A+ A-
الإسلام وحقوق الفرد
2006-05-28
يعتبر الإسلام نظاماً كاملاً ومتوازنا لكل شؤون الحياة،كما جاءفي النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.وبما أن الإنسان هو مدار التكليف فلقد اهتمت الشريعة الإسلامية بحقوق الإنسان بشكل واسع وشامل لعامة الناس دون تمييز،لأن هذه النصوص قائمة على عقيدة الإيمان بالله. وبذلك يخرج الإنسان من دائرة العبودية لغير الله تعالى. كما أنها ثابتة لا يمكن التلاعب فيها، وهي تتعامل مع الجميع بروح واحدة ودون تمييز.
قال الله تعالى:(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) [سورة الحديد:25].
لقد فرضت عقيدة الإسلام على الإنسان الالتزام بحقوق الإنسان بالمفهوم الواسع الشامل من خلال الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي.
قال الله تعالى:(إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) [سورة الانفطار:13-14].
فالبر والإحسان من أرقى قيم حقوق الإنسان، لذلك حذر الله تعالى كل من يتمادى بالفجور والاعتداء على حقوق الآخرين.
والأخلاق الإسلامية تلعب دوراً هاماً في تفعيل الإيمان بحقوق الإنسان. لأن الأخلاق أساس من أسس الإسلام،ولا يستقيم إيمان الإنسان إذا كان هناك تناقض وتعارض بين عقيدته وسلوكه. كما أنها تفرض على الفرد المسلم أن يكون نظيف القلب، خالياً من كل أشكال وألوان الحقد والكراهية.
وعليه فالمسلم محاسب على كل سلوك. قال الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره) [سورة الزلزلة:7-8].
ومن النصوص التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأٍ فتبينوا) [سورة الحجرات:6].
وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم ٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) [سورة الحجرات:11].
وفي خطبة الوداع قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): ( إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا).
كما أن العبادة تلعب دوراً هاماً أيضاً في قضية حقوق الإنسان فهي تهذّب النفس وتنهى عن الإيذاء. قال الله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [سورة العنكبوت:45].
والفحشاء والمنكر مصطلحان عامان يدلان على كل قولٍ أو عملٍ سيءٍ بحق النفس أو بحق الآخرين. ولم تقتصر النصوص على دائرة المسلمين بل شملت غيرهم لتحصنهم من الاعتداء عليهم. قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) [سورة الممتحنة:8].
والجدير بالذكر أنّ الشريعة الإسلامية جعلت مسؤولية الحفاظ على الحقوق مسؤولية ثنائية فالفرد مسؤول والسلطة مسؤولة، فلا يجوز أن تقوم السلطة بالتطبيق بينما الفرد لا يطبق والعكس صحيح أيضاً. قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [سورة التوبة:71].
وحقوق الإنسان في الإسلام منحة إلهية لا يحق لبشر أن يمنعها أو يمتهنها أو ينتقص منها إلا في حال قيام الانسان بتصرف يستدعي المحاسبة والرقابة، وكل ذلك يكون بموجب قانون وليس بهوى نفس.
كما أن حقوق الإنسان في الإسلام وسطية معتدلة ومتوازنة، فلا تطغى حقوق الفرد على حقوق الجماعة والعكس صحيح. وضابط ذلك التقوى، ذلك المفهوم الشامل الذي يجعل تصرفات المسلم تحت منظار المراقبة الذاتي.
إن التشريع الإسلامي بما يحتويه من نصوص شاملة وواضحة يعتبر دستوراً متكاملاً ومتوازناً لحقوق الإنسان.
وقد أعطى الإسلام الفرد حقوقاً مثل الحقوق التي أعطته إياه المدنية المعاصرة بل وأكثر بكثير ولكن ضمن قيود تتناسب والظروف الإجتماعية والبيئية التي يعيشها الفرد.
وجميع هذه الحقوق على تعدّدها ترجع إلى أمرين عامّين:
الأول: الحرية الشخصية.
والثاني: المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والأساسية.
الحرية الشخصية:المراد من الحرية الشخصية أن يكون الشخص قادراً على التصرف في شؤون نفسه وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه، على أن لا يكون في تصرفه عدوان على غيره.
ومن خلال هذا التعريف نستطيع حصر الأمر في الحريات الآتية:
حرية الذات، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التعليم. وضمان هذه الحريات والحقوق للفرد كفالة لحريته الشخصية، وهذا ما قرره الإسلام في شأن هذه الحريات.
وسأتحدث باختصار عن هذه الحريات والحقوق على النحو الآتي:
حرية الذات: ويقصد بها تأمين الفرد على ذاته أو نفسه من أي اعتداء، وذلك أن الإسلام حدّ حدودا ًبأوامره ونواهيه، وشرع لمن يتجاوز هذه الحدود عقوبات، بعضها مقدرة وهي الحدود، وبعضها موكول تقديرها إلى ولي الأمر وهي عقوبة التعزير، فلا جريمة إلا في تعدي حدود الله، ولا عقوبة إلا على وفق شرع الله.
حرية المأوى: فقد كفل الإسلام هذه الحرية فمنع النفي والإبعاد، ويمكن أن يعبّر عن هذا بحق المواطنة، كما جعل الإسلام حرمة للمسكن فلا يدخل بدون إذن.
حرية الملكية وحرية التصرف: لقد فطر الله تعالى الإنسان على حب المال والرغبة في الإحتفاظ به، وعلى محبة الأولاد والتعلق بهم، فالمال والأولاد مظهران من مظاهر زينة الحياة الدنيا ومتعة من متعها. فالواجب على الآباء والأمهات: القيام بتربية الأبناء والبنات تربية سليمة، قائمة على الخلق الحسن واتباع الفضيلة، وتوجيههم نحو الطريق السليم بما يوصلهم بر الأمان بعيداً عن التطرّف والتنطّع والتشدّد، وغرس محبة الناس في نفوسهم، والابتعاد عن أصدقاء السوء، ومراقبة تحركاتهم وتصرفاتهم وسلوكياتهم حتى لا يقعوا ضحية التوجيه الهدام، إن الأولاد أمانة في أعناق الأباء والأمهات، وهم فلذات أكبادنا، وزهرات حياتنا، فلنحرص عليهم ولنصنع منهم أدوات بناء لا معاول هدم، أدوات خير لا أدوات شر، ولنعلم أن الإصلاح يكون بالبناء لا بالهدم، بالحب لا بالكراهية والحقد، بالرفق لا بالقسوة، بالرحمة والشفقة والعطف لا بالشدة.

قال الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً) [سورة الكهف:46].
ويترتب على ذلك حق للإنسان في الإحتفاظ بالثروة التي اكتسبها؛ للإنفاق وقت الحاجة، مع مراعاة أن لا يطغى حب المال في الدنيا على القيام بالواجبات تجاه الله تعالى وتجاه الفقراء والمساكين، وإن حرية التصرف في المال تنبثق من ملكية الإنسان له. وللمال أهمية كبيرة باعتباره شريان الحياة وعمودها الفقري، ولذلك حرم الإسلام الإعتداء عليه بأي صورة من الصور. قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ٍ منكم) [سورة النساء:29] ويقول أيضاً: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم) [سورة المائدة:38].
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :( لا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب خاطر ). وهكذا تكتمل الحلقات في مجال المال بدءاً من توفيره إلى امتلاكه إلى حرية التصرف فيه، وتشديد العقوبة على من يعتدي عليه. ولا شك أن انتشار ظاهرة السرقة في مختلف أنحاء العالم راجع إلى عدم تطبيق حكم الله في هذا الشأن.
حرية العقيدة: لقد أقرّ الإسلام حرية الاعتقاد وترك لكل فرد الحرية التامة في اختيار عقيدته بناءً على ما يصل إليه عقله ونظره الصحيح، وذلك أن الإسلام جعل أساس التوحيد والإيمان البحث والنظر، لا القهر والإلجاء، ولا المحاكاة والتقليد.
ولكن بالنسبة للذين أسلموا أي المسلمين بالفعل، فإنه لا يجوز للمسلم أن يبدل دينه ويرتد عن الإسلام فهو ملتزم به أمام الله والشريعة. قال الله تعالى: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)[سورة البقرة:256] وقال أيضاً: ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [سورة يونس:99].
والإسلام جعل لغير المسلمين الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية في كنائسهم ومعابدهم، وجعل لهم الحرية في إتباع أحكام دينهم في المعاملات والأحوال الشخصية. والأصل في هذا قول الرسول  في شأن الذميين: ( لهم مالنا وعليهم ما علينا ). والجدير بالذكر أن جميع العهود والمواثيق التي كانت تعطى للمعاهدين كانت تقرن بالأمان على الأنفس والأموال. وأوضح نموذج على ذلك ما أعطاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لأهل إيليا في العهدة العمرية ما نصه:
(أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ملّتهم، لا تسكن كنائسهم، ولا ينقص منها، ولا من خيرها، ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم).
فالإسلام في تكوين العقيدة أطلق للعقل عنان النظر، وفسح له في مجال البحث والتفكير في الآيات الكونية والدلائل الساطعة. قال الله تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء) [سورة الأعراف: 185].
كما نعى القرآن الكريم في آيات كثيرة على من آمن بطريق التقليد لا بطريق البحث والنظر منها: قال الله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آبائنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون) [سورة الزخرف:22].
حرية الرأي: حرية الرأي والتعبير في الإسلام قضية كثيرا ما تطرح للنقاش والتساؤل خاصة من قبل الذين يرقبون الحركات الإسلامية، وتصاعد خطواتها نحو استلام الحكم في هذا البلد أو ذاك. هل يتيح الإسلام حرية التعبير للناس بشكل عام بغض النظر عن عقيدتهم؟ أم أنه يقصر هذه الحرية على أتباعه والمؤمنين به كمنهج حياة؟ وهل ستفتح الحركات الإسلامية التي تنادي بحرية التعبير الباب أمام هذه الحريات إذا تسلمت سدة الحكم؟ وحرية الرأي تطرح أيضاً ضمن مسألة الديمقراطية وموقف الإسلام منها. هل الإسلام ديمقراطي أم لا ؟ وهل يؤمن بالتعددية ووجود أحزاب ذات قواعد فكرية مختلفة ؟ ويتعجل بعض أبناء الحركات الإسلامية أحياناً بالتجاوب مع هذه التساؤلات فيلقون بأجوبة متناسبة مع ما هو مرغوب فيه الآن.
فمنهم من يقول أن الإسلام ديمقراطي أو أنه يقوم أساساً على التعددية الحزبية، وبهذا يوقعون أنفسهم في مأزق فلسفة لا يستطيعون التملص منها، فضلاً عن وضع أنفسهم في زواية الإتهام من قبل الآخرين. ونجد الإسلام من خلال النظرة الموضوعية المستقلة أنه نظر إلى هذا الموضوع من زاويتين إما ان يكون أمرأً دينياً أو غير ديني.
فإن كان الأمر غير ديني، فلكل فرد أن يبدي رأيه فيه حسبما يراه، ويعبر عنه بالوسيلة الميسورة له، وقد حدثت في صدر الإسلام وبعده عدة حوادث تدل على حرية الرأي وإقراره في هذه المواضيع: من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار على المسلمين في بعض الغزوات أن ينزلوا موضعاً معيناً، فسأله أحد الصحابة أهذا منزل أنزلكه الله؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.. قال الصحابي للرسول: ليس هذا بمنزل .... وأشار بإنزال المسلمين منزلاً آخر، وتحولوا. ومن ذلك أيضا: اختلاف أبي بكر وعمر في حكم الأسرى على مسمع من الرسول، وكذلك اختلاف كبار الصحابة في شأن الخلافة وكثير من الشؤون. وهذه حوادث مشهورة.
وأما في الأمور الدينية فلكل واحد أن يجتهد فيها، ويرى الرأي الذي يوصله إليه اجتهاده، ما دام في غير موضع النص، ورأيه في حدود أصول الدين الكلية ونصوصه الصحيحة: وذلك أن الإسلام جعل القياس أحد أصوله، ومصدراً من مصادر التشريع فيه، والقياس هو إلحاق الأشباه بالأشباه، والنظائر بالنظائر، لاستنباط الأحكام التي لم ينص عليها في الكتاب والسنة.. وفي هذا الإلحاق والإستباط مجال فسيح للرأي، ومتسع عظيم للنظر، وفي جعله مصدراً تشريعياً، اعتبار للرأي وتقرير لحقه.

وكذلك جاء في السنة أن كل مجتهد مأجور: إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران.فالمثوبة على الإجتهاد – سواء أدّى إلى خطأٍ أو صواب – دليل على تقدير الإسلام للرأي، وإقراره هذا الحق.
ويؤيد هذا ما ورد في كثير من النصوص من ذم التقليد والنعي على المقلدين الذين يهملون عقولهم ولا يحررونها من أسر التقليد، وما جاء على ألسنة كثير من المجتهدين من التصريح بأنهم ما اجتهدوا ليقلدوا، وأن آراءهم لأنفسهم وخطأهم عليها.
فليس في أصول الإسلام ونصوصه ما ينافي حرية الرأي بالمعنى الذي بيّناه، بل فيها ما يؤيّده ويقرّره، وأما ماورد عن ابن عباس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) وما ورد عن أبي بكر قوله : ( أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي ) فهو محمول على الرأي الذي يستند إلى مجرد الهوى ولا يعتمد على مصلحة عامة ولا على أصل ديني كليّ، وأما ما حدث في فترة من فترات تاريخ الإسلام من سد باب الاجتهاد ووجوب التقليد لأئمة معينين، فإن هذا ليس من مقتضى أصول الدين أو نصوصه وإنما هو علاج لجأ إليه المتأخرون سداً لباب الفوضى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، ولو وفق المسلمون إلى علاج تلك الفوضى ما كان في الإسلام مانع من الاجتهاد.

حرية التعليم:
نص الإسلام على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأعلى من شأن ومكانة العلماء ولم يسوّ بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون. قال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [سورة المجادلة:11].
قال الله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [سورة الزمر:9].
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) وفي رواية أخرى: (ومسلمة ) رواه ابن ماجة والبيهقي عن الصحابي أنس بن مالك (رضي الله عنه).

ويقرر الإسلام: أن كل علم يوصل إلى مصلحة دينية أو دنيوية فهو مطلوب وليس في تعاليمه ما يدل على أنه يضيق بعلم أو يقف في سبيل تعليم، بل إنّ في حوادث التأريخ دليلاً على أنّ المسلمين وسعت صدورهم وبلادهم مختلف العلوم وطبقات العلماء الذين ما وجدوا في غير الإسلام متسعاً لعلومهم ونظرياتهم، وإن ما نقل إلى العربية من علوم الفرس على يد ابن المقفع وأضرابه، وما عرّب من علوم اليونان في عهد المنصور والرشيد والمأمون، وما كان عليه حال العلم والتعليم في مدارس ومعاهد بغداد وقرطبة وسمرقند دليل على تقدير الإسلام لحرية العلم، وتأييده للتعليم ما دام يوصل إلى البناء والتعمير لا إلى الهدم والخراب. وكيف لا يتفق الإسلام وحرية التعليم، وأول أسسه أن يكون الإيمان عماده البرهان والحجة والنظر في ملكوت السموات والأرض، وهذا النظر يحتاج إلى مختلف العلوم ومعرفة كثير من النظريات والحقائق العلمية.

وكيف يكلف المسلمون بقوله تعالى: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل)[سورة الأنفال:60] إذا كان في الإسلام ما يقيد حريتهم في إعداد القوة بحظر البحث في أنواع من العلوم أو الفنون التي تتطلبها حاجات الإعداد في مختلف العصور.

التعليم بين الفرض العيني والفرض الكفائي:
يكون التعليم فرض عين في مجال العبادات وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية بحيث تؤدى على الوجه الصحيح، ويكون في مجال الأحكام الشرعية المتعلقة بمهنة وعمل الشخص حتى يكون تصرفه مشروعاً بعيداً عن الأمور المحرمة والمشتبه بها ليتجنبها، وحتى لا يقع فيها.
ويكون التعليم فرض كفاية في غير ما ذكر إذا قام به البعض سقط عن الآخرين،وهو ما يعرف بالتعليم التخصصي في جميع المجالات، فيقوم بهذه المهمة طائفة من المجتمع دون الطوائف الأخرى. قال الله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافةً فلولا نفر من كلّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [سورة التوبة:122].

والجدير بالذكر أن الإسلام حثّ على تعليم الذكور والإناث على السواء دون تفرقة بينهما، كما ورد في كثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، إلاّ أنّه وردت أحاديث نبوية تضمنت توجيهات على وجه الخصوص في وجوب العناية بالإناث والإهتمام بتربيتهن وتعليمهن.

ولقد شاركت المرأة العربية المسلمة في المسيرة التربوية والتعليمية منذء بدء الدعوة الإسلامية كأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنهما)، وأم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وزينب بنت عبد الله الأسد المخزومي، وأم عطية نسيبة بنت كعب الأنصارية وغيرهن.
لقد استمرت المرأة العربية المسلمة تشارك الرجل مشاركة فعالة في بناء المجتمع على جميع المستويات، وتساهم مساهمة كبيرة في الحضارة العربية الاسلامية. ولا ننسى ونحن نتحدث عن حق الفرد في التعليم أن نشير إلى أنّ الإسلام جعل التعليم مجانيا وإلزامياً لكل فرد وذلك من أجل القضاء على الأمية وظاهرة التسرب من المدارس، ونشير أيضاً إلى الدور الهام الذي تقوم به بعض المؤسسات العلمية الدولية والإسلامية في مجال العناية بالمستوى التعليمي والتربوي، ومحاولة القضاء على الأمية في كثير من المناطق، كمنظمة هيئة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم ( اليونيسكو)، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليكسو).

فالحقيقة الثابتة: أنّ الإسلام يقرر حقيقة حرية العلم، بل يجعل طلبه فريضة محكمة على كل مسلمة ومسلمة. وما يرمى به المسلمون من اضطهاد أنواع من العلوم في بعض العصور، فليس سببه أمراً في طبيعة الإسلام وإنما هو أمر في طبيعة بعض المنتسبين إليه.
وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام قرر الحق لكل فرد من أفراد المجتمع – بغض النظر عن العقيدة والجنس – في العلاج وتوفير الدواء وإنشاء المستشفيات والعيادات الصحية ودور الأيتام والملاجئ وغير ذلك مما له علاقة بالمحافظة على صحة المواطنين. كما أوجب الإسلام على ولاة الأمر توفير بيئة صالحة خالية من الأوبئة والأمراض الفتاكة، وعمل كل ما من شأنه توفير حياة هادئة للمواطن. بالإضافة إلى توفير فرص عمل لكل فرد من أفراد المجتمع.

الأمر الثاني: المساواة.
المساواة شعار من أظهر شعارات الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل الوجوه؛ فقد حقق الإسلام المساواة بين بني الإنسان بصرف النظر عن أجناسهم وألسنتهم وألوانهم، فالمرء بأصغريه – قلبه ولسانه – والناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.

ذلك أن الله لا يقوّم الناس حسب صورهم وأجسامهم وأموالهم، ولكن حسب ماتنطوي عليه قلوبهم من نوازع الخير، وما يقدمون من أعمال تنفع البلاد والعباد، فالناس جميعاً أبناء لأبٍ واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. فمجال التفاضل بينهم لا يرجع إلى انتمائهم لجنس من الأجناس، أو لشعب من الشعوب، أو لارتباطهم بمنطقة من المناطق وبلد من البلدان، ولكن بما انطوت عليه قلوبهم من معاني الخير، وما قدموه للإنسانية من خدمات على جميع المستويات.
قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبير)  [الحجرات : 13].
وقد رفع الإسلام لواء التقوى في ظل الله لينقذ البشرية من العصبية للجنس والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، والعصبية للبيت، وكلها من الجاهلية.

كما حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها ليقيم نظامه الإنساني في ظل راية واحدة: راية الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) رواه أبوبكر البزار في مسنده من حديث حذيفة.
وقال أيضاً عن العصبية الجاهلية: ( دعوها فإنها منتنة ) رواه الأمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله.

هذه المساواة التي أرسى الإسلام قواعدها، وشرع للناس حدودها بما يتفق مع الطبيعة البشرية سعد الناس في ظلها، وتحقق لكل فرد ما يصبو إليه من الخير والأمن والاستقرار والعدل والسلام. أما دعوة المساواة التي تتجاهل الطبائع البشرية والتي اتخذتها بعض النظم شعاراً لها، فقد أدت إلى نتائج عكسية، لأنها أهدرت قيمة الإنسان كأنسان، وعاملته كآلة خالية من العواطف والتطلعات التي تقتضيها طبيعته التي خلقه الله عليها.
إنً الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته. وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جميعهم أمام القانون سواء. وحادثة مثول الإمام على بن أبي طالب (رضي الله عنه ) مع خصمه اليهودي أمام القاضي شريح مشهورة.

وكذلك لا يميز الإسلام فرداً عن فرد في التمتع بالحقوق، فلم يجعل منزلة أو ميزة حقاً لأفراد أسرة معينة، لا يستمتع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له. ومهدّ السبيل لكل عامل. فكل مناصب الدولة من أمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها حق مشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسب أو عصبية. ينطق بهذا قوله صلى الله عليه وسلم لبني هاشم: ( يا بني هاشم لا يجئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13].
ومن النصوص التي تقرر مبدأ المساواة وتجعلها من شعائر الإيمان قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [سورة الحجرات:10] وقوله صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم). وفي كثير من الأحكام الشرعية تتحقق المساواة منها على سبيل المثال لا الحصر: الحج حيث يظهر الحجاج جميعا بلباس واحد عراة الرؤوس لا يلبسون مخيطا،وفي الصلاة: الجميع في صفوف متساوية، وفي الجنايات النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص. وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية شعار المسلمين في حربهم وسلمهم العدل والمساواة.

وأما بالنسبة للذميين والمعاهدين فكانوا يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وقوله – صلى الله عليه وسلم -: (من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة ).
وفي التاريخ الإسلامي أن غير المسلمين كانوا يطلبون حكم الإسلام لما كانوا يرونه من العدل والمساواة بين جميع الأفراد على اختلاف أديانهم وألوانهم، والشواهد على ذلك كثيرة ومشهورة.

المرأة ومبدأ المساواة:
لقد ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في المثوبة والأجر وجعلها كالرجل في كثير من الآيات منها: قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً) [سورة الأحزاب: 35].
وقوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض) [سورة آل عمران: 195].
وقوله تعالى: (للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساءِ نصيبٌ مما اكتسبن) [سورة النساء:32].
والجدير بالذكر أن الإسلام يقرر مبدأ المساواة الكاملة في الإنسانية وفي جميع الحقوق التي تتصل مباشرة بالكيان البشري المشترك بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق وبعض الواجبات حسب ما تقتضيه طبيعة المرأة وتكوينها الجسمي والتكاليف المنوطة بكل منهما.
حقاً إن الإسلام يرعى أنوثة المرأة الفطرية ويعترف بمقتضياتها، فلا يكبتها ولا يصادرها، ولكنه يحول بينها وبين الطريق الذي يؤدي إلى ابتذالها وامتهان أنوثتها. ويحميها من ذئاب البشر التي تتخطف بنات حواء.

ونستطيع أن نحدد موقف الإسلام من أنوثة المرأة فيما يلي:
1- إنه يحافظ على أنوثتها، حتى تظل ينبوعاً لعواطف الحنان والرقة والجمال. ولهذا أحلّ لها بعض ما حرّم على الرجال بما تقتضيه طبيعتها ووظيفتها كالتحلي بالذهب ولبس الحرير الخالص. وحرّم عليها كل ما يجافي هذه الأنوثة كالتشبه بالرجال في الزي والحركة والسلوك وغير ذلك.
2- يجعل الإسلام المرأة تعيش في ظل الرجل، فهي مكفولة النفقات ومكفية الحاجات.
3 – يحافظ على خلقها وحيائها ويحرص على سمعتها وكرامتها، ويصون عفافها من خواطر السوء وألسنة السوء.

ولتحقيق هذه الأمور فقد أوجب الإسلام عليها الآتي:
1- غض البصر والمحافظة على العفة والطهارة.
2- الإحتشام والتستر في اللباس والزينة دون إعنات ولا تضييق.
3- عدم إبداء الزينة الخفية إلاّ لزوجها ومحارمها الذين يشق عليها أن تستتر منهم استتارها من الأجانب.
4- التوقر في المشية والكلام، وعدم التبرج .
5- الامتناع عن الخلوة بأي رجل سوى الزوج والمحارم عليها. والامتناع عن الاختلاط بالرجال الأجانب إلا لحاجة داعية ومصلحة معتبرة وبالقدر اللازم.

والجدير بالذكر أن المرأة المسلمة في عصر النبوة والصحابة والتابعين كانت تلقى الرجل، وكان الرجل يلقى المرأة في مناسبات مختلفة دينية ودنيوية، ولم يكن ذلك ممنوعاً، بل كان مشروعاً إذا وجدت أسبابه وتوافرت ضوابطه الشرعية. وعليه ليس كل اختلاط ممنوعاً، كما يتصور دعاة التشدد والتضييق، وليس – كذلك - كل اختلاط مشروعاً كما يروّج لذلك دعاة التبعية والانحلال والتغريب.
والواجب على المرأة المسلمة الالتزام بخير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه الراشدين وأصحابه الغر الميامين.
والإسلام - بوضع هذه الضوابط والأحكام التشريعية - يحمي الرجل والمرأة من عوامل الانحراف، ويحمي الأسرة بشكل عام من أسباب التفكك الأسري.

وفي النهاية يحمي المجتمع كله من عوامل السقوط والانحلال. والمتأمل في خير الهدي يجد أن المرأة لم تكن حبيسة البيت ولا معزولة، بل كانت تشهد الجماعة والجمعة وصلاة العيدين في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والنساء كنّ يحضرن دروس العلم مع الرجال في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ويسألن عن أمور دينهن مما قد يستحى منه في حضرة الرجال، فطلبن تخصيص يوم لهن حتى يأخذن حريتهن في الأسئلة، وقد استجاب لهن الرسول صلى الله عليه وسلم فخصص لهن يوما من نفسه وعظهن فيه، كما هو مشهور. حتى أثنت السيدة عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم على نساء الأنصار، وقالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من التفقه في أمور دينهن).
وقد تجاوز هذا النشاط النسائي إلى المشاركة والمساهمة في المجهود الحربي المتمثل بخدمة الجيش والمجاهدين بما يقدرن عليه، ويتناسب مع طبيعتهن كالتمريض والإسعاف ورعاية الجرحى وإعداد الطعام وغير ذلك.
وقد عين عمر بن الخطاب في خلافته الشفاء بنت عبدالله العدوية محتسبة على السوق. وفي حياة الرسل والأنبياء – عليهم السلام - لا نشعر بهذا الستار الحديدي الذي يضعه البعض أمام المرأة.
وخلاصة الأمر: أن اللقاء بين الرجال والنساء في حد ذاته ليس محرما ًبل هو جائز إذا كان القصد منه المشاركة في هدف نبيل، من علم نافع أو عمل صالح، أو مشروع خير، أو غير ذلك مما يتطلب جهوداً متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاوناً مشتركاً بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ.
حقوق أخرى للأفراد تتصدر المنهاج الإسلامي منها:
1- صلة الأرحام وحقوق الجيران: فمن السنن الإلهية المودعة في فطرة الإنسان الإرتباط الروحي والعاطفي بأرحامه وأقاربه، وهي سنة ثابتة يكاد يتساوى فيها أبناء البشر. ولقد راعى الإسلام هذه الرابطة ودعا إلى تعميقها في الواقع وتحويلها إلى معلم منظور، وظاهرة واقعية تترجم فيها الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية وعمل ميداني. وقد قرن الله تعالى بين التقوى وصلة الأرحام في قوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً) [سورة النساء:1].

وذكر صلة القربى في سياق أوامره بالعدل والإحسان في قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون) [سورة النحل:90].

وجعل قطيعة الرحم سبباً للعنة الإلهية فقال: (فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) [سورة محمد:22-23].

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلة الأرحام في جميع الأحوال، وأن تقابل القطيعة بالصلة حفاظاً على الأواصر والعلاقات، وترسيخاً لمبادئ الحب والتعاون والوئام، فقال:( إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها ).

وقال أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه - : ( أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصل رحمي وإن أدبرَتْ ) إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الشأن.
وبالنسبة لحقوق الجيران فقد جعل الإسلام لرابطة الجوار دوراً كبيراً في حركة المجتمع التكاملية فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد رابطة الأرحام، إذ للجوار تأثير متبادل على سير الأسرة، فهو المحيط الإجتماعي المصغر الذي تعيش فيه الأسرة.
وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام المسلمين بمراعاة حق الجوار والسعي إلى تحقيقه على أرض الواقع، وركز - عليه السلام - على ذلك باعتباره من وصايا الله تعالى، فقال: ( ما زال جبريل – عليه السلام – يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ).

ومن أقوال عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم: ( الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم).
إن حسن الجوار من الأوامر الإلهية التي تجب مراعاتها والحرص عليها، وليس هو كف الأذى فحسب؛ وإنما هوالصبر على الأذى من أجل إدامة العلاقات وعدم حدوث القطيعة، إلى جانب تفقد أحوالهم وحاجاتهم امتثالاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع ) وفي رواية وهو يعلم، إلى غير ذلك من النصوص المشهورة بحق الجيران.

مما تقدم يتبين لنا أن الإسلام يقدم منظوراً واقعياً لحقوق الإنسان في تشريعاته، منسجماً مع الفطرة الإنسانية، وثابتاُ في التصور الإيجابي. حيث حدد الحقوق بأوامره ونواهيه الشرعية، وحدد الكيفية،والضمانات التي يتم بها تأكيد تلك الحقوق وإبرازها، وبين الأداة التي يناط بها إقامتها.
وهذا كله بخلاف ما تقرر في الفكر الغربي الرأسمالي، الذي ربط مصدر الحقوق وتشريعاتها بمبدأ الحرية، وترك الأمر لكل قادر لنيل حقوقه بناءً على مايراه من مصلحة، ثم قيدها بالقيود الخيالية،عند الاضطرار لذلك كالتأكيد على أن الحقوق والحرية الفردية تنتهي حين تبدأ حقوق الغير، أو التأكيد على عدم تدخل الدولة إلا عند انتهاك الحريات، وجعل مسؤولياتها الرئيسة حماية الحريات دون رعاية الشؤون، مما يجعل الحقوق في الغالب أمراً نظرياً، لا أثر له في الواقع، نظراً لعدم إمكانية الإتفاق حول المصلحة، ولوجود الأثرة والنزعة الأنانية لدى الكثير مما يؤدي في النهاية إلى سيطرة القوي على الضعيف، وسطوة القادرين على الضعفاء، ووضع التشريعات من قبل الرأسمالية لخدمة مصالح طبقتهم وحدها دون مراعاة حقوق سائر أفراد المجتمع.
إن حقوق الإنسان في نظر الشريعة الإسلامية هي حقوق ترتبط بالغاية الكبرى من مقصود التشريع الإسلامي، وهي تحقيق عبودية الخلق لله عز وجل، وحفظ مقاصد الشريعة في الوجود الإنساني والتي هي المحافظة على ضروريات وجود الإنسان والتي حددها علماء الأصول: بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، فضلاً عن حفظ حاجيات هذا الوجود بوضع أحكام العلاقات الإنسانية في سائر المعاملات، ومن ثم حفظ تحسينات الوجود الإنساني من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

وبهذا البيان لاختلاف التصور والتنظيم والممارسة للحقوق في الشريعة الإسلامية عن المنهج الغربي والفكر الغربي يظهر خطأ ما يردده العديد من المفكرين والكتاب بأن هناك تشابهاً بين حقوق الإنسان الطبيعية في الغرب، وحقوق الإنسان في نظر الشريعة الإسلامية، فالأمر المقررأن الحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند على التكريم الإلهي للإنسان وهو منحة من الله تعالى، ويرتبط بعبودية الإنسان لله تعالى، وانصياعه لشرعه واتباعه لهدي الرسول
محمد صلى الله عليه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ورقة عمل قدمت في مؤتمر "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني " الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في الفترة مابين 27-29 مايو 2006 - عمان - الاردن