحزاب الإسلامية الأخرى، وتجربة حزب "البديل الحضاري"[28].
أمّا جماعات الإخوان المسلمين التي تمثل القوى الإسلامية الرئيسة في دول المشرق العربي فقد قدمت مبادرات سياسية متطورة في السنوات الأخيرة، وإن كانت احتفظت بكلاسيكية الحل الإسلامي إلا أنها حسمت موقفها في المناطق الرمادية المرتبطة بالتعددية وتداول السلطة والديمقراطية..الخ.[29]
وفي سياق فكري موازٍ ظهرت نخب من الباحثين والمفكرين الإسلاميين تقوم بمراجعة الخطاب الإسلامي وتقدم معالم خطاب إسلامي جديد، فبالإضافة إلى أحمد كمال أبو المجد وطارق البشري وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا هنالك عبد الوهاب المسيري وعدد من الباحثين في العلوم السياسية (سيف عبد الفتاح، نادية مصطفى، هبة عزت، هشام جعفر، مصطفى منجود، منى أبو الفضل، وغيرهم) وتقترب من هذا الخط، بتحفظ أكثر، كتابات محمد عمارة، بالإضافة إلى المراجعات التي حدثت لدى الجماعة الإسلامية بمصر وصدرت بأربعة كتب، وتوازت مع تحولات فكرية لعدد من الباحثين ذوي المرجعية الجهادية والسلفية السابقة (كمال حبيب وجمال سلطان).
في سورية تمثل تجربة مجموعة شباب الملتقى الفكري خطابا إسلاميا يتسم بروح ليبرالية (رضوان زيادة، عبد الرحمن الحاج، عبد الرحمن حللي، معتز الخطيب) وقد أصدروا بعض الكتب التي تعبر عن اتجاههم الفكري، ولهم موقع على شبكة الانترنت[30]. وهنالك التجربة السلفية الإصلاحية في السعودية التي شهدت قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، مقارنة بطبيعة الخطاب السلفي، ومثّلت رسالة "على أي أساس نتعايش" في الرد على رسالة المثقفين الأميركيين "على أي أساس نقاتل" مرحلة جديدة في خطاب السلفية الإصلاحية.[31] كما أنّ هنالك حركة إسلامية سلفية نشيطة في الكويت، وقد أصدر الحاكم المطيري (أحد القيادات السلفية في الكويت) كتابا "الحرية أو الطوفان: دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية"[32] يمثل نقلة نوعية في الرؤية السلفية يقترب فيه من خطاب الإصلاحية الأولى.
أما على صعيد الخطاب الشيعي، فيقدم محمد حسين فضل ومهدي شمس الدين وآية الله منتظري خطابا شيعيا متقدما على صعيد القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية، بالإضافة إلى نخبة من الباحثين الشيعة (زكي الميلاد، محمد محفوظ، توفيق سيف وغيرهم) وتمثل مجلة الكلمة نموذجا على هذا الاتجاه.[33] في العراق أيضا ثمة إشارات على اتجاهات فكرية وسياسية إسلامية سنية وشيعية تقبل – على المستوى الفكري- بالديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية.
ورقة عمل المحلل السياسي محمد ابو رمان في مؤتمر نحو خطاب اسلامي، ديمقراطي، مدني.