A+ A-
الدين والدولة، اشكالية أو مشكلة
2006-05-27
يبدو أننا ما زلنا مدعوين إلى تحرير محل النزاع والبدء من حيث دعانا ارسطو، أي من التعريف دون ضرورة إلى الالتزام الصارم بالترسيمة الآرسطية لحدود ورسوم المفاهيم، التامة أو الناقصة، بناء على لائحة الكليات الخمس التي رتبها ارسطو، ذلك إن هناك منطقا داخليا في حركة القضايا والمفاهيم، يضفي عليها درجة من النسبية المتفاوتة، تجعل المنطق الصوري قاصرا عن الإحاطة المعرفية بمكوناتها والجهد المعرفي به. وعليه فيمكن التعريف من دون الوقوع في محذور التنميط أو التمكين في الترسيم الارسطي، مع إمكان الاستعانة بالتعريف بالقسمة الثنائية حسب الوصفة الآرسطية وفي حدود...
وبناء على ذلك فإن ما نحن بصدده، أي الدين والدولة هو إما مشكلة أو إشكالية؟ مشكلة أي مسألة ذات أبعاد موضوعية محايدة، مشكلة حدود مثلا بين دولة ودولة، تحل وتنتهي غالبا بالاتفاق وتوقيع الطرفين، أو إشكالية، كإشكالية الصراع العربي الاسرائيلي، الذي تتداخل أبعاده، أو محدداته الموضوعية مع إبعاد ذاتية تأتي من جهة اليهود والمسألة اليهودية والصهيونية، ومن جهة حركة الاستعمار وأنظمة مصالحه والقيم والأفكار التي سوغته، ومن جهة النظام العربي المعرفي والسياسي القديم والجديد، وتعقيداته وإعاقاته، ومن جهة الشتات الفلسطيني وما ترتب عليه من تعقيدات وصعوبات الخ، ما يعني أن أي حل لها ليس بإمكانه أن يكون نهائياً إلا إذا انتهى احد طرفيه، – وهذا هو معنى الإشكالية تقريبا – فالحل مع التحفظ من قبلي، هو تسوية لا بد لها من تسوية لاحقة ... والفاصل الزمني بين تسوية وأخرى، وفي الحالات الإشكالية يتسع ويضيق تبعا لموازين القوى ونسبة الغلبة، وما من احد يملك أو يستطيع إقفال المسألة الإشكالية التي تتراكم محدداتها على تاريخ طويل، وتحتاج إلى تاريخ أطول لحلها حلا نهائيا، لأنها تعيد إنتاج ذاتها على ثوابت ومتغيرات دائمة وذات طابع جدلي.
في مسألة الدين والدولة، التي لا تكفي ولا تناسبها الفتوى الدينية أو الفتوى العلمانية، بما تعني الفتاوي في هذه الحال من تبسيط لا بد من ملاحظة كونها مسألة بين المتدينين عموما، والمتدينين من حملة المشروعات السياسية الدينية خصوصا، وبين العلمانين عموما، والشموليين من العلمانيين خصوصا، تمييزا لهم عن الديمقراطيين الذين يترجمون علمانيتهم بمفهوم مدني موسع، يتسع للجميع بين متباينات يراها العلمانيون المحض تناقضات لا واسطة بينها ولا حل لها إلا بإلغاء نقيض لحساب نقيضه، أي وجود أو عدم، من دون رمادي (واسطة بالمعنى المنطقي)، كما هي حال الدولة والدين في بعض الخطابات أو الكثير منها.
لو كانت هذه المسألة من قبيل المشكلة، أي أن الغلبة فيها للموضوعي والملموس، بعيدا عن الذاكرات والأحلام والمشاعر، لكان بإمكاني الآن أن انتحي جانبا علمانياً شمولياً لنوقع معا عقدا للفصل بين الدين والدولة، بين الدين الإسلامي – اختصاصي – وبين الدولة، ورسم الحدود النهائية بينهما في مقابل الإسلاميين الذين يلغون الحدود بين الدين والدولة ويماهون بينهما، وفي المضمون لا يبنون على أي مائز بين الدين والسياسة، وبين العبادة والسياسة بصريح القول .. وان قلت لهم هاتوا برهانكم قالوا : إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) شكل الدولة في المدينة وترأسها عندما واتته الفرصة في تحقيق أدواتها ومستلزماتها (الأرض – الدستور – المؤسسة السيادية) وإن العهد الراشدي في سلوكياته العامة كمدرك شرعي للاستدلال، كان امتداداً للعهد النبوي، إذ ما كان بعده مشكوكا في شرعيته أو مقبولا به كأمر واقع وعلى مضض، منتهين إلى التعامل مع الدولة كفريضة دينية يتساوى إنكار ضرورتها مع الكفر الذي يحل به القتل، ويحكمون الحصار حولك وحولي، سنيّا بدولة الخلافة التي لا شكل لها في حدود المتاح الآن وغدا إلا الدولة السلطانية على غير مثال العهد الراشدي الخاضع للنقاش، بلحظ عدم وجود آلية واحدة لانتقال السلطة وتعيين الخليفة، وشيعيا بالدولة الولائية، ولاية الفقيه العادل نائب الإمام المعصوم، كمصطلح مستحدث من زمن الاضطرار إلى تكييف العلاقة مع السلطة الغصبية في غيبة الإمام، ما تطور ببطء شديد في القرون المتأخرة، إلى ولاية الفقيه العامة والمطلقة، في مقابل الولاية المحدودة على الأمور الحسبية، وفي حدود آحاد من الفقهاء إلى بداية القرن الماضي، ومع موعد الثورة الدستورية تم فقهيا تأهيل ولاية الأمة على نفسها وتشريع الدولة التعددية الديمقراطية، والانتخاب كمرجح وكطريق لتعيين الحاكم الذي أصبح أشد قرباً فقهياً من الحاكم المدني، مع لحظ خصوصية الإسلام كثقافة وشريعة في حياة المسلمين وعلائقهم ونواظم اجتماعاتهم، وقبل أن تصبح الحركة الإيرانية المعترضة أساساً على سياسة النظام الشهنشاهي وتبعا على النظام في عهدة الإمام الخميني، كان هناك حراك إسلامي شيعي في مسألة الحكم والدولة، اتخذ شكل التنظيم الحزبي متأثرا في عمومياته النظرية بفكر الإخوان المسلمين وسيد قطب خاصة وكتاب (معالم على الطريق) تحديدا؛ مع انشغال دائم من قبل مفكري حزب الدعوة وعلى رأسهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر، في بلورة الخصوصيات الشيعية في المشروع، ما انتهى إلى تبلور خلاف فقهي سياسي بين تيار الدعوة وتيار الإمام، دفع الحزب إلى التحول في خطابه إلى تأجيل مشروع الدولة، واعتبار الدولة المدنية التعددية على أساس الديمقراطية هي الأطروحة الحاضرة، ما يفسر دخول الحزب في مجلس الحكم الانتقالي العراقي على تعقيداته في بداية الاحتلال ومواصلة المشاركة في العملية السياسية والبناء المرتبك للدولة مع إلحاح حزبي على المشاركة والاستئثار أكثر الأحيان وعلى أساس سياسي صرف، وان الدكتور ابراهيم الجعفري قد أصرّ على التمسك برئاسة الوزارة.
إذن.. فقد انتهت ولاية الفقيه إلى العهدة الايرانية، وقامت الدولة على موجبها، ولكن ذلك لا يستطيع أن يغطي واقعاً أن المتحصل من التجربة الإيرانية حتى الآن، هو أن هناك دولة مدنية إسلامية، دولة حديثة بمؤسساتها وطرق تشكيلها، رغم الاختلاف على الأداء المتأني من مركزية الفقيه في هذه الدولة، ما يرقى بالمسألة إلى مستوى التناقض الذي يجري الصراع من أجل حلّه، إما بغلبة احد الطرفين على الآخر، وإما ببروز تيار معتدل يقوم بتسوية ريثما تتيح التطورات والتراكمات عودة أخرى إلى الصراع على معطيات جديدة بين الإصلاح والمحافظة.
وإذا كان لنا من عبرة نستلهمها من هذه الوقائع في المشهد الإيراني، فهي أن الدولة الحديثة، بناء على أن الدولة أمر وشأن متغير، يمكن تكييفها إسلاميا، أي اعتبارها دولة إسلامية، مطابقة للإسلام من دون أن تكون هذه المطابقة خالية من التعقيدات والمشاكل والتوترات أو مجافية للخصوصيات، وعودا على بدء أقول:
أن بإمكاني أن أسعى للخروج من الحصار من خلال الدخول في سجال فكري وتاريخي مغاير وناقض لدعاوى المماهاة بين الدين والدولة. بالبدء من شاهد تاريخي في صحيفة المدينة التي رتب الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيها نسقا لتعددية الاجتماع في ظل الدولة، أي فصل العقيدة عن السياسية، بجعل السياسة ( الدولة ) مشتركا جامعا وحاضنا، وجعل العقيدة متحدا وناظما ثقافيا مرتكزا إلى أن الدولة ضرورة اجتماع ليس إلا، وإذا ما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة معه وبعده، قد تصدوا للدولة، فإنما كان تصديهم من موقع الالتزام بضرورتين:
ضرورة الدولة من جهة (لا بد للناس من أمير برٍّ أو فاجر). وضرورة المعرفة في تشكيل الدولة من جهة أخرى، كجزء من الأهلية العلمية والكفاءة التي لا بد أن تكتمل بالشروط المسلكية والأخلاقية (عدالة الحاكم) وأهل المعرفة والإدارة والسياسة في ذلك الزمان، أو تلك الأزمنة، إنما هم الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته والتابعين وتابعي التابعين من دون اعتراض مبدئي ومن دون تسليم بصدقية مفهوم الصلاح كتعميم، ولو كان في المسلمين أو معهم غيرهم من أهل الأديان والثقافات بحيث يصل التعدد إلى مستوى من التوازن او التكافؤ العددي لكان للمسألة نصاب آخر كنصاب الدولة الشورية التعددية التي تحترم الإسلام كدين وشرع وكمكوّن ثقافي، وتحترم الأديان الأخرى باعتبار مصدرها التوحيدي الجامع فضلا عن الوحدة الإنسانية، وباعتبارها أيضاً مكوّناً ثقافياً أساسا لجماعاتها وداخله في تكوين ثقافة المسلمين، كما هو الإسلام مرشح لدخول وداخل في تكوين ثقافة أهل تلك الأديان في مناطق الشراكة ( لبنان وبلاد العرب مثالا) وحينئذ لم تكن الدولة الجامعة لتجد سوى المفهوم أو الصيغة المدنية، أي الصيغة الجامعة لأهل المدينة بما هي مطابقة للتعقيد الحضاري في نظام الحياة وعلائقها، والتي تعتبر الدولة دولة أفراد لا يدخلون إلى نسيجها، وحقوقهم عليها وواجباتهم إزاءها من قنوات الجماعات الدينية أو المذهبية، على أساس أن مشروع الدولة هو مشروع خلاص دنيوي محكوم بقيم دينية، والجماعة ليست ضمانة خلاص إلا بقدر ما ينعكس مشروع الدولة خيرا عليها من دون افتئات على غيرها ... أي بالديمقراطية السياسية التي تمت أو تتمدد إلى المستوى الاجتماعي – العدالة على أساس الحرية أو الحريات الناظمة في الإنتاج والتداول والتبادل .. ويمكنني هنا أن أؤكد فردية الخلاص الدنيوي حتى نسقط حجة الطائفية السياسية الزبائنية، اؤكده بفردية الخلاص الأخروي، الذي وحده يناسب عدل الله المطلق الذي به يتم التوحيد حسب كلام أهل الكلام الإسلامي مناهل العدل:
(وكل إنسان ٍ ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامةِ كتاباً يلقاه منشوراً، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ً) [الإسراء: 13-14] (فلا أنساب بينهم يومئذ ٍ ولا يتساءلون) [المؤمنون آية 101]. (ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ً) [مريم: 80 ]، (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ً) [مريم: 95]، ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مره) [الانعام: 94]، (من يعمل سوءً يجزَ به) [النساء: 123]، يوم يفرّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه) [عبس: آية 24].
والا كيف تضمن كفاية الولاء الشكلي من دون التزام أخلاقي ومسلكية عادلة لأهل البيت عليهم السلام ولعلي بن أبي طالب الذي خاطب مالك بن الاشتر عندما ولاه على مصر قائلا : "ليكن أحب الأمور إليك" أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، ولا تكونن عليهم سبعا ضارياً، تعثم اكلهم، فهم صنفان، فإما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق " وما معنى الدولة المدنية ؟ وما معنى الفردية ؟ التي لا تنقض الجماعة ولا تقوّضها ولا تضمّها، إنْ لم تكن هذه المساواة القاطعة التي جعلت التناظر في الخلق في قوة الأخوة في الدين مدركا ملزما بالعدل، يضع الحاكم تحت مسؤولية المحكوم باعتباره أجيرا كما في تعبير الإمام على .. وكيف تضمن التأسي والإتباع للخلفاء الراشدين وفيهم ومنهم عمر بن عبد العزيز المثال الساطع للعدل والعدالة والذي بدأ تطبيق العدالة في منزله ليعيدها إلى الأسرة الحاكمة ثم إلى الناس، وقد أثر عنه انه كان قبل الخلافة يشترى له الثوب بألف درهم فيستخشنه، وبعد الخلافة بدرهمين فيستلينه، وابتدأ حكمه بمساعي الوحدة مع العلويين والخوارج حوارا واعترافا بالمختلف حتى دفع حياته ثمنا للتعددية التي رآها، وقرر الالتزام بمقتضياتها، ملتقيا مع الذي حسم أمره بالقول: " لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ."
إذن فالاختلاف لا يخرج المختلف من النصاب العام، اما القتال فكل التأريخ وكل الفقه يشهد بأن عليا كان في موقع الدفاع دائما باحثا عن التسوية راضيا بها، ولو على حساب مشروعة الخاص الذي يسحبه في مقابل المشروع العام، ويبقى متمسكا بصوابه وارجحيته نظريا. محكما المعايير " لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصة " وكيف يرضى عدل الله او يتسع او يوسع الجنة لشاه إيران وصدام حسين ويضيقها على الأم تريزا ؟ لو كان يرضى فإن بينوشيه وبول بوت وميلوسوفيتش سوف تقر عينهم بعدل يرجح القاتل على المقتول والعياذ بالله !!!
وإذا ما كانت ولاية الفقيه كأطروحة للدولة الدينية في المسار الإسلامي الشيعي، مقابل دولة الخلافة السلطانية في المسار الإسلامي السني، إذا ما كانت ولاية الفقيه مسألة خلافية في الفقه الشيعي بسبب الخلاف على دلالة أدلتها والالتباس في لسان هذه الأدلة بين القاضي الولي في مصطلح الحاكم .. بالإضافة إلى الخلاف في مصدريتها والذي يقرره علم الحديث والدارية، فان الموقف المتحفظ أو الرافض لمعظم فقهائنا في التاريخ الطويل من هذه الأدلة، جعل فقهاء الشيعة الأمامية، بعد الغيبة الكبرى في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري 329 هـ، ينشغلون في تكييف علاقتهم الشرعية بالدولة، رفضا أو قبولا محدودين بحدود تقل وتكثر بين محطة وأخرى حسب مقدار العدل ومساحة الحرية المتاحة، من العهد البويهي إلى العصر العثماني مرورا بالعباسي في مختلف أطواره انتهاء إلى الأشد قسوة وجهلا في العهد السلجوقي، حتى العهدين الصفوي والقاجاري وصولا إلى البهلوي، على أساس أن لا دولة فقهية أي لا ولاية للفقيه في غيبة الإمام المعصوم، وان نيابة الفقيه العادل لا تتعدى المتفق عليه من الأمور الحسبية .. فإن الفقيه الإسلامي السني حسم أمره مبكرا ووصل مع الماوردي إلى تأصيل دولة التغلب شرعيا .. والماوردي في المناسبة كان الفقيه السياسي للدولة البويهية الشيعية مع وجود الكبار من فقهاء الشيعة ( العايد والمرتضى والطوسي ) وحتى إناطة مسألة تعيين الخليفة من حيث شرعيتها بأهل الحل والعقد، قد وصلت إلى حد تسويغ الغلبة أو التغلب وشرعنته، لان دائرة أهل الحل والعقد ظل العمل جاريا على تضيقها استيعابا للأمر الواقع إلى أن صار أهل الحل والعقد واحدا أحدا وقراره ملزم للجميع ومن هنا جاءت ولاية العهد في مقابل نص الإمام السابق على الإمام اللاحق لدى الشيعة ما شكل مصدرا للخلاف بين فرقهم : ما انقرض منها وما تبقى.
يقول الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه " نظام الحكم والإدارة في الإسلام متتبعا للمسألة في الفقه الإسلامي السني حيث" المعتبر في تعيين الخليفة هو إجماع أهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية " وقد اكتفى ببعضهم بمن اجتمع منهم في مركز الخلافة ( المدينة اولا) فإجماعهم شرط في صحة الخلافة ومنهم من لم يشترط اجماعهم ومنهم من اكتفى بخمسة ومنهم من اكتفى بواحد ... وهؤلاء جميعا "يذهبون إلى أن ليست لبيعة أهل الحل والعقد أية قيمة في ذاتها، إنما قيمتها في أنها كاشفة عن أن هذا الإنسان الذي تمت البيعة له معين من الله ورسوله خليفة لهما في الأرض، فوظيفة الإمام هي وظيفة الرسول تماما، غير أن الرسول يتعين مباشرة من الله، أما الإمام فيكون بتعيين أهل الحل والعقد .
وهذه المسلكية ليست موضع اتفاق الآن من أهل الإسلام السياسي الذي يتبنى مشروع الدولة الإسلامية، والأطروحة المعاصرة في هذا المجال تتعدى وتتخطى كل محددات الدولة السلطانية من العصر الأموي إلى العهد العثماني، لتجد مثالها التام والملزم في العهد الراشدي على أساس انه مبني على قواعد العهد النبوي وموصول به نهجا وتطبيقا في اشتراط الكفاءة والعدالة بصرف النظر عن آلية تشكيل الدولة. في حين أن هناك اتجاها فقهيا شيعياً يمهد لأطروحة الدولة المدنية من موقع معرفي لا يضعها في مقابل الدين أو على النقيض منه، بل يميز منهجيا بين الدين والسياسة من جهة، وبين الدين والدولة من جهة أخرى، ويقصر الولاية على الأمة، على الرسول والإمام المعصوم بشرط الحضور، ومع غيابه تصبح الأمة هي صاحبة الولاية على نفسها .. وهناك فقهاء يستخدمون مصطلح الأمة بمعناه الأدبي والتاريخي العام، أي من دون أن يصادروا حق الشعوب الإسلامية في إقامة دولها الوطنية على أساس أن الوحدة كمعادل موضوعي للتوحيد محفوظة في وحدة الاجتماع العام الذي يحفظ نصاب الوحدة في المتعدد ويحترم نصاب التعدد في الوحدة، ولا داعي لتجاهل حقيقة أن هناك فقهاء من السنة بدءا من محمد عبده ومرورا بعلي عبد الرزاق وانتهاء إلى مفكرين وفقهاء معاصرين، يلتقون مع الاتجاه الشيعي المدني في مساحة مشتركة تتسع يوما بعد يوم بالحوار وبالتبني الضمني أو الصريح على تحويل الاعتدال إلى مؤسسة جامعة تفاديا لمخاطر التطرف على الدين والدنيا معا .. هذا المسلك يتكئ على النص القرآني الذي يتكلم عن الاستخلاف وأن الخلافة لله تعني الحكم: (يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) "بناء على الأساس في آية الاستخلاف: (إنا عرضنا الأمانة على السمواتِ والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان)، إذن فالله هو الذي استخلف الإنسان ومفهوم هذه الخلافة في الإسلام أن الله أناب الجماعة البشرية في الحكم وقيادة الكون اجتماعيا وطبيعيا، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكمها لذاتها.
أتجنّب التعميم والإطلاق في قناعاتي أو في احتمالاتي، على أن ما عند الآخرين من القائلين بالدولة الدينية هي قناعات، أي احتمالات في النهاية، فليعفونا من الإطلاق والتعميم الذي ليس علما، بل يعطل العلم، مع احترامي الشديد ايران، ولكنها لم تكتمل بعد ولا يبدو ان اكتمالها ذاهب في اتجاه شمولي، أي المماهاة التامة بين الدين والدولة، لان مشكلة الإصلاحيين حتى لو غَلَبوا أو غُلِبوا، تعني أن مساحة الاتفاق على مشروع الدولة الدينية الناجزة، لم يكن اجماعيا لا قبل الثورة ولا في عهد الإمام الخميني ( قده ) أما الآن فمساحة الاعتراض تتسع في المجالين الديني والمدني معا.. وهذا من شأنه أن يثبت ما أردت الدخول منه للقول بأن المسألة إشكالية حتى في الوسط الديني، ما عدا طالبان والقاعدة، وحتى في وسط الإخوان المسلمين المثال المحتذى والمتجاوز. هناك كلام عن إشكالية المسألة وآخر النصوص الدالة على ذلك ميثاق الجماعة الإسلامية في بيروت، ومسلكية حزب الله في لبنان منذ أوائل التسعينيات مع قناعتي بأن التجربة في ايران قد أصبحت مضطرة إلى تجاوز نفسها، أي تطوير إطارها النظري ليساوق واقعها التنظيمي كدولة مدنية ويصل به إلى نهايته المنطقية بتحويل ولاية الفقيه من معتقد قابض إلى فكرة حاضنة وموضوعة على مسار تطوري في اتجاه مدني.
مطمئنا إلى أن حالنا في لبنان مثلا لن يؤول إلى سجال ما حول الدولة والدين، وإنّ بقي سجال الدولة والطائفة قائما إلى أن نتمدن مضمونا وشكلا، اؤكد ان التعددية الدينية والطائفية في لبنان، مهما تكن في نظر البعض نقمة فإن فيها نعمة، نعمة الزامنا والتزامنا بالدولة المدنية، ونحن مدعون إلى تخليص هذه النعمة مما يشوبها من نقمة - أي المزيد من الديمقراطية على حساب الطائفية - ريثما تزول وتبقى الطوائف كمتحدات اجتماعية متواصلة على نصاب وطني تحت سقف القانون.
مطمئنا إلى ذلك من دون إفراط لا يلبث أن يتحول إلى تفريط، أشكو عنائي من خطاب علماني شمولي، عقائدي، يتجاهل اشكالية المسألة، ويعتبرها مشكلة يمكن ان تحلها فتوى الفقيه او التعميم السياسي العلماني.
وتبلغ بي الصراحة حد الادعاء بأن النص التأسيسي الاسلامي، القرآن اولا، لانه قطعي السند، وان كان ظني الدلالة، ما يعني انه يتمكن معرفة القطعي معرفة متعددة ومتباينة أحيانا - أي غير ملزمة في المحصلة الا لمن يلتزم بها ( الزموهم بما ألزموا به أنفسهم) قاعدة في مجال الاختلاف الفقهي -.
والقرآن .. لا يصف دولة، بل وصف مجتمعا. واذا ما كان القرآن افق الفقه والفقيه فلا يجوز أن يتخطاه - أي أنه ليس من شأنه أن يصف شكل الدولة ولا طريقة تشكلها، بل يصف عدلها وجورها فيحث على العدل ويحرض ضد الجور، حتى اذا ما بلغ الجور مستوى نوعيا، ادرك الفقيه في الاجتماع وفي الطبقة السياسية المعترضة ليعملوا معا على التغيير، بموجب العدل والعدالة والتقدم، والحرية شرط الشروط وهنا يمارس الفقيه دوره في الصف الاول كفرد مواطن ومدني. وفي الاساس الفلسفي للمسألة أنّ الاجتماع بما هو متحدَّات ثقافية يدخل الدين في أساسها ثابت، بينما في الدولة متغيّر، والمتغيّر محفوظ في الثابت منهجياً، كما ان الثابت محفوظ في المتغير، ولكن من دون مشروع محدد سلفا، لان الدولة كضرورة اجتماع مفهوم متحرك تقدر بظروفها.
هل تكفي هذه المقدمات الطويلة للدعوة إلى اتفاق الآن على أن المسألة اشكالية لا مشكلة فقط، وهذه الاشكالية يمكن ان تنحل إلى سلسلة من الاشكاليات الفرعية، اشكالية الدين والدنيا، والفرد والجماعة، والدين والمدينة، اشكالية الدين كمكوّن ضروري أو تاريخي، اشكالية الدين كناظم ذاتي وموضوعي، اشكالية الديني والسياسي، والثابت والمتغير، المقدس والتاريخي، الماضي والحاضر، واسئلة المستقبل ،اشكالية الديمقراطية والعلمانية في كونهما وصفة جاهزة أو مفهوم رجراج ومفتوح على التأريخ والذاكرة والمكونات الخاصة للشعوب والاقوام، وسلة الاشكاليات هذه تقابلها سلة أسئلة منحدرة منها ..من قبيل السؤال عمن يضمن أن لا يتحول الفصل الباتّ بين الدين والدولة إلى دين علماني .. (لكل فيلسوف ميتافيزقاه الخاصة) هذا ما اختبره ماركس مبكرا. أليس تصرف الرئيس شيراك هو نوع من الدين ضد الدين؟ اذن فالعلمانية على خطر تحولها إلى عقيدة مغلقة، والعقائد لا تصنع الحضارة بل العقل هو الذي يصنعها، وللعقل معنى كوني وتكويني وإلا فهو ضد العقل، ومن قبيل السؤال عن ضرورة استنساخ تجربة الكنيسة مع الدولة التي تأسست المسألة فيها على مجمع نيقية ( 325هـ) والمصادر المتبادلة والمتوترة بين الدين والدولة، وسجلها على الاسلام الذي جاهر علماء كبار في تاريخه الطويل بأنه دين مدني ومنفتح على المدينة ينزل نصه عليها ولا ينزلها على نصه :
واذا كان مثالنا المتحذى هو تركيا وتونس فإني اتحفظ لأن الدولة العلمانية او المدنية هي مشروع نهوض ومعاصرة في العمق حسب الفرضية، ولا تكفي سلبية الدولة العثمانية ذريعة لاختزال الدولة المدنية او العلمانية بعزل الدين، للتقدم والمعاصرة والحداثة بمعناها المنهجي.
وإذا ما كنا جادين بالبحث عن حل فينبغي ان نكف عن التبسيط والثأرية والاستئثار، أي أن الحل يحتاج إلى الكف عن الكسل المعرفي، وإلى ورشة تعمل على المشترك بين حقول معرفية متعددة، والى كتلة فكرية تاريخية تعددية تبادلية في معرفتها ورؤيتها، وتكاملية تحسب حسابا للخصوصيات وتضبطها بالعام .. واكف عن حذري وأقول : قد يكون الحل في أن تنتج علمانيتنا أي ان تمارس نقداً منهجياً للعلمانية .. أما نقد الدين فهو لم يتوقف، والأكثر في علمائنا هم النقاد، والإجتهاد يعني ذلك وإلا فلا معنى له أو هو متوقف .. اما الفقة فهو احكام لموضوعات يلحقها التغير فتغير الاحكام تبعا لموضوعاتها من دون افتعال - أي بقوانينها الداخلية - وعلى اساس من جدل الاتباع والإبتداع، إلى ذلك فإن المستجد المعرفي والحياتي يدخل في آلية قراءة النص قراءة أخرى، مما يتيح تطبيقه على حالات مختلفة من دون الوقوع في التناقض او الغاء النص.
أقترح أن نبحث معاً في اطروحة لدولة مدنية لنحفظ بها ادياننا ومدننا ونلتقي بها على نصاب المواطنية.
ورقة عمل قدمت في مؤتمر "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني " الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية في الفترة مابين 27-29 مايو 2006 - عمان - الاردن