A+ A-
الأصول الفكرية للتعددية السياسية
2006-05-28
مدخل:لا يسع الناظر للمشهد السياسي العربي الإسلامي إلا أن يسجل حالات التجاذب والتقاطب السياسي بين تيارين رئيسين تنجمع عليهما وتنجذب حساسيات أخرى تعزز هذا التنازع، وتذهب به أحيانا إلى أعلى مستويات التدابر والاحتراب.

والتيار الإسلامي العريض، ينجذب إليه أو يتوافق معه على عنوانات كثيرة: التيار القومي العروبي، والتيار العلماني وتتوسع دائرته لتضم حساسيات كثيرة تكاد أطرها المرجعية تفقد عناصر التقارب والانسجام، لكنها تتوحد على عنوان واحد هو تحييد الدين عن حقل السياسة، ومحاصرة الإيديولوجية الدينية وعبرها مواجهة الحركة الإسلامية. وتمسك بخيوط المعادلة السياسية نظم الحكم التي لا تمتلك أية مرجعية ثابتة إلا ما تستدعيه الحاجة السياسية والضرورة التي تسمح لها بتجديد عناصر سيطرتها، وتجديد عناصر ووسائل اشتغالها وهيمنتها وتحكمها في الوضع السياسي.

ولأجل هذه المهمة، فهي تحرص دائما على أن تظهر بهويتها المزدوجة التي تتأسس على الشرعية الدينية حينا وعلى المشروعية الديمقراطية والحداثية حينا آخر. فيعكس هذا التناقض في مسلكها التأويلي والتوظيفي مستويين من التدبير السياسي:
ـ مستوى تدبير علاقة الداخل: بالخارج من خلال المزج بيت ثنائي الكونية والخصوصية، وما تتيحه هذه الثنائية من هامش كبير للمناورة السياسية.ـ مستوى التحكم في الحراك السياسي الداخلي: من خلال توظيف الصراع الإسلامي العلماني لإحداث التوازن السياسي المطلوب، والبروز في شكل الحكم الديمقراطي الذي تحتكم إليه الأطراف، ويمثل الوحدة الوطنية والراعي للمصالح الاستراتيجية للوطن.وقد تتجاوز وظيفته مجرد دور الضبط والتحكم إلى تغذية هذا الصراع وإيجاد بؤر أخرى لتفعيله حتى يصير الوضع متميزا بنوع من الحيوية السياسية التي تسمح بإعادة إنتاج نفس الشروط القائمة.
من ثقافة الإقصاء إلى ثقافة الاعتراف بالآخرلقد عرف عالمنا العربي منذ تشكل الدولة القطرية نموذجا نهضويا واحدا قائما على عنوان عريض مفاده أن النهضة لا يمكن أن تتصور خارج قوة الدولة.
وقوة الدولة لا تتصور بدون وحدة الأمة، وهي بدورها لا تتصور إلا بحزب واحد يعبر عن تطلعات الأمة ويحمل عناوينها الكبرى في التنمية والتحرر والاستقلال والتنمية.

إيديولوجية النهضة في العالم لعربي كانت تتأسس على نبذ التعددية السياسية واعتبارها مدخلا لتقوية أعداء الثورة والتعددية بكلمة، كانت تعني الوقوف ضد إشعاع الثورة وتهديد الوحدة العقائدية والسياسية للدولة والجماعة على حد سواء.
وإذا كان من الطبيعي ان تتأطر الجماعة والدولة بإيديولوجية قائدة وموجهة، فقد كانت إيديولوجية الحزب الحاكم هي برنامج الدولة والثورة، وكل فكر أو تصور يخرج عن هذا الإطار، أو على الأقل ينطلق من غير أسسه المنهجية ومنطلقاته العقدية، فكان يعتبر ليس فقط تجسيدا لخلاف فكري وسياسي، ولكنه تموقع ضد هوية الأمة وتطلعات الشعب، وتهديد للنظام العام.

وضمن هذا الإطار نشأت الكليانية الفكرية والسياسية في مشهدنا الفكري والسياسي، وأنتجت لنا ما يسمى بثقافة الزعيم وثقافة الإقصاء والمصادرة والعنف.
وظلت ثقافتنا العربية والإسلامية محكومة بهذا الإيقاع إلى أن بدأ يتهاوى المشروع النهضوي القومي، وبدأت دول عربية كثيرة تؤسس للتعددية السياسية ضمن دساتيرها القطرية.

لم يكن هذا التأسيس يخرج عن ذات الثقافة الإقصائية، ولم يكن مبنيا على قناعة مبدئية تراهن على هذه التعددية لإحداث تنمية سياسية تكون مدخلا لإنجاز الورشات الإصلاحية الكبرى، وإنما كانت في الأصل فكرة سياسوية قصدها التسريع بالانقلاب على كل المكاسب التي حققها المشروع النهضوي القومي خاصة فيما يتعلق بالقضايا الكبرى للأمة.

وقد ادركت النخب الفكرية والسياسية بعد حين، أن مشروع التعددية السياسية التي أسست له بعض نظم الحكم، لم يكن يهدف بالأساس إلى بناء مؤسسات دستورية ديمقراطية بدليل أن المشهد السياسي بعد هذه التعددية لم يزدد إلا قتامة وبؤسا، وظلت مؤسسات الدولة وأنماط سلوكها السياسي بعيدة عن الاستجابة لأبسط مقتضيات الممارسة الديمقراطية.

وبدأت النخب السياسية تقتنع بضرورة خوض معركة النضال الديمقراطي على هذا المستوى، ووجدت نفسها على نفس الخط مع حساسيات كثيرة يتقاسمها نفس الهم وإن كان لا ينتظمها نفس التوجه المرجعي. فتوحدت على عنوان واحد ملخصه: دمقرطة المؤسسات، وإجراء إصلاح سياسي ودستوري يعزز المسار الديمقراطي، ويحرك الدينامية المجتمعية ويشرك الجميع في صناعة مستقبل هذه الأمة.

وفي خط هذه المعركة بدأت عناصر ثقافة الإقصاء والمصادرة تتوارى إلى الخلف، وبدأت ثقافة الاعتراف بالآخر تجد قبولا عند ذوي الرشد من أهل النخب الفكرية والسياسية، وانتقلت إلى مستوى تشكيل حالة فكرية وسياسية في العديد من البلدان العربية والإسلامية، بل لقد بدأت بعض النخب الفكرية والسياسية، تحاول أن تتجاوز مرحلة الاعتراف المتبادل إلى مرحلة أرقى وأنضج في التعامل، وهي ما يمكن أن نصطلح عليه بثقافة التعدد وقبول الاختلاف والاقتناع بضرورة الاتفاق على آلية وقناة لتصريف هذا الخلاف الفكري والسياسي.

لقد اقتنعت العديد من النخب الفكرية والسياسية، وخاصة منها التياران الرئيسان في مشهدنا العربي والإسلامي، بأن المدخل الحقيقي لمشروعنا النهضوي وللتنمية الاجتماعية والاقتصادية هو الديمقراطية بما تعنيه رهن القرار السياسي بيد الشعب، ودمقرطة المؤسسات وتنظيم الحياة السياسية على أسس ديمقراطية.

لقد قامت هذه النخب بمراجعات كبيرة لأدبياتها ومفرداتها، وآلت غالبية مكوناتها إلى هذه القناعة، ولم تعد القوى الرافضة للديمقراطية تمثل إلا شرائح قليلة ومعزولة غير ذات تأثير على النسيج المجتمعي وعلى النسق السياسي. لكن مع الإيمان بالديمقراطية ومع الإيمان بجدواها وقدرتها على صناعة المستقبل العربي، ظل الإشكال المرجعي قائما وحاضرا بكل قوة، ذلك أن الديمقراطية لا يمكن أن تتأسس على غير قيم، وكل تيار يتبنى نموذجا ورؤية معينة للمشروع القيمي الذي يقترحه على الشعب.

فالتيار الإسلامي يرى أن مدخل النهضة في القيم الأصيلة التي لا تتصور خارج المقومات الإسلامية، ويرى أن الانتظام ضمن الثقافة الإسلامية والانطلاق من الثوابت الإسلامية هو المدخل الطبيعي لتأسيس ديمقراطية في وطننا العربي، ديمقراطية تسعف في تقوية جبهة الممانعة والمقاومة ضد الهيمنة والاستكبار العالمي، ويرى أن القيم الغربية التي يسعى الغرب إلى إعطائها لبوس "الكوني" لا يمكن إلا أن تؤسس نموذجا لديمقراطية هشة وتابعة وذيلية ومتماهية مطلقا مع المشروع الغربي ومحققة في أسوأ الأحوال لأجندته السياسية في المنطقة على عكس تطلعات الشعوب العربية في الكرامة والحرية والعدل خاصة في قضاياها الكبرى والمصيرية.

في حين يرى التيار العلماني واستلهاما للتجربة الغربية أن الديمقراطية العربية لا يمكن أن تتصور إلا بانتظام مطلق في القيم الحداثية والكونية وتخليص المجتمع السياسي من المضامين الدينية واعتبارها عائقا حقيقيا أمام أي تحول ديمقراطي، بل إن التيار العلماني في بعض تعبيراته يذهب إلى أن إيديولوجية الحركة الإسلامية تشكل تهديدا حقيقيا للديمقراطية وحرية التعبير وحق الاختلاف وحرية الإبداع.
وضمن هذا التقاطب المرجعي تعود مشكلة التعددية الفكرية والسياسية للظهور، وتعود ثقافة الإقصاء والمصادرة لتحتل مواقعها التقليدية في مشهدنا الثقافي والسياسي.
صميم الورقة
تسعى هذه الورقة لوضع تصور فكري، وصياغة رؤية نظرية يمكن أن تشكل أرضية الحد الأدنى لخطاب ديمقراطي مدني يؤسس بشكل حقيقي لتعددية فكرية وسياسية يجد فيها كل من الإسلامي والعلماني ذاته على حد سواء من غير أن يتنازل أحد عن أطره المرجعية.وبالنظر إلى مجمل محاور الخلاف والتقاطب بين التيارين العلماني والإسلامي نقدر أن الإشكالات التي تشكل بؤرا احترابية يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
ـ الدين والوظيفة الاجتماعية.
ـ الدين والسياسة.
ـ الشريعة والقانون.
ـ القيم والمشروع المجتمعي.
وسنحاول من خلال هذه الورقة أن نقدم رؤى فكرية بخصوص هذه العناصر نؤصل من خلالها لتعددية فكرية وسياسية، وإيجاد القناة الطبيعية لتصريف الخلاف ضمن فعالية مجتمعية وحراك سياسي سلمي لا يتجاوز سقف الوحدة الوطنية.
في الوظيفة الاجتماعية للدين.ليست الحالة في الدين أن يزكي نزوعا فرديا نحو توازن نفسي معزول عن السياق الاجتماعي، ليس الدين بهذا المعنى جوابا للعلاقة بين الله والإنسان، وإنما الدين هو المنظومة الشاملة الني تجيب عن مشكلات الإنسان والكون والتاريخ من منطلق العلاقة بالله المتمحورة أساسا على عقيدة التوحيد.
لاهوت التحرير أو الحركة الماركسية التصحيحية التي تصالحت مع الدين ووظفت بنحو ما قيمه في سياق الحراك السياسي نجحت في إنقاذ الماركسية من بؤسها الأرثوذوكسي، ونجحت أيضا من إنقاذ الدين من تمثلاته الرجعية. لاهوت التحرير كان ضربة قوية للمنطق العلماني الذي حاول أن يحيّد الدين عن مجاله الحيوي، المجال الذي يملك فيه أن يجعل من الإنسان فاعلا تاريخيا.

من العدل أن نستثمر قيم الدين ومفاهيمه الاجتماعية في إجراء التحولات المطلوبة في المجتمع ما دام هذا المجتمع نفسه يثق بالفكرة الدينية ويتماهى معها، وما دامت الفكرة الدينية نفسها تمتلك أكبر طاقة للتعبئة باعتبار تجذرها في العمق الاجتماعي.

ومن العدل أيضا أن نصطحب هذه القيم في حراكنا الاجتماعي والسياسي ما دمنا وبشكل فيه كثير من الارتباك نستقبل قيما حقوقية أنتجتها موازين القوى الدولية، وأنتجتها الحتميات السياسية.

وإذا لم تلتفت نخبنا إلى أهمية هذا الدين في صناعة مستقبل الشعوب، وفي تحرير هذا الفاعل التاريخي لأداء وظيفته الاجتماعية؛ فإنها ستحرم نفسها من أهم أدوات التغيير المطلوبة اجتماعيا ستفقد القوة في التجذر، وتفقد الوسيلة في التعبئة والإقناع، وتفقد كذلك القدرة على التوجيه والضبط، كما تفقد أيضاً المبادرة والحسم التاريخي.

ليست الإشكالات الناتجة عن قراءة الدين وفهم نصوصه إلا جوانب منهجية ومعرفية يمكن تداول الرأي بشأنها وتسييجها بضوابطها وأصولها.
لكن النظر في الدين لا ينبغي أن يكون محل خلاف داخل نخبنا الفكرية والسياسية حتى يتم وضع التغيير الاجتماعي، والانتقال الديمقراطي كأفق لحوار فكري ضروري بين مكونات الطيف السياسي والثقافي.

إن الحوار على هذا المستوى يقتضي من الجميع مراجعة الرؤى المسطحة والمقاربات المتسرعة المؤطرة بحاجات سياسية. إذ الحوار يتطلب رؤية تتأسس على قاعدة أهمية الدين في إجراء التحول المجتمعي مع فتح نقاش حقيقي أصولي منهجي، يطرح قضية التعامل مع النص الديني وآلية تأويله وفهم دلالاته، وضوابط استلهام أحكامه ومقاصده.

بهذا المعنى، يمكن أن نزيل الاحتراب الفكري والسياسي الذي تبرره بعض الأطراف بمنابذة الآخر للمرجعية الإسلامية، وتبرره الأطراف المقابلة بتوظيف الطرف الآخر للدين واحتكاره الكلام باسم الدين.

حين يتفق الفرقاء على الوظيفة الاجتماعية للدين، وعلى كونه محركا تاريخيا يؤهل الإنسان لإنجاز التغيير المطلوب وتعبئة الشرائح الاجتماعية الواسعة لتحقيق الانتقال الديمقراطي، حينها يتدشن نقاش حقيقي حول فهم النصوص وتأويلها، ولا شك عندئذ أن الذي يملك القدرة على الإقناع هو الذي يكون أكثر وفاء لمقاصد الشرع، وأقدر في نفس الوقت على ربطها بتحولات الواقع ومتغيراته الذي يملك من داخل هذه الرؤية أن يجيب على معضلات الواقع بأسلوب يراعي مصالح الناس وتطلعات الجماهير هو الذي يكون مؤهلا اجتماعيا ومنهجيا لامتلاك شرعية القيادة التاريخية.
الدين والسياسةتصحيح النظرة إلى الدين، وتحديد الوظيفة الاجتماعية للدين تجعلنا نقترب من تركيب ناظم يربط السياسة بالدين ويسمح لكل من العلماني والإسلامي أن يعيش ضمن هذا الفضاء العام المؤطر.
لكننا نحتاج في هذا العنصر أن نستعير بعض المقدمات الأصولية التي ستسعفنا بلا شك في إنضاج مثل هذا التصور:
- وأول هذه المقدمات هو أن السياسة ضمن التأثيث السني ليست من أصول الدين، وأن مجالها محكوم بقواعد وضوابط عامة تنحصر في العدل والمصلحة والخير ونبذ الظلم والبغي، ومجال السياسة متروك للتقدير العقلي والنظر المصلحي الواسع في إبداع أحسن السبل لتحقيق هذه المقاصد وتحصيلها.
فالسياسة بهذا الاعتبار تدور الممارسة فيها بين الخطأ والصواب في التقدير وليس بين الحق والباطل. وتلك قضية في غاية الأهمية، إذ أن من مقتضياتها سحب مجموعة من المفردات العقدية من ساحة الممارسة السياسية، والتي من شأنها أن تخلق نوعا من المفاصلة الطائفية والتمايز العقدي.
إن هذه المقدمة المنهجية تؤسس لأرضية الاعتراف بالآخر والاعتراف بحقه في النظر والتقدير المصلحي، والإسهام من موقعه في تحريك الفعل السياسي، وتقديم المبادرة السياسية.
إن ترك مجال التقدير في السياسة للنظر المصلحي يعني أن كلاً من الإسلاميين والعلمانيين يملكون النظر في مكونات الواقع السياسي وبنيته، ويملكون إبداع ما يرونه مناسبا من وسائل وخطط وبرامج لمقاربة العدل والمصلحة والخير.
إن هذه المقدمة المنهجية المستعارة من الحقل الأصولي تسعف في بناء ذات الأرضية المؤصلة للتعددية الفكرية والسياسية التي أومأنا لها سابقا.
- المقدمة الثانية: إن التمييز الأصولي الحاصل في تصرفات النبي  تسعفنا أيضا في بناء نفس التصور التعددي، الذي يحدد للدين موقعه ومكانه، ويحدد للبشري ذوقه واختياره، ويعترف للسياسي بنظره وتقديره المصلحي بما يحقق مقاصد العدل والمصلحة والخير لهذه الامة.

تصرفات النبي (صلى الله عليه وسلم) باعتباره نبيا تحدد موقع الدين ووظيفته الاجتماعية.
وتصرفاته عليه السلام باعتباره بشرا تحدد الاختيارات الشخصية والذوقية للبشر باعتبارهم بشرا، وهذا بالطبع يفتح مجالا لتعدد الأذواق والطباع والأمزجة والأفكار.

وتصرفات النبي (صلى الله عليه وسلم) باعتباره إماما وقائدا تحدد المناطات التي تتأسس عليها السياسة. إنها تتأسس على النظر العقلي والتقدير المصلحي الذي يشترك فيه كل البشر وتتقاسمه كل مكونات الطيف السسياسي إسلامية كانت أم علمانية.

التمييز الأصولي بين تصرفات النبي (صلى الله عليه وسلم) تعطي إمكانية كبيرة لبناء تصور فكري يؤصل للتعددية ليس فقط السياسية منها، وإنما أيضا التعددية الاجتماعية والفكرية.
بناء على هذه المقدمات يكون من الجائز للتيار الإسلامي أن يبدع برنامجه وتصوره السياسي انطلاقا من رؤيته واجتهاده من داخل النصوص الشرعية، ويجوز للعلماني أن يجتهد في قراءة الواقع ومكوناته انطلاقا من آلته الخاصة في النظر، ويمكنه أن يبدع تصوره وبرنامجه السياسي الذي يرى أنه أقرب إلى تحصيل العدل والمصلحة لمجموع الأمة. ولا يجوز بعدها أن يقلق من استناد الإسلاميين لمرجعيتهم الإسلامية، ومن توظيفهم للدين ما دام قد اختار أن يتأسس خطابه على قيم حداثية مغايرة، على أساس أن يكون الصاهر لهذه الاختيارات والمختبر لصدقيتها هو الحراك السياسي والدينامية المجتمعية، فمتى امتلك التيار قدرة على التعبئة والإقناع والتحشيد كان أقدر على تقديم مشروعه ومبادرته، ولا يكون العجز في ذلك مبررا للنكوص والارتداد إلى مواقع المصادرة والإقصاء.
الديمقراطية بمسلكيتها وآلياتها الإجرائية تبقى القناة الوحيدة لتصريف الخلاف على أساس أن يقبل الجميع بقواعدها التي تعطي للأغلبية أن تدير الشأن العام بمنطلقاتها وبرنامج عملها دون أن يعني ذلك مصادرة حقوق الأقليات .

الشريعة والقانون
تطرح هذه الثنائية مشكلة حقيقية عند التيار الإسلامي والعلماني، فبينما تشكل الشريعة ومفرداتها وأحكامها خطابا للحركة الإسلامية، يحذر التيار العلماني من هذا الخطاب ويعتبره تهديدا للديمقراطية وللقانون. والالتباس فيما يبدو يرجع أساسا إلى تحديد مفهوم الشريعة وكيفية مآلها إلى قوانين.

الشريعة: هي مجموع الدين الذي يستوعب ثوابت العقيدة وقيم التخليق وبواعث العمل والأحكام العملية، والشريعة بهذا المعنى لا تنصرف فقط إلى البعد القانوني والجنائي منه على الخصوص.

الشريعة: وعاء كامل يتضمن العقيدة والتعبد والأخلاق والأحكام. إن مثل هذا الفهم للشريعة يسمح ابتداء على التوافق على أرضية حد أدنى بين الطرفين، إذ لا اعتراض لدى العلماني على ما دون البعد القانوني والجنائي في الشريعة، وهي عند النظر والتحقيق أرضية واسعة بالنظر إلى منسوب الدين المتفق عليه من الطرفين على هذا المستوى.

أما الأمر الثاني: وهو مناط الخلاف والتنابذ، وهو ما يتعلق بالبعد القانوني في الشريعة. إن هذا البعد لا يمكن أن يؤول إلى ما نسميه اليوم قانونا حتى يكتسب شرعية اجتماعية وقبولا شعبيا. وما لم تتم هذه الشرعية وهذا القبول فهو يبقى في أحسن أحواله مجرد طرح فكري ينساب ضمن الدينامية المجتمعية ريثما تتحقق له شرعيته الاجتماعية. فالقانون لا يمكن أن يصبح ذا وظيفة إلزامية حتى يصير محل توافق وإجماع، وما دام البعد القانوني في الشريعة لم يقارب هذا المستوى فسيبقى مجرد خيار ضمن خيارات مطروحة في الساحة، يتوسل التيار الإسلامي كل وسائل الإقناع والتوجيه والتنشئة الاجتماعية في سياق ديمقراطي سلمي لكسب الشرعية الاجتماعية. وفي نفس السياق يمكن للتيار العلماني أن يتوسل أدواته الإقناعية لبث خطاب آخر، ومفاهيم أخرى، وأحكام قانونية أخرى ضمن دينامية مجتمعية يكون فيها للديمقراطية الحسم في اختيار أي المشاريع الفكرية والاجتماعية حازت الشرعية الاجتماعية للتحول من مجرد خيارات مطروحة في الساحة، ومبثوثة في المشهد الفكري والسياسي إلى قوانين اجتماعية تراضى عليها الشعب، أو أغلب شرائحه في دورة ديمقراطية محدودة ريثما يتم مراجعتها أو تعزيزها وتأكيدها في دورة جديدة.
بهذه الرؤية الفكرية يمكن أن نؤصل لتعددية فكرية وسياسية تحسم في موضوع الشريعة والقانون، وتعيد النظر في الإشكالية الدهرية التي لا زال العقل السياسي العربي محكوما بثنائيتها التقاطبية والتناحرية.

القيم والمشروع المجتمعي
للحركة الإسلامية رصيد من القيم المنبثقة من أصولها المرجعية، وللتيار العلماني قيمه المستمدة من خلاصة الكسب الفكري الذي آل إليه "العقل الكوني"، وبين قيم الطرفين مجتمع متردد بين هؤلاء وهؤلاء، فتشده أصوله وخصوصيته إلى القيم التي تدعو إليها الحركة الإسلامية، وتفرض عليه تحولات العولمة الانخراط في أنماط من العلاقات والقيم الحداثية التي يدعو إليها التيار العلماني.
لا يشك أحد أننا بالنظر إلى موضوع القيم بإزاء مشروعين مجتمعين متناقضين. لكن من المفروض أن يتعايشا تحت سقف واحد، إذ لا بديل عن التعايش إلا الاحتراب.

الدينامية المجتمعية تبقى أفضل طريقة لحسم موضوع القيم، والحراك الاجتماعي يبقى أقدر على البث بشكل عملي في هذا الموضوع، واختبار أي المشروعين أقدر على الصمود واستمالة الجماهير والوفاء بتطلعاتها وإشكالاتها الهوياتية.

غير أن هذا يطرح إشكالا واقعيا كثيرا ما نجد تعبيره في استنجاد أحد التيارين بثوابت الدستور ومقتضيات القانون لقطع الطريق على الامتداد القيمي لأحد التيارين. ولعل هذا هو ما يعكس حقيقة مجمل السجال القيمي بين التيارين على مستوى الشارع العربي والإسلامي.

ففيما يستمسك التيار الإسلامي بمقتضيات القانون المؤكدة على ضرورة منع كل ما يمس بثوابت الأمة ويتعارض مع الآداب العامة، وكل ما يستفز مشاعر المسلمين، يستمسك التيار العلماني بكل المقتضيات القانونية التي تدعو إلى حرية الفكر والإبداع، أو التي تمنع الانزلاق إلى مواقع الطائفية والفتنة، وتشهركل تلك المقتضيات سيفا مصلتا على الإسلاميين في سياق تأويلي وتوظيفي لا ينتهي.

الخلاصة في هذا الموضوع، والمخرج الفكري المؤسس للتعددية الفكرية والسياسية في هذا المحور ينبغي أن ينطلق من التمييز بين سياقين مختلفين تماما:

- سياق المس بالدين: واستهداف عقائده والسخرية بالقواعد المعيارية للنظام المجتمعي وهو الذي من شأنه أن يستفز مشاعر المسلمين ويدفعهم إلى رد الفعل، فنصير في حرب أهلية وفتنة مجتمعية لا سبيل إلى التحكم بنتائجها ومآلاتها. في هذا السياق ينبغي أن نؤسس لقواعد مستقرة في الضمير العالمي والإنساني تمنع التذرع بالحرية لتهديد أسس الاستقرار المجتمعي، دون أن يعني ذلك مصادرة الفكر الذي له، تعلّق إلى أدوات المعرفة والمنهج. فالنقاش الفكري المقترب من هذه الأدوات لا ينبغي أن يكون محرما حتى ولو كانت موضوعاته تتناول قضايا الدين بالمحاورة والمساءلة الشكية.
إن المقصود في هذا السياق هو الاستهداف والاستفزاز الذي يهدد وحدة المجموع ويسخر بالقواعد المعيارية للنظام الاجتماعي، ويسهم في خلق بؤر اجتماعية تهدد السلم والاستقرار المجتمعي. في هذا السياق بالذات يكون المنع مبررا ليس باستهداف حرية الرأي والتعبير، ولكن بالحفاظ على وحدة المجموع وقواعد التعايش الاجتماعي.
- سياق القيم المجتمعية: في هذا المستوى ينبغي تحريك الدينامية الاجتماعية فيه إلى أبعد مستوياتها، فيبادر كل تيار إلى طرح مشروعه القيمي وإقناع الناس به، والسعي نحو تغيير كل المقتضيات القانونية ذات الصلة بموضوع القيم لكن بالوسائل الديمقراطية المشروعة. فالشرعية الاجتماعية هي التي ينبغي أن يكون المعوّل عليها في حسم المشروع القيمي الذي يريد كل طرف أن يقنع المجتمع بتبنّيه.
بهذا التمييز بين السياقين نكون من جهة قد أسسنا لقواعد الاجتماع المجتمعي ومن جهة أخرى قعّدنا وأصّلنا لتعددية فكرية تحسم هذا الموضوع، وتجعل كل التيارات قادرة على الاشتغال من داخل هذا الفضاء مراهنة على توسّل أفضل الطرق للإقناع، راضية بمقتضيات الديمقراطية وبمآل الحراك الاجتماعي والسياسي، متحيِّنة دائما الفرص ضمن الدورات الديمقراطية المتاحة لإعادة التجربة، والسعي نحو التمكين للمشروع القيمي بعد إعادة ترتيب أولوياته وأسلوب عرضه على الجماهير.
ورقة عمل قدمت في مؤتمر "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني " الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في الفترة مابين 27-29 مايو 2006 - عمان - الاردن